بواسطة omran

رسالة الى السيد رئيس الحكومة حول التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة

تحية طيبة و بعد، 

طبقا لمقتضيات الفصل 67 من القانون الأساسي عدد 53 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها وبالفصل 148 من دستور الجمهورية التونسية ، قامت هيئة الحقيقة والكرامة يوم 27 مارس 2019 بنشر تقريرها الختامي للعموم وبموقع الهيئة، كما سبق وأن سلمت التقرير إلى الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي يوم 1 جانفي 2019، وللرئيس الـأسبق لمجلس نواب الشعب السيد محمد الناصر يوم 28 فيفري 2019، و لرئيس المجلس الأعلى للقضاء السيد يوسف بوزاخر يوم 26 مارس 2019، ولجنابكم يوم 19 أفريل 2019.

وعلى الرغم من بذل تونس العديد من الجهود في الطريق نحو تعزيز الديمقراطية، فإن تفعيل الاصلاحات المؤسساتية لتفادي تكرار انتهاكات الماضي من انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان وجرائم مالية لا تزال قائمة الذات وفي حاجة إلى المزيد من الاهتمام والدعم، لا سيما في مجال استقلال القضاء ونجاعة العدالة والأمن الجمهوري ومكافحة الافلات من العقاب ومكافحة الفساد والقطع مع سياسات الحيف الاجتماعي والاقتصادي.

رئيس الحكومة يتسلم التقرير النهائي الشامل لهيئة الحقيقة والكرامة

هذا وقد وجب على الحكومة خلال سنة من تاريخ صدور التوصيات والمقترحات إعداد خطة وبرنامج عمل لتنفيذ التوصيات التي خلصت إليها هيئة الحقيقة والكرامة في تقريرها الختامي.كما نص القانون الأساسي عدد 53 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها على ضرورة انشاء لجنة برلمانية لمتابعة تنفيذ هذا البرنامج.

وعملا بالفصلين 67 و 70 من القانون نفسه، فإننا نهيب بكم:

1- نشر التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية في أقرب الآجال الممكنة كخطوة أساسية لمواصلة استكمال مسار العدالة الانتقالية.

2- اعلام الرأي العام بما اتخذته حكومتكم من خطوات لإعداد برنامج العمل الخاص بتنفيذ التوصيات.

و تقبلوا، السيد رئيس الحكومة، فائق الاحترام.

الجمعيات الموقعة:

  • الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان
  • جمعية القضاة التونسيين
  • المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب
  • الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين
  • الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية
  • جمعية عائلات الشهداء وجرحى الثورة، أوفياء
  • جمعية الكرامة
  • جمعية العدالة و رد الاعتبار
  • جمعية إنصاف قدماء العسكريين
  • التنسيقية الوطنية المستقلة للعدالة الانتقالية
  • الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية
  • التحالف التونسي للكرامة ورد الاعتبار
  • محامون بلا حدود
  • المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب
  • منظمة شهيد الحرية نبيل بركاتي
  • المركز الدولي للعدالة الانتقالية
  • هيومن رايتس ووتش
  • منظمة العفو الدولية
  • اللجنة الدولية للحقوقيين ICJ
  • مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان
  • انترناشيونل ألرت
  • لا سلام بدون عدالة
  • المرصد التونسي لأماكن الاحتجاز
  • مخبر الديمقراطية
  • المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

دورية دعم الرابعة: الهجرة غير النظامية

تحتل قضية الهجرة، مكانًا مهمًا في العلاقة بين البلدان المتقدمة والأخرى النامية، نظرًا لارتباطها بكل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ يدفع انهيار الأوضاع السياسية والاقتصادية الأفراد للهجرة من الدول النامية إلى تلك المتقدمة.
وتُعتبر قضية الهجرة غير النظامية من أهم القضايا الاجتماعية، التي لاتزال تُؤرِّق المجتمع الدولي، وهي مُشكلة شديدة الحساسية لكونها تمسّ جميع شرائح المجتمع، بحيث أصبحت الظاهرة لا تقتصر على الشباب خاصة الذكور منهم، بل أصبحت تمسّ فئة الإناث والأطفال أيضًا.

فالهجرة في حد ذاتها ليست بفعل سلبي أو غير قانوني، وهي فطرة إنسانية طبيعية وظاهرة ومشروعة، ومبدأ أساسي من مبادئ حقوق الإنسان، حيث نصت المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن لكل شخص حُرية التنقل والمغادرة لبلده أو العودة إليها، ولكن في ظل بزوغ مفهوم السيادة الوطنية تدخلت التشريعات لتضع كثيرًا من العقبات والعوائق أمام تنقل البشر من حدود لأخرى، ومن ثم تجريم ذلك الانتقال في حالة عدم استيفائه تلك المعوقات والعقبات.
ومع اتساع هوُّة الفجوة الاقتصادية بين دول شمال وجنوب المتوسط، كذلك مع ازدياد الصراعات المسلحة في إفريقيا والشرق الأوسط، وبما لا يدع مجالًا للشك أن أحداث الانتفاضات العربية التي انطلقت في عام 2010 وما أُطلق عليه «الربيع العربي» قد أنتج العديد من التطورات في ملف الهجرة وازدادت نسبة المُهاجرين من المنطقة العربية خاصة من سوريا واليمن والدول التي تشهد تحولًا عنيفًا أو مسلحًا، وتطورت ملامح المُهاجرين ولم تعد تقتصر على العاطلين والطبقات الفقيرة فحسب، وتواجد أصحاب الشهادات العُليا من أبناء الطبقة المتوسطة، كذلك ظهر التواجد النسائي والذي لم يكن موجودًا من قبل، كما ظهرت العائلات ‏كذلك، كما أنتج الفراغ الأمني الناتج عن تلك الصراعات رواج واستفحال ظاهرة تجارة تهريب المهاجرين في دول المصدر أو العبور كتونس وليبيا ومصر.
أما دول شمال المتوسط في أوروبا، فأدى صعود التيارات اليمينية المُحافظة، والتي هي بطبيعتها مُعادية للمُهاجرين وانتشار العمليات الإرهابية للجماعات الإسلامية المُتشددة (داعش) في أوروبا، كذلك الأزمات الاقتصادية المُتلاحقة، تجمعت كل تلك المعطيات لتجعل من الخيار الأوروبي الحالي خيارًا أمنيًا، وهو أن تنطلق حدودها من سواحل دول جنوب المتوسط بإقامة معسكرات قبول وفرز للاجئين والمهاجرين، أو بتطوير وتفعيل الجانب الأمني والتضييق على المنظمات العاملة في الإغاثة الإنسانية في حوض المتوسط، مما أدى إلى انسحاب بعضها من العمل بالفعل وتعرُض العاملين بها للمضايقات الأمنية والملاحقات القضائية خاصة في إيطاليا، كذلك العمل مع حكومات دول الجنوب على تغليظ العقوبات المحلية المُتعلقة بالتنقل أو التهريب.‏

ولكن في النهاية فالهجرة والتنقُل هي حق أصيل من حقوق الإنسان، ومهما فعل المُشرعون أو الساسة فإن الهجرة لن تتوقف، كما أن المعالجة القانونية والأمنية لهذا الملف لن تكون كافية، ويجب أن تكون المقاربة شاملة (حقوقية، قانونية، سياسية، اقتصادية، ثقافية، اجتماعية) لمُعالجة ملف الهجرة.
وقد حاول مركز دَعْم التحوُل الديمقراطي وحُقوق الإنسان (دَعْم) تناول هذه الظاهرة بالدرس، فقد نظم مركز «دَعْم» على مدار يومي 08 و09 ديسمبر 2018 بالاشتراك مع مركز «مدافع» ومنظمة «تاناروت» منتدى دولي حول «إشكاليات الهجرة غير النظامية على المستوى القضائي‎ ‎والحقوقي»،‎ ‎بمشاركة منظمات حقوقية من 10 دول. وكان ‏المنتدى ثريًا بمشاركة جملة من الخبراء في المنطقة.
والتي لم تختلف رؤيتهم عن ما سبق وكانت تلك هي جملة المقترحات والتي تم تبويبها حسب محاور المنتدى:

المحور الأول: تعريف الهجرة غير النظامية والآليات الحقوقية والقضائية على المستوى الدولي والوطني:
  • عدم تجريم الهجرة والعمل على تكريس مفهوم الهجرة الآمنة.
  • التأكيد على التمييز بين اللاجئين والمهاجرين التي تقوم بها كثير من الدول من أجل التملص من الالتزامات الدولية تجاه اللاجئين.
  • توفير الضمانات اللازمة لتكريس مفهوم الهجرة الآمنة من خلال وضع التزامات على الدول عبر حزمة من الآليات ‏والإجراءات والسياسات المناسبة.
  • العمل على زيادة الإنتاج المعرفي المُتعلق بقضايا الهجرة على المستوى المفاهيمي والقانوني والحقوقي.
  • تنقيح التشريعات لتصبح السُلطة القضائية المصدر الوحيد لإصدار قرارات الترحيل على ألا تتضمن إعادة المُهاجر إلى ‏موطنه الأصلي قسرًا.
  • حث الدول الموقعة على الاتفاقيات المُتعلقة بالهجرة للمُصادقة عليها وتفعيل بنودها‎ ‎وكذلك الدول غير المُوقعة على ‏التوقيع على هذه الاتفاقيات والمُصادقة عليها.
  • تشديد العقوبات المُتعلقة بمهربي المُهاجرين في التشريعات الوطنية المختلفة.
  • تفعيل آليات القضاء المحلي بما يُتيح التصدي لظاهرة تهريب البشر.
  • العمل على ملاءمة قوانين وضوابط الهجرة في التشريعات الوطنية لجعلها قابلة للتنفيذ ومُتطابقة مع الآليات الدولية ‏المعترف بها.
  • العمل على وضع مراكز الاحتجاز والإيواء تحت الإشراف القضائي.
  • العمل على عدم إبقاء المُهاجرين داخل مراكز الاحتجاز والإيواء فور استكمال إجراءات المُحققين المُتعلقة بطلبات الهجرة.
المحور الثاني السياسات الدولية للهجرة غير النظامية:
  • مساعدة دول الممر من قِبَل المجتمع الدولي خاصة المُتعرضة للنزاعات المسلحة.
  • ندعو دول العالم لتبني ميثاق مراكش بشأن «الهجرة الآمنة» واحترام بنوده كحد أدنى.
  • السعي لتوفير الأمن الغذائي للمُهاجرين.
  • العمل على عدم إعادة المُهاجرين إلى دولهم قسريًا.
  • العمل على رفع كفاءة الأفراد والمؤسسات العاملة في التحقيق في طلبات الهجرة بصفة مستمرة عن طريق التدريبات ‏اللازمة.
  • العمل على عودة مراكب الإنقاذ الموقوفة عن عملها، ودعوة المجتمع الدولي لدعم عودتها مع زيادة عدد تلك المراكب من أجل عمليات الإنقاذ، وإدانة الإجراءات التي تتخذها بعض الدول الأوربية «إيطاليا» والتي تتسبب في عرقلة ثم وقف عمليات الإنقاذ الدولية في وسط المتوسط .
  • العمل على وقف العمليات في أعالي البحر التي تستهدف إعادة اللاجئين والمهاجرين للدول التى فروا منها، العمل على عدم بقاء أو نزول المُهاجرين إلى الدول غير الآمنة.
  • العمل على تشجيع الإعلام على تبني خطاب حقوقي وإنساني فيما يخص قضية الهجرة والمُهاجرين مع التأكيد على نبذ العنصرية والتمييز وخطاب الكراهية في الإعلام.
  • العمل على إرساء حق النفاذ للمعلومة للمُهاجرين.
  • العمل على إنشاء شبكة أو تحالف يضُم الجمعيات والمنظمات المُشاركة في منتدى دعم الدولي مع أهمية تعزيز العلاقات بالمنظمات الحقوقية والإنسانية والقوى الأوروبية والدولية والحكومات المُساندة لحقوق اللاجئين والمُهاجرين والتى تدعو وتتبنى سياسات إنسانية تجاههم.
  • العمل على مزيد من إبراز عمل المنظمات المحلية العاملة في مجال الهجرة.
  • العمل على تشجيع الأدب والفنون الذي يتناول قضايا الهجرة والمُهاجرين وإبراز المعاناة البشرية المسببة لتلك ‏الظاهرة.

أخيرًا نتمنى من خلال هذا العدد أن نكون ساهمنا في إضافة معلومات مهمة وأفكار بناءة تُساعد المُهتمين والباحثين وصانعي القرار في إيجاد السُبل الملائمة لمعالجة ملف الهجرة معالجة عادلة وشاملة.
كما نتوجه بالشكر إلى شركائنا مركز مُدافع ومجموعة تاناروت اللذان لولاهما لما ظهر هذا المنتدى وهذا العدد بتلك الصورة نظرًا لما قدماه لنا من مُساعدات وتصورات في كافة مراحل الإعداد والتنفيذ، كذلك نتوجه بشكر خاص إلى الفنانة أسماء بشاشة والتي قامت بإهدائنا لوحاتها الرائعة لتكون شاهدة على ما كُتب داخل صفحات هذا العدد.

مفهومها:

إن الهجرة كمصطلح في حد ذاته لا يحمل معنى أو مفهومًا أو دلالة سلبية، على العكس من ذلك هو مصطلح يستدعي فكرة التبادل والتنقل في العالم، ولكنه أصبح اليوم مرتبطًا بالجريمة والخوف وعدم الأمان.
«الهجرة» في اللغة تعني الترك، وهي كمصطلح قانوني تعني ترك المواطن دولته التي ينتمي إليها ليستقر في دولة أخرى بشكل دائم أو مؤقت، فالفعل، يعكس حركة وتنقل الأفراد بشكل فردي أو جماعي. وهي قد تأخذ طابعًا جماعيًا وعلى نطاق واسع وهو ما يسمى بالمد الهجري.
والهجرة بما يعني تنقل أفراد إلى بلد غير بلدهم قد تكون شرعيَّة حينما تكون مطابقة للقانون النافذ، وسرية أوغير شرعيَّة أو غير نظامية، عندما تتم بالمخالفة للقانون المُنظم لدخول وإقامة الأجانب في الدولة المستقبلة.

نطاقها:

يُعرِّف فقهاء القانون الدولي الهجرة، بأنها مُغادرة الفرد لإقليم دولته نهائيًا إلى إقليم دولة أخرى. ومن هذا التعريف نجد أن فقه القانون الدولي قد اعتدَّ بنيَّة المُهاجر وعلى ذلك فإذا ترك الإقليم ونيَّتهُ العودة إليه بعد أي مدة كانت طويلة أو قصيرة فلا يُعتبر ذلك من وجهة نظر هذا الفقه هجرة.
وإن تعددت المسميات فهي كمُصطلح تُشير بشكل ضمني لحق الدولة في أن تحمي نفسها من وصول أعداد كبيرة من المُهاجرين. في الواقع، إن سيادة الدولة هي التي تُحدد مجال الهجرة السِّرية أو غير النظامية. فعن طريق قواعد القانون والقيود المفروضة على الدخول والإقامة والشروط القانونية لدخول سوق العمل، يُمكن تحديد نطاق عدم ال شرعيَّة. ففي عالم بدون قيود على الدخول والإقامة لن يعود هنالك معنى للهجرة غير النظامية. فهي كمصطلح لم يكن له وجود إلا بعد ظهور فكرة الدولة وحدودها السياسية ، فـ»الهجرة السرية» ليست سوى أحد الآثار للقيود المفروضة من طرف الدول حول حركة الشعوب، فهي قبل وجود هذه القيود ظاهرة طبيعية.

د. كريمة الطاهر امشيري
أستاذ مساعد بكلية القانون جامعة طرابلس

هجرة غير شرعيَّة أم غير مشروعة؟

بما أنه سبق وأشرنا أن الهجرة ظاهرة قديمة وطبيعية فهي إذن مشروعة لعدم مخالفتها مبادئ عُليا غير أنها صارت غير شرعيَّة بدخول التنظيم القانوني أو بتدخل المُشرِّع لتنظيمها بنصوص قانونية. «المشروعية» تعني ما كان مطابقًا للقانون الطبيعي وبخاصة العدالة المطلقة، أما «ال شرعيَّة» فهي ما كان مطابقًا للقانون الوضعي، فالمشروعية أعلى درجة من ال شرعيَّة فليس كل شرعي بمعنى قانوني هو مشروع، فقد يُشرِّع القانون للظلم وليس أدل على ذلك من أن بعض القوانين الوضعية تحمي الأنظمة الاستبدادية، وليس كل مشروع هو شرعي كما هو الحال بالنسبة للهجرة فهي كظاهرة مشروعة لكن بعض التشريعات جعلت منها غير شرعيَّة، لذلك نحن نُفضِّل استعمال مصطلح الهجرة غير ال شرعيَّة للدلالة على عدم قانونية الهجرة بالمخالفة للتشريعات النافذة في الدولة المُهاجر إليها، ولكن قد تكون هذه التشريعات غير مشروعة في ذاتها.
كما أننا نُفضِّل أيضًا مُصطلح السرية أو الخفية، ذلك أن عدم التسجيل في منظومة الوافدين أو سجلات المُقيمين الأجانب لم ينشأ عن نسيان أو سهو أو إهمال، بل عن إرادة واعية في كتمان الأمر، كما أن اختيار هذا المصطلح يجد تبريره أيضًا في أن المُهاجرين فيها يكونون في الخفاء، أو أن وجودهم سري داخل البلاد سواء منذ عبورهم الحدود أو في وقت لاحق لذلك.
في كل الأحوال، خفية أو غير شرعيَّة، هي محمولة على أنها خرق أو انتهاك للتنظيم والقواعد الإدارية التي تضبط تدفق المُهاجرين، فيُعد غير شرعي أو خفي كل دخول عن طريق الأماكن غير المخصصة لذلك أو خارج الساعات المقررة له، أو إذا تم الدخول دون المستندات الضرورية، فهي خرق مُتعمَّد لقيود قانونية وطنية بشأن دخول وإقامة الأجانب.

يُعرِّف فقهاء القانون الدولي الهجرة، بأنها مُغادرة الفرد لإقليم دولته نهائيًا إلى إقليم دولة أخرى. ومن هذا التعريف نجد أن فقه القانون الدولي قد اعتدَّ بنيَّة المُهاجر وعلى ذلك فإذا ترك الإقليم ونيَّتهُ العودة إليه بعد أي مدة كانت طويلة أو قصيرة فلا يُعتبر ذلك من وجهة نظر هذا الفقه هجرة

الهجرة غير النظامية وتهريب المُهاجرين غير النظاميين:

إذا كان مفهوم «الهجرة غير النظامية» مفهومًا عامًا يستوعب الحركة الدولية للأفراد عبر الحدود بالمخالفة لقوانين دولة العبور أو الدولة المستقبلِة، فإنه من المناسب أن نُفرِّق بين المُهاجرين السريين وفقًا لوسيلة الدخول للبلاد: فهناك المُهاجر السري المستقل الذي يعبُر الحدود بشكل فردي أو في مجموعة صغيرة من المُهاجرين معتمدة على قُدرة أعضائها الذاتية، وهناك وهي الأكثر خطورة وتطورًا، مجموعات المُهاجرين التي تعبُر الحدود بمعرفة وإشراف المُهربين والعصابات الإجرامية المتخصصة والتي تدخل في إطار الجريمة المُنظَّمة على نطاق دولي.
ويمكن أن نصف النوع الأول من الهجرة بـ»الهجرة غير النظامية البسيطة» وهي تلك الهجرة المتمثلة في المُهاجر المُستقل أو مع مجموعة صغيرة من المُهاجرين، لكن في المقابل، حينما يستعين المُهاجر بشخص آخر أو جماعة لقاء مقابل مادي، نكون أمام تهريب للمُهاجرين، وبناء على ذلك نعتقد أنه يجب ألا يُنظَر لتهريب المُهاجرين كمرادف للهجرة غير النظامية، بل كجزء من كلٍ أوسع وأعم، ذلك أنه إذا كان كلا المصطلحين يشيران لحركة عبور الحدود بالمخالفة للقواعد الإدارية المُنظمة لدخول وإقامة الأجانب، إلا أن العبور أو التنقل غير القانوني الذي يتم بمقابل مادي يُعتبر تهريبًا للمُهاجرين دون سواه.
بناء عليه الهجرة غير النظامية ليست مرادفًا لتهريب المُهاجرين، وإنما هو جزء منها فهي أوسع وأشمل، كلا المصطلحين يشير لحركة مرور وعبور للحدود بالمخالفة للقواعد الإدارية الخاصة بدخول وإقامة الأجانب، إلا أن المساعدة على العبور لغرض الحصول على الربح هي التي تُشكل جريمة تهريب.

أسباب تهريب المُهاجرين:

يتفق الجميع على أن حركة الهجرة غير النظامية ليست بالحديثة، لكن الاحترافية العالية والتنظيم الدقيق للمرور والتسلل هو الجديد في الأمر. إن التشدد في سياسة الهجرة وإغلاق الحدود مؤخرًا كان نتيجته أن أصبح اللجوء للمهربين أفضل الخيارات المطروحة فالمُعادلة كالتالي:
طلب هجرة متزايد نحو أوروبا كندا أمريكا + تشديد الشروط للدخول والإقامة = هجرة غير نظامية + تهريب للمُهاجرين.
هذه المُعادلة تقودنا للاستنتاج التالي:
إغلاق الحدود لا يضع حدًا للهجرة غير النظامية بل يزيد من قيمة المُهاجر كبضاعة قابلة للتهريب.

مدى سلامة المُواجهة الجنائية للظاهرة:

إذا كان تجريم سلوك ما من حيث المبدأ يُعد إجراءً مشروعًا مادام مُتناسبًا مع الغاية المستهدفة وهي الدفاع عن المجتمع، لكن قد يُصبح غير مُتسامح فيه إذا تجاوز غايته الأساسية أو أن تأخذ فكرة الدفاع عن المجتمع بُعدًا سياسيًا لا يتفق والفكر القانوني […] ففكرة الدفاع عن المجتمع لا يجب أن تطغى على بعض القيم الإنسانية الأخرى كالمُحافظة على الإنسان في كرامته.
لعل المعيار الثابت للجريمة المُتمثل في معيار الرفض وعدم القبول أي أن الجريمة هي دائمًا مرفوضة وغير مقبولة اجتماعيًا في مكان وزمان تجريمها ما يُرشدنا في تحليلنا لمسلك المُشرِّع بمختلف دول العالم في تجريم الدخول والإقامة غير المشروعة. فهل هذا التصرف يُقابلهُ رفض اجتماعي من قِبَل أفراد المجتمع هناك أو من قِبَل الأغلبية، وما هي القيم التي يمس بها؟

credit: international policy digest : Antonio masiello

بإسقاط ما سبق ذكره على موضوع البحث ومسألة تجريم الدخول غير الشرعي نجد أن هذا الفعل في أغلب المجتمعات حاليًا وإن كان يُشكل مخالفة للقوانين المنظمة لهذه المسألة إلا أنه لا يُثير رد فعل اجتماعي عنيف في مُواجهته مما يدفع بنا للقول إن المُشرِّع بتجريمه لهذا السلوك وإن كان له حُرية مُطلقة في ذلك إلا أنه تجريم لا مُوجب له.
إن القول بمواجهة المُهاجر غير النظامي بالعقوبات الجنائية باعتباره خطرًا يُهدد مصلحة المجتمع ولابد للمجتمع من الدفاع لحماية نفسه في مواجهة هذا الخطر لا نرى فيه سوى انعكاس للتصور الوضعي للدفاع الاجتماعي الذي يرى أن الدفاع الاجتماعي يهدُف في المقام الأول إلى حماية الجماعة بغض النظر عن أي اعتبار آخر، ففلسفته تقوم على القضاء على حالة الخطورة ولو بوسائل تعسُفية إذا دعت الحاجة، في سبيل المُحافظة على الدولة وعلى المجتمع، فالسياسة الجنائية وفقًا لهذا الفقه الوضعي تقتضي إبعاد الخطر الإجرامي، بالاعتماد على مجموعة من الإجراءات الدفاعية المُختلفة، والتي تُسمى بإجراءات الأمان وهي إجراءات يُقصد منها ضمان حماية المجتمع بصفة خاصة ورئيسية.
إن هذه الصورة من صور التجريم ليست إلا تطبيقًا من تطبيقات نظرية العدو في القانون الجنائي، تلك النظرية المهجورة والتي بدأت تظهر من جديد من خلال تجريم سلوكيات المُهاجر غير الشرعي الذي يُمثل العدو المُهدد لأمن ومصلحة الجماعة.
إلا أن محتوى الأمن والمصلحة يكمن في مجموع قيم هذه الجماعة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أو غير ذلك، التي تُريد أن تحميها وتدافع عنها، فهذا المعيار الوحيد الذي يمكن الركون إليه في تحديد مشروعية الحرب من عدمها، وحينما تختفي القيم تختفي معها مشروعية المواجهة! وهذا يقودنا للقول إن المُهاجر يُعد عدوًا رغمًا عنه. أُعلنت الحرب ضده من الدول المُتقدمة غير أن سلاحها هنا القانون الجنائي وعقوباته الاحتجاز والترحيل قسرًا إلى بلده بدلًا عن القذائف والصواريخ.

كانت مصر – ولا زالت- مقصدًا للاجئين والمهاجرين من أفريقيا والشرق الأوسط وفى فترة من الفترات كان هناك العديد من المهاجرين الذين نزحوا من بعض دول أوروبا طلبًا للحماية قبل بلورة مصطلح اللجوء فى القانون الدولى. فقد أتى إلى مصر العديد من اليونان فرارًا من أهوال الحرب العالمية الأولى، وتبعهم الأرمن الذين فر بعضهم من مذابح العثمانيين فى نفس الفترة تقريبًا وأستقروا بمصر و لازال أحفادهم بمصر للآن. وربما بسبب التغيرات السياسية فى المنطقة وأيضًا بسبب تردى الأحوال الإقتصادية فى مصر منذ عدة عقود، أصبحت الهجرة من الجنوب إلى مصر سواء أكانت هجرة إقتصادية أو لجوء بالمعنى القانونى تعنى المكوث فى مصر لفترة قصيرة ثم الهجرة (سواء النظامية أو غير النظامية) إلى دول أوربا والولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك. وقد أصبحت مصر منذ نهاية عقد التسعينات (وذلك تزامنًا مع بدء الأزمة الاقتصادية فى مصر) هى دولة ترانزيت (أى دولة عبور) لا يوجد فى مخططات أى من المهاجرين إليها أية نية للإستقرار بها حتى وإن طالت مدة المكوث فى مصر. ومما لا شك فيه أن الغالبية ممن لجأوا إلى مصر هربًا من إضطهاد ما على أيدى أنظمتهم أو على أيدى ميليشيات أو قبائل…إلخ وهؤلاء أيضًا وإن كانت الحماية هى مطلبهم الأساسى، فإن حلم الإقامة فى بلد أوروبى قد يداعبهم من وقت لآخر ويدعم مخططات هؤلاء المهاجرين واللاجئين كون مصر دولة لا تمنح الكثير من المساعدات للاجئين على أراضيها، ناهيك عن المهاجرين الذين تمنحهم المنظمة الدولية للهجرة بعض المساعدات الضئيلة.

أشرف ميلاد
محامى وباحث

وإذا تحدثنا أولًا عن اللاجئين المسجلين رسميًا، فنحن نتحدث عن مواطنى ما يزيد عن 38 دولة بحسب إحصائيات مفوضية الأمم المتحدة للاجئين. لا يأتي معظم هؤلاء الى هنا ترفًا أو طمعًا فى فرصة إعادة توطينهم فى الولايات المتحدة الأمريكية أو أستراليا أو كندا، ولكن لأنهم قد يواجهون الموت أو الإعتقال فى بلادهم. هناك بالطبع العديد ممن يوصفون بالمهاجرين الإقتصاديين، ولكن ذلك لا ينفي أن السواد الأعظم من اللاجئين إلى مصر أتوا هربًا من الإضطهاد في بلدانهم الأصلية. ويبلغ تعداد اللاجئين الموجودين تحت حماية مفوضية اللاجئين بالقاهرة 228 الفًا و941 إنسانًا وفق تقرير مفوضية اللاجئين بالقاهرة يونيو 2018، منهم حوالي 130 ألفًا من السوريين، وما يربو على 37 ألفاً من السودانيين، بالإضافة إلى أعداد أقل من الأثيوبيين والإرتريين والصوماليين والعراقيين واليمنيين. حماية هؤلاء اللاجئين (وهو التزام مشترك بين المفوضية والحكومة المصرية وفقًا لمذكرة تفاهم أُبرمت بين الجهتين فى فبراير 1954، إلا أنه للأسف الشديد قد يخضع للتغيرات السياسية على الساحة ومدى علاقة مصر بالدولة الأم، وهو ما يظهر جلياً فى التعامل مع اللاجئين من السودان مثلًا، والذي تراوح ما بين الترحيب والترحيل. جدير بالذكر أنه لا يوجد أي تشريع فى مصر يقنن وضعية اللاجئين بإستثناء المادة الفضفاضة فى دستور 2014 والتى تجيز – ولا تلزم- قبول اللاجىء ولا تحيل إلى المعاهدات الدولية.

0
اللاجئين الموجودين تحت حماية مفوضية اللاجئين بالقاهرة
0
لاجئ سوري
0
لاجئ سوداني
من هم اللاجئون السودانيون؟

فى ظل توافد العديد من أبناء سوريا إلى مصر كلاجئين فى أعقاب أحداث 2011، أصبحوا يمثلون السواد الأعظم من نسبة اللاجئين المسجلين لدى المفوضية (حوالى 130 الف سورى من أصل حوالى 230 الف لاجىء مسجلين لدى المفوضية بمصر). ولكن بالرغم من ذلك، يبقى لاجئو السودان هم العدد الأكبر فهناك ما يربو على المليونى سودانى بمصر وفق احصاءات غير رسمية منهم من لم يتقدم بطلب لجوء أو أستنفذ كل فرص قبوله كلاجىء وتم إغلاق ملفه. وهناك عدة موجات من لجوء السودانيين إلى مصر، بلغت أوجها فى أعقاب إنقلاب البشير أواخر ثمانينات القرن الماضي. وكانت مصر دولة عبور (ترانزيت) بالنسبة لآلاف السودانيين الذين نزحوا من أرجاء السودان الأربعة (مشكلات النوبة فى الشمال بسبب سد «كجبار»، والحرب الأهلية مع الجنوب، ومشكلات قبائل «البجا» فى الشرق، بالإضافة إلى أزمة «دارفور» في الغرب التي تفجرت في العام 2003). حينذاك، تمكن 80% ممن حصلوا على اللجوء في مصر من الإستفادة من فرصة إعادة التوطين بإحدى الدول الثلاث (الولايات المتحدة، أستراليا، كندا). ثم وبحلول 2004، أقدم مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين على حزمة من الإجراءات تمثلت فى تطبيق إتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية 1969، التي توسعت فى تفسير حالات اللجوء. وأدى هذا إلى إرتفاع نسبة المقبولين كلاجئين فى مصر مع التقليل من فرص إعادة التوطين. مع ظهور أولى إرهاصات المصالحة بين شمال وجنوب السودان، جُمّدِت مقابلات تحديد صفة اللاجىء (Refugee Status Determination) لأبناء السودان، علاوة على التقارب بين النظامين المصري والسوداني والذي أعقبه تعاون أمني شديد وتضييق على المعارضين والنشطاء السودانيين بمصر، مما أدى إلى حالات التسلل إلى الحدود الإسرائيلية وإلى ظهور عصابات من بعض القبائل بالسودان وبعض البدو السيناويين، ليتطور الأمر من التهريب إلى الخطف وطلب الفدية، أو الإتجار بالأعضاء البشرية. بالنسبة للاجئي السودان، فإن مصر تعتبر وجهة سهلة وقريبة لهم (حيث يشترط القانون الدولي أن يكون اللجوء إلى أقرب بلد آمن بالنسبة للاجىء ما لم يكن هناك ما يحول دون ذلك)، وذلك لسهولة التنقل عبر الحدود الشاسعة بين البلدين وبعضها مناطق تصعب السيطرة عليها من قبل حرس حدود الدولتين. تنص المادة 31 من إتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين على عدم معاقبة طالبي اللجوء إذا دخلوا بلد اللجوء بشكل غير نظامي، وتقوم مفوضية اللاجئين بالقاهرة بالتواصل مع إدارة الهجرة والجوازات المصرية لتقنين إقامات من دخلوا البلاد تسللًا عبر الحدود. يتجمع كثير من السودانين فى منطقة «عزبة الهجانة» حيث عمل العديد من أسلافهم في الجيش المصري («كتيبة الهجّانة» أي راكبي الجمال). ولكثافة تجمع السودانيين في هذه المنطقة توصف أحيانًا وبشكل خاطئ بـ»مخيمات اللاجئين السودانيين بمصر».


ولاجئو السودان هم من مختلف القبائل والأقاليم السودانية، وكان هناك العديد من المعارضين الشماليين ومن أبناء الجنوب (قبائل الدينكا والشلوك والزاندي والباري والبلاندة، إضافة إلى جبال النوبة) نزحوا الى مصر فى أعقاب الحرب الأهلية 1983، كذلك أبناء شرق السودان من قبيلة البجا (أعضاء في حزب سياسي بإسم «مؤتمر البجا»). وبدءًا من مارس عام 2003، نزح إلى مصر الآلاف من أبناء إقليم «دارفور» فرًا من عمليات القتل الجماعى والنهب المنظم التي قامت بها القوات الحكومية بمساعدة ميليشيات «الجنجويد». وحتى عام 1995، كانت عملية نزوح السودانيين الى مصر تتم بشكل لا يستلزم دائمًا التقدم إلى مفوضية اللاجئين، حيث كان المواطنون السودانيون معفيون من شرط الحصول على إقامة. ولكن فى أعقاب محاولة إغتيال الرئيس مبارك فى أديس أبابا 1995، أُلغي هذا الإعفاء ووُضعت قيود على إقامة السودانيين بمصر، مما إستلزم تقدمهم للحصول على اللجوء خوفًا من الترحيل القسري الذي كانت تقوم به السلطات المصرية للسودانيين الذين لا يحملون إقامة فى البلاد.
وباستثناء منطقة عابدين التي تقع فى قلب القاهرة، فإن أبناء السودان عمومًا يتجمعون فى أطراف المدينة. ومنطقة عابدين تاريخيًا هى منطقة مفضلة لأبناء النوبة من السودان ومصر حيث عمل العديد منهم فى قصر عابدين الشهير في أيام الملكية حين كانت مصر والسودان تتبعان التاج الملكي المصري. إلى أن حصلت السودان على إستقلالها عام 1956. يتجمع العديد من السودانين فى منطقة «عزبة الهجانة» أيضًا حيث عمل العديد من أبناء السودان في الجيش المصري (كتيبة الهجّانة، أي راكبي الجمال). ولكثافة تجمع السودانيين في هذه المنطقة توصف أحيانًا وبشكل خاطئ بـ«مخيمات اللاجئين السودانيين بمصر» (كما أثناء زيارة أنجلينا جولي للمنطقة!).
ويواجه اللاجئون عمومًا، والسودانيون على وجه الخصوص، تحديات جمة. فلا يمكنهم الإعتماد على الدعم المقدم من الشركاء التنفيذيين لمفوضية اللاجئين بالقاهرة، بسبب نقص الموارد. كما أن الأزمة الاقتصادية العاصفة بالبلاد، والتعسف الأمني، والبيروقراطية، والموازنات السياسية. تحول جميعًا دون توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للاجئين وطالبي اللجوء فى مصر. حتى أن بعض رجال الشرطة لا يعترفون ببطاقة الإقامة وقد حدث أن مزقها رجل الشرطة مطالبًا اللاجئ بجواز السفر. والأصعب من ذلك هو أن يُطلب من اللاجئ خطاب من سفارة بلده الأم لإستخراج تصاريح الزواج. وفى مجالات أخرى، كالصحة، لا يستطيع اللاجىء محدود الموارد توفير 50% من تكلفة علاجه، بما أن شركاء مفوضية اللاجئين يتكفلون بالباقي. وفى مجال العمل، لا يحصل اللاجىء على أية إمتيازات بل يعامل معاملة الأجنبي في الحصول على تصريح العمل.

الهجرة غير النظامية

تزايدت حالات الهجرة غير النظامية إلى أوروبا من شواطىء فى جنوب البحر المتوسط، لعل أهمها تلك التي تقع فى مصر وليبيا. وهذه الأخيرة هي أكبر قاعدة لإنطلاق مراكب الهجرة غير النظامية، حيث أنه بعد 2011 أصبحت الميليشيات تحصل على الأموال مقابل السماح للسفن التي تحمل المهاجرين بالإنطلاق شمالًا إلى شواطىء إيطاليا. وقد شجع ذلك العديد من المهاجرين على التسلل من مصر إلى ليبيا عن طريق الحدود البرية (مدينة السلّوم) ثم الإنطلاق لأوروبا بمخاطر أقل، لأن السلطات المصرية وخفر السواحل أكثر تشددًا في منع إنطلاق هذه الرحلات. وفى مصر، بدأت موجات الهجرة غير النظامية فى التزايد منذ صيف 2013 منطلقة من مرافىء مدن بورسعيد، وكفر الشيخ، ودمياط، والأسكندرية ومرسى مطروح والبحيرة.
حدثت عدة حوادث غرق لهذه السفن غير المجهزة لحمل تلك الأعداد الكبيرة من المهاجرين، بلغت أوجها بغرق مركب «رشيد» الشهير سبتمبر 2016، حيث توفي 204 مهاجر من أصل 500 على متن المركب المنكوب، مما حدا بالسلطات المصرية إلى إصدار «قانون الهجرة غير الشرعية» والذي صادق عليه البرلمان المصري بالإجماع.
بدأت السلطات المصرية والمنظمات الدولية العاملة في مصر برصد التنامي المطرد لأعداد الذين يحاولون مغادرة البلاد عن طريق البحر بشكل غير نظامي. وفي أغسطس 2013، قامت السلطات المصرية بالقبض على طاقم وركاب مركب كان يغادر أحد موانىء مدينة الأسكندرية، ثم توالت حالات القبض على المهاجرين. كانت حالة الفوضى والإنفلات الأمني منذ ذلك التاريخ فرصة للمهربين، ناهيك عن محاولات العديدين الهرب من مصر فى تلك الظروف، وخاصة من بين اللاجئين السوريين الذين أدركوا خطورة الموقف في البلاد فعرضوا مبالغ كبيرة على المهربين لإخراجهم من مصر إلى أوروبا عن طريق البحر. وقد أفادت التقارير الدولية لمفوضية الأمم المتحدة للاجئين والمنظمة الدولية للهجرة بأن السلطات المصرية قد إحتجزت في الفترة من أغسطس 2013 إلى أكتوبر 2014 ما يربو على 6800 مهاجر غير نظامي عبر الموانىء المصرية، وتعود أصولهم إلى سوريا وغزة والسودان والعراق والصومال وأريتريا، بالإضافة بالطبع إلى عدد من المصريين. وهؤلاء الأخيرين يفرج عنهم من النيابة فور عرضهم عليها، ولكن الأمر يختلف بالنسبة لذوي الجنسيات الأخرى الذين يتم إحتجازهم لفترات قد تطول إلى عدة أشهر بحسب الإجراءات المصرية التى تفرض، فى حالة القبض على الأجانب، العرض على الأمن الوطني وإدارة الجوازات. وقد ينتهي الأمر بترحيل الشخص المقبوض عليه، بل وفي بعض الأحيان يتم ترحيل أشخاص تقدموا بطلبات لجوء لمصر. وفي هذه الحالات تقوم مفوضية اللاجئين بمخاطبة السلطات المصرية للإفراج عن المحتجزين، عملًا باتفاقية 1951 التي تحظر تسليم اللاجئين أو طالبي اللجوء إلى بلدانهم الأصلية.

وفقًا للقانون الدولي، فإن السلطات الأوربية – بعد إتمام عمليات الإنقاذ – تقوم بتجهيز مأوى مؤقت لهؤلاء المهاجرين، إلى أن يتم إتخاذ الإجراءات القانونية معهم لجهة إستجوابهم أو إجراء مقابلات تحديد الوضع، والتى تقصد تبيّن ما إذا كانوا بالفعل طالبي لجوء أو مهاجرين إقتصاديين.

وفقًا للقانون الدولي، فإن السلطات الأوربية – بعد إتمام عمليات الإنقاذ – تقوم بتجهيز مأوى مؤقت لهؤلاء المهاجرين، إلى أن يتم إتخاذ الإجراءات القانونية معهم لجهة إستجوابهم أو إجراء مقابلات تحديد الوضع، والتى تقصد تبيّن ما إذا كانوا بالفعل طالبي لجوء أو مهاجرين إقتصاديين.
تعمل السلطات الأوروبية قدر الإمكان على تجنب وصول هؤلاء المهاجرين إلى شواطئها كي لا تجد نفسها أمام الأمر الواقع وإلتزاماتها الدولية والإنسانية التى تحتم إستقبالهم. ويقول أحد المقبوض عليهم في إحدى هذه الرحلات أن قائد المركب، عندما يصل إلى المياه الإقليمية لإيطاليا، يرسل اشارة إستغاثة. يُقى القبض على قائد المركب لأنه لا يتمتع بالحماية القانونية التى قد يتمتع بها المهاجرون، وهو بالتأكيد ليس طالب لجوء. وقد بدأت دول أوروبا فى عقد إتفاقيات مع دول جنوب المتوسط، مثل مصر، من أجل إستيعاب المهاجرين الذين تتم إعادتهم إليها بعد رفضهم كلاجئين، كما في دعم مصر من أجل تغليظ العقوبات على القائمين على هذه الهجرة من المهرّبين، حيث يتوسع القانون الذي صودق عليه في 2016 في توصيف حالات الهجرة غير النظامية. وتصل العقوبات في حال الإدانة إلى غرامات توازي عشرات الآلاف من الدولارات والسجن لفترات طويلة مع إمكان مصادرة المركب.
يذكر أنه لم تتم حتى الآن حالات إعادة مهاجرين إلى مصر، ويعتقد أنه سيتم فقط إعادة الحالات غير معروفة الجنسية، حيث يعمد الكثير من المهاجرين غير النظاميين إلى تمزيق جوازات سفرهم كي لا تتعرف السلطات فى بلد الوصول على جنسية المهاجر فتعيده إلى بلاده فى حالة ثبوت عدم إنطباق شروط اللجوء عليه. وهي مهمة عهدت بها دول الإتحاد الأوروبي إلى وكالة أنشأتها وهي The European Border and Coast Guard Agency (Frontex)، التي تحقق مع المهاجرين المرفوضين بغية التعرف على بلادهم لإعادتهم إليها.

الضغوط لاستقبال المهاجرين العائدين

منذ تنامى ظاهرة الهجرة الغير نظامية مع الألفية الجديدة والتى أصبحت كابوسًا يهدد حكومات أوروبا، وقد بدأت بعض الحكومات فى التعاون – مجبرة – على سبيل المصالح مع نظام القذافى فى ليبيا من أجل سيطرة الأسطول الليبى على سواحله لمنع الهجرة من موانىء الجماهيرية، وقد إتفقت ايطاليا وحدها مع نظام القذافي في عام 2008 على دفع مبلغ 5 مليار دولار تعويضًا لليبيا عن فترة إحتلالها للأخيرة مقابل تعهد القذافى بحماية شواطىء ايطاليا من المهاجرين غير النظاميين. وبسقوط نظام القذافى فى 2011، أصبحت ليبيا منصة إنطلاق للهجرة الغير نظامية حتى أنه وفقًا لإحصاء مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، فإن أكثر من 80% من رحلات الهجرة الغير نظامية أصبحت تنطلق من ليبيا، وكانت مصر – حتى عام 2016 – منصة أخرى لإنطلاق هذه الرحلات مما حدا بدول أوروبا للبحث عن حل جذرى سواء مع ليبيا أو مع مصر، فكان إقتراح مصر أن يتم دعم حكومة وحدة وطنية فى ليبيا لبسط سيطرتها على الشواطىء الليبية ومن ثم تحد من الرحلات الغير نظامية. كما إقترحت مصر أيضًا أن يتم عمل مشروعات لإستيعاب العمالة فى شمال مصر كمصانع تعليب الأسماك…الخ، ولكن للأسف لم تجد دول اوروبا هذا الحل ناجزًا فبدأت فى التفاوض المشوب بالضغوط على مصر لإنشاء منصات لإستقبال المهاجرين العائدين من أوروبا وهذا ما رفضته وترفضه مصر حتى الآن.
نجحت دول أوروبا فى السيطرة على مدخل أوروبا الشرقى عن طريق عقد إتفاق مع تركيا لإنشاء منصة لإستقبال المرفوضين كلاجئين فى 2016 وكانت الخطة أن يتم تكرار هذا النموذج فى مصر والمغرب لكى تتم السيطرة على مسالك المهربين إلى أوروبا، ولكن قوبل العرض بالرفض التام من قبل مصر والمغرب رغم سياسة العصا والجزرة التى إعتمدتها دول أوروبا فى مفاوضاتها، فمصر كانت ولا زالت ترفض أن تقيم مخيمات للاجئين أو المهاجرين على أراضيها وذلك لإعتبارات أمنية واقتصادية وكذلك المغرب. وعوضًا عن ذلك قامت مصر فى أعقاب حادث غرق مركب رشيد 2016 بسن قانون الهجرة الغير شرعية مغلظة العقوبات ومستخدمة هذا القانون ونتائجة كورقة تفاوض مع الجانب الأوروبى فمصر تكرر دومًا إنه لم تخرج أية مركب من سواحلها بشكل غير شرعى منذ العام 2016. وبالرغم من أنه من الصعب إثبات أن القوارب التى تخرج إلى اوربا لم تغادر من مصر إلا أن الواقع العملى يؤكد سيطرة الدولة المصرية على سواحلها وهذا هو ما تعتمد عليه فى رفضها للإقامة منصة للعائدين.

غرق مركب "رشيد" في سبتمبر 2016

كانت زيارة مفوض الأمم المتحدة السامى للاجئين «فيليبو جراندي»إلى مصر فى يناير 2019 محاولة لإيجاد حل لتلك الحالة المذرية التى بقى عليها اللاجئين العالقين بمصر ونجمت الزيارة عن توصيات لم يعلن عنها الكثير، ولكن من الواضح إنها كانت فى سياق أمنى للتباحث مع الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى. وفى أعقاب الزيارة بشهر أصدرت المفوضية تقريرًا عن أن 80% من اللاجئين بمصر يعيشون فى فقر مدقع، ويتزامن هذا بالطبع مع تزايد الخدمات التى تقدمها الحكومات الأوربية للاجئين في مصر عن طريق التمويل المباشر وغير المباشر للهيئات التى تقوم بتقديم خدمات للاجئين (صحية و تعليمية وقانونية)، وذلك فى محاولة لتحسين أحوالهم بمصر آملين أن يؤدى هذا الى الحد من التفكير فى الهجرة الغير نظامية إلى أوروبا.
ولازال وضع اللاجئين والمهاجرين بمصر فى حاجة الى التحسن على كافة الأصعدة و هذا كفيل بأن يتجه غالبيتهم لخيارات الهجرة أيًا كانت، فالوضع فى مصر بالنسبة لهم أفضل من بلدانهم على الصعيد الأمنى نوعًا ما، ولكن يفتقدون لكافة مقومات الحياة الكريمة التى يطمحون إليها ولا يجدون حتى الآن أية بدائل مهما تحسن الوضع نسبيًا فى مصر، فبعض الذين قد هاجروا بطريق غير نظامى يرسلون أو ينشرون صروهم عن طريق وسائل التواصل الإجتماعى أمام بيوتهم التى تمنحها لهم الحكومات فى أوروبا وهذا بدوره، وفى ظل وضعيتهم البائسة فى مصر، كفيل بأن يداعبهم حلم الهجرة للخروج من مصر التى تتمثل لهم كمنطقة الأعراف بين جهنم بلدانهم التى مزقتها الحروب والنزاعات وبين جنة الحياة المرفهة فى أوروبا.

تمهيد

قبل الحديث عن علاقة جريمة تهريب المُهاجرين بتلك الجرائم الواردة بنظام روما الأساسي لا بأس من التذكير ببعض التعريفات الأساسية والمُتعلقة بمفهوم الهجرة أولًا وبتعريف جريمة تهريب المُهاجرين ثانيًا.

أولًا: تعريف المُهاجر:

لا يوجد تعريف عالمي مُتفق عليه لمصطلح (مُهاجر) غير أن هذا المُصطلح يشمل جميع الحالات التي يتخذ فيها الفرد قرار الهجرة بحُرية دون تدخل عامل خارجي قهري. (1)
علمًا بأن المنظمة الدولية للهجرة تتبنى تعريفًا مفاده أن الهجرة هي تنقل شخص أو مجموعة أشخاص سواء بين البلدان أو داخل نفس البلد بين مكانين فوق ترابه. (2)

خالد زيو
محام أمام المحكمة العليا وعضو أول مجلس وطني للحريات العامة وحقوق الانسان في ليبيا

ثانيًا: تعريف تهريب المُهاجرين:

يُمكن تعريف تهريب المُهاجرين بأنه تدبير الدخول غير المشروع لشخص ما إلى دولة طرف ليس ذلك الشخص من رعاياها أو من المقيمين الدائمين فيها، وذلك من أجل الحصول بصورة مباشرة أو غير مباشرة على منفعة مالية أو منفعة مادية أخرى. (3)

دور القضاء في التصدي لظاهرة تهريب المُهاجرين:

تبذُل الدول وخاصة دول المقصد جهودًا كبيرة لمواجهة تدفق المُهاجرين، ومع ذلك فإن هذه الظاهرة مستمرة وفي ازدياد، وربما يرجع عدم تحقيق النجاح في مواجهة الظاهرة إلى تلك التحديات التي تواجه جهود الدول. تحديات يمكن أن نُجمل أهمها (4) بعُجالة هنا وهي:
1 – انعدام الثقة المُتبادلة بين الدول والتمسك المُفرط بمفهوم السيادة.
2 – تنوع وتباين الأنظمة القانونية.
3 – انعدام أو ضعف قنوات الاتصال المُباشر بين الأجهزة المختصة في الدول المختلفة.
4 – تباين واختلاف الأولويات بين الدول.
5 – تحديات ثقافية ولغوية.
إضافة إلى هذه التحديات التي تواجه التعاون الدولي عمومًا في مواجهة ظاهرة تهريب المُهاجرين فإن هذه المكافحة ظلت تفتقر إلى أهم أدواتها وهو القضاء. وهو ما يتعذر معه القول بوجود مكافحة قضائية فاعلة في مواجهة عصابات تهريب المُهاجرين.
هذا العجز القضائي يظهر سواء على صعيد القضاء الوطني أو القضاء الدولي:

بالنسبة للقضاء الوطني:

تبدو الأنظمة القضائية الوطنية في دول المصدر وفي دول الممر أنظمة مُترهلة عاجزة تفتقد للفاعلية، هذا العجز فاقمت منه الطبيعة العابرة للحدود لجريمة تهريب المُهاجرين وانغلاق هذه الأنظمة القضائية أمام التعاون القضائي مع الأنظمة القضائية الأخرى لأسباب عدة من بينها التمسك بمفهوم كلاسيكي قديم لفكرة السيادة، فضلًا عن عدم تفعيل أنظمة تدريب وتكوين حقيقية للقضاة. وبالتالي فإن خُلاصة كل ذلك كانت مُكافحة هذه الجريمة.

وبالنسبة للقضاء الدولي:

يعرف القانون الجنائي الدولي نوعين من المحاكم (محاكم خاصة ومحكمة دائمة)
بالنسبة للمحاكم الخاصة(5) فهي محاكم تنشأ بمناسبة جريمة مُعينة مُحددة وقعت وانتهت وبالتالي فلا علاقة لهذا النوع من المحاكم بجرائم متجددة تتكرر فصولها مثل جريمة تهريب المُهاجرين، وهو ما يُحتِّم استبعاد هذا النوع من المحاكم من نطاق بحثنا هذا.
أما المحاكم الجنائية الدائمة فمثالها الوحيد هو محكمة الجنايات الدولية، والتي يُنظم اختصاصها وعملها نظام روما الأساسي، وهذه المحكمة يَحُول اختصاصها الموضوعي الضيق بينها وبين النظر في جرائم تخرج عن نطاق النماذج التجريمية الأربعة التي تضمنها نظامها الأساسي وتحديدًا في المادة الخامسة منه والتي جرى نصها كما يلي: (يقتصر اختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسي اختصاص النظر في الجرائم الآتية:
أ – جريمة الإبادة الجماعية.
ب- الجرائم ضد الإنسانية.
ج – جرائم الحرب.
د – جريمة العدوان.

أركان جريمة تهريب المُهاجرين:

تقوم جريمة تهريب المُهاجرين شأنها شأن أي جريمة أخرى على رُكنين مادي ومعنوي.
ويتمثَّل الرُكن المادي لهذه الجريمة في سلوك إجرامي يتخذ صورة من ثلاث، تهريب المُهاجرين أو تسهيل تهريب المُهاجرين، أو تمكين شخص من البقاء في دولة ما دون وجه حق.(6)
أما الرُكن المعنوي فيتمثل في القصد الجنائي باعتبار أن جريمة تهريب المُهاجرين هي جريمة عمدية لا تقوم بوصف الخطأ.(8)
مع ملاحظة أنه وفقًا لنص المادة السادسة من بروتوكول مكافحة تهريب المُهاجرين فإن قيام جريمة تهريب المُهاجرين يتطلب قيام قصد جنائي خاص ولا يكتفي بالقصد الجنائي العام.(7) ويتمثل القصد الخاص في اتجاه إرادة الجاني إلى الحصول على منفعة مالية أو منفعة مادية أخرى.

هل تختص المحكمة الجنائية الدولية بنظر جريمة تهريب المُهاجرين:

كما أشرنا فإن نظام روما الأساسي حدد أربع جرائم على سبيل الحصر تختص المحكمة بنظرها وهي جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة، وجريمة العدوان.
وعلى ذلك فإن القول باختصاص هذه المحكمة بالنظر في جريمة تهريب المُهاجرين إنما هو رهن بإدخال هذه الجريمة ضمن عباءة إحدى الجرائم الأربع المذكورة أعلاه.
ولعل أقرب النماذج الأربعة إلى جريمة تهريب المُهاجرين هو نموذج الجرائم ضد الإنسانية ولذا سنُركز بحثنا فيما يلي على تتبع أركان وشروط وتفاصيل هذه الجرائم مُقارنة مع جريمة تهريب المُهاجرين لبيان مدى التطابق والاختلاف بين النموذجين.
يُعرِّف الفقه الجرائم ضد الإنسانية بأنها جرائم يرتكبها أفراد من دولة ما ضد أفراد آخرين من دولتهم أو من غير دولتهم بشكل منهجي وضمن خطة للاضطهاد أو التمييز في المعاملة بقصد الإضرار المُتعمَّد بالطرف الآخر (نضار) غير أن نظام روما ذاته تبنى تحديدًا واضحًا للجريمة ضد الإنسانية، ووفقًا لنص المادة السابعة من نظام روما الأساسي فإن السلوك يُشكل جريمة ضد الإنسانية إذا كان يتضمن أحد الأفعال التي عددتها المادة المذكورة (كشرط أول) وأن يُرتكب الفعل في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي مُوجَّه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم (كشرط ثان).
ووفقًا للفقرة 1/ك من المادة السابعة فإن أحد صور السلوك المُشكِّلة لجريمة ضد الإنسانية هو (الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المُماثل التي تتسبب عمدًا في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية).
بتحليل هذا النص يُمكن أن نُلاحظ أن به من السِّعة ما يسمح بإدخال أفعال كثيرة ضمن نطاقه ولعل من بينها جريمة تهريب المُهاجرين.
غير أن ما قد يُصعِّب من هذا الأمر هو الشرط الثاني الوارد بنص المادة السابعة وهو أن يُرتكب الفعل ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي مُوجَّه ضد مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم.
لا شك أن التعريف اللُّغوي لكلمة (هجوم) يَحُول دون إدخال جريمة تهريب المُهاجرين ضمن هذا النص، لأن الواقع يُفيد أن المُهاجر هو الذي يتقدم إلى المُهرِّب ويلتمس منه أن يقبله بل ويدفع له مقابل لقاء ذلك، مما يطرح وبحق التساؤل أين هو الهجوم؟؟
غير أن هذه الصعوبة تبدو صعوبة (لُغوية) فقط ذلك أن نظام روما ذاته عرَّف (الهجوم) تعريفًا أكثر سِعَة وبشكل يمكن معه اعتبار (عملية) تهريب المُهاجرين هي هجوم بالمعني القانوني – وهو ما يُهمنا هنا – وإن لم تكن كذلك لُغويًا.
وبيان ذلك أن الفقرة 2/أ عرَّفت الهجوم بأنه نهجًا سلوكيًا يتضمن الارتكاب المُتكرر للأفعال المُشار إليها في الفقرة (1) ضد أي مجموعة من السكان المدنيين عملًا بسياسة دولة أو مُنظَّمة تقضي بارتكاب هذا الهجوم.
وبعبارة أكثر مُباشرة فإنه إذا كان ما تقوم به عصابات تهريب المُهاجرين هو (أولًا) ارتكاب مُتكرر (ثانيًا) فعل لا إنساني يتسبب عمدًا في معاناة شديدة أو في أذى يلحق بالصحة الجسمية أو العقلية ويتم (ثالثًا) استنادًا وتطبيقًا لسياسة منظمة أو عصابة مختصة بالتهريب يقضي بارتكاب هذا الفعل فإننا – والحال كذلك – نكون أمام حالة واضحة ومُتكاملة الأركان والشروط بما يؤهلها لتدخل ضمن الحالات الواردة بالمادة السابعة من نظام روما الأساسي.

إن نظام روما الأساسي حدد أربع جرائم على سبيل الحصر تختص المحكمة الجنائية الدولية بنظرها وهي جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة، وجريمة العدوان, وعلى ذلك فإن القول باختصاص هذه المحكمة بالنظر في جريمة تهريب المُهاجرين إنما هو رهن بإدخال هذه الجريمة ضمن عباءة إحدى الجرائم الأربع المذكورة أعلاه.

إن نظام روما الأساسي حدد أربع جرائم على سبيل الحصر تختص المحكمة الجنائية الدولية بنظرها وهي جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة، وجريمة العدوان. وعلى ذلك فإن القول باختصاص هذه المحكمة بالنظر في جريمة تهريب المُهاجرين إنما هو رهن بإدخال هذه الجريمة ضمن عباءة إحدى الجرائم الأربع المذكورة أعلاه.

حاولنا في الأسطر السابقة تلمُس مدى التطابق بين جريمة تهريب المُهاجرين مع النموذج الوارد بنظام روما الأساسي. وسنحاول فيما يلي أن نلتمس طريقًا آخر لبحث مدى إمكانية القول باختصاص محكمة الجنايات الدولية بنظر جريمة تهريب المُهاجرين.
نُطل هُنا من سؤال أساسي مفاده ماذا لو أحال مجلس الأمن إلى المحكمة الجنائية الدولية ما ليس من اختصاصها؟
للإجابة نذكِّر أولًا بنص المادة 13 من نظام روما الأساسي والذي نص على أنه (للمحكمة أن تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة مشار إليها في المادة الخامسة وفقًا لأحكام هذا النظام الأساسي في الأحوال التالية: إذا أحالت دولة طرف إلى المدعي العام وفقًا للمادة 14 حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.
ب/ إذا أحال مجلس الأمن متصرفًا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.
ج/ إذا كان المدعي العام قد بدأ بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم وفقا للمادة 14.
ومؤدى النص السابق أن الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية تكون إما بناء على طلب من الدولة العضو أو بطلب من المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أو بقرار إحالة من مجلس الأمن. استنادًا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.(8)
نعود إلى سؤالنا أعلاه.
بلا شك إذا أحال المدعي العام للمحكمة أو طلبت دولة طرف من المحكمة النظر في واقعة ليست من اختصاصها فإن المحكمة ستقرر عدم اختصاصها وذلك استنادًا إلى اختصاصها الموضوعي المُقيد وفقًا للمادة السابعة سابقة الذكر.
أما إذا كانت الإحالة من مجلس الأمن وتبين للمحكمة أن ما أحاله إليها المجلس لا يدخل ضمن اختصاصها فإن الاتجاه الراجح هو انطباق ذات الحكم وهو أن للمحكمة أن تحكم بعدم اختصاصها.
غير أن بعض الفقه هنا يذهب مذهبًا آخر. ويرى أنه إذا كانت الإحالة من مجلس الأمن الدولي فإنه لا يعود للمحكمة أن تحكم بعدم الاختصاص. وسند هؤلاء أن مجلس الأمن عندما يُحيل الأمر إلى المحكمة فهو لا يتصرف استنادًا إلى نظام روما بل استنادًا إلى ميثاق الأمم المتحدة. وحيث أن الميثاق أعطى لمجلس الأمن السلطة العليا في حفظ الأمن والسلم الدوليين فإنه لا يعود بالإمكان الاستناد إلى اتفاقية ما لعرقلة هذه الصلاحيات المخولة للمجلس واستنادًا إلى نص المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على أنه (إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقًا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام آخر يرتبطون به فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق)
فإن المحكمة الجنائية الدولية لا يعود بإمكانها الحكم بعدم الاختصاص استنادًا إلى أحكام نظام روما الأساسي بتعارضه مع ميثاق الأمم المتحدة (9)

الخلاصة:

القول إن مواجهة جريمة تهريب المُهاجرين لا يمكن أن تتم بشكل فعال بواسطة القضاء الوطني وحده، وأن الآليات القضائية الدولية يمكن أن تكون أكثر نجاعة في مواجهتها والتصدي لها، وإلى أن يتمكن الفكر القانوني الدولي من تبني إلزام صريح للمؤسسات القضائية الدولية بتبني صريح وواضح لاختصاص قضائي جنائي دولي للنظر في هذه الجريمة فإنه ينبغي العمل علي إعادة تفسير النصوص المتاحة بما يسمح للقضاء الدولي بتولي مهمة التصدي لهذه الظاهرة ما أمكنه ذلك. وبالطبع دون الإخلال بالتفسير القانوني السليم للنصوص خاصة وفقًا لمذهب الإرادة المحتملة للمشرع.

الهوامش

1/ أبو غانم، محمد محمود مساعد، جريمة التهريب المنظم للهجرة غير الشرعيَّة. مع دراسة تطبيقية على الجمهورية اليمنية، ص 14
2/ أبو غانم، المرجع السابق، ص 13
3/الفقرة أ من المادة 3 من بروتوكول مكافحة تهريب المُهاجرين عن طريق البر والبحر والجو المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة عبر الوطنية.
4/ أبو غانم، المرجع السابق.
5/ ومثالها المحكمة الخاصة بقضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
6/عبد العظيم، عمرو مسعد، الموجهة الجنائية والأمنية لجرائم الهجرة غير الشرعيَّة، ص151- 156.
7/ عبد العظيم، عمرو مسعد، المرجع السابق ص159-160
8/المدحجي وائل، صورالأحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية ص109
9/ لمزيد من التفاصيل حول العلاقة بين مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية انظر يوبي عبدالله، علاقة مجلس الأمن بالمحكمة الجنائية الدولية.

المراجع
أولا/ الكتب والرسائل والمقالات:
1 – أبو غانم محمد محمود مساعد، جريمة التهريب المنظم للهجرة غير الشرعيَّة مع دراسة تطبيقية على الجمهورية اليمنية، دار النهضة العربية، 2014
2 – المدحجي وائل،صورالإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية، مقال من منشورات جامعة الأندلس للعلوم والتقنية، بدون ت.
3 – عبد العظيم عمرو مسعد، المواجهة الجنائية والأمنية لجرائم الهجرة غير الشرعيَّة، دار النهضة العربية، 2016، بدون ط.
4 – يوبي عبدالله، علاقة مجلس الأمن بالمحكمة الجنائية الولية، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة وهران، العام الجامعي2011-2012
ثانيا / الوثائق:
1 – ميثاق الأمم المتحدة
2 – نظام روما الأساسي
3 – بروتوكول مكافحة تهريب المُهاجرين عن طريق البر والبحر والجو المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة عبر الوطنية.

تعتبر الهجرة ظاهرة قديمة قدم الانسان، متجددة بتجدد الأنظمة السياسية والاجتماعية والقانونية وذلك بالنظر لإرتباطها بالعديد من الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدول.
لقد تطورت ظاهرة الهجرة بتطور المجتمعات البشرية وبتطور الأنظمة السياسية والقانونية التي وضعت حدودًا لحق التنقل للتصدي للهجرة وتحديد شروط إستقبال الوافدين نظرًا لإرتباطها الوثيق بمفهوم السيادة، لتتحول هذه الوسيلة التي كانت تعتمد لكسب الرزق وتحقيق التنمية الى أخطر الظواهر الاجتماعية، الأمر الذي جعلها تتخذ مكانة هامة ضمن تحديات المجتمع الدولي، فلم تعد مجرد ظاهرة مرتبطة ببعض الدول وبعض المجتمعات بل أضحت ظاهرة عالمية تعاني منها جميع الدول سواءًا الدول المتقدمة أو الدول النامية .
وعلى الرغم من أن ظاهرة الهجرة غير النظامية تعد ظاهرة دولية إلا أنه تمت مجابهتها بطرق مختلفة طبقًا لإختلاف الدول المعنية بها، ونقصد بذلك دول الإستقبال وهي التي تمثل وجهة المهاجر ودول المعبر التي يعبرها المهاجر لبلوغ وجهته ودول المنشأ وهي الدول المصدرة التي ينتمي لها المهاجر.

سندس بشناوي
قاضية

وتكمن أهمية التطرق اليوم إلى المقاربة الوطنية والدولية لظاهرة الهجرة الغير نظامية بإعتبارها أحد أهم الإشكالات التي تواجهها العديد من الدول التي تنظر إلى المهاجرين غير الشرعيين بوصفهم مصدر كل المخاطر والأزمات وسببا مباشرًا في إنتشار الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات والتطرف الديني والعرقي والعامل المباشر في عدم الإستقرار والإنفلات الأمني الأمر الذي زاد في تبرير إستعمال وسائل التصدي والردع لمواجهة هذه الظاهرة دون إيلاء إهتمام جدي بحقوق المهاجرين، مما أدى إلى هشاشة مراكزهم القانونية.
لقد تظافرت جهود المجتمع الدولي لمكافحة ظاهرة الهجرة غير الشرعية من خلال إبرام الإتفاقيات الدولية ومن أهمها إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية وبروتوكولها الملحق الخاص بمكافحة “جريمة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو” والتي مهدت لإتفاقيات إقليمية وثنائية بين دول العبور ودول الإستقبال وبين الدول المنشأ ودول الإستقبال بهدف ترسيخ التعاون الدولي للقضاء على هذه الظاهرة وخاصة من خلال إحداث لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة ولاية المقرر الخاص المعني بحقوق الانسان للمهاجرين، حيث حثت اللجنة على إيجاد السبل الكفيلة لحماية حقوق المهاجرين ،غير أن تحقيق المعادلة بين حقوق الانسان وحماية دول الإستقبال لإستقرارها وأمنها يبدو صعبًا.
إن تزايد عدد المهاجرين نتيجة للأزمات السياسية المتتالية التي عرفتها بعض الدول دفع العديد منهم إلى الدعوة لمجابهة وتأطير وضعية المهاجرين الغير نظاميين عبر إبرام الإتفاقيات الدولية التي سعت إلى إحداث نوعين من الآليات: آليات للتصدي لظاهرة الهجرة تصطبغ بالطابع الأمني أساسا، وآليات ذات طابع حمائي وحقوقي من جهة أخرى.
لكن على الرغم من ذلك تبقى هذه الإتفاقيات على أهميتها محدودة النجاعة وأهم مثال على ذلك الإتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال التي تم إبرامها سنة 1999 ولم تدخل حيز النفاذ إلا سنة 2003 حيث قامت العديد من دول المنشأ المصادقة عليها في حين تولت الدول المستقبلة عدم التوقيع عليها علمًا أنها تستقطب أغلب العمال المهاجرين سواءًا في أوروبا أو أمريكا الشمالية ودول أخرى كاليابان وأستراليا ودول الخليج وهو الأمر الذي جعل الإشكالية المتعلقة بتسوية وضعيتهم مستمرة ومتشعبة ومتعددة الأوجه.

تعريف الهجرة غير النظامية طبقا للمنظور الدولي:

قبل التطرق إلى كيفية التصدي للهجرة غير النظامية انطلاقًا من التشريعات يجب تحديد ماهية الهجرة غير الشرعية إنطلاقًا من بعض النصوص الدولية، حيث عرفت المفوضية الأوروبية الهجرة الغير شرعية بوصفها “كل دخول عن طريق البر أو البحر أو الجو إلى إقليم دولة عضو بطريقة غير قانونية بواسطة وثائق مزورة أو بمساعدة شبكات الجريمة المنظمة، أو من خلال الدخول إلى منطقة الفضاء الأوروبي بطريقة قانونية من خلال موافقة السلطات بالحصول على تأشيرة وثم البقاء بعد إنقضاء الفترة المحددة أو تغيير غرض الزيارة والإقامة دون موافقة السلطات”، وعرفته المفوضية الدولية لشؤون الهجرة بوصفه “إجتياز بلد بدون موافقة سلطاتها ودون أن تتوفر في الشخص العابر للشروط القانونية للمرور عبر الحدود لعدم حيازته على الوثائق القانونية اللازمة”
وعرفت الإتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين في المادة الخامسة المهاجر الغير شرعي هو “المهاجر الغير حائز على الوثائق النظامية” الأمر الذي يدفعنا إلى اعتماد مطلح الهجرة غير النظامية.
أثر تعريف الهجرة من المنظور الدولي يجب التطرق إلى أنواع الهجرة وهي الهجرة الشرعية أو القانونية التي نعني بها الهجرة المنظمة والمطابقة للقانون ولإجراءات السفر الجاري بها العمل، وهو النوع من الهجرة الذي يتم وفق المتطلبات والقواعد الإجرائية والموضوعية المعمول بها دوليًا والمتطلبة وفق كل تشريع كل دولة على حدة والتي من أهمها حمل المهاجر لوثيقة سفر قانونية، وأن لا يكون محجرًا عليه من مغادرة الدولة التي ينتمي إليها لأسباب قانونية وأن يكون متحصلًا على إذن شرعي للدخول إلى الدولة الراغب في الهجرة إليها وأن يقيم في الدولة المقصد وينهي إقامته فيها وفق المسموح به قانونًا والمقرر طبقًا لقوانينها وأنظمتها وما حصل عليه من مدة، وإطلاقًا مما سبق بيانه نستنتج أن مدى توفر الشرعية من عدمها يرتبط بمدى توفر علم الدولة بتنقل المواطن وووجهته وعلم الدولة الراغب الهجرة إليها ودخوله وإقامته بها.

فئات المهاجرين غير النظاميين التي حددتهم الاتفاقيات الدولية

0
الأشخاص الذين يهاجرون بطريقة غير قانونية دون أن تتم تسوية وضعيتهم
0
الأشخاص الذين يهاجرون بطريقة قانونية وتنتهي مدة الإقامة المسموح لهم بها
0
الأشخاص الغير مسموح لهم بموجب تأشيرتهم العمل بمقابل والذين يعملون بطريقة غير قانونية
0
طالبي اللجوء الذين رفضت طلباتهم والذين لا ستجيبون إلى إتفاقية جنيف المتعلقة باللاجئين
أنواع الهجرة

إضافة للهجرة الشرعية التي سبق بيان الشروط المتعلقة بها وجب التطرق إلى الهجرة غير الشرعية أو الغير نظامية التي تنقسم طبقًا لقواعد القانون الدولي الخاص إلى نوعين، النوع الأول وهو الذي سبق تعريفه أي عدم حمل المهاجر لوثيقة سفر وعدم تمتعه بالإذن الشرعي للدخول الى الدولة المقصد والمغادرة من الدولة المنشأ ودخوله إلى الدولة المراد الهجرة إليها عن طريق غير مسموح ومتعارف عليه من سلطات تلك الدولة، أما النوع الثاني فهو يبدأ بطريقة غير شرعية أي طبقًا للوسائل المعتمدة سابقًا ولكن يقوم ذلك الشخص بتقنين وتسوية وضعيته طبقًا لقوانين دولة الإستقبال.

فئات المهاجرين

بالإطلاع على الإتفاقيات الدولية التي أحالت إلى وضعية المهاجرين لا نجد نظامًا قانونيًا موحدًا وآليات وقائية شاملة بهدف حماية المهاجرين بل نجد فقط الإجراءات المتعلقة بردع الظاهرة والمسؤولين عنها دون وضع قواعد قانونية تتلائم مع فئات المهاجرين المختلفة، أو معايير موحدة تساعد على الإحاطة بالظاهرة وتمكن التشريعات الوطنية والأنظمة القضائية من إتباعها لتحديد الآليات الواجب إتخاذها لمجابهة ظاهرة الهجرة غير النظامية.
تُحيلنا الإتفاقيات الدولية عامة إلى أربعة فئات من المهاجرين وهم الأشخاص الذين يهاجرون بطريقة غير قانونية دون أن تتم تسوية وضعيتهم، الأشخاص الذين يهاجرون بطريقة قانونية وتنتهي مدة الإقامة المسموح لهم بها، الأشخاص الغير مسموح لهم بموجب تأشيرتهم العمل بمقابل والذين يعملون بطريقة غير قانونية، وأخيرًا طالبي اللجوء الذين رفضت طلباتهم والذين لا ستجيبون إلى إتفاقية جنيف المتعلقة باللاجئين.

1 - المقاربات الدولية للهجرة غير النظامية

سعى المجتمع الدولي إلى تأطير ظاهرة الهجرة غير النظامية عبر إقرار مبدأ ضمان حقوق المهاجرين واحد أهم هذه الإتفاقيات هي إتفاقيات منظمة العمل الدولية التي اعتنت بحماية حقوق المهاجرين ومن أهمها الإتفاقية الدولية عدد 97 لسنة 1949 والإتفاقية عدد 143 لسنة 1975 وعدد 189 المتعلقة بالعمل اللائق، كما سعت منظمة العمل الدولية عمومًا إلى حماية حقوق المهاجرين على إعتبارهم الأكثر عرضة للإستغلال خاصة في البروتوكول المتعلق بمكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو المصادق عليها بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 55/25 لسنة 2000 وتعزز هذا التوجه الحمائي مع صدور البروتوكول المتعلق بمعاقبة الإتجار بالأشخاص وخاصة النساء والأطفال كتكملة لإتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة العبر وطنية بهدف حماية حقوق المهاجرين ومكافحة تهريبهم والتي كيفت تهريب المهاجرين كجريمة دولية محاولة تكريس مجموعة من المبادىء على غرار محاربة أنشطة الجماعات المنظمة لعمليات التهريب وضرورة معاملة المهاجرين معاملة إنسانية وخاصة ضرورة إتخاذ الدول الأطراف للتدابير والتشريعات اللازمة لتجريم تهريب المهاجرين.
لئن كانت هذه الإتفاقيات الدولية قد منحت حقوقًا للمهاجرين فإنها تبقى قاصرة على ضمان الحقوق المكفولة لهم نظرا لغياب الآليات الحقيقية والناجعة لمعالجة وضعية المهاجرين ورفض دول الإستقبال ضمان الحقوق الاساسية للمهاجرين.
وتعتبر اليوم إتفاقية حماية جميع العمال المهاجرين وأسرهم هي الأقدر نوعًا ما على مواكبة تطور ظاهرة الهجرة غير النظامية، إستنادًا لتكريسها المبادىء المتعلقة بحماية حقوقهم ومن جهة أخرى تحديدها للمعايير الدولية المتعلقة بالضمانات المكفولة للمهاجرين غير النظاميين ومن جهة أخرى التمييز بين فئتين وهما المهاجرين الحائزين على الوثائق النظامية القانونية المتعلقة بغقامتهم بصفة ومحدودة والغير حائزين على وثائق قانونية.
إضافة لذلك فقد كرست هذه الإتفاقية مفهوم التعاون والإلتزام بين دول المنشأ ودول الإستقبال ودول العبور لضمان الحق الانساني للمهاجر الغير الشرعي ومجابهة ظاهرة إستغلال المهاجرين وذلك بصرف النظر عن طرق إقامتهم بدول الإستقبال وضرورة إحترام هويتهم الثقافية.
نظريًا يبدو أن الإتفاقيات الدولية حاولت تأطير ظاهرة الهجرة غير النظامية وإخضاعها إلى مجموعة من المبادئ غير أن احترام الدول الأطراف لهذه المبادئ ليس أمرًا واقعا إستنادًا إلى العديد من الأسباب المتعلقة بالدول المستقبلة للمهاجرين والتي تسعى بالأساس إلى حماية إستقرارها الأمني وسيادتها وهنا سنذكر المثال الإيطالي حيث أصدرت إيطاليا قانون خاص بالهجرة سنة 1998 الذي يعد أول القوانين التي تعنى بالنظام القانوني للمهاجرين وتفعيل إجراء الإعادة القسرية وتنظيم مراكز حجز وايواء المهاجرين الغير شرعيين كما حدد هذا القانون مدة حجز المهاجرين والتي يتم على إثرها تحديد مصيرهم غير أن هذا القانون لم يكن كفيلًا بردع المهاجرين ونذكر هنا أحد الحوادث التي وقعت في أكتوير من سنة 2013 والمتعلقة بغرق سفينة تقل 300 مهاجر كان بإمكان أحد سفن الصيد مساعدتهم إلا أنها أبت ذلك خوفًا من أن تتم معاقبتهم إستنادًا إلى أن القانون الإيطالي يجرم كل طرق المتعلقة بمساعدة المهاجرين غير الشرعيين.
إن الإتفاقيات الدولية على أهميتها في السعي إلى مكافحة ظاهرة الهجرة الغير النظامية إلا إنها تبقى مجرد مجهودات لا تفي بغرض المجابهة الفعلية لهذه الظاهرة بجميع أركانها وتحقيق المعادلة بين ضمان حقوق الانسان ومكافحة الهجرة ومردود ذلك أساسًا هو غياب إستراتيجيات شاملة وسياسات طويلة الأمد من جانب دول الإستقبال والدول المصدرة لأن المجهودات الدولية في مواجهة ظاهرة الهجرة تبقى مجرد ردات فعل عن وضعيات بعينها يغيب عنها الطابع الشمولي، ولتأطير الهجرة غير النظامية يجب وضع المبادئ المتعلقة بطرق مجابهة هذه الظاهرة وتحديد الحقوق التي يتمتع بها المهاجرين و ملائمة القواعد الزجرية للوضعيات إنطلاقا من خصوصيتها.
ان المبادئ الأساسية لوضع إطار دولي شامل وقع التطرق لها في العديد من الإتفاقيات الدولية المتفرقة على غرار الإتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع المهاجرين وأفراد أسرهم 1990 وإتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العبر وطنية 2000 وبروتوكوليها الملحقين المتعلقين بمنع الإتجار بالبشر ومكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو التي صادقت عليها دول قليلة خاصة إتفاقية حماية حقوق العمال المهاجرين التي لم تقع المصادقة عليها من قبل عديد من دول الإستقبال.

إن فعل التهريب يشتمل على نقل أفراد من دولة الى أخرى كسًبا لربح، على خلاف الإتجار بالبشر الذي يتم تجريمه بالإستناد إلى توافر عنصرين إضافيين يتجاوزان نطاق التهريب، أي يجب أن ينطوي الإتجار على وسائل ملتوية مثل القسر أو الإختطاف، ويجب أن يكون الفعل قد أُرتكب لغرض الإستغلال

إن التطرق إلى موضوع الهجرة غير النظامية أتخذ أشكالًا مختلفة ومقاربات متنوعة بتنوع الإشكالات المطروحة في علاقة أساسًا بمواجهتها كظاهرة تؤرق المجتمع الدول والتي يتم تكييفها بوصفها مصدر كل المخاطر التي قد تهدد دول الإستقبال وكوضعية تستحق مزيدًا من الإحاطة والحماية عندما يقع التطرق إليها من منظور حقوقي وانساني بالأساس، لذلك كان التطرق الى مسألة الهجرة في زمن غير بعيد مرتبط أساسًا بحقوق العاملين المهاجرين وأسرهم وبمسألة التمييز والإضطهاد الذي قد يتعرض له العامل المهاجر في دول الإستقبال التي كانت أثر الحرب العالمية تستقطب المهاجرين بوصفهم يد عاملة، لا بل كانت هذه الدول تجبر العاملين على مغادرة موطنهم الأصلي للمشاركة في عمليات الإعمار.
لم تتواصل هذه الرؤية وهذه المقاربة التي كانت تتخذها بعض الدول في حقبة تاريخية معينة بهدف حماية حقوق المهاجرين، فتغيرت المناهج والسياسات المعتمدة وبدأت دول الإستقبال تتصدى للمهاجرين وتضع قوانين وأنظمة معقدة للحد من الهجرة التي أضحت غير شرعية ومرتبطة أساسًا بالصبغة الإنتقائية، حيث أصبحت دول الإستقبال تسعى لإستقطاب المهارات البشرية و تضع حدودًا وعراقيل أمام الفئات التي كانت تعتبرهم وسيلة أعمال وتنمية والذين أصبحوا في نظرها مصدر كل المخاطر والجرائم ويشكلون تهديدًا لإستقرارها وأمنها.
من هذا المنطلق أصبحت الهجرة غير النظامية هاجس دول الإستقبال التي تسعى الى وضع سياسات أمنية ذات طابع زجري بالأساس، وإتخذ المجتمع الدولي زاوية نظر غير مختلفة عبر إبرام العديد من الإتفاقيات الدولية والإقليمية الهدف منها الحد من هذه الظاهرة وليس إحاطتها بمجموع الضمانات اللازمة لحماية المهاجرين وعلى الرغم من ذلك بقيت عاجرة عن التصدي لهذه الظاهرة التي إتخذت لها موقعًا من القانون الجزائي للعديد من دول الإستقبال ودول العبور ودول المنشأ.
نظرًا إلى الضغوط والوضعيات المأساوية المتعلقة بالمهاجرين والضغوط المتواصلة من قبل دول الإستقبال خاصة منها الدول الأوروبية بوصفها الوجهة الرئيسية للمهاجرين الغير شرعيين لدول أفريقيا لإجبارها على إتخاذ التدابير الضرورية لمجابهة الهجرة غير النظامية، تم إبرام العديد من الإتفاقيات الثنائية التي تطرقت إلى مجموع الإجراءات الواجب إتباعها إلا أن هذه الإجراءات في معظمها تأخذ طابعًا زجريًا وردعيًا مستبعدة الطابع الحمائي فهي مجرد إجراءات أمنية بحتة تتعلق بالإحتجاز الحدودي وعمليات إبعاد المهاجرين الغير نظاميين عن أقليم الدول المستقبلة للمهاجرين.
لقد عرفت منظمة الأمم المتحدة الهجرة غير النظامية بوصفها “دخول غير مقنن لفرد من دولة إلى أخرى عن طريق البر أو الجو أو البحر… ولا يحمل هذا الدخول أي شكل من تصاريح الإقامة الدائمة أو المؤقتة، كما تعني عدم إحترام المتطلبات الضرورية لعبور حدود الدولة.” ومن هذا المنطلق جاء التمييز بين جريمتين وهما الإتجار بالبشر وتهريب الأشخاص حيث عرف بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو، المكمل لإتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة عبر الوطنية، تهريب المهاجر وفق العناصر التالية: تدبير الدخول غير المشروع لشخص ما إلى دولة طرف ليس ذلك الشخص من رعاياها أو من المقيمين الدائمين فيها.

أن تهريب المهاجرين والإتجار بالبشر كلاهما يندرجان ضمن الأفعال المجرمة على المستوى الدولي لذلك وجب التمييز بينهما لتحديد الأبعاد المتصلة بكليهما، إذ أن فعل التهريب يشتمل على نقل أفراد من دولة الى أخرى كسًبا لربح، على خلاف الإتجار بالبشر الذي يتم تجريمه بالإستناد إلى توافر عنصرين إضافيين يتجاوزان نطاق التهريب، أي يجب أن ينطوي الإتجار على وسائل ملتوية مثل القسر أو الإختطاف، ويجب أن يكون الفعل قد أُرتكب لغرض الإستغلال، بصرف النظر عن تحقق الإستغلال من عدمه، ومنه هذا المنطلق يجب التمييز بين الوسائل المعتمدة بين الجريمتين ففي جرائم الإتجار بالبشر تتمثل الوسائل في التهديد بالقوة أو إستعمال القوة أو أي شكل من أشكال القسر أو الاختطاف أو الإحتيال أو إساءة إستعمال السلطة أو إساءة إستغلال حالة اجتماعية أو وضعية هشة أو بإعطاء مبالغ مالية، أما بشأن جريمة الهجرة غير النظامية فتكون بناء على رغبة الشخص نفسه، وغالبًا ما يشرع المهاجر غير الشرعي بالإتصال بالمهربين من أجل مساعدته في تنفيذ رغبته إضافة لذلك تختلف الجريمتين في الغاية والهدف ففي جريمة الإتجار بالبشر تشمل الإستغلال الجنسي أو الإسترقاق أو الممارسات الشبيهة به وبيع الأعضاء على خلاف الهدف في جريمة الهجرة غير النظامية التي يسعى من خلالها المهربون إلى تحقيق منفعة شخصية قد تكون مالية أو مادية أو غير ذلك، وينتهي الإستغلال بوصولهم إلى وجهتهم، حيث تكون لهم حرية الإرادة.
تختلف كذلك الجريمتين من حيث إشتراط موافقة الضحية ففي جريمة الإتجار بالبشر لا يمكن الحديث عن موافقة الضحية، بصرف النظر عن ظروف موافقتهم في البداية، فإن تلك الموافقة لا معنى لها بالنظر الى أفعال المتاجرين التي تتسم بالإجبار أو الخداع، على خلاف الهجرة غير النظامية، فإن المهاجرين على علم تلم بكافة الظروف المحيطة بعملية التهريب التي تعتبر عمومًا مهينة وخطيرة، وبرغم ذلك، يوافقون على التهريب بإردتهم الحرة.
من هذا المنطلق نجد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الذي لعب دوراً هامًا في التصدي للهجرة غير النظامية وما قد ينتج عنها، من خلال إصدار القانون النموذجي لمكافحة تهريب المهاجرين في إستجابة لطلب الجمعية العامة وذلك لتعزيز جهود الدول الأعضاء، وتقديم المساعدة إليها لتمكينها من الإنضمام إلى إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والبروتوكولات الملحقة بها وتنفيذها. من هذا المنطلق حددت المادة الأولى الهدف الأساسي المتمثل في تنفيذ بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو المكمل لإتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، مكافحة تهريب المهاجرين، تعزيز التعاون على الصعيدين الوطني والدولي وتسهيله من أجل تحقيق  الأهداف المنشودة وحماية حقوق المهاجرين المهربين.
وبهدف مواجهة الهجرة غير النظامية وأثارها المأساوية تبنت المنظمة الدولية للهجرة العديد من الآليات الهادفة إلى تحسين أوضاع المهاجرين، ودعم إستراتيجيات وسياسات مكافحة تهريب المهاجرين لما له من آثار سلبية على مختلف دول العالم، عن طريق التنسيق والتعاون على المستويين الإقليمي والدولي بين كل السلطات والوكالات المعنية بحماية وأمن الحدود، بهدف ضبط منظومات معنية بإدارة الحدود.

2 - مقاربة التشريع التونسي للهجرة غير النظامية:

تختلف التشريعات الوطنية المتعلقة بالهجرة غير النظامية من دولة إلى أخرى وذلك بإختلاف الأهداف والسياسات المتبعة وخاصة الوضعيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الدول ومن هذا المنطلق كانت الغاية الأساسية للدول المغاربية من سن قوانين تعنى بالهجرة الغير نظامية التصدي لها خلال تجريمها ومعاقبة فاعليها والمشاركين فيها والمنظمين للهجرة السرية وأبرز مثال على ذلك هو التشريع التونسي حيث تضمن القانون عدد 06 لسنة 2004 المؤرخ في 03فيفري 2004 المتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 40 لسنة 1975 المؤرخ في 14ماي 1975 المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر العديد من العقوبات الجزائية المختلفة بإختلاف الأفعال المرتكبة والمتعلقة بالهجرة والتي تتدرج من 3 سنوات الى 20 سنة دون أن يولي أهمية للحقوق المتعلقة بالمهاجرين أو بحمايتهم مستبعدًا بذلك التوجه الذي يتبنى نظرية «المهاجر الضحية»، معتمدًا بالأساس على آلية الردع والزجر وهي الآليات القانونية التي تتماشى مع التوجهات التي إتخذتها بعض الدول الأوروبية و من أهمها إيطاليا التي تعد أحد دول الإستقبال بالنسبة للمهاجرين التونسيين على إعتبارها أول الدول الأوروبية وأكثرها تضررًا من هذه الظاهرة التي أصبحت سواحلها الجنوبية قبلة لأعداد هائلة من المهاجرين غير القانونيين، وهو ما دفعها إلى سن أول قانون خاص للهجرة سنة 1998 والذي وضع لأول مرة نظام قانوني خاص بالهجرة غير النظامية من خلال ضبط إجراءات الدخول للإقليم الإيطالي وتجديد إقامة الأجانب وتأسس هذا القانون على أربعة آليات تتمثل في إعادة برمجة سياسات الهجرة من جديد، النظر في شروط دخول الأجانب لإيطاليا وسبل الإقامة بها، وإعادة تنظيم إجراءات منح الإقامة وتفعيل الإعادة القسرية للمهاجرين غير النظاميين وإحداث مراكز حجز وإيواء المهاجرين، وحدد القانون المدة القانونية للحجز هؤلاء المهاجرين ب30 يومًا، يتم بعدها تحديد مصيرهم بعدة طرق، إما السماح لهم بالإقامة والعمل في الأراضي الإيطالية أو ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية، أو محاكمتهم إذا قاموا بأفعال يعاقب عليها القانون في فترة تواجدهم بالدولة الإيطالية.
وعلى الرغم من الصبغة الزجرية لهذه الإجراءات إلا أنها أعتبرت غير كافية لردع هذه الظاهرة الخطيرة التي تهدد إيطاليا خاصة بعد تزايدها الكبير مع مرور الوقت، الأمر الذي مهد لظهور قانون جديد للهجرة سنة 2002 يعرف «بالقانون رقم 189 أو بقانون بوسي فيني»، جاء هذا القانون صارمًا من خلال تفعيل إجراءات الحبس والطرد حيث نصت المادة 13 «من القانون بسجن الأجنبي من سنة إلى أربع سنوات الذي صدر له أمر بالطرد ولكنه ما زال موجود على أراضي الدولة” وهذا بعد القبض عليه ومحاكمته
ولم يكتفي القانون بوضع عقوبات جزائية بل نظم إجراءات طرد المهاجرين غير النظاميين عن طريق المرافقة إلى الحدود لأنه يجب على السلطات مساعدته أو تنفيذ تحقيقات أخرى للحصول على مستندات السفر الخاصة بالمهاجر وفي حالة عدم وجود أي وسيلة نقل مناسبة تسمح بتنفيذ المرافقة إلى حدود البلد المنشأ للمهاجر فإنه يتم حجزه لدى مراكز الإيواء مؤقتًا، وعند إنتهاء هذه المدة التي مدها القانون من 30 يوم إلى 60 يومًا حسب نص الفصل الرابع عشر، وفي حالة عدم إمكانية تنفيذ حكم الترحيل يتم إصدار قرار بترك الأراضي الإيطالية خلال خمسة أيام ويتم الحكم عن طريق مستند مكتوب فيه النتائج الجزائية في مخالفة القانون إضافة إلى ذلك أصدر القانون الايطالي عقوبة جديدة متعلقة بالمهاجرين المقيمين دون تأشيرة إقامة بصرف النظر عن دخولهم بطريقة قانونية ويعتبرهم القانون وفي وضع غير قانوني وينطبق عليهم قرار الترحيل.
لم يكن التشريع التونسي بمنأى عن التخوفات المتعلقة بالهجرة الغير نظامية بل مثل أحد أهم التحديات الوطنية التي سعت إلى مجابهتها خصوصًا عبر تجريم الهجرة غير النظامية وتكريس عقوبات جزائية مختلفة بإختلاف الفعل المتعلق بالهجرة وبطبيعته وهو في الواقع ليس مختلف عن التشريعات المعتمدة في عدة دول اخرى ونذكر من أهمها مصر حيث أعتمدت نفس التمشي التشريعي وتدرجت في إعتماد العقوبات الجزائية، حيث نص القانون المتعلق بالهجرة غير الشرعية على 21 عقوبة وتضمن القانون في الفصل الثانى «الجرائم والعقوبات»، ليشمل تعريفات واضحة لنص الجرائم والعقوبات، وهى تتعلق طبقًا للمادة الخامسة من هذا القانون بعقوبة السجن بالنسبة لكل “من أسس أو نظم أو أدار جماعة إجرامية منظمة لأغراض تهريب المهاجرين أو تولى قيادة فيها أو كان أحد أعضائها أو منضمًا إليها” إضافة لتنصيصه صلب المادة الخامسة على أن “يعاقب بالسجن وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تزيد على مائتي ألف جنيه أو بغرامة مساوية لقيمة ما عاد عليه من نفع أيهما أكبر كل من أرتكب جريمة تهريب المهاجرين أو الشروع فيها أو تورط فى ذلك وتكون العقوبة السجن وغرامة لا تقل عن مائتي الف جنيه ولا تزيد على خمسمائة ألف جنيه أو غرامة مساوية لقيمة ما عاد عليه من نفع أيهما أكبر في أي من الحالات الآتية :إذا كان الجاني قد أسس أو نظم أو أدار جماعة إجرامية منظمة لأغراض تهريب المهاجرين أو تولى قيادة فيها أو كان أحد أعضائها أو منضمًا إليها،  إذا كانت الجريمة ذات طابع غير وطني، إذا تعدى الجناة أو ارتكب الجريمة شخص يحمل سلاحًا، إذا كان الجاني موظفًا عامًا أو مكلفًا بخدمة عامة وأرتكب الجريمة بإستغلال الوظيفة أو الخدمة العامة، إذا كان من شأن الجريمة تهديد حياة أو تعريض صحة من يجرى تهريبهم من المهاجرين للخطر أو تمثل معاملة غير إنسانية أو مهينة،  إذا كان المهاجر المهرب أمرأة أو طفلًا أو من عديمي الأهلية أو من ذوى الإعاقة، إذا أُستخدم في إرتكاب الجريمة وثيقة سفر أو هوية مزورة أو  إذا أُستخدمت وثيقة سفر أو هوية من غير صاحبها الشرع، إذا أُستخدم في إرتكاب الجريمة سفينة بالمخالفة للغرض المخصص لها لخطوط السير المقررة”.
لقد كان المشرع التونسي مقارنة بنظيره المصري سباقًا إلى إقرار العقوبات الجزائية بالنسبة للمهاجرين غير النظاميين التي تراوحت بين 4 و20 سنة حيث نص القانون المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر لسنة 2004 ضمن الفصل 38 على أنه «يعاقب بالسجن مدة ثلاثة أعوام وبخطية قدرها ثمانية آلاف دينار كل من أرشد أو دبّر أو سهّل أو ساعد أو توسّط أو نظّم بأيّ وسيلة كانت، ولو دون مقابل، دخول شخص إلى التراب التونسي أو مغادرته خلسة سواء تمّ ذلك برًا أو بحرًا أو جوّا، من نقاط العبور أو من غيرها.والمحاولة موجبة للعقاب وكذلك الأعمال المعدة مباشرة لإرتكاب الجريمة» كما تضمنت العقوبات الأشخاص الذين يتولون إيواء المهاجرين بمقوله أنه «يعاقب بالسجن مدة أربعة أعوام وبخطية قدرها عشرة آلاف دينار كل من تولى إيواء الأشخاص الداخلين أو المغادرين للتراب التونسي خلسة أو مرتكبي الجرائم المنصوص عليها بهذا الباب أو خصص مكانًا لإيوائهم أو أخفاهم أو عمل على ضمان فرارهم أو عدم التوصل إلى الكشف عنهم أو عدم عقابهم. ويعاقب بنفس العقوبة المنصوص عليها بالفقرة المتقدمة كل من وفر وسيلة نقل مهما كان نوعها بهدف إرتكاب الجرائم المقررة بهذا الباب أو المساعدة على إرتكابها»، وقد ساوى المشرع التونسي بين الاشخاص المسؤولين عن تهريب المهاجرين سواء الى داخل التراب التونسي أو الى خارجه وجعل العقوبة «بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها اثنا عشر ألف دينار كل من تعمد نقل شخص أو أشخاص لغاية إدخالهم إلى التراب التونسي أو إخراجهم منه خلسة مهما كانت الوسيلة المستعملة».
لم يكتفي المشرع التونسي بالتنصيص على هذه العقوبات الجزائية المتعلقة بالمهاجرين والمسؤولين عن إيوائهم بل كذلك نص معاقبة «كل من شارك في وفاق أو كوّن تنظيمًا يهدف إلى إعداد أو تحضير (….) أو اداره أو إنخرط فيه أو تعاون معه أو ساعده بأي طريقة كانت سواء كان ذلك داخل البلاد أو خارجها. ويحصل الوفاق أو التنظيم بمجرد الإتفاق والعزم بين شخصين أو أكثر على إرتكاب الأفعال المذكورة» بالفصول السابقة ، كما شدد المشرع درجة العقوبات بالنسبة لفئة معينة نص عليها بصفة حصرية صلب الفصل 43 من القانون المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر ليكون العقاب بالسجن مدة إثني عشر عامًا وبخطية قدرها أربعون ألف دينار إذا أُرتكبت الجرائم المذكورة «سابقًا :ممن عُهد إليه بحراسة الحدود أو نقاط العبور أو الموانئ بصفة مباشرة أو غير مباشرة أو بمراقبتها، ممن عَهد إليه القانون مهمة معاينة هذه الجرائم وزجر مرتكبيها، من أعوان قوات الأمن الداخلي أو من أعوان القوات العسكرية أو أعوان الديوانة ،ممن إستغل صفته أو النفوذ الممنوح له بحكم وظيفته أو عمله، ضد طفل أو بإستخدامه.
أن هذه العقوبات على أهميتها في ردع المهاجرين عن إتخاذ سبيل الهجرة غير الشرعية للهروب من الأوضاع الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية التي تعيشها دولهم، لا تفي بغرض صد المهاجرين وأبرزت عدم فاعليتها وعدم قدرتها على مجابهة هذه الظاهرة إنطلاقًا من العقوبات الجزائية التي تعتمدها دول المنشأ والسياسات الأمنية التي تعتمدها دول الإستقبال لا يمكن إلا أن تزيد الوضع تعقيدًا، وقد بينت الوضعية الراهنة ضرورة إنشاء إستراتيجيات دولية طويلة المدى لمكافحة ظاهرة الهجرة من جهة ووضع الضمانات اللازمة لحقوق المهاجرين الذين يعتبرون غالبًا ضحية لوضع اجتماعي أو سياسي معين.
في النهاية يجب أن نلاحظ بأن المنظمات الدولية وعلى الرغم من محاولاتها العديدة لإيجاد السبل الكفيلة بتأطير الظاهرة إلا انها بقيت غير قادرة على تحديد تعريف جامع وموحد للهجرة أو تحديد إحصائيات دقيقة لعدد المهاجرين ومعايير مضبوطة لتحديد مدى نجاعة الاجراءات المتخذة من قبل دول الإستقبال في مواجهة الهجرة الغير شرعية وغياب السبل الكفيلة للحد من هذه الظاهرة.
إن مجابهة الهجرة غير النظامية وتحقيق النجاعة في التصدي لأثارها يستوجب تعاونًا مستمرًا بين دول الإستقبال التي هي في الغالب دول الشمال، وبين دول الجنوب المصدرة للهجرة غير النظامية، وهذا التعاون أساسه التصدي بموضوعية لتجاوز الأسباب والدوافع المتصلة بظاهرة الهجرة غير النظامية، وأهمها الدوافع الاقتصادية والأزمات السياسية التي تعيشها أغلب البلدان العربية اليوم.

هل تفاقمت ظاهرة الهجرة غير النظامية بعد التغيرات التي حدثت في المنطقة العربية؟

ظاهرة الهجرة غير النظامية هي ظاهرة قديمة، أي هي موجودة ما قبل التطورات التي شهدتها المنطقة العربية بين 2010 و2011، لأن الدوافع الكامنة وراء هذه الظاهرة موجودة قبل الثورة، لكن بعد الثورة ربما توفرت الظروف الأمنية والموضوعية للقيام بموجات هجرة كبيرة في المنطقة.
بالنسبة لتونس هذه الموجات موجودة منذ سنة 2000 ولكن طبيعة النظام كانت التعتيم وعدم توفر معلومات، خاصة أن النظام وقتها كان يتشدق بنجاحاته الاقتصادية، لكن هذه النجاحات كانت تُكذِّبها الأزمة الاجتماعية التي كانت إحدى تعبيراتها هي الهجرة غير النظامية، بالتالي فإن دوافع هذه الظاهرة موجودة ما قبل الثورة، لكنها تعمقت بشكل أكبر نتيجة الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي ترتبت إثر الأوضاع ما بعد الانتفاضات العربية، لأن المسارات الاقتصادية لم تتغير كما أن الثورة قد أفرزت ضغوطات اقتصادية واجتماعية جديدة.
في تونس بعد 2011 كان الخطاب يُركز على الشباب ومشاكلهم، ولكن هناك وعي من الشباب أن التغير الاقتصادي سيتأخر، وهو ما أدى إلى حدوث موجة كبيرة بين 2011 و2012 فقد وصل أكثر من 35000 تونسي إلى السواحل الإيطالية. وزارة الخارجية تعترف برقم 22000 لكن تقديراتنا أن العدد أكبر بكثير، فالأرقام الرسمية تستند على المُهاجرين الواصلين للسواحل الإيطالية المارين عبر السلطات الرسمية الإيطالية أو الأممية، ولكننا نعرف أن عديد من التونسيين ينجحون في الوصول إلى إيطاليا دون المرور عبر هذه البوابات الرسمية.
قمنا بإنجاز دراسة سنة 2016 حول رغبة الشباب التونسيين في الهجرة وقد كانت قبل الثورة 35% أما أثناء الثورة، أي في ما بين 2011 و2012، انخفضت إلى 31%، ربما لأنها كانت فترة انفتاح والخطاب الأساسي ارتكز على الاستجابة لمطالب الشباب، وكانت الفترة تتميز بحالة حرية عامة تشمل حُرية التنظم وحُرية التعبير وحُرية تكوين الجمعيات، مما فتح نوعًا ما من الآفاق ولكن في المقابل هناك جزء آخر من الشباب كان يرى أن هذا الانتقال سيتأخر.

ما أهم مواصفات الفئات الاجتماعية التي تلجأ إلى الهجرة غير النظامية؟

ملامح المُهاجر غير النظامي تطورت شيئًا فشيئًا، فقد أصبحنا اليوم نرى من بين المُهاجرين غير النظاميين المُعطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العُليا أو من هو في وضعية شُغلية هشَّة، كما أصبح هناك العنصر النسائي موجودًا ليس بنسب كبيرة ولكنه لم يكن متواجدًا قبل الثورة، وتبلغ النسبة الآن بين 3 و5%، كما من الممكن وجود عائلات فأصبحت بالتالي الهجرة غير النظامية مشروعًا عائليًا.
هناك فئة اجتماعية حافظت على وجودها وهي فئة المُعطلين والمُهمشين وهناك فئة جديدة هي التي لديها حظ من التعليم وفي بعض الوضعيات نجد العائلة وكذلك بعض الذين يشتغلون ولكن شُغلهم لا يُحقق لهم طموحاتهم باعتباره شُغلًا هشًا.
هذا ما يُمثِّل تغيرًا في ملامح المُهاجر غير النظامي
هذه الاحتجاجات الاجتماعية لها علاقة غير مُباشرة بالهجرة غير النظامية، التغير الذي حدث في العوامل الدافعة للهجرة بعد الثورة فقد كان هناك مطالب اجتماعية مُلحَّة جدًا، وهذا ما أدى إلى تفاقم الاحتجاجات في تونس، فبالأرقام مرت تونس من سنة 2014 وبلغ عدد الاحتجاجات حسب أرقام المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية 4900 إلى 10000 احتجاج اجتماعي سنة 2017، ولهذه الاحتجاجات علاقة غير مُباشرة بمسألة الهجرة غير النظامية، باعتبار عدم تعامل السُلطة مُتمثلة في الحكومات المُتعاقبة بعد الثورة لم تستجب بطريقة إيجابية لطلبات المُحتجين ولم تجد أي قناة للحوار والتواصل معهم رغم أن الحق في الشغل لم يكن المطلب الوحيد بل كانت هناك مُطالبة ببقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مثل الحق في الصحة والحق في التعليم والحق في التنمية المحلية والجهوية والحق في الماء، فقد تراجع دور الدولة في عدة جهات وهو ما أدى إلى وجود عوامل دافعة أكبر.
تعاملت الدولة مع الاحتجاجات الاجتماعية تعاملًا أمنيًا، فقد تعرَّض المُحتجون إلى القمع وإلى الملاحقات القضائية والإحالة إلى المحاكم، خاصة في الجهات الداخلية، وهو ما دفع بالشباب إلى الهجرة غير النظامية.
هناك ظاهرة أخرى عرفت ارتفاعًا بعد الثورة هي ظاهرة الانقطاع المدرسي، وهي ظاهرة كان مسكوت عنها، بعد صدور الأرقام الرسمية من الدولة آخر سنة 2013 أن هناك 100.000 مُنقطع كل سنة ولم يتم طرح ما هو مصير هؤلاء.
قام المنتدى التونسي بدراسة حول ظاهرة الانقطاع المدرسي سنة 2014، وحسب هذه الدراسة فهناك أكثر من نصف المُنقطعين عن الدراسة تستقطبهم شبكات الهجرة غير النظامية إضافة إلى شبكات التجارة الموازية والتهريب وحتى المجموعات الراديكالية.
كل سنة هناك 100.000 مُنقطع عن العمل تستقطب منهم منظومة التكوين المهني حوالي 27.000 وهي طاقة استيعابها، وهناك 70.000 يُلقى بهم إلى مثل هذه الظواهر، من العوامل المهمة أيضًا المناخ السياسي العام وحالة الإحباط الموجودة في البلاد فأصبح الخطاب السياسي يختزل الانتقال الديمقراطي في الانتخابات فقط بالرغم من أهميتها ولكنه همَّش الجانب الاقتصادي والاجتماعي، بل لقد انخرطنا منذ نهاية 2015 في مسار تماشى مع صندوق النقد الدولي، وأُجبرت الحكومة على القيام بعدة إجراءات وتدابير، خاصة تجميد الانتداب في الوظيفة العمومية وغيرها من الإجراءات التي ساهمت في مزيد من الاحتقان في الوضع العام، وخاصة وضع الشباب، كما أن هناك فقدان للثقة بين الشباب من جهة والعمل المدني والسياسي من جهة ثانية، وقد قُمنا بدراسة وتبين من خلالها أن بين 2 و3% من الشباب لهم نشاط مدني أو سياسي وحتى من يمارسون نشاطات مدنية وسياسية هُم مهمشون إذ يقومون فقط بالأدوار اللوجيستية والتعبوية، وبالتالي كأنها عملية إقصاء مُمنهجة للشباب من الحياة المدنية والسياسية.
من العوامل أيضًا تراجع دور الدولة في القيام بالخدمات الاجتماعية إذ هناك إشكاليات في القطاعات الأساسية في تونس في الصحة وفي التعليم وفي النقل، أي في كل ما له علاقة بحياة التونسيين، بالإضافة إلى الهاجس الأمني المرتبط بالعُنف والجريمة في الأحياء الشعبية خاصة وليس فقط المُتعلق بالإرهاب، إضافة إلى عدم تغير صورة الدولة فمازالت تُمثل الجهاز القمعي والعلاقة مازالت صدامية بين الشباب والأمن المُتمثِّل في مراكز الشرطة ومراكز الأمن في هذه المناطق، فالصورة الزجرية للدولة مازالت موجودة.
الفوارق الاجتماعية والاقتصادية التي قامت على أساسها الثورة بين جزء محظوظ وجزء من خريطة تونس غير محظوظ، ولهذه الفوارق تعبيراتها حتى داخل المناطق التي نعتبرها محظوظة باعتبار أن الأحياء الشعبية وأحزمة الفقر المُحيطة بالمدن الكبرى والمدن الساحلية تشتكي من نفس التهميش ونفس الفوارق التي تشتكي منها المناطق الداخلية.
لم تُغيِّر السياسات الاقتصادية والاجتماعية شيئًا منذ 8 سنوات، والنسب الرسمية المُتعلقة بنسب الفقر والبطالة ومُؤشر التنمية الجهوية يُبين أن الخدمات العمومية تراجعت. وبالتالي فإن من يشتغل شغلًا هشًا يعتبر نفسُه في وضعية عدم أمان واستقرار ويُصبح عمله الهش مصدرًا لتمويل الهجرة غير النظامية فقط لتغيير واقعه، وهذا ما نراه أيضًا فيما يخص الهجرة المنظمة إذ نرى آلاف الأطباء والمحامين وجامعيين ومهندسين يختاروا الهجرة رغم إمكانية العيش بالراتب المتوفر لهم، لكن الأمر أصبح ليس فقط متعلقًا بالأمور المادية والاقتصادية بل إن هناك أمورًا متعلقة بانعدام الأمان وانعدام الثقة في المستقبل.

هل ساهم التضييق في السياسات المُتعلقة بالمُهاجرين في أوروبا في تنامي ظاهرة الهجرة غير النظامية؟

بعد صعود الخطابات المعادية للمُهاجرين، وصعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيضًا في الولايات المتحدة، أصبحت السياسات اليمينية المُعادية للمُهاجرين أكثر جرأة، ومرت إلى مراحلها القصوى التي تمثَّلت في التعامل مع أزمة المُهاجرين في اليونان وتركيا خاصة فيما يتعلق بالمُهاجرين السوريين، أما في البحر الأبيض المتوسط فتمثلت هذه السياسات خاصة في التضييقات التي تمت على سُفن الإنقاذ الإنسانية والتي كانت تلعب دورًا مهمًا في إنقاذ المُهاجرين ومساعدتهم إنسانيًا وكذلك تغيير صورة البحر الأبيض المتوسط كأكبر مقبرة في العالم.
بدأ التضييق على عمل المُنظمات التي تعمل في البحر الأبيض المتوسط لسحب عملها، ووصل الأمر إلى تجريم النشطاء الذين يقومون بهذه الأعمال، وهناك مُلاحقات ضد العديد منهم خاصة في إيطاليا، وكانت النتيجة أن هذه المنظمات انسحبت مُرغمة من عملها الإنساني.
تزامنت هذه السياسات بسياسات أخرى من الجانب الليبي، فقد قامت الحكومات الأوروبية بجملة من الاتفاقات مع الميليشيات الليبية لغلق طريق الهجرة عبر ليبيا، فهذه الميليشيات كانت تعتبر الهجرة غير النظامية مصدر تمويل لها، فجاءها طرف آخر ربما أعطاها تمويلًا أكبر مع اتفاقات أخرى غير مُعلنة، فتم التضييق على الهجرة عن طريق البحر، وقد زاد الخطر بعد انسحاب المنظمات الإنسانية خمس مرات حسب منظمة الهجرة الدولية.
الخيار الأوروبي واضح وهو لم يتغير، ويتمثَّل في غلق الحدود بل أصبحت الحدود الأوروبية تنطلق من السواحل التونسية والسواحل الليبية.
لم يُفلح الاتحاد الأوروبي في فرض منصات الإنزال في شمال إفريقيا، ولكنه حاول الالتفاف على هذه الفكرة، فتم إنشاء مراكز إيواء واستقبال في ليبيا والعمل على إجبار تونس على التعاون في مراقبة الحدود، فتم أخيرًا إهداءها سيارات رُباعية الدفع من طرف إيطاليا لمراقبة الحدود، وصدَّر كل الإشكاليات لتتحملها دول العبور أو دول المصدر.
كما يُطالب الاتحاد الأوروبي تونس بالتعاون فيما يخُص مسألة ترحيل المُهاجرين، ففي سنة 2017 هناك 2000 تونسي تم ترحيلهم من إيطاليا وإرجاعهم قسريًا إلى تونس دون ضمان الحد الأدنى من حقوقهم، وهؤلاء من الممكن أن يكونوا فريسة سهلة لأي مجموعة دون أي رعاية اجتماعية أو نفسية أو اقتصادية.

ما الإجراءات المُمكنة التي تُنظِّم ظاهرة الهجرة التي تُعتبر ظاهرة إنسانية؟

إن الهجرة لن تتوقف، وهي مُرتبطة بحق من حقوق الإنسان، وهو حق التنقل، ولكن لا يُمكن اختزال الهجرة غير النظامية في أنها أزمة إنسانية، بل هي أزمة سياسية، فهي أزمة سياسات دولية وأزمة سياسات وطنية متواطئة معها، وبالتالي يجب أن تكون المقاربة شاملة لمُعالجة الهجرة غير النظامية.
فرغم أهمية المُقاربة الإنسانية والحقوقية فهي غير كافية لمُعالجة الهجرة غير النظامية ويجب أن تتزامن مع مُقاربة سياسية وتنموية.

مقدمة

تُعتبر الهجرة غير النظامية واحدة من أهم الظواهر الخطيرة التي تعاني منها البلدان المتقدمة والنامية على حدٍ سواء، نظرًا لارتباطها بالعديد من الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فسوء الأحوال السياسية والاقتصادية يدفع الأفراد للهجرة من الدول النامية إلى تلك المتقدمة.
فتجد دول عديدة في هذه الهجرات تهديدًا لمصالحها الاقتصادية منها والاجتماعية والسياسية، والأمنية.
ودول جنوب المتوسط بحكم قربها الجغرافي من أوروبا، مستهدفة من طرف شبكات الهجرة السرية سواء عن طريق هجرة مواطني دول جنوب الصحراء، أو تهجير مواطنين إلى دول أخرى، وأضحت تلك الدول ممرًا ومقصدًا للعديد من المُهاجرين غير النظاميين.
وعرفت ليبيا كغيرها من دول جنوب البحر الأبيض المتوسط خلال العقدين الأخيرين ومازالت تناميًا غير مسبوق لظاهرة الهجرة غير النظامية، وبلغ عدد المُهاجرين الذين وصلوا إلى إيطاليا عبر الشواطئ الليبية خلال الفترة من 1 يناير 2016 إلى 22 أكتوبر 2016 (168.542) مُهاجرًا وعرف أن هناك (4.164) شخصًا لقوا حتفهم في عرض البحر.. وقد سمحت حدود ليبيا المترامية الأطراف وهشاشة السلطة بأن جعلت منها بلد عبور ومقصد في آن واحد، الأمر الذي بات يهدد الاستقرار والسلم الاجتماعي على المستويين الوطني والإقليمي. وللمواجهة اتخذ المُشرع الليبي جملة من الإجراءات والتدابير القانونية من خلال تجريمها، وإنزال العقوبات بمرتكبيها، ويأتي في مقدمتها القانون رقم (6) لسنة 1987 بشأن تنظيم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا وخروجهم منها، وأخيرًا القانون رقم (19) لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير المشروعة.

د. امهيدي محمد امهيدي
الرئيس بمحكمة أجدابيا الابتدائية

وتتمحور إشكالية هذه الورقة في الكيفية التي عالج بها المُشرع الليبي ظاهرة الهجرة غير النظامية، وما هي الوسائل والتدابير التي تبناها للحد منها ومحاصرتها وتوقيع العقاب على مرتكبيها؟ وما هي حدود الأنظمة القضائية لمكافحة هذه الظاهرة؟
سنحاول الإجابة عن هذه الإشكالية من خلال ثلاث فقرات، سأبحث في الأولى الآليات التشريعية لمكافحة الهجرة غير النظامية، وفي الثانية الآليات التنفيذية لمكافحة الهجرة غير النظامية، بينما أبحث في الثالثة حدود الأنظمة القضائية لمكافحة هذه الظاهرة.

الفقرة الأولى
الآليات التشريعية لمكافحة الهجرة غير النظامية

نظرًا لأن قانون العقوبات لا يحتوي أحكامًا تعالج ظاهرة الهجرة غير النظامية، وإزاء تنامي هذه الظاهرة، كان لابد للمُشرع من أن يتدخل لسد النقائص في هذا المجال لأجل مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، فأصدر بذلك القانون رقم (6) لسنة 1987 بشأن تنظيم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا وخروجهم منها والذي حل محل القانون رقم (17) لسنة 1962 بشأن دخول وإقامة الأجانب في ليبيا وخروجهم منها (أولاً)، ومن بعده القانون رقم (19) لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير المشروعة (ثانيًا).

أولًا: القانون رقم (6) لسنة 1987 بشأن تنظيم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا وخروجهم منها:

حدد هذا القانون شروط دخول الأجانب إلى ليبيا وإقامتهم بها وتنقلهم فيها، من حيث ضبط إجراءات دخولهم وإقامتهم وتنقلاتهم إذا كان حاصل على جواز، أو وثيقة سفر وتأشير صحيحة بالدخول، أو المرور، أو الإقامة.
ويُجرِّم القانون المُشار إليه الدخول إلى ليبيا والبقاء فيها بشكل غير نظامي، بيد أن هذا القانون لا يُميز بين المُهاجرين، أو اللاجئين، أو طالبي اللجوء، أو ضحايا الاتجار بالبشر، أو المُهاجرين ممن هُم عُرضة للضرر أو المُهاجرين الأطفال، أو غيرهم من المُهاجرين ممن هم بحاجة إلى حماية دولية لحقوق الإنسان.
وتم تعديل القانون رقم ((6 لسنة 1987 بالقانون رقم 2)) لسنة 2004 لتقيَّد شروط منح تأشيرات الدخول، واشترط التعديل على جميع الأشخاص من غير المواطنين باستثناء بعض الدول العربية الحصول على تأشيرة سارية لدخول البلاد، كما شدد هذا التعديل بعض العقوبات، ونص صراحة لأول مرة على مصطلح تهريب المُهاجرين، وعاقب على جريمة تهريب المُهاجرين بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن ألف دينار. كما يُنظم القانون رقم ((6 أيضًا ترحيل غير المواطنين إلى بلدانهم.
وقد جرَّم القانون دخول الأراضي الليبية والخروج منها من غير الأماكن المخصصة لها ، أو دون التأشير على جواز، أو وثيقة السفر، وقرر لها الحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين.

ثانيًا: القانون رقم (19) لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير المشروعة :

بدايةً تجدر الإشارة إلى أن القانون رقم (6) لسنة 1987 بشأن تنظيم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا وخروجهم منها يُعتبر مكملًا للقانون رقم (19) لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير المشروعة في حالة عدم وجود تعارض بينهما.
وقد أصدر المُشرِّع الليبي القانون رقم (19) لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير المشروعة بقصد تجريم ومكافحة الهجرة غير النظامية، كأول عمل تشريعي مُستقل يعنى بالتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة.
وأورد المُشرع عدة نصوص لتجريم الهجرة غير النظامية والأفعال المتصلة بها وكذا العقوبات المقررة في حالات ارتكاب هذه الجرائم، وذلك على النحو الآتي:
1 – جريمة الدخول إلى الأراضي الليبية، أو الإقامة بها دون إذن، أو تصريح من الجهات المختصة بقصد الاستقرار فيها، أو العبور إلى دولة أخرى: حيث أسبغت المادة الأولى من هذا القانون صفة المُهاجر غير الشرعي على كل من دخل إلى أراضي ليبيا، أو أقام بها دون إذن، أو تصريح من الجهات المختصة بقصد الاستقرار بها، أو العبور إلى دولة أخرى. وعقوبة تلك الجريمة الحبس مع الشغل، أو بغرامة لا تزيد عن ألف دينار (م1و6).
2 – جريمة إدخال المُهاجرين غير الشرعيين إلى البلاد، أو إخراجهم منها، أو نقلهم أو تسهيل نقلهم، أو إيوائهم، أو إخفائهم، أو إخفاء أي معلومات عنهم، أو إعداد وثائق سفر مزورة، أو توفيرها، أو حيازتها لهم: وقد حاول المُشرِّع اللِّيبي أن يُشدد العقوبات الخاصة عن تلك الأفعال بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد على عشرة آلاف دينار (م4/1).
3 – جريمة الانتماء إلى عصابة منظمة لتهريب المُهاجرين: وعقوبتها مشددة بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات وغرامة لا تقل عن خمسة عشر ألف دينار ولا تزيد على ثلاثين ألف دينار.
4 – جريمة تشغيل المُهاجرين غير الشرعيين: عاقبت المادة (3) من القانون كل من شغل مُهاجرًا غير شرعي بغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد على ثلاثة آلاف دينار. وتضاعف العقوبة إذا كان الجاني ممن عهد إليه بالعمل في حراسة المنافذ، أو نقاط العبور، أو المواتي، أو الحدود، أو مراقبتها (م 4/2). وتكون العقوبة السجن وغرامة لا تقل عن عشرين ألف دينار ولا تزيد على خمسين ألف دينار، إذا نتج عن نقل المُهاجرين غير الشرعيين إلى الداخل، أو الخارج عاهة مستديمة، وتكون العقوبة السجن المؤبد إذا ترتب على الفعل الوفاة (م 5).
5 – جريمة عدم إبلاغ عن جرائم الهجرة غير الشرعيَّة: يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد على خمسة آلاف دينار كل من يمتنع عمدًا عن اتخاذ إجراء مما يجب عليه قانونًا في الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الهجرة غير المشروعة فور إبلاغه عنها، أو إطلاعه عليها بحكم وظيفته، فإذا وقع الفعل نتيجة الإهمال كانت العقوبة الغرامة التي لا تقل عن خمسمائة دينار ولا تزيد على خمسة آلاف دينار (م 7).
6 – وجوب المصادرة: تحكم المحكمة بمصادرة المبالغ المحصلة من الجريمة، كما يحكم بمصادرة الأشياء ووسائل النقل أو الأشياء، أو الأدوات المستعملة، أو المعدة للاستعمال في ارتكاب جرائم الهجرة غير المشروعة، إلا إذا ثبت ملكيتها للغير حسن النية (م 10).
7 – إعفاء من العقاب: أعفى القانون كل من بادر بإبلاغ الجهات المختصة بمعلومات مكنت من اكتشاف الجريمة قبل تنفيذها، أو أدت إلى الحد من آثارها، أو اكتشاف مرتكبيها، أو القبض عليهم (م 8).
8 – الإبعاد: طبقاً للمادة (6) من القانون يجب إبعاد الأجنبي المحكوم عليه في إحدى الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الهجرة غير المشروعة من أراضي ليبيا بمجرد تنفيذه للعقوبة المحكوم بها. وإن كان المُشرِّع الليبي قد أغفل وضعية بعض الحالات الخاصة للمُهاجرين غير الشرعيين الذين يثبتون أنهم لا يستطيعون العودة إلى ديارهم خشية على حياتهم. كما أن المُشرِّع الليبي في قانون مكافحة الهجرة غير المشروعة لم يكفل للمُهاجر المبعد حق الطعن في قرار الإبعاد، بخلاف ما ذهب إليه المشرع الجزائري الذي أجاز الطعن في قرار وزير الداخلية المتضمن الإبعاد خارج الإقليم الجزائري، وذلك عن طريق دعوى يرفعها أمام القضاء الاستعجالي الإداري في أجل أقصاه (5) أيام تسري من تاريخ تبليغه بهذا القرار، وفي هذه الحالة، ونظرًا لحساسية الإجراء وخطورته، فإنه ينبغي على القاضي الاستعجالي أن يفصل في الدعوى في أجل أقصاه (20) يومًا ابتداء من تاريخ تسجيل الدعوى لدى كتابة ضبط المحكمة الإدارية .
9 – الضمانات القانونية للمُهاجر غير الشرعي: ينص القانون على معاملة المُهاجرين معاملة إنسانية تحفظ كرامتهم وحقوقهم وعدم الاعتداء على أموالهم ومنقولاتهم وذلك عند القبض عليهم (م 10)، ولكن على الرغم من هذا، فإن تقارير المنظمات الحقوقية تشير إلى وجود العديد من الانتهاكات لحقوق المُهاجرين بمراكز الاعتقال في ليبيا، كالاحتجاز التعسفي وظروف الاحتجاز اللاإنسانية، والتعذيب، والعمل الجبري، والعنف الجنسي، وسوء المعاملة .
وتجدر الإشارة إلى أن ليبيا قد صادقت على جملة من الاتفاقيات والبروتوكولات المكملة لها في مجال مكافحة الجريمة المنظمة وتهريب المُهاجرين، وهي على النحو التالي:
(أ) اتفاقية الأمم المتحدة لقمع الجريمة المنظمة عبر الوطنية نيويورك 15/11/2000: اعتمدت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (25) في الدورة (55) في 15 نوفمبر 2000، وقد وقعت عليها ليبيا في 13/11/2001، وصدقت عليها في 18/6/2004.
(ب) بروتوكول مكافحة تهريب المُهاجرين عن طريق البحر والبر والجو المكملة لاتفاقية الأمم لقمع الجريمة المنظمة عبر الوطنية – نيويورك 15/11/2000: اعتمدت بموجب قرار الجمعية العامة رقم (25)، الدورة (55). وقد وقعت عليها ليبيا في 13/11/2001 ، وتم التصديق عليها في 24/9/2004.
(ج) الاتجار بالبشر: بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال المكملة لاتفاقية الأمم المتحدة لمنع الجريمة المنظمة عبر الوطنية، نيويورك 15/11/2000: اعتمدت بموجب قرار الجمعية العامة رقم (25)، الدورة (55). وقعت عليها ليبيا في 13/11/2001، وصادقت عليها في 24/9/2004.

طبقًا للمادة 5 من بروتوكول مكافحة تهريب المُهاجرين عن طريق البر والبحر والجو المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية لا يصبح المُهاجرون عرضة للملاحقة الجنائية، نظرًا لكونهم هدفًا للسلوك المُبين في المادة 6 من هذا البروتوكول, في حين نجد المُشرع الليبي قد أقر بالمسؤولية الجنائية للمُهاجر غير الشرعي

مسؤولية المُهاجرين الجنائية:

طبقًا للمادة (5) من بروتوكول مكافحة تهريب المُهاجرين عن طريق البر والبحر والجو المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية لا يصبح المُهاجرون عرضة للملاحقة الجنائية، نظرًا لكونهم هدفًا للسلوك المُبين في المادة (6) من هذا البروتوكول.
في حين نجد المُشرع الليبي قد أقر بالمسؤولية الجنائية للمُهاجر غير الشرعي وأفردت له المادة (6) من قانون مكافحة الهجرة غير المشروعة عقوبة الحبس، أو الغرامة التي لا تزيد على ألف دينار والإبعاد عن التراب الليبي. الأمر الذي حمل البعض على المناداة بلزوم تعديل القانون المذكور بما يتناغم والمادة (5) من بروتوكول مكافحة تهريب المُهاجرين سالفة الذكر.
وإن كانت المحكمة العليا قد أكدت بمناسبة حكمها في الطعن الدستوري رقم 1/57 ق بجلستها المنعقدة بتاريخ 23/12/2013 أنه من المقرر أن الاتفاقيات الدولية التي ترتبط بها الدولة الليبية تكون نافذة مباشرة بمجرد إتمام إجراءات المصادقة عليها من السلطة التشريعية في الدولة، وتكون لها أسبقية التطبيق على التشريعات الداخلية، بحيث إذا حدث تعارض بين أحكامها وأحكام التشريعات الداخلية، فإن أحكام الاتفاقية هي الأولى بالتطبيق، ودون حاجة إلى تعديل أي تشريعات داخلية قد تكون متعارضة معها.
يبدو أن العديد من دوائر الجنح والمخالفات بالمحاكم الجزئية لم تعمد إلى تطبيق المبدأ المذكور في أحكامها بإهمال النصوص التي تُجرم وتُعاقب المُهاجر غير النظامي في القانون رقم (19) لسنة 2010 سالف الذكر، التي تتعارض مع حكم المادة (5) من بروتوكول مكافحة تهريب المُهاجرين المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية التي تعفي المُهاجرون من الملاحقة القضائية باعتبارهم ضحية وليسوا مجرمين.

الفقرة الثانية
الآليات التنظيمية لمكافحة الهجرة غير النظامية

تتولى وزارة الداخلية (أمانة اللجنة الشعبية للأمن العام سابقًا) حسبما هو وارد في القانون رقم (19) لسنة 2010 مهام ضبط جرائم الهجرة غير النظامية وضبط الأموال المحصلة من الجريمة ووسائل النقل المستخدمة في التهريب وإحالة المقبوض عليهم إلى الجهات القضائية، ومراقبة المنافذ والحدود من خلال عدة أجهزة ومصالح وإدارات مركزية يأتي على رأسها جهاز مكافحة الهجرة ومصلحة الجوازات والجنسية التي نستعرض مهامهما وفق الآتي:-
أولًا: جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعيَّة:
تم إنشاء جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعيَّة بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 386 بتاريخ 4 يونيو 2014 مقره الرئيسي في طرابلس وله عدة فروع في باقي أقاليم الدولة، وهو يتبع وزارة الداخلية، إلا أنه يتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، ومنح عدة اختصاصات تنفيذية .
ثانيًا: مصلحة الجوازات والجنسية:
ارتبط إنشاء مصلحة الجوازات والجنسية بدولة الاستقلال سنة 1951، ومرت بمراحل تطور عديدة آخرها سنة 2008 عندما تحولت الإدارة العامة للجوازات إلى مصلحة الجوازات والجنسية بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (314) لسنة 2008 ومقرها الرئيسي في طرابلس، وهي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، ولها فروع في كافة المدن الليبية وتضطلع المصلحة بالمهام الآتية:
1 – إصدار ومنح جوازات السفر والبطاقات الوطنية وتنظيم الحصول عليها.
2 – ضبط حركة الدخول والخروج إلى ليبيا عبر المنافذ المعتمدة.
3 – إصدار الموافقات بمنح تأشيرات الدخول والمرور للأجانب عن طريق القنصليات.
وتتبع المصلحة عدة إدارات لها علاقة مباشرة بمكافحة الهجرة غير النظامية وعلى رأسها إدارة مباحث الجوازات، وتتولى أعمال البحث والتحري وضبط المخالفين للقوانين المنظمة للدخول والخروج والإقامة في الأراضي الليبية. وكذلك إدارة المنافذ التي تتولى مراقبة الجوازات داخل المنافذ الرسمية الحدودية والبحرية والمطارات، بالإضافة إلى مكتب شؤون الأجانب وفروع مصلحة الجوازات المنتشرة في مختلف المدن الليبية.
بالإضافة إلى ذلك توجد إطارات أخرى تهتم بشؤون الهجرة منها وزارة العمل والتأهيل والتي تتولى الإشراف على عملية حصر العمالة الوافدة في مختلف المؤسسات في القطاعين العام والخاص، كما أن وزارة الصحة تتولى منح الشهادات الصحية التي هي شرط أساسي للحصول على الإقامة، أو العمل في القطاعين العام والخاص .

الفقرة الثالثة
حدود النظام القضائي اللِّيبي في مُكافحة الهجرة غير النظامية

بداية نود الإشارة إلى أنه إدراكًا من المُشرع اللِّيبي بمدى أهمية ودقة وخطورة جرائم الهجرة غير النظامية بالنظر للآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية المترتبة عليها، تم استحداث محاكم ونيابات جزئية لمكافحة الهجرة غير الشرعيَّة، وقد وقع ضبطها بموجب قرار المجلس الأعلى للهيئات القضائية رقم (10) لسنة 2006 بإنشاء محاكم ونيابات لمكافحة الهجرة غير الشرعيَّة، وقد نص هذا القرار في مادته الأولى على أن تنشأ بدائرة اختصاص كل محكمة ابتدائية محكمة جزئية لمكافحة الهجرة غير الشرعيَّة تختص بالنظر في الدعاوى الجنائية المُتعلقة بالجرائم المنصوص عليها في القانون رقم (6) لسنة 1987 بشأن تنظيم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا وخروجهم منها، في حين نصت المادة الثانية من ذات القرار على إنشاء نيابة جزئية لمكافحة الهجرة غير الشرعيَّة بدائرة اختصاص كل نيابة كلية تختص بالتحقيق ورفع الدعاوى الجنائية ومباشرتها في الجرائم بالمخالفة لأحكام القانون رقم (6) لسنة 1987 المُشار إليه.
كما أصدر المجلس الأعلى للهيئات القضائية القرار رقم (62) لسنة 2010 بإنشاء محكمة ونيابتين جزئيتين متخصصتين. وقد نصت المادة الثالثة من هذا القرار على «تنشأ بدائرة محكمة شمال طرابلس الابتدائية محكمة جزئية تسمى (محكمة مكافحة الهجرة غير الشرعيَّة) تختص بالنظر والفصل في الدعاوى المرفوعة عن الجنح المنصوص عليها في القانون رقم (19) لسنة 2010 مُكافحة الهجرة غير الشرعيَّة وتتحدد دائرة اختصاصها بنطاق محاكم السواني وشمال وجنوب وشرق طرابلس الابتدائية»، في حين نصت المادة الرابعة من ذات القرار على إنشاء نيابة جزئية لمكافحة الهجرة غير الشرعيَّة بدائرة اختصاص محكمة مكافحة الهجرة غير الشرعيَّة المُشار إليها تختص بالتحقيق ورفع ومباشرة الدعوى في الجرائم المنصوص عليها في القانون رقم (19) لسنة 2010 المُشار إليه.
إلا أن تلك المحاكم المتخصصة لم تُفعَّل على أرض الواقع ولا ندري ما الأسباب الكامنة وراء عدم تفعيلها. ولكن تدق الصعوبة في مسألة الاختصاص القضائي بنظر جرائم الهجرة غير النظامية. فعملًا بمبدأ إقليمية القانون تمارس كل دولة سيادتها على إقليمها بتطبيق قوانينها داخل حدودها، بصرف النظر عن جنسية مرتكب الجريمة وذلك تطبيقًا للمادة (4) من قانون العقوبات الليبي التي تنص على أن “تسري أحكام هذا القانون على كل ليبي، أو أجنبي يرتكب في الأراضي الليبية جريمة من الجرائم المنصوص عليها فيه”. ويعني هذا المبدأ أن قانون العقوبات يُطبق على أي جريمة تقع داخل الإقليم الوطني بغض النظر عن جنسية مرتكبيه، أو المجني عليه، وينعقد الاختصاص القضائي وفقًا له بتحقق أحد العناصر المكونة للجريمة سلوكًا، أو نتيجة ولو كان الفعل غير معاقب عليه في البلد الأصلي، ومن ثم يجب تطبيق قانون العقوبات الوطني، وهو ما يفهم من نص المادة (5) من قانون العقوبات الليبي التي تنص على جريان أحكام قانون العقوبات على كل من ارتكب خارج البلاد فعلاً يجعله فاعلًا لجريمة وقعت كلها، أو بعضها في ليبيا أو شريكًا فيها.
غير أن هذا المبدأ يفقد صلاحيته للتطبيق بالنسبة لجرائم الهجرة غير النظامية باعتبارها عابرة للحدود، الأمر الذي يحتمل معه تنازع القوانين حيال الواقعة الواحدة، والذي يستتبع بالضرورة تنازعًا لاختصاص.
إن تحديد القانون الواجب التطبيق في جرائم الهجرة غير النظامية العابرة للحدود يقتضي تطبيق مبدأ عالمية النص الجنائي على جرائم الهجرة غير النظامية بحيث يسري النص الجنائي على كل جريمة يُقبض على مُرتكبها في إقليم الدولة أيا كان مكان ارتكابها وجنسية الفاعل، أو الجاني فالدولة التي تضبط المجرم عليها بمعاقبته ومحاسبته بحسب قانونها الوطني.
لكن الأخذ بمبدأ عالمية النص الجنائي على إطلاقه، بتطبيق قانون العقوبات على كل مجرم يقبض عليه في إقليم الدولة، أيًا كانت الدولة التي ارتكب فيها الفعل الإجرامي وأيًا كانت جنسية الجاني، قد يؤدي إلى تعارض بين قوانين الدول، إذ يجعل لكل دولة اختصاص بالنظر في أي قضية هي بالأصل من اختصاص قانون آخر، ويتعارض مع مبادئ قانون العقوبات نفسه الذي هو بالأصل قانون إقليمي، كل هذا يجعل تطبيق المبدأ أمرًا صعبًا من الناحية العملية، لذا فمن الأجدى تقييد المبدأ لينطبق على بعض الأنواع من الجرائم، منها جرائم الهجرة غير النظامية العابر للحدود، لتتضافر الجهود في مكافحة هذا النوع من الإجرام تشريعيًا وقضائيًا وتنفيذيًا.

التوصيات

1 – تعزيز التعاون الدولي والإقليمي في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، وحث البلدان كافة إلى الانضمام للاتفاقيات الدولية ذات العلاقة.
2 – ضرورة وجود تنسيق وتعاون أمنيين بين ليبيا ودول الجوار في مجال مُكافحة الهجرة غير النظامية.
3 – تعديل التشريعات الوطنية بما يتلاءم والاتفاقيات الدولية المعنية، وتغليظ العقاب فيما يتعلق بجريمة تهريب المُهاجرين بالنظر لخطورة الآثار المترتبة على تلك الجريمة.
4 – تفعيل محاكم ونيابات الهجرة غير الشرعيَّة، والرفع من كفاءة رجال الضبطية القضائية وأعضاء النيابة العامة والقضاة المعنيين بتطبيق قانون مكافحة الهجرة غير الشرعيَّة كل في مجال اختصاصه.
5 – تفعيل الاتفاقات الإقليمية والثنائية بين ليبيا ودول الجوار في مجال مكافحة الجريمة المُنظمة وعلى رأسها الاتفاقات المُبرمة مع إيطاليا ودول المغرب العربي، خصوصًا فيما يتعلق بتبادل الخبرات والمعلومات ومراقبة الحدود المشتركة.
6 – للتخفيف من حدة إشكالية الاختصاص، وبالنظر لخطورة جرائم الهجرة غير النظامية وتهريب المُهاجرين على نطاق واسع، وما ينتُج عنه من تبعات خطيرة، تبرُز الحاجة إلى استحداث محاكم دولية، أو إقليمه لمكافحة ظاهرة الهجرة غير النظامية على ضوء تجربة المحكمة الجنائية الدولية، أو إدراجها ضمن مشمولات الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

هل ترون أن ظاهرة الهجرة غير النظامية قد تفاقمت بعد التغيرات التي شهدتها المنطقة العربية؟

رغم أن الهجرة غير النظامية كانت موجودة حتى قبل التغيرات التي شهادتها المنطقة العربية وخصوصًا ليبيا ولكن الأمر مُتعلق بالنسبة وبنوع الانتهاكات التي أخذت أشكالًا وأنماطًا مُقلقة للغاية.

هل يمكن الرّبط بين الإجراءات المُتعلّقة بالهجرة في الضِفّة الأوروبيّة وتصاعد وتيرة الهجرة غير النظامية؟

رغم تغير سياسات الاتحاد الأوروبي القاسية والتي ضربت بعرض الحائط كل القيم والاتفاقيات التي صادقت عليها أوروبا ورغم ادعاء أوروبا أن عدد المُهاجرين الواصلين إلى شواطئ إيطاليا انخفض، يظل السؤال رقم الواصلين إلى إيطاليا قل ولكن كم الرقم الذي يدخل ليبيا وكم الرقم الذي يدخل البحر ويُفقد؟ هنا السؤال المهم؟

ما المواصفات الاجتماعية للفئة الأكثر انخراطًا في الهجرة غير النظامية؟

فئة القاصرين وغير المصحوبين أرقامهم كبيرة، كما أنه من المُلفت أعداد النساء التي هي في ازدياد.

هل يمكن اعتبار أن الهجرة غير النظامية تعود لأسباب اقتصادية بالأساس؟

لا يمكن الجزم بذلك لو تحدثنا على الأعداد التي تدخل ليبيا الكثير منهم طالبي حماية مثل السوريين واليمن والصومال وإريتريا، جميعهم فارين من النزاعات والخوف من الانتقام، حاليًا غالبية من هم في مراكز الاحتجاز في ليبيا هم من فئة طالبي اللجوء.

ما أهم تأثيرات ونتائج الهجرة غير النظامية؟

التأثيرات تطال دول المصدر والعبور والمقصد، ولكن التأثير الحقيقي هو بلد المصدر التي تَفرُغ من مواطنيها على دُفعات مُخيفة خصوصًا عندما يكون بينهم الأطفال غري مصحوبين والنساء وما يتعرضون له أثناء رحلاتهم، أعتقد أن العالم أصبح يتعامل ببشاعة حيال ملف الهجرة وجل التركيز على بلد العبور والمقصد، وأن المُهاجرين وطالبي اللجوء كانوا سببًا في عدم الاستقرار والفوضى في البلد المقصد.

هل تقتصر تأثيرات الهجرة غير النظامية على المُهاجرين أم تمتد إلى عائلاتهم والمُحيطين بهم؟ وما طبيعة هذه التأثيرات؟

لا يوجد أدنى شك أن كل المُحيطين بالمُهاجرين وطالبي اللجوء هم متأثرين بشكل مباشر من جميع النواحي النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ففقد أبنائهم وذويهم وذهابهم لمصير الصحراء المجهول هو أمر مرعب، كما أن غالبية المُهاجرين وطالبي اللجوء يتعرضون للخطف والابتزاز وهو مُمنهج ويطال كذلك عائلاتهم حين يُطلب منهم دفع الأموال مقابل إطلاق سراح أبنائهم.

البعض يعتبر أن الهجرة غير النظامية خرجت من منطق الظاهرة المعزولة وتحوّلت إلى تقليد مجتمعي في تونس على سبيل المثال فهل هذا صحيح؟

كلام يُناقض الحقيقة، فكُل الهجرات لها أسبابها حتى التي يُقدِم عليها الشباب ويوصف أنه مُندفع ومُتهور ويلهث خلف سراب جنة أوروبا، هذا طرح يحاول يجد مبررات وأعذرًا على فشل تلك الحكومات، جميع الهجرات حتى ذات الدوافع الاقتصادية لم يُقدم عليها الشباب العربي إلا بعد أن استنفذوا كل سُبل العيش بل هم كانوا قابلين بالعيش تحت خط الفقر ولكنهم حُرِموا من ذلك، اجتمعت عليهم الأوضاع الاقتصادية والتضييق الأمني ناهيك على الشعور بالفارق الشاسع بينهم وبين دول تُعتبر جوار لهم على سبيل المثال دول الخليج.

نظرًا للتغيّرات التي طرأت على المنطقة بعد الثورة، هل يُمكن أن تتحول الهجرة غير النظامية إلى معبر للإرهابيين يصلهم بأوروبا؟

مُنذ القِدَم الهجرة موجودة وسوف تستمر فهي هجرة مُختلطة تجد في نفس الركب أو القافلة مُهاجرين ومعهم طالبي لجوء ومعهم مُهربين ومعهم مُجرمين «إرهابيين» ولم يثبُت أن الجماعات المتطرفة انتقلت كجمعيات عبر البحر أو حتى الصحراء بأعداد كبير حتى يُقال إنهم سوف يستغلونها كطريق إلى أوروبا، فالتطرف موجود في أوروبا من عدة أطراف وجل الأعمال التي حصلت في أوروبا كان أصحابها من مالكي الجوازات الأوروبية وهم مواليد أوروبا.

من حسب رأيكم يتحمّل المسؤوليّة أو ما ترتيب تحمل المسئوليات؟

المسؤولية يتحملها المُجتمع الدولي وصناع القرار، فالحل ليس بالمستحيل، التنمية في دول المصدر والحد من التدخل في دولهم وتغذية النزاعات سوف يكون له الأثر الكبير في الحد من الهجرة على الأقل تُصبح أكثر تنظيمًا وأمانًا على الأقل للأطفال والنساء.

هل يمكن اعتبار تفاقم ظاهرة الهجرة النظامية مؤشرًا على فشل الحكومات في استيعاب متطلبات وأحلام مواطنيها؟

لا يوجد أدنى شك.. فالحكومات وصُناع القرار هم سبب هذه الكارثة التي تقضي على عمر الشباب ومع الأسف يتزاحم الكبار والمتقاعدين على مناصبهم.

ما الإجراءات اللازمة لمُكافحة هذه الظاهرة على المستوى الحقوقي والقانوني؟

الاستمرار في مُطالبة السلطات وصُناع القرار بالالتزام بالاتفاقيات والمُعاهدات الدولية التي صادقت ووقعت عليها.
الضغط على الدول التي لم تُصادق مثل ليبيا أن تُصادق وتُفعِّل الاتفاقيات التي تُنظم وضع طالبي اللجوء.
أن يكون هناك عقد واتفاق أممي جديد يجعل من ميثاق الأمم المتحدة مرجعية في وضع ضوابط وخطة عاجلة لحل قضية طالبي اللجوء والحماية وأن تتحمل كافة الدول مسؤوليتها.
على المنظمات الدولية والمانحين من الاتحاد الأوروبي أن يُصَب دعمهم في صالح المشاريع الصغيرة والتنمية للشباب والقاصرين في إفريقيا ودول النزاعات.

لننطلق، عند الحديث عن الهجرة، من المبادئ العامة لحقوق الإنسان، وأهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يضمن حُرية تنقل الأشخاص من بلد إلى آخر، وحُرية التنقل هذه تشمل الحق في التنقل داخل أرض البلد أو خارجه، ولا يُمكن لأي دولة أن تمنع ذلك، كما يحق، حسب اتفاقية جنيف، لكل شخص أن يطلب اللجوء في بلد إذا ما تعرض للاضطهاد في بلده، بسبب آرائه السياسية أو مُعتقداته الدينية.

التضييق الأوروبي على الهجرة:

ذلك هو المبدأ العام، لكن الواقع أن الانتخابات في جل الديمقراطيات الغربية التي كان تركيز أحزابها فيما مضى على تقديم برامج اقتصادية واجتماعية، أصبحت اليوم ترتكز، في أغلبها، على مُحاربة الهجرة وصد المُهاجرين، بل أصبح مقياس النجاح في الانتخابات، في أحيانٍ عديدة، هو مدى الحزم في مواجهة تدفقهم عبر البحر، والحد من قبول مطالب اللجوء، بناءً على أفكار مُسبقة نجح اليمين الأوروبي في ترويجها وهي أن المُهاجرين هو سبب كل أمراض المجتمع، ابتداء من البطالة إلى مظاهر العنف والتطرف.
وأمام صعوبة الحد من تدفق الهجرة غير النظامية، خاصة، بسبب المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في بلدان جنوب المتوسط وارتفاع نسب الفقر، والأزمات والحروب الأهلية التي تنشب أحيانًا في البلدان الإفريقية، فقد ركزت بلدان شمال المتوسط على الحلول الأمنية الصارمة ومُراقبة البحر بكل الوسائل الإلكترونية والبشرية المُمكنة، ووصل الأمر أخيرًا إلى منع منظمات المجتمع المدني من إسعاف المُهاجرين في البحر، مما جعل نسب الوفيات ترتفع رغم تراجع عدد المُهاجرين غير النظاميين.

مسعود الرمضاني
الناشط الحقوقي والرئيس السابق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

فقد أغلقت إيطاليا موانئها أمام سفينة إنقاذ المُهاجرين “أكواريس” التي كانت تُقل حوالي ستمائة مُهاجر غير نظامي جرى إنقاذهم في البحر، مما جعل السفينة تنهي مهامها في البحر، مُرجعة الأسباب إلى المضايقات التي تتعرض إليها من دول مثل إيطاليا ومالطا وفرنسا، وصلت هذه المضايقات إلى حد منع السفينة من التسجيل في الموانئ، “فشلنا في الدفاع عن أنفسنا ضد غزو المُهاجرين” ( فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر)
أمام الأزمات الاقتصادية التي تهز أوروبا وفشل الأحزاب التقليدية في إيجاد الحلول المناسبة للقضايا الاجتماعية المُلحّة، وأمام تدفُّق المُهاجرين من دول الشرق الأوسط وإفريقيا، وسط خوف أوروبي شعبي من فقدان مواطن الشغل، في واقع هشاشة التشغيل التي تجتاح العالم، وفي واقع التقوقع داخل هويات مُنغلقة، والخوف من فقدان “الهوية الأوروبية”، تحولت الهجرة إلى قضية رئيسية يُستفتى من خلالها اليمين الأوروبي مدى إيمانه بالقيم الإنسانية التقليدية، وقد استغل اليمين الشعبوي هذا الخوف وركّز، خلال حملاته الانتخابية على “التهديدات” التي تواجه أوروبا، اجتماعيًا وثقافيًا: ففاز رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، من خلال شعاره في الذود “عن القيم المسيحية” وفازت الرابطة اليمينية الإيطالية بقيادة ماتيو سالفيني بفضل عدائها للمُهاجرين.
أمام الفوز الساحق الذي ما انفكت الأحزاب اليمينية تُحققه على خلفية الموقف الصارم إزاء المُهاجرين، بدأت الأحزاب الأخرى تُدرك أن الفوز في الانتخابات لا يُمكن أن يتحقق عبر الشعارات التقليدية حول العدالة الجبائية والتشغيل والرعاية الاجتماعية.. وأنه لا يمكن إقناع الناخب الأوروبي إلا بموقف واضح من قضية الهجرة وقبول المُهاجرين، لكن تبني الموقف اليميني المُتطرف يبدو صعب الهضم لدى الأحزاب الأوروبية التقليدية، يُضاف إلى ذلك الخشية من أن مسألة الهجرة ستتسبب في تفتت الاتحاد الأوروبي الهش، إذ يبدو أن كل بلد يُريد ترحيل الموضوع إلى البلد المجاور عوضًا عن إبداء شيء من التضامن، وهو ما دفع بوزير الداخلية الإيطالي، إنزو مافيرو ميلانزي، إلى “مُخاطبة ضمائر الحكومات الأوروبية” داعيًا دول الاتحاد الى إقامة منصات فرز “في دول المنشأ والعبور” للمُهاجرين حتى يتم التعامل مع مطالب اللجوء بأكثر سهولة، وكذلك لمحاولة “إقناع المُهاجرين بعدم المُضي قدمًا إلى أوروبا”.
إلا أن أهم ما جاء في تصريح الوزير الإيطالي هو دعوته أوروبا تغيير سياستها نحو الهجرة وطلب آلية إلزامية، تُلزم أوروبا بإعادة توزيع طالبي اللجوء. وذلك هو مربط الفرس وسبب الخلاف بين الدول الأوروبية.

تغيير تشريعات دبلن؟

تُريد إيطاليا التخلص من تشريعات دبلن التي تنص على أن مطالب اللجوء تُفحص في الدولة الأولى التي سجل بها الطالب وتُلح على ضرورة توزيع المُهاجرين على دول الاتحاد، وهو ما لم تقبله دول أوروبية أخرى من أمثال المجر والنمسا، ومعلوم أن كلًا من إيطاليا واليونان هما الأكثر عُرضة لقبول المُهاجرين، باعتبارهما بوابتي أوروبا في المتوسط، ولكن بعد الاتفاق الذي وقِّع مع تركيا سنة 2016، للحد من الهجرة غير النظامية، أصبحت إيطاليا الدولة والوجهة المُحبذة لراكبي قوارب الموت.
خلال الاجتماع الذي انعقد بمدينة بروكسل يوم الخميس 28 يونيو 2018، تعمق الخلاف بين مختلف البلدان الأوروبية حول من يتحمل مسؤولية المُهاجرين الوافدين، واللافت خلال القمة هو سيطرة خطاب اليمين المتطرف على النقاشات، سيطرة أعطت انطباعًا بأن الهجرة هي أهم القضايا الأوروبية وبأن القارة “تقبع تحت حصار المُهاجرين” وذلك رغم الانخفاض الكبير في عدد هؤلاء خلال الأشهر الأولى من سنة 2018 .

منصات الإنزال في بلدان شمال إفريقيا:

قُبيل قمة بروكسل، قال رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، دونالد تاسك، إن المجلس سيُقدم مقترحًا نمساويًا دنماركيًا، يدعو إلى منصات إنزال خارج دول الاتحاد، سيتم فيها فرز المُهاجرين بين مستحقي اللجوء الذين يحتاجون إلى حماية دولية والمُهاجرين لأسباب اقتصادية، وتُدير هذه المنصات وكالات أوروبية، تقبل بالنظر في المطالب الأولى بينما يقع استبعاد الصنف الثاني بالسرعة اللازمة والكُلفة الأقل، وحسب مسودة الوثيقة التي قدمها تاسك للمجلس فإن “مثل هذه المنصات ستوفر إجراءات سريعة للتمييز بين الصِنفين وتقليص الحافز للشروع في الرحلات المحفوفة بالمخاطر” أي ركوب البحر إلى أوروبا .
للتذكير فقط ، فإن فكرة المنصات ليست جديدة تمامًا، إذ سبق لوزير الداخلية الألماني الأسبق، توماس ديميزر، أن اقترح سنة 2014 إنشاء “مراكز ترحيب” في إفريقيا بغية تقليص عدد الوفيات في البحر.

غياب الوضوح:

لكن الاقتراح، الذي صاحبه كثير من التكتم والغموض، بقيت عديد الأسئلة تحوم حوله دون إجابة، منها مثلا من سيُحدد مقاييس قبول مطالب اللجوء؟، وكيف سيتم التفاوض مع دول المنشأ؟، وماذا لو رفضت دول المنشأ عودة مُهاجريها الذين لم يقع قبول مطالبهم؟، خاصة إن هناك تعهدات بعدم إرجاع هؤلاء قسرًا إلى بلدانهم.

رفض دول شمال إفريقيا:

بعد تداول موضوع المنصات إثر اجتماع القمة الأوروبية في بروكسل في يونيو الماضي 2018، أجمعت المواقف الرسمية لبلدان جنوب المتوسط تونس والجزائر والمغرب وليبيا ومصر على رفض تركيزها، وهي من المرات القلائل التي تلتقي فيها هذه البلدان حول موقف تجاه السياسات الأوروبية.
وزير الخارجية التونسية، مثلًا قال: إن بلاده لا تقبل “بفتح هذه المنصات لاستقبال أو تجميع المُهاجرين غير الشرعيين ونرفض تمامًا إقامتها على أراضينا”.
ولا يختلف موقف المجتمع المدني التونسي عن الموقف الرسمي حول المنصات ولو، أحيانًا، لاعتبارات مختلفة، حيث عبر الاتحاد العام التونسي للشغل في بيان صادر بتاريخ 6 أوت/أغسطس 2018، عن رفضه أن تتحول تونس إلى منصة إيواء للمُهاجرين و”شرطيًا لحراسة الشواطئ الأوروبية”.
وعبَّر المُنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن تثمينه للموقف الرسمي التونسي الرافض لتركيز المنصات وجدد دعوته الحكومة التونسية “للتمسك بهذا الموقف في وجه كل الضغوطات المُرتقبة والمساومات وذلك احترامًا للثورة التونسية ومبادئ دستور جانفي 2014” (3 جويلية 2018).

فشل محاولة أوروبية يمينية للتصدي للمُهاجرين:

محاولات عديدة لثني المُهاجرين سبقت اقتراح المنصات، منها الدعاية المضادة في البحر ومواجهة فرق الإغاثة، فخلال شهر أوت/أغسطس 2017، منع البحارة التونسيون سفينة “سي ستار” التي كانت تحمل نشطاء من مُنظمة “جيل الهوية”، وهي مُنظمة يمينية تدعو “للدفاع عن أوروبا” وترفع شعارات ضد المُهاجرين من قبيل “لا تجعلوا من أوروبا موطنًا لكم” من التزود بالوقود والغذاء في ميناء صفاقس، بعد أن وقع منعها من الإرساء في ميناء جرجيس، وذلك بعد توافد معلومات على أن السفينة تقوم بمهمة اعتراض السفن والقوارب التي تحمل مُهاجرين وتمنع عنهم الإغاثة والمساعدات الإنسانية، وكانت السفينة قد جمعت لهذا الغرض تبرعات قُدرت بحوالي 170 ألف يورو، خُصصت “لمطاردة المُهاجرين” ومنعهم من الوصول إلى سواحل أوروبا .
وكان الاتحاد العام التونسي للشغل قد توجه بنداء إلى البحارة التونسيين حتى لا “يتركوا باخرة العنصرية” تُدنس موانئ تونس. كما توجه المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بنداء إلى البحارة التونسيين حتى لا “يتعاونوا مع من يُروج للعنصرية والكراهية .”

خلال شهر أوت/أغسطس 2017، منع البحارة التونسيون سفينة “سي ستار” التي كانت تحمل نشطاء من مُنظمة “جيل الهوية”، اليمينية المدعوة “للدفاع عن أوروبا” والتي ترفع شعارات ضد المُهاجرين من قبيل “لا تجعلوا من أوروبا موطنًا لكم” من التزود بالوقود والغذاء في ميناء صفاقس، بعد أن وقع منعها من الإرساء في ميناء جرجيس

ليس رفض تونس فقط:

خلال زيارته لموريتانيا في جويلية الماضي، فشل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون في إقناع الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، بخطته في إقامة محطة إنزال للمُهاجرين، إذ يرى هذا الأخير أن موريتانيا لن تقبل بذلك وأن “حل قضية الهجرة ليس في بناء مراكز الإيواء لاستقبال المُهاجرين، بل في معالجة أسباب الهجرة” التي تتلخص حسب رأيه في مُساعدة البلدان التي ينتمي إليها هذا الشباب على تخطي الفقر والبطالة ، مصر بدورها عبَّرت عن رفضها أن “تكون فِنائًا خلفيًا لحل مشكلات الهجرة الأوروبية.

تراجع أوروبي؟

خلال مؤتمر صحفي انعقد بتونس في 26 أكتوبر 2018، أكد جون كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، أن تونس لن تكون منصة لوضع مُخيمات المُهاجرين وفرزهم، “وأن طرح مثل هذه القضية ليس في جدول الأعمال، بل ولا يجب أن تُطرح أصلًا .
ويبدو أن هذا التراجع يعود إلى الموقف الرافض للبلدان الإفريقية، بعد أن تجندت بعض البلدان الإفريقية إلى جانب منظمة الوحدة الإفريقية لتعميم التصدي للمشروع لدى كافة بلدان القارة.
ونزل سقف المطالب الأوروبية من دول الجنوب إلى ما دون ذلك، حيث أكدت الناطقة باسم المفوضية، ناتاشا بارتو، في بداية نوفمبر 2018، أن الاتحاد يُحبذ “تسويات إقليمية لمسألة الهجرة والانزال” .
أي أن الاتحاد بدأ في تحضير اتفاقات مُحددة مع دول بعينها، تُقدم بمقتضاها الدول الأوروبية مساعدات مالية مقابل أن تلتزم دول جنوب المتوسط بمراقبة أكثر حزمًا للهجرة غير النظامية.
وهذا بالضبط ما يسعى إليه الاتحاد الأوروبي الآن، حيث تجري نقاشات مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، حول “تمويلات سخية” مقابل القيام بإجراءات أكثر تشددًا لمراقبة الهجرة، ومن المتوقع أن تطلب مصر مساعدات مالية وقروضًا بتسهيلات مُجزية مقابل ذلك، وكذا الشأن بالنسبة لتونس والمغرب وليبيا .
ويبدو أن تونس قد بدأت إجراءات الصرامة مُنذ مدة، خاصة خلال السنة الحالية، حيث، وحسب دراسة قام بها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإن عدد المُهاجرين الذين وقع إحباط محاولة اجتياز المتوسط خلسة قد ارتفع من 3187 سنة 2017 إلى 6369 سنة 2018، وذلك حتى شهر سبتمبر 2018.

ترحيل في كنف السرية؟

إلى جانب ذلك وبناءً على اتفاق تونسي إيطالي يرجع إلى سنة 2011، فإن عمليات الإعادة القسرية إلى تونس تجري أسبوعيًا، حيث تصل رحلات أسبوعية من إيطاليا إلى تونس، تُقدر بحوالي أربعين مرحّلًا أسبوعيًا وذلك بعيدًا عن أنظار المراقبين وفي صمت تام من السلطات التونسية، مما آثار استياء مُنظمات المجتمع المدني 13.

تلخيص:

محطات الإنزال للمُهاجرين هو اقتراح من مجلس الاتحاد الأوروبي في جوان/يونيو الماضي، خلال قمة بروكسل، ويهدُف إلى منع وصول المُهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا عبر إنشاء مراكز إيواء لهم في بلدان جنوب المتوسط، شمال إفريقيا تحديدًا، وذلك من أجل فرزهم وفحص مطالب اللجوء وإعادة من يثبت أنه هاجر لأسباب اقتصادية واجتماعية إلى بلده الأصلي، ويأتي هذا المسار في إطار السياسة الأوروبية الهادفة إلى التقليص من تدفق الأجانب وتكليف جهات خارجية بذلك، ولكن وجد هذا التوجه مُعارضة كبيرة من دول شمال إفريقيا والشرق المتوسط، على غرار تونس والجزائر والمغرب ومصر وموريتانيا وليبيا، كما كان له ردود فعل سلبية من منظمات المجتمع المدني، وذلك ليس فقط رفضًا للسياسات الأوروبية التي لا تحترم السيادات الوطنية، ولكن كذلك لعدم احترامه لحقوق الإنسان إذ حسب معاهدة جنيف، فإن لكل شخص الحق في مغادرة بلده وطلب اللجوء في أي بلد آخر يضمن سلامته، كما أن كثيرًا من الأموال التي ستُقدَّم إلى الحكومات في جنوب المتوسط، “ستهدى” لأنظمة جلها، لا تحترم حقوق الإنسان ولا حق طلب اللجوء وليست لها الضمانات القانونية لحماية المُهاجر، وإن ستُقلل هذه المنصات من الوفود إلى أوروبا، فإنها لن تُقلل من محاولات ركوب البحر والبحث عن ظروف أفضل للعيش، أمام آفات الفقر والبطالة وعدم الاستقرار التي يعيشها هؤلاء المُهاجرين في بلدانهم.
وحتى في بلدان جنوب أوروبا حيث أُقيمت مراكز إيواء المُهاجرين الفارين من جحيم الحروب والفقر في بلدانهم، فإن الأوضاع كانت سيئة للغاية وتزداد سوءًا، كلما ارتفع عدد المُهاجرين غير النظاميين، فقد حذَّرت مُنظمة “أطباء بلا حدود” التي زارت مُخيم “موريا” في جزيرة “ليسبوس” اليونانية في يوليو/جويلية الماضي 2018 أن “الوضع هناك يتدهور بشكل كارثي في ظل استمرار الاشتباكات وأعمال العنف وحوادث العنف الجنسي والأمراض النفسية داخل المُخيم الذي يستضيف 8 آلاف مُهاجر في حين أن طاقة استيعابه القصوى لا تزيد على 3 آلاف” .
في السنوات الأخيرة، غلبت على السياسات الأوروبية، أكثر فأكثر المقاربة الأمنية، وأمام تواصل تدفق المُهاجرين، تسعى الآن بكل الطرق للتخلص من أزمة تدفقهم عبر ترحيلهم إلى بلد آخر من خلال إبرام صفقات مع الحكومات، وحسب المراقبين فإن كلا الحلَّين، الأمني أو الترحيل، غير ناجعين ما دامت هناك مُعضلات عميقة في جنوب المتوسط، منها الفقر والبطالة والقمع السياسي والحروب الأهلية.
وحتى اتفاق مراكش الأممي حول تحقيق “هجرة آمنة ومُنظَّمة ومُنتظِمة” التي صادقت عليه 164 دولة في العالم، خلال شهر ديسمبر الماضي، فقد أظهر انقسامًا حادًا ضمن دول الاتحاد الأوروبي، رغم صِبغته غير الإلزامية، حيث أثارت نقاط عديدة، منها “تحسين الخدمات الأساسية للمُهاجرين و”العمل على ألا يشوب تقديم الخدمات أي تمييز ضدهم” حفيظة حكومات اليمين في أوروبا.
أمام فشل كل المحاولات، ربما حان الوقت أن تنظُر أوروبا إلى الهجرة نظرة مُغايرة وتواجهها عبر استراتجية واضحة تستبعد ردود الفعل الأمنية، استراتيجية تأخذ في الاعتبار مبادئ حقوق الإنسان وتُكرِّس التضامن الدولي، عند ذلك فقط يتحول المُهاجرون، بكافة أصنافهم، من عبء إلى عامل إثراء تستفيد منه دول المنشأ والدول المُضيفة.

تسع سنوات من الانتقال السلمي السّلس للسلطة في تونس (6 رؤساء تعاقبوا على قصر قرطاج)

منذ سقوط حكم زين العابدين بن علي (7 نوفمبر 1987 – 14 جانفي/يناير 2011) تعاقب على قصر قرطاج ستّة رؤساء من مختلف المشارب السياسية والفكرية والايديولوجية. عمليّة انتقال السلطة وتسليمها من رئيس لآخر تمّت، كلّها بلا استثناء، بشكل سلمي سلس، في سابقة جسّدها «الاستثناء التونسي» في المنطقة تؤرّخ لحقبة سباسية جديدة ليس فيها دم ولا انقلابات ولا تعسّف على ما اختاره الشعب.

قصف جوي لمنطقة الفرناج بطرابلس: حتّى لا تسقط هذه الجرائم بالتقادم

قامت طائرة تابعة لعملية الكرامة صباح أول أمس الاثنين 14أكتوبر 2019 بقصف مجمع سكني في منطقة الفرناج بطرابلس ما أسفر عن عدد من الوفيات والجرحى بينهم ثلاثة أطفال وامرأة حسب بيان وزارة الصحة التابعة لحكومة الوفاق الليبية.

يأتي هذا القصف في إطار إطلاق الماريشال خليفة حفتر عملية عسكرية تحت مسمى طوفان الكرامة بغية السيطرة على مدينة طرابلس بتاريخ 4 أبريل 2019 حيث انطلقت العمليات العسكرية بين طرفي الصراع واستمرت الى حد الان.

الصور من صفحة وزارة الصحة بحكومة الوفاق الوطني في الفايسبوك

منذ بداية الهجوم على طرابلس في أبريل الماضي شهدت ليبيا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتم استهداف مدنيين من خلال الغارات الجوية والقصف على الأحياء السكنية والمدارس والمطارات. كما تم اختطاف نشطاء وإخفاءهم قسريا في عدة مناسبات. لعل من أهم الأحداث خلال الفترة الاخيرة اختطاف النائبة سهام سرقيوة عضو مجلس النواب من قبل مسلحين مجهولين غداة مطالبتها عبر قناة “ليبيا الحدث” التلفزيونية المؤيّدة لحفتر القائد العام للقوات المسلحة المعين من قبل مجلس النواب في شرق ليبيا، بوقف المعارك الدائرة بين قوات الأخير وحكومة الوفاق في جنوب العاصمة، كذلك تمّت تصفية الناشط المدني أحمد الكوافي ومحاولة اخفاء جثته في البحر.

وفي ظل غياب رادع قانوني يحمي المواطنين، أصبحت حياة المدنيين الليبيين في عموم البلاد هدفا مشروعا للمتصارعين في ظل خذلان وصمت المجتمع الدولي.

نشطاء ومدنيّون ليبيّون أبرياء تحت القصف الجوّي

وفي هذا السياق، يجدر ببعثة الامم المتحدة للدعم في ليبيا، وكذلك بعثة الاتحاد الاوروبي في ليبيا تحمل مسؤولياتهما كاملة في حماية المدنيين الذين تسيل دمائهم بين ثنايا الطرق وتحت أنقاض منازلهم عن طريق سعيها الحقيقي لتوثيق هذه الجرائم التي ترتقي في صفتها الي جرائم حرب، تمهيداً لتقديم مرتكبيها الى العدالة.

ان استمرار الوضع الحالي للصراع في ليبيا ينذر بنشوء بيئة تمكن المتصارعين من ارتكاب المزيد من الجرائم في حق المواطنين وخاصة في ظل غياب حقيقي لمفهوم الارادة الدولية في وقف او محاسبة هذه الاطراف وهذا ما يعتبر مؤشرا خطيرا جدا يهدد حياة المدنيين.

وبناء على ما سبق، فانّ مركز دعم التحوّل الديمقراطي “دعم” يدين هذه الجريمة النكراء التي تنتهك جميع المعاهدات والمواثيق الدولية، اذ تؤكد اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12 أغسطس 1949 والبرتوكولين الاضافيين لسنة 1977 على ادانة قتل المدنيين بشدة في النزاعات المسلحة على نحو منتظم ومكثف. ويذكّر مركز “دعم” طرفَا الصراع بأنّ هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم وان مسار العدالة سيلاحقهم مهما طال الزمن.

ويجدّد مركز “دعم” مرارا وتكرارا مطالبته طرفي الأزمة بالتخلي عن الصراع المسلح والعودة إلى طاولة المفاوضات واستكمال طريق الملتقى الوطني الجامع.

كما يكرر مركز “دعم” دعوته المجتمع الدولي الى توحيد موقفه من الازمة الليبية وغلق الطريق على الاطراف الاقليمية التي تغذي وتشعل الصراع لرغبات كلها بعيدة عن الديمقراطية واحترام مبادئ وقيم حقوق الانسان، ويطالب كذلك جميع الاطراف الدولية والمنظمات الإقليمية بسرعة التدخل لوضع حل من اجل ايقاف هذا الصراع المدمر.

الخلفية

كانت جميع القيادات الليبية وأعضاء مجلس الأمن قد رحبوا بإعلان الممثل الخاص للأمين العام في 20 مارس 2019 بأن الملتقى الوطني سيُعقد في الفترة من 14 إلى 16 أبريل 2019 في مدينة غدامس، في ليبيا.

وهو الإعلان الذي تم بعد اللقاء الذي عُقدَ في 28 فبراير 2019 والذي كان بدعوة من الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا وبحضوره، في أبو ظبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد حضر الاجتماع كل من “فائز السراج” و”خليفة حفتر”. واتفق الطرفان خلال الاجتماع على ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية من خلال انتخابات عامة كما اتفقا على سبل الحفاظ على استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساته.

إلا أنه ودون سابق مقدمات بدأ الجنرال خليفة حفتر بالتصعيد والبدء بتحريك تشكيلات عسكرية في اتجاه العاصمة طرابلس بدعوة تحريرها من الميليشيات الدينية المتطرفة المُسيطرة على العاصمة، وأعلن في 4 أبريل 2019 عن بدء معركة “طوفان الكرامة” لتحرير العاصمة والتي وصفها بأنها ستنتهي في غضون 72 ساعة، إلا أنها باءت بالفشل بعد مضي ما يقرب من ثلاثة أشهر. مخلفًا وراءه كارثة إنسانية تسبّب بها الهجوم من آلاف القتلى والجرحى فيهم مدنيون كذلك وعشرات آلاف النازحين.

مصر: يد تعرض المصالحة ويد تستمر في التعذيب

مازال المشهد السياسي المصري يُراوحُ مكانه بل ويزداد سوءا يوما بعد يوم، فلا التعذيب توقّف ولا عصا القمع توقّفت عن التضييق على النشطاء واعتقالهم.

فبالرغم من حالة التفاؤل والترحيب التي جابهت بها جميع الأطراف السياسية في مصر مبادرةَ الصّلح التي طرحها الإعلامي عمرو أديب – المحسوب على النظام المصري- والتّي تتضمن الإفراج على المحبوسين على ذمة قضايا سياسية، إلا أنّ ما يحصل على أرض الواقع من مواصلة واستماتة في نهج القمع والايقافات العشوائية أسقط كلّ شرعيّة عن المبادرة وبيّن أنّها، كما جرت العادة، لم تكن سوى ذرّ رماد على العيون وفقاعة إعلامية أخرى لإلهاء النشطاء عن مواصلة النضال المشروع ضدّ الدكتاتورية.

 فلم تمر ساعات قليلة عن إطلاق مبادرة أديب حتّى دشّنت السلطات حملات اعتقال جديدة لمجموعة منتقاة من النشطاء. وقامت مجموعة أفراد بزي مدني بحوزتهم أسلحة وأجهزة لاسلكي، باختطاف الناشطة السياسية والصحفية إسراء عبد الفتاح، من سيارتها، فيما داهمت قوات شرطة بزي مدني منزل عضو حزب العيش والحرية عبدالله السعيد، وألقي القبض على مصطفى الخطيب مراسل وكالة أسوشيتد برس في القاهرة.

مصطفي الخطيب مراسل وكالة أسوشيتد برس في القاهرة
الناشطة السياسية والصحفية إسراء عبدالفتاح

إسراء تمّ عرضها يوم الاثنين 14 أكتوبر 2019، على نيابة أمن الدولة بصفتها متهمة في القضية رقم 488 التي تجمع عددا كبيرا من النشطاء والحقوقيين وفي مقدّمتهم المحامية الحقوقية ماهينور المصري والصحفي خالد داوود.  وتواجه اسراء، كغيرها من المحسوبين على القضيّة ذاتها، سيلا من الاتهامات المعتادة في نيابة أمن الدولة والتي تدور عادة في فلك “الانضمام الى تنظيم إرهابي، نشر اخبار كاذبة، إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”. وقد وصلت إسراء الى النيابة حاملة إصابات عديدة في جسدها تتمثّل في كدمات في وجهها ويديها وكتفها وأماكن متفرقة في جسدها.

ووثّقت إسراء في محضر التحقيقات أمام النيابة أنها تعرضت لتعذيب مبرح ومتواصل لمدة 24 ساعة في مقر احتجازها وذلك لمحاولة انتزاع كلمة سر هاتفها المحمول والتي ما ان صرحت بها حتّى توقّف التعذيب.

وتراوحت الاعتداءات على إسراء بين تغمية عينها وتوجيه ضربات متعددة في يديها ووجهها وجسدها، فضلا عن خنقها بملابسها وتعليقها من يديها وقدميها على ارتفاع من الأرض. وقد وثّقت في محضر التحقيقات اضرابها عن الطعام بعد أن اثبتت ما تعرضت له من تعذيب اثناء فترة احتجازها.

وعلى الرغم من توثيقها لأقوال إسراء وإثبات أثار التعذيب الواضحة بجسدها الّا أنّ النيابة لم تقم بفتح تحقيق في الواقعة أو سؤالها كمجني عليها أو عرضها على الطب الشرعي. في المقابل، وفي حركة مثيرة للاستغراب، قامت بإصدار أمر بحبسها احتياطيا لـ 15 يوما  وإرجاعها لعهدة السلطة التي قامت بتعذيبها قبل عرضها على النيابة – وقد كانت قد هُددت قبل الوصول للنيابة إنها إذا تحدثت عن التعذيب ستلقى المزيد منه عند عودتها- لكنّ نيابة أمن الدولة غضت بصرها عن كل الانتهاكات التي تعرضت لها إسراء ولم تُبال بالخطر الذي يواجهها حال عودتها مرة أخرى الى مقر الإحتجاز.

المادة 52 من الدستور المصري

"التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم."

المادة 126 من قانون العقوبات

"كل موظف أو مستخدم عمومي أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحمله على الاعتراف يعاقب بالإشغال الشاقة أو السجن من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات وإذا مات المجني عليه يحاكم بالعقوبة المقررة للقتل العمد"

يأتي هذا بعد أيام قليلة من إقرار كلّ من الناشط علاء الفتاح والمحامي الحقوقي محمد الباقر في جلسة تجديد حبسهم أمام نيابة أمن الدولة أيضا بتعرضهما للتعذيب حال وصولهما لسجن “طرة 2” شديد الحراسة بعد قرار النيابة بحبسهما إحتياطيا لـ15 يوما.  

انّ ما أتته النيابة من تجاهل لوقائع تعذيب المتهمين يعتبر مخالفة صريحة للمادة 52 من الدستور المصري والتي تنصّ على أنّ “التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم.”

وتجرّم المادة 126 من قانون العقوبات تعذيب المتهم لحمله على الاعتراف حيث نصت على ان “كل موظف أو مستخدم عمومي أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحمله على الاعتراف يعاقب بالإشغال الشاقة أو السجن من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات وإذا مات المجني عليه يحاكم بالعقوبة المقررة للقتل العمد”.

كما تضمنت نصوص الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية واتفاقية مناهضة التعذيب العديد من النصوص التي اهتمت بجريمة التعذيب والحد منها وتجريمها ومن هذه النصوص جاءت المادة 3  من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948 “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه”.

ونصّت المادة الخامسة من الإعلان ذاته على أنّه “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية والحاطّة بالكرامة”. ونصّت المادة 7  في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 ديسمبر 1966  على أنّه “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للعقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المعاملة الحاطه بالكرامة”.  ونصّت المادة 10  من الوثيقة ذاتها على التالي “يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة في الشخص الإنساني”.

 كما عرّفت المادة الاولى من اتفاقيه مناهضة التعذيب، التّعذيبَ على أنه “أيّ عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في انه ارتكبه هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو ارغامه هو أو أي شخص ثالث – أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز ايا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.”

تفاصيل ٢٤ ساعة من تعذيب اسراء عبد الفتاح حسب ما جاء في تدوينة للناشط المصري محمد صالح :

 ويشدد مركز دعم التحوّل الديمقراطي وحقوق الانسان (دعم) على أنه تم حظر التعذيب من قبل المجتمع الدولي استنادا على ما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 52/149 بتاريخ 12 ديسمبر 1997، بهدف القضاء التام على التعذيب وتفعيل أداء اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، حيث اعتبرت التعذيب جريمة جسيمة لا تسقط بالتقادم بموجب القانون الدولي.

إليانور روزفالت تتفحص النسخة الانجليزية الرسمية من الاعلان العالمي لحقوق الانسان

وتأتي تلك الانتهاكات بالتزامن مع استمرار حبس أكثر من ثلاثة ألاف مواطن مصري جراء حملات اعتقالات عشوائية في شوارع القاهرة والمحافظات الداخلية على خلفية تظاهرات 20 سبتمبر الماضي، علما أنّ تلك الأرقام مستندة إلى رصد المحامين الذين يقومون بالدفاع عن المتظاهرين الذين تم اعتقالهم، بالإضافة الى الرصد الذي تقوم به مجموعة من المنظمات الحقوقية المصرية.

35
مصري معتقلين على خلفية تظاهرات 20 سبتمير

ويطالب مركز “دعم” السّلطةَ القضائيةَ المصرية ممثلة في شخص المستشار النائب العام، بفتح تحقيقات عاجلة في الإنتهاكات التي تعرض لها النشطاء المذكورون أعلاه وباقي المحبوسين على ذمة قضايا 20 سبتمبر، كما كان يجدر به أن يبدأ التحقيق في تهم الفساد وإهدار المال العام خاصة في ظلّ وجود أدلة حقيقية واعتراف من رأس السلطة القضائية على مرأى ومسمع من الجميع، بدل ملاحقة المتظاهرين السلميين والنشطاء السياسيين، اذ لا سبيل لإقامة دولة عادلة إذا لم تتحرر سلطتها القضائية من قبضة السلطة التنفيذية وتقوم بدورها الرقابي والمحاسبي الحقيقي.

ويوجه مركز “دعم” كل الدعم لجميع النشطاء والمواطنين المنتهكين في السجون المصرية مجدّدا تأكيده مواصلته الدفاع عن حقوقهم المشروعة وحريتهم المسلوبة.

حول حادثة اقتحام مقاهي في العاصمة طرابلس

ان ما شهدته العاصمة طرابلس صبيحة يوم الاربعاء الموافق 9 اكتوبر 2019 عندما قامت قوة امنية ذات توجه سلفي  باقتحام بعض المقاهي في غرب العاصمة وقامت بترويع وخطف بعض روادها بتعلة “وجود اختلاط بين الذكور والاناث” حسب وصفهم .

 هذا السلوك هو منافي للقوانين الليبية التي تحفظ للمواطن حرية الحركة والتنقل والتمتع بحياة خاصة اضافة الى كونه انتهاك صارخ لكل المواثيق والعهود الدولية التي تحمي الحياة الخاصة للإنسان وتمنع التعدي عليها تحت أي ذريعة .

ان حالة الفوضى الامنية التي تعانيها البلاد بشكل عام والعاصمة طرابلس بشكل خاص نتيجة الحرب الدائرة اليوم على تخوم العاصمة, خلقت حركة واضحة للتشكيلات المسلحة مجهولة التبعية والتي تستغل حالة الفوضى للقيام ببعض السلوكيات المخالفة للقانون والتي تهدف لزعزعة استقرار المواطن وتمرير افكارها الغريبة على المجتمع الليبي .

وبالرغم من نفي وزارة الداخلية قيامها بإصدار أي أمر لأي جهة منطوية تحت إمرتها للقيام باقتحام المقاهي المذكورة فان هذا الامر لا يعفيها من مسؤوليتها في حماية المواطنين وحفظ كرامتهم وصون حياتهم وايقاف كل هذه السلوكيات العبثية التي تقوض من سيادة القانون وتعزز من استمرار حالة الفوضى في العاصمة .

وفي هذا السياق فان مركز دعم يدين هذا التصرف الغير مسؤول ويحمل الجهات الامنية في طرابلس حماية الحياة الخاصة للمواطنين وضمان حقهم في هذا السياق والالتزام بما جاء في المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تحمي حق الانسان في التمتع بحياة خاصة في الاطار الذي لا يخالف القانون والقيام بإجراءات احترازية تمنع تكرار مثل هذه الافعال .

مقهى آت هوم – at home الذي كان مسرحاً لإحدى المداهمات، نشر عبر حسابه الرسميّ على الفيسبوك؛ تذكيراً بسياسته التي “تمنع أي شخصان غير متزوجان من الالتقاء” في المقهى، قبل أن يمسح المنشور بعد ساعات من ذلك

الصورة من موقع “هنا ليبيا”

“التعذيب” إجابة النظام المصري على المطالبين بحقوقهم

في الوقت الذي صرح فيه رئيس مجلس النواب، علي عبد العال إنه “لا يوجد معتقل سياسي واحد في سجون مصر”، وذلك خلال رده على مطالبة النائب طلعت خليل بوضع حد لحالة (الاعتقالات الضخمة) التي تمت عقب تظاهرات 20 سبتمبر، والتي قال النائب إنها طالت ألف معتقل سياسي في السويس وحدها، كان الناشط السياسي علاء عبد الفتاح والمحامي الحقوقي محمد الباقر يتم تعذيبهم في محبسهم عن طريق مأمور ورئيس مباحث السجن.

النائب علي عبد العال

“لا يوجد معتقل سياسي واحد في سجون مصر”

النائب طلعت خليل

“نطالب بوقف حالات الاعتقال التي طالت ألف معتقل سياسي يوم 20 سبتمير في السويس وحدها “

كان قد تم إلقاء القبض علي المحامي والناشط الحقوقي “محمد الباقر”، أثناء وجوده في نيابة أمن الدولة، لحضور التحقيق مع الناشط والمدوِّن “علاء عبد الفتاح” الذي قُبض عليه أثناء تأديته لفترة المراقبة في قسم الدقي بسبب الحكم الصادر عليه نتيجة تظاهرات مجلس الشورى عام 2013، وحبستهما نيابة أمن الدولة 15 يومًا على ذمة التحقيق في القضية 1365 لسنة 2019 مع المحاميتان “ماهينور المصر” و”سحر علي”، واللتان قبض عليهما بعد حضورهم التحقيقات مع مجموعة من المقبوض عليهم من أحداث 20 سبتمبر.

بناء علي إقرار كلا من “علاء” و”الباقر” في جلسة تجديد حبسهما بالأمس فقد تم بمجرد وصولهما لسجن طرة 2شديد الحراسة  (ويسمي سجن العقرب) تمت تغمية أعينهم وجعلهما يسيران محنيا الظهر مع سيل من الإهانات، كما قاموا بتجريدهما من كل ما يملكان حتى أدوات النظافة الشخصية  وإلباسهما زي السجن وهم مغمضين العينين بصورة مهينة، وظلا بنفس ملابسهما الداخلية التي تم القبض عليهما بها وبدون أي أدوات نظافة طوال مدة حبسهما، ودون السماح لهم بالاستحمام، بالإضافة إلى النوم على الأرض، كما تم منعهما من شراء مياه نظيفة أو طعام من كانتين السجن بالرغم من ترك ذويهم لنقود في الأمانات الخاصة بهما – كما هو متبع في السجون – مما إضطرهما لشرب مياه السجن غير النظيفة وإلى تناول طعام غير آدمي، بالإضافة إلى سوء التهوية داخل الزنزانة ومنعهما من الخروج للتريض خارجها طوال مدة إحتجازهما. هذا مع إستمرار المعاملة المهينة بصورة يومية داخل الزنزانة، والتي بدأت عند الإستقبال داخل السجن.

ما تعرض له المعتقلين عند وصولهما لسجن العقرب

تغمية العينين مع الاجبار على السير منحنيي الظهر
المعاملة المهينة
الحرمان من الاستحمام وأدوات النظافة
الحرمان من الماء النظيف ومن اقتنلء الطعام من الكانتين
منع من الخروج للتريض و زنزانات تفتقر للتهوئة

أصيب محمد الباقر بآلام في الظهر والقطنية وكتفه، وبمرض جلدي، وطلب عرضه على طبيب السجن وقُوبل طلبه بالرفض من قبل إدارة السجن، كما أختصت إدارة السجن علاء بإستقبال يطلق عليه في السجون “التشريفة” وهو أن يمر مغمي العين بين مجموعة من الحرس يقوموا بتوجيه الضربات والإهانات في إنتهاك واضح لكل حقوقه كمسجون ومبادئ حرمة الجسد والكرامة الإنسانية.

قد يكون السيد رئيس البرلمان محقً في عدم وجود “معتقلين” بالسجون المصرية، إلا أنه يغض بصره عن تعاون السلطتين القضائية والتنفيذية في تحويل الحبس الإحتياطي لقرارات إعتقال جديدة بعد أن أصبح النشطاء السياسيين يقضوا سنوات من أعمارهم في السجون بمجرد محضر تحريات من ضابط أمن دولة لا يحمل أي أدلة أو إتهامات حقيقية وتقوم نيابة أمن الدولة بإصدار أوامر الحبس الإحتياطي المتتالية ضاربة عرض الحائط بالقانون والدستور وضمانات المحاكمات العادلة والمنصفة.

يؤكد مركز “دعم” على حظر التعذيب في القانون الدولي، حيث تنص المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على منع التعذيب وغير ذلك من ضروب سوء المعاملة.

ويشدد مركز “دعم” على أنه تم حظر التعذيب من قبل المجتمع الدولي استنادا على ما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 52/149 بتاريخ 12 ديسمبر 1997، بهدف القضاء التام على التعذيب وتفعيل آداء اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، حيث اعتبرت التعذيب جريمة جسيمة لا تسقط بالتقادم بموجب القانون الدولي.

وتأتي تلك الإنتهاكات بالتزامن مع إستمرار حبس أكثر من ثلاثة ألاف مواطن جراء حملات قبض عشوائية في شوارع القاهرة والمحافظات علي خلفية تظاهرات 20 سبتمبر الماضي، وتلك الأرقام مستندة إلى حصر المحامين الذين يقومون بالدفاع عن المتظاهرين الذين تم اعتقالهم، كذلك لرصد مجموعة من المنظمات الحقوقية المصرية.

❞التعذيب هو محاولة خبيثة لكسر إرادة الشخص. وإنني في هذا اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، أحث جميع الدول على وضع حد لإفلات مرتكبي أعمال التعذيب من العقاب والقضاء على هذه الأعمال البغيضة التي تتحدى إنسانيتنا المشتركة.❝

ويطالب مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الانسان “دعم” السّلطةَ القضائيةَ المصرية ممثلة في شخص المستشار النائب العام، بفتح تحقيقات عاجلة في الإنتهاكات التي تعرض لها الناشطان وباقي المحبوسين علي ذمة قضايا 20 سبتمبر، كما كان يجدر به أن يبدأ التحقيق في تهم الفساد وإهدار المال العام خاصة في ظلّ وجود أدلة حقيقية وإعتراف من رأس السلطة القضائية على مرأى ومسمع من الجميع، بدل ملاحقة المتظاهرين السلميين والنشطاء السياسيين، اذ لا سبيل لإقامة دولة عادلة إذا لم تتحرر سلطتها القضائية من قبضة السلطة التنفيذية وتقوم بدورها الرقابي والمحاسبي الحقيقي.

كما يوجه مركز “دعم” ندائه للسيد رئيس البرلمان وأستاذ القانون أن يتوقف عن التبرير اللفظي للسلطة التنفيذية ويمارس دورة الرقابي في ظل الإنتهاكات المتتالية لحقوق المواطنين الذين من المفترض إنه ممثل عنهم مع باقي أعضاء البرلمان والذي اصطفاهم المواطنين ومنحهم تلك السلطة التي ما انفكّوا يهدرونها في خدمة النظام السياسي.

ويوجه مركز “دعم” كل الدعم لكل النشطاء والمواطنين المنتهكين في السجون المصرية مؤكد إستمراره في الدفاع عن حقوقهم المشروعة وحريتهم المسلوبة.

مركز “دعم” يعقد ندوة صحفية للاعلان عن دراسة “الحق في النفاذ الى “المعلومة: مخاض التشريع وتحديات التطبيق في ليبيا ومصر وتونس

عقد مركز “دعم التحول الديمقراطي وحقوق الانسان – دعم” على الساعة العاشرة من صباح اليوم الثلاثاء 1 أكتوبر 2019 مؤتمرا صحفيا بمقر نقابة الصحفيين التونسيين أعلن فيه عن اصدار دراسة تناولت حق الوصول إلى المعلومة في مصر و تونس و ليبيا من زاوية التأريخ القانوني والتشريعي من جهة وواقع التطبيق واشكالياته من جهة أخرى, تحمل كعنوان “الحق في النفاذ الى المعلومة: بين التشريع وتحديات التطبيق“.

هذا وتجدر الاشارة أنه قد ساهم العديد من الباحثين في هذه البلدان الثلاث في صياغة هذه الدراسة باشراف الباحثة الرئيسية “شيماء بوهلال”

كما تجدر الاشارة أن النسخة الرقمية من الدراسة متوفرة على موقع المركز.

الحق في النفاذ الى المعلومة: مخاض التشريع وتحديات التطبيق في ليبيا ومصر وتونس

يتقدم مركز دعم بالشكر والتقدير لكل من ساهم في خروج هاته الدراسة بشكلها الحالي ونخص بالشكر السادة الخبراء الحقوقيين والسياسيين وأعضاء الجمعيات التأسيسية والبرلمانات التشريعية الذين وفروا لنا الوقت الجراء مجموعة من المقابالت أو المشاركة في المائدة المستديرة لمناقشة المسودة النهائية للدراسة, وددنا أن نذكرهم جميعا ولكن حالت ظروف بعضهم بما جعلهم يفضلوا ان تحجب أسمائهم نظرا العتبارات مختلفة. شكرا لكم جميعا.

تونس

  • ناجي البغوري: نقيب الصحفيين
  • كثير بوعلاق محامي وناشط حقوق الأمين العام لمركز دعم
  • ندير بن يدر محامي وناشط حقوق أمين الصندوق مركز دعم
  • عماد الرزقي رئيس الهيئة الوطنية التونسية للنفاذ للمعلومات
  • انتصار العرفاوي محامية وناشطة حقوقية
  • نرجس دبش مدير الأرشيف لهيئة الحقيقة والكرامة سابقا
  • أشرف عوادي رئيس منظمة أنا يقظ
  • نجيب مكني, منسق برامج النفاذ للمعلومة – اليونيسكو
  • محمد حداد باحث وصحفي، المدير التنفيذي بجمعية بر الأمان
  • هاجر الطرابلسي, عضو الهيئة الوطنية للنفاذ للمعلومة

مصر

  • نجاد البرعي المحامي والخبير الحقوقي المصري
  • جمال عيد المحامي والخبير الحقوقي ورئيس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان
  • خالد علي محامي وناشط حقوق ومؤسس المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية
  • احمد فوزي محامي وناشط حقوقي، الامين العام السابق للحزب الديمقراطي الاجتماعي
  • عمرو عبد الرحمن مدرس مساعد سابق بجامعة أسيكس المملكة المتحدة، مدير البرامج بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية
  • عماد مبارك باحث متخصص حرية الابداع والحق في المعرفة ومؤسس حرية الفكر والتعبير
  • احمد خير الخبير في مجال الوصول للمعلومات، رئيس مركز دعم لتقنية المعلومات
  • خالد البلشي الصحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين السابق
  • ايمان عز الدين أستاذ بكلية آداب جامعة عين شمس، الرئيسة السابقة لدار الكتب المصرية
  • سامح سمير محامي وناشط حقوق باحث مركز دعم
  • هشام قاسم، الناشر والخبير الإعلامي المصري

ليبيا

  • مروان الطشاني الباحث والخبير الحقوقي
  • هشام الوندي الخبير الحقوقي
  • خالد زيو محام أمام المحكمة العليا وعضو أول مجلس وطني للحريات العامة وحقوق الانسان في ليبيا
  • عصام الماوي محامي الرئيس السابق مجلس وطني للحريات العامة وحقوق الانسان في ليبيا
  • احمد بوقبة محامي وناشط جقوقي
  • جازية محمد أستاذة القانون الجنائي بكلية القانون جامعة بنغازي
  • أكرم النجار محامي وناشط حقوقي باحث مركز دعم
  • حسن الامين الخبير الحقوقي والاعلامي
  • قصي دوزان محامي وناشط حقوقي

إن حرية الرأى والتعبير هي موروث إنساني أصيل، ولكن للأسف الحد منها أيضاً هو الموروث المضاد لها على طول الخط ومنذ بدء الحياة البشرية.كما إنها من أهم محاور تأسيس دولة مدنية قائمة على الديمقراطية والمشاركة، والربط مابين حرية الرأى والتعبير والحق في الوصول للمعلومات وتداولها هو من أهم ما نصت عليه المواثيق الدولية والأقليمية لحقوق الإنسان والتي سنتناولها بالتفصيل لاحقاً في هذا القسم .
فدولة المواطنة هي تلك الدولة القائمة على مفهوم الشراكة الحقيقي، أى أن المواطن هو المحرك لقراره وهو مسئول مسئولية كاملة، فبالتالي يصبح قادراً على أن يشارك في صياغة القرارات الخاصة ببلده وسياساتها وطريقة الحكم، ولكن هل يستطيع المواطن الوصول إلى ما ذكر بدون حرية الرأى والتعبير.إن حرية الرأى والتعبير تتمثل في عرض الأفكار والآراء بالوسائل المختلفة سواء بالكتابة أو التحدث أو عمل فني دون قيود حكومية على ألا يمثل أسلوب ومضمون عرض تلك الأفكار والآراء ما يعد خرقاً أو إنتهاكاً لقانون الدولة وأعرافها، ولكن يجب أن نذكر مجموعة الحقوق الأخرى المصاحبة بالضرورة لحرية الرأى والتعبير وهي حرية العبادة والصحافة والتجمعات السلمية والوصول والنفاذ للمعلومات.

وفي الجهة المقابلة نجد أن ما يسمى بحدود حرية الرأى والتعبير أى ما لا يمثل إختراقاً أو إنتهاكاُ لقانون وأعراف الدولة أو عدم المساس بالأمن القومي للدولة عند عرض الآراء والأفكار، هو ما يجسد قضية شديدة التعقيد لأن ذلك كله بالأساس يعتمد على الظروف الأمنية للدولة كما أن نسبة الأعراق والطوائف والأديان للسكان هي التي تحدد أطر تلك الحدود، كما أن الظروف الخارجية الأقليمية والدولية للدولة أحياناً ما تلعب دوراً في رسم وتحديد تلك الحدود.وهنا يجب أن نتوقف عند تعبير عدم المساس بالأمن القومي للدولة، وهو التعبير الذي أدرج في غالبية المواثيق والعاهدات والقرارات الدولية والإقليمية المتعلقة بحرية الرأى والتعبير، وهو ما تستغله بعض الدول في التضييق على ذلك الحق الإنسان الأصيل، وذلك بعدم وضع ضوابط واضحة ومحددة لمفهوم الأمن القومي وتستخدم جمل وعبارت فضفاضة تسمح لها بتغيير المعايير والمفاهيم التي يتحدد على أساسها معنى أو مفهوم اللأمن القومي حسبما تقتضيهم الظروف، وهو ما يستلزم بالأساس وجود قوانين منظمة لعملية النفاذ والوصول وتداول المعلومات، فمثل تلك القوانين هي التي تنظم نوع وتوقيت نشر المعلومة المراد نشرها، وبالتالي هي نتظم عملية حماية قانونية للعاملين في مجالات عدة وبالأخص العاملين في مجال الصحافة والإعلام.

إن عدم وجود قانون منظم لعملية الوصول للمعلومات يسمح للدولة بالسيطرة والتحكم في مصادر تلك المعلومات ومعاقبة العامة بعدم عرض تلك المعلومات عليهم، وإبقائهم دائماً تحت تهديد المساءلة القانونية بسبب عدم ضمانهم لسلامة المعلومات التي يتلقونها ويقوموا بنشرها.
وبدًءا من عام 1994 بدأت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وهي اللجنة التي تم تشكيلها بالأساس لمراقبة تطبيق وتفعيل العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، والتي تم استبدالها بعد ذلك بمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن تأخذ شكلاً آخر في التعامل مع قضية الوصول والنفاذ للمعلومات وتداولها، وذلك عندما أصدرت توصياتها بأن تبدأ الدول بتشريع قوانين تنظم عملية الوصول للمعلومات.

ومنذ عام 1995 أخذت تصريحات المبعوث الخاص للأمم المتحدة عن حرية الرأي والتعبير تتوالى وتتزايد فيما يتعلق بالنفاذ والوصول للمعلومات والتي انحصرت جميعها على أن حق البحث والوصول والنفاذ للمعلومات هو من أهم عناصر حرية التعبير، وأن الدول اصبح لزاماً عليها وضع المعلومات التي بحوزتها أمام شعوبها بأي من طرق الحفظ والاسترجاع، ثم تطرق بعد ذلك إلى أهمية هذا الحق في العملية الديمقراطية والمشاركة والتنمية، بل ووضع مجموعة من المبادئ العامة حول حرية الاطلاع على المعلومات كما أوصى بأن تضع الحكومات تلك المبادئ نصب أعينها عند اصدار تشريعات جديدة أو تعديلات على تشريعات قائمة خاصة بعملية الوصول والنفاذ للمعلومات.
على المواطنين والمختصين أن يدركون جيداً أن التدفق غير المقيد للوصول والنفاذ للمعلومات يساهم في تصنيع رأي عام صحي وسليم، ومن هنا تظهر أهمية أن يكون المواطنو ن أنفسهم هم أهم وأول المساندين والداعمين والمطالبين لقوانين جيدة وفعالة تنظم عملية الوصول للمعلومات.

وأخيراً وجب علينا التنوية أن حرية الرأى والتعبير ستظل قائمة فهي حق إنساني أصيل ولن يستطيع الإنسان العيش بدونه مهما تم المحاولة للنيل و الحد منه، فكلما زادت محاولات النيل و الحد من هذا الحق كلما، زاد حجم المناصرين له وزادت طرق وأساليب الإبداع الفكري وتسخيرها من أجل توفير أساليب وتقنيات حديثة تضمن متنفساً واسعاً لذك الحق.

هبّت رياح التغيير في كلّ من مصر وليبيا وتونس منذ 2011، تاركة وراءها نتائج مختلفة من بلد لآخر، وتتشابه في حقيقة واحدة: أن التغيير الذي طرأ على كل بلد وجبت دراسته وتوثيقه، والتمحيص فيه، لعل الباحث يجد فيه أبواب مفتوحة يمكن الولوج منها، أو ثغرات خطرة يجب طمسها، أملًا في واقع أفضل للجميع. تأتي هاته الدراسة في إطار بحث دائم عن واقع الحقوق في هاته الدول الثلاث، وتركّز على الحق في المعلومة كآلية أساسية لا لفهم الواقع فحسب، بل لتحسينه.

يبدو الحق في الوصول إلى المعلومة إشكاليًا أكثر في الدول التي تعيش مخاضًا إنتقاليًا في إتجاه أو في آخر بإعتبار حالة عدم الاستقرار والتغيير التشريعي والهيكلي الذي قد يشكل فرصة لتفعيل هذا الحق، أو على العكس، مجالًا للتضييق من نطاقه.
كما يصبح طرح مسألة الحق المعلومة إشكاليًا أكثر إذا ما تم طرحه في علاقته بمكافحة الفساد، خاصة واعتباره الأداة العملية والإجرائية للشفافية، التي تمكّن كل المواطنين من الاطلاع على خفايا الشأن العام وعملية اتخاذ القرار، وتعطيهم القدرة والسلطة للمشاركة والمساهمة في عمليات اتخاذ تلك القرارات وتقييمها. كما يمكن أن يمثل الحق في المعلومة فرصة لتقييم تطور حقوق وحريات أخرى لصيقة به، مثل حرية الصحافة والتعبير والديمقراطية التشاركية وغيرها.

تطرح هاته الدراسة أسئلة مفصلية، ذات تفرّعات تعين القارئ على إجابتها، وهي كالتالي:

كيف تبلور الحق في المعلومة؟
ما الشكل الذي يأخذه هذا الحق اليوم؟

وهنا يكمن الهدف الأساسي من هاته الدراسة: أن تخطّ مسار تبلور حقّ ما، وتدرس الوعاء الذي يحتويه في نقطة محددة من الزمن، لمحاولة تقدير الأثر الذي يمكن أن يتركه في معركة ما، نخصّ هنا الحرب على الفساد مثلًا. وإن كان تركيز هاته الدراسة على الحق في المعلومة، فمنهجيتها يمكن تطبيقها على حقوق أخرى: كحرية التعبير ودورها في النضال ضد الإستبداد، أو الحق في التظاهر كآلية للتأثير على السياسات العامة، وغيرها.

لا تطمح هاته الدراسة إلى مقاربة أو مقارنة بين الدول الثلاث، بل تركّز على كل بلد على حدة، ثم تقارن بينها في نقاط أساسية مشتركة في الأهمية، مختلفة في سياق كل واحدة منها. تتم الإجابة على السؤالين الأولين المذكورين أعلاه في كل بلد عن طريق طرح التطور التاريخي للحق في المعلومة من خلال المحطات السياسية والاجتماعية المختلفة، والبحث عن مظاهر تبلور هذا الحق في المطالب الشعبية، إن وجدت. يمهّد هذا التطور التاريخي إلى وصف الشكل الحالي الذي يأخذه الحق في المعلومة كسياسة عامة، عن طريق البحث في الأطر القانونية، بدءًا بالدستور، فالقوانين، فالأوامر والقرارات الترتيبية. يأتي بعدها التدقيق في هذا الوعاء القانوني عن طريق البحث عن التناقضات التي قد توجد، فتخلق ثغرات قد تمثّل حينًا فرصة لضمان الحق، وأحيانًا أخرى خطرًا على ضمانه. يليه بحث في المؤثرات التي قد تغيّر من شكل وأثر هذا الحق، ومنها الداخلي، كأثر مكونات المجتمع المدني أو الشارع أو هياكل الدولة، ومنها الخارجي، كالشركاء الماليين أو المؤسسات الدولية، الحكومية وغير الحكومية. فيأخذنا هذا إلى الواقع التطبيقي لهذا الحق، الذي ترسم ملامحه الدراسة عن طريق البحث في الإمكانيات التي توفرها الدولة لضمان الحق في المعلومة، والمحاولات المختلفة للتمتّع به من قبل المواطن.

تمّ الإعتماد في هاته الدراسة على جمع لمعلومات متنوعة المصادر لإيجاد الإجابات الأوفى على ‏الأسئلة المطروحة. تمّ البدء ببحث أولي في كل تغطية إعلامية تمّ الحصول عليها، وخاصة لوصف ‏التطوّر التاريخي لهذا الحق في كلّ بلد. تم أيضاً اللجوء إلى الدراسات العديدة التي تمّ إعدادها حول ‏الحق في المعلومة. كذلك، تم جمع النصوص القانونية المتوفرة لوصف الإطار القانوني للسياسة العامة ‏الخاصة بالمعلومة في كل بلد. أما المصدر الأولي الأهم، فكان المقابلات التي تمّ إجراؤها مع ‏المتدخلين في بلورة أو تطبيق هذا الحق، وقد حرص فريق الدراسة على أن تكون هاته المقابلات شاملة ‏ومطوّلة، كل لا تغيب التفاصيل الهامة التي بينها يكمن الوصف الحقيقي لهذا الحق. تمّت هاته ‏المقابلات ما بين مصر وتونس، لما في التنقّل إلى ليبيا من صعوبة تمّ تجاوزها باللقاء مع المتدخلين ‏الليبيين في تونس، أو عبر الوسائل الالكترونية.‏
الخطوة الأولى التي ترتكز عليها هاته الدراسة هي توحيد المفاهيم التي قد تأخذ أشكال مختلفة في البلدان الثلاث، وأهمها الحق في المعلومة. تبحث هاته الدراسة في الحق في المعلومة في معناه الأشمل، لكن دومًا فيم يخص المعلومة من مصادرها الرسمية. أي أن الحق في المعلومة هو الحق في الوصول إلى المعلومة الصادرة من الدولة بكلّ أشكالها، سواًء عند النشر التلقائي لها، أو عند المحاولات المختلفة للمطالبة بها والحصول عليها. يأتي هذا المفهوم في شكل مصطلحات بسيطة الاختلاف، فما يًسمّى في مصر بـ «الوصول إلى المعلومات»، تم التطرق إليه في ليبيا بـ «الوصول إلى المعلومات وتداولها»، وفي تونس، بـ « النفاذ إلى المعلومة»، أو الولوج إليها. أما التأثير، الداخلي والخارجي، فهو أي عامل خارج عن العلاقة بين من ينتج المعلومة (أي الدولة) والمتلقي لها، فيؤثّر عليها، بطريقة مقنّنة أو عفوية. أما بلورة الحق في المعلومة، فالمقصود به هو وضوح اللغة المستعملة لوصفه أو المطالبة به، ثمّ وضوح الآليات التي تفعّله، وتوسّع القاعدة الشعبية له.

من الحقوق الأخرى اللصيقة للحق في المعلومة حرية التعبير والصحافة. لا يمكن دراسة الحق في المعلومة في معزل عن هاتين الحريتين؛ فحرية التعبير هي التي تضمن المطالبة بالمعلومة أولًا، ثم التفاعل معها، وحرية الصحافة هي التي تضمن وضع المعلومات في سياقها وإتاحتها للرأي العام. يمكن القول أن حريتي التعبير والصحافة تمثلان صمام الأمان لحرية المعلومة، والوقود الذي يبقيها على قيد الحياة.

تسلط الدراسة الضوء على الحق في المعلومة من زوايا مختلفة، تمثّل كلّ منها منفذاً للتأثير على واقع هذا الحق في البلدان الثلاث، إن أراد القارئ أن يتصوّر دورًا له في ذلك. فزاوية بلورة الحق تقترح ثلاثة أوجه لتمظهره: (المطالبة به، وصنع الإطار القانوني المنظم له، واللجوء إلى آليات الحق في المعلومة). أما زاوية السياسة العامة المتعلقة بالمعلومة، فهي محطة يجب الوقوف فيها لفهم إلتزامات الدولة السياسية تجاه ضمان هذا الحق، والتي يمكن إستشفافها عن طريق المنتوج التشريعي والتنفيذي، والذي تلجأ إليه الدولة عن طريق مختلف هياكلها لترجمة توجهها السياسي لضمان الحق في المعلومة، إن وجد. تبحث الدراسة أيضًا في زاوية المؤثرات على بلورة الحق في المعلومة، وهي داخلية وخارجية، حكومية وغير حكومية. تقف الزوايا لدى أكثرها انفراجًا، وهي مدى تطبيق الحق في المعلومة، وهي نقطة إلتقاء السياسة العامة، وممارسة الحق في المعلومة، وتطبيق القانون. 

من المؤكد أن من الأدلة على تبلور الحق أن تصبح المطالبة به شعبية ومطلقة لا خاصة بمواضيع أو أزمات محددة، وأن يكون الإطار القانوني منيعًا من التأثيرات السلبية الخارجية أو الداخلية، وأن يكون اللجوء إلى آليات تطبيق الحق في المعلومة تلقائيًا ومستدامًا. 

يأخذ مسار تبلور أي حق عدة مظاهر، إما متعاقبة أو متزامنة، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أوجه: (المطالبة بالحق، وصنع الإطار القانوني الخاص به، واللجوء إلى آليات الحق في المعلومة). وهي مظاهر لا خطوات لأنه لا ترتيب معيّن لها، وقد تكون متوازية، فقد يسبق صنع الإطار القانوني الخاص بالمعلومة وجود مطالبة شعبية للحق، أو أن يكون اللجوء إلى آليات الحق في المعلومة من قبل فئة معيّنة متزامناً مع مطالبة فئة أخرى بالحق. حسن تشخيص بلورة الحق تساعد في فهم واقعه بين المواطن والدولة، وحسن تقسيم الفئات التي تطالب به، وتلجأ إليه، وفهم الأطر التي تنظمها.

 

تبرز المطالبة بالحق في المعلومة عن طريق الاحتجاج الشعبي، من مظاهرات أو حملات مناصرة أو مقالات رأي تنتقد غياب المعلومة أو النقص في شفافية عملية أخذ القرار. وقد تأخذ المطالبة بالحق شكل الاحتجاج على غياب معلومات محددة، كالاحتجاج على غياب معلومة خاصة بمرفق حيوي، أو عدم نشر قرار حكومي، أو أن تأخذ شكلًا عامًا، أي المطالبة بالحق في معناه المطلق. والمطالبة بالحق في المعلومة مظهر لتبلور الحق لدى الجهة المطالبة بالمعلومة عادة، أي المواطن في كل أشكال تنظّمه، من عدمها.

 

أما عن صنع الإطار القانوني الخاص بالحق في المعلومة، فهي مرحلة تأتي ما بعد تبنّيه كسياسة عامة للدولة، وإن لم يكن ذلك بالضرورة نتيجة ضغط أو مطالبة شعبية. ويُصاغ الإطار القانوني على عدة مستويات لا تأتي بالضرورة بالتسلسل الهرمي للتشريع. فالمثال التونسي شهد مرسومًا يضمن الحق في النفاذ إلى الوثائق الإدارية قبل أن يتم إدراجه كحق في الدستور، مثلًا. وغياب الحق في كل مستويات التشريع قد يمثّل فرصة لضمان الحق، كالمثال المصري، في غياب قانون يضبط الحق، والمثال الليبي، في غياب دستور مصادق عليه. وصناعة الإطار القانوني الخاص بالحق في المعلومة مظهر لتبلور الحق أيضًا، إلا أنه خاص بالجهة المطالبة بتوفير المعلومة عادة، أي الدولة في كل مستوياتها وأشكال سلطها.

 

أما تطبيق الحق في المعلومة عن طريق اللجوء إلى الآليات المتوفرة – والتي قد لا تكون بالضرورة مضبوطة بالإطار القانوني، فهو كذلك مظهر لتبلور الحق، إلا أنه جامع للجهة المطالبة بالمعلومة (المواطن)، والجهة المطالبة بتوفير المعلومة (الدولة)، لأنه يعكس مدى اللجوء إلى الحق ومدى الإستجابة إليه، أو عدم تمكن الدولة من حجب المعلومة، كحالات التسريب مثلًا.

إن وجود سياسة عامة خاصة بالحق في المعلومة من عدمه يتمثّل في الأطر التشريعية والتنفيذية التي تضبطه (دستور فمعاهدات فقانون فأوامر تنفيذية فقرارات فمناشير). من الأطر ما يفعّل الحق في المعلومة، ومنها ما يعرقله. وجبت دراسة كلّ الأطر المؤثرة على الحق في المعلومة، بطريقة شاملة تمكّن من تقييم حقيقة وجود سياسة عامة من عدمه.

بسبب التغيير الطارئ على البلدان الثلاث على مستويات تشريعية وتنفيذية مختلفة، يشهد النسيج القانوني تضاربًا بين دعم وعرقلة للحق في المعلومة، إما لغياب التناغم، أو لتضاربه لأسباب تاريخية أو سياسية. يمثّل التركيز على ضوابط السياسة العامة محطة مهمة لفهم النسيج القانوني، ولتقييمه، إن كان شبكة أمان، أو سجناً لهذا الحق.

كأي حقّ يذكر، يتأثر مسار تبلور الحق في المعلومة بعوامل داخلية وخارجية متعددة، تؤثر على بلورة الحق في المعلومة، والسياسة العامة للدولة، وتطبيقه. تكون المؤثرات إما داخلية، أي وطنية، حكومية كانت أو غير حكومية، وخارجية، سواء كانت نتيجة تعاون دولي، أو غير حكومي. والأثر على الحق في المعلومة لا يكون إيجابيًا دومًا، ولا يحسّن بالضرورة من واقع الحق في المعلومة، وإن غيّر في محطات مساره المذكورة أنفًا. تضيع الحقوق وتضمحل إن لم تكن المؤثرات الإيجابية أقوى وأكثر فاعلية من المؤثرات السلبية. 

يساعد تقسيم المؤثرات إلى داخلية أو خارجية على محاولة التنبؤ بأثرها ووجودها، وهو مهم على مستويين:

أولًا لقياس المؤثر الأهم واللجوء إليه حسب الأثر المرجو مستقبلًا،

ثانيًا، لتوثيق المؤثرات المختلفة لمحاولة فهم مدى إستقرار الحق في المعلومة، خاصة إن تمت دراسة أثر العوامل الحقيقي في دعمه، أو، أحياناً، الحدّ منه.

فعلى سبيل المثال، عندما يمتنع التمويل الخارجي عن دعم حملات التوعية بالحق في المعلومة التي يقوم بها المجتمع المدني، أو حينما تبقى محصورة في نطاق ضيق، فإنه لا يؤثر على أحد مظاهر الحق في المعلومة، وهي المطالبة به. أو عندما يضع الشريك المالي الدولي إطارًا قانونيًا داعمًا للحق في المعلومة كشرط لحصول الحكومة على تمويل لميزانيتها، فإنه يؤثر على نجاعة الإطار القانوني في غياب مطالبة واضحة بالحق. أو عندما يعمل المجتمع المدني والدولة على صناعة إطار قانوني “جيّد”، في غياب المطالبة الشعبية للحق في المعلومة، أو قدرة تقنية لتوفيرها في الإدارة، فقد يكون لهذا أثرًا عكسيًا على تبلور الحق، وغيرها.

 

  • مصر
  • ليبيا
  • تونس

النفاذ إلى المعلومة تاريخياً

قد لا يبدوا الحق مبلور في المطالب الشعبية المصرية، يربطه البعض بحرية الرأي والتعبير والبعض ‏بمكافحة الفساد، لكن الحق في المعرفة في حد ذاته لم يكن ضمن أولويات رجل الشارع المصري بشكل ‏مباشر، وإن كان دائمًا ما تصبح المطالبة به مستترة وراء إثارة أسئلة يومية عن مطلبات الحياة الفردية ‏للأشخاص.‏

ومن الممكن قياس بداية وجود كيان يعمل علي علي النفاذ للمعلومات بتأسيس الخديوي للهيئة العامة ‏لدار الكتب والوثائق القومية والتي ورد علي الموقع الإلكتروني لوزارة الثقافة المصرية في تعريفها ‏وتحت عنوان (دار  الكتب المصرية . . أكبر مكتبة وطنية في العالم) يقول‎:‎ ‎"‎في عام 1870م، أصدر الخديوي إسماعيل الأمر العالي بتأسيس دار للكتب بالقاهرة "الكتبخانة ‏الخديوية المصرية" لتقوم بجمع المخطوطات والكتب النفيسة التي كان قد أوقفها السلاطين والأمراء ‏والعلماء على المساجد والأضرحة والمدارس ليكون ذلك نواة لمكتبة عامة على نمط دور الكتب الوطنية ‏في أوربا.

‎في عام 1904م، إنتقلت المكتبة إلى مبنى أنشئ لها في ميدان باب الخلق، وفي عام 1966م، تم ‏ضم دار الوثائق المصرية إلى دار الكتب المصرية.‏ و‏في عام 1971م، إنتقلت المكتبة إلى المبنى الحالي على كورنيش النيل برملة بولاق، والذي صمم ‏ليكون صالحًا لأداء الخدمات المكتبية الحديثة وليتمكن بمساحاته الضخمة من توفير مخازن مناسبة ‏لحفظ المخطوطات والبرديات والمطبوعات والدوريات والميكروفيلم، وقاعات تستوعب العدد الضخم من ‏المترددين على الدار بالإضافة إلى أماكن للمراكز المتخصصة والمكاتب الإدارية ليؤدى وظيفته كمكتبة ‏وطنية تقدم خدماتها للباحثين والقراء في شتى المجالات".‏

  • كما ورد علي نفس الموقع رسالة وأهداف وزارة الثقافة:‏

"ورثت مصر تراكمًا ثقافيًا عبر حقب من التاريخ مثلتها حضارات متعاقبة الأمر الذي جعل مصر من ‏أوائل الأقطار التي تعني بوجود وزارة للثقافة تكون مهمتها إكساب الشخصية المصرية تعريفًا بتاريخها ‏وصيانة مقدرات هذا الوطن من تراثه ورعاية مكتسباته الإبداعية الناتجة عن عطاء أفراده.‏

السياسة الثقافية لن تؤتى ثمارها ما لم نشارك جميعًا مثقفون وأجهزة ثقافية – في تأكيد الإنتماء للوطن، ‏وفى دفع عجلة التنمية الشاملة، خاصة وأن أي خطة للتنمية الإقتصادية والإجتماعية تظل قاعدتها ‏هشة ما لم تستند إلى تنمية ثقافية جذرية.‏

وإن كان كثير من المثقفين المصريين يروا أن دور وزارة الثقافة الفعلي كان جزء من تقييد المجال العام ‏وضم المثقفين إلي حظيرة الدولة كما كانت توصف دائما، وخاصة في عهد وزير ثقافة نظام مبارك ‏السيد/ فاروق حسني والذي كان مقرب من السيدة سوزان مبارك زوجة الرئيس الأسبق وكان يعمل علي ‏تحييد العمل الثقافي وعدم خروج أي أنشطة سياسية منه.‏

تبلور الحق في المعلومة في مصر

قد لا يبدوا الحق في المعلومة مبلوراً في مصر، فهو لا يظهر صراحة في المطالب الشعبية المصرية، ويربطه البعض بحرية الرأي والتعبير، والبعض بمكافحة الفساد. ورغم هذا، فقد دار نقاش لفترة محددة حول قانون خاص بحرية تداول المعلومات، بعد أن تم إدراج هذا الحق في الدستور المصري، ولا يتم اللجوء إلى الحق في المعلومة كآلية مقننة بعد، رغم وجود سابقة قضائية منذ التسعينات، لا يبدو أنها قد تكررت بشكل مستدام.

لم يكن الحق في المعرفة في حد ذاته ضمن أولويات رجل الشارع المصري بشكل مباشر، وإن كان دائماً ما تصبح المطالبة به مستترة وراء إثارة أسئلة يومية عن متطلبات الحياة الفردية للأشخاص. فالمواطنين في مصر لا يتعاملون مع الحق في المعلومة باعتباره حق من المفترض المطالبة به والعمل عليه. 

فلو تنقل أحدهم لمنطقة شعبية أو فقيرة، سيكتشف أن الناس لا تدرك أن المعلومات قد تساعدهم في حياتهم اليومية، مثل المحليات والتعليم والصحف. فلو تعامل المواطنون مع الحق في المعلومة كأحد حقوقهم المدنية، لكان اللجوء إلى المحكمة أكثر للمطالبة به، ومن ثم يصبح الوصول إلى المعلومة أسرع.

أي إنه مطلب غير واضح في الشارع، فهو ‏مطلب وهو موجود لبعض الفئات التي يرتبط عملها بالمعلومات مثل الصحفيين والحقوقين للرصد واالمراقبة ‏ربما بعض الكتاب، لكنه ليس مطلب شعبي وجماهيري. فطلب المعلومة بشكل واضح تحت حرية تداول المعلومات غير موجود، رغم وجود السؤال الدائم من المواطنين فهذا في حد ذاته طلب لتداول المعلومات.

كما أن غياب المعلومات الدائم جعل من المصريين شعباً يميل إلى الشائعات. فالمطالبين بالمعلومات، مثل الإعلاميين والنخبة السياسية والحقوقية، يقومون بذلك لكون المعلومة شيء أساسي لعملهم ونشاطهم، فهم يعملون على الوصول إلى المعلومة أو تصنيفها.

كما يمثل عدم وضوح الحق في المعلومة تاريخياً لغياب نصّ دستوري واضح في دستور سنة 1971. فالإطار القانوني كان ملتبساً، وبالنظر إلى القضايا التي باشرها المجتمع المدني، لا يمكن إيجاد أي أصداء لهذا الحق، إلا أن الحق في المعلومة قد تغيّرت مكانته في الدساتير المصرية، ويقصد هنا دستورا 2012 و2014، وقد أدى هذا إلى محاولات عدة لإعداد نص قانوني ينظّم خذا الحق. يعدّ مشروع القانون الذي أعلنه مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والخاص بتنظيم ضوابط الحصول على المعلومات وإتاحتها وسريتها وقواعد إيداعها وحفظها، المحاولة السابعة لطرح قانون منذ صدور النص الدستوري في 2012.

وكانت وزارة الاتصالات قد أعلنت في يناير 2012، عن أول مشروع لقانون تداول المعلومات، وحظي آنذاك على موافقة لحكومة، وأحيل على مجلس الشعب. وبالتزامن مع عرض المشروع على البرلمان، قدم عدد من منظمات المجتمع المدني، في فبراير 2012 مشروع آخر بشأن "حرية تداول المعلومات" لمجلس الشعب، وقامت لجنة حقوق الإنسان بالمجلس بدراسة مواد القوانين وأعلنت عن توصلها لقانون يجمع مزايا المشروعين. بعد حَلّ مجلس الشعب في يونيو 2012، أعلن وزير العدل الأسبق المستشار أحمد مكي في مايو 2013 عن مسودة رابعة للقانون. وفي نوفمبر 2013، كشفت وزارة الاتصالات عن مسودة خامسة للقانون، وأرسلتها إلى مجلس الدولة لمراجعتها تمهيدًا لعرضها على الحكومة كخطوة تسبق عرضها على المستشار عدلي منصور، رئيس الجمهورية المؤقت حينها، لإقراره. إلا أن إجراءات إصدار القانون تجمدت إلى ما بعد إصدار دستور 2014.

بعد سريان دستور 2014، أعلن وزير الصناعة الأسبق، منير فخري عبد النور، عن إعداد وزارته لقانون خاص بـالشفافية وإتاحة حرية تداول المعلومات، لكافة الشركات والمصانع الجديدة سواء في القطاع العام أو الخاص، إلا أن حديث عبد النور لم يترجم في مشروع قانون.

إلا أن تعثّر إعداد الإطار القانوني لم يمنع التقاضي والمطالبة بالحق الدستوري. فقد أصدرت محكمة القضاء الإداري، عام 2015، حكمًا في دعوى أقامتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بإلزام مجلس الوزراء بتنظيم حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات والبيانات. وكان الحكم الصادر من الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري، في الدعوى رقم 59439 لسنة 67 قضائية، المقامة من مؤسسة حرية الفكر والتعبير، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يقضي بإلزام مجلس الوزراء بتنظيم حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات والبيانات المُتعلقة بالتسويات التي تجريها الدولة مع المستثمرين في منازعات الخصخصة، وعقود الدولة المتعلقة بالمال العام، بما يُحقق الإفصاح عن هذه التسويات، وتداولها على النحو الذي يحقق المعرفة بالمعايير، والأسباب، والأسس التي تتم عليها كل تسوية على حدة. وسيتم التطرّق إلى هاته الدعوى بشكل مفصّل في القسم الخاص بتطبيق الحق في المعلومة.

من زاوية أخرى هناك من يرى أن الحق في المعلومة واضحاً منذ أواخر التسعينات. مثال على ذلك حادثة متعلقة بجريدة كان يصدرها الصحفي "هشام قاسم" باللغة الإنجليزية باسم "كايرو تايمز". كان قد صدر قرار بمنع تداول الصحيفة، فلجأت مجموعة إلى مركز هشام مبارك للقانون، وقاموا برفع دعوى قضائية بإعتبارهم قراء تم المسّ من حقهم الدستوري في المعرفة، ودفعوا بعدم دستورية القانون. تمّ التصريح لهاته المجموعة برفع دعوى عدم دستورية، وكانت تلك بداية عمل المنظمات الحقوقية على هذا النوع من القضايا ومحاولة تفعيل الحق في المعرفة من جهة المواطنين. 

كما أن أن رغبة المواطنين في الوصول إلى المعلومة تعود إلى أسباب مختلف في حياتهم اليومية للتمكن من ممارستها بشكل طبيعي، ليس بشكل المطالبة بالحق الدستوري لكن للتمكن من ممارسة حياتهم، بالرجوع إلى قبل الثورة، يذكر أن الحزب الوطني كان قد طالب بقانون لتداول المعلومات في سنة 2008، وذلك لتحسين مؤشر مصر عالميًا من حيث مراعاتها لحقوق الإنسان، ولم تؤخذ خطوات حقيقية للمصادقة عليه. وفي السنة ذاتها، شارك نجاد البرعي بمشروع قانون في سنة 2008، وتمت إعادة صياغته في سنة 2010، وقد كان الخلاف قائماً حول ما إذا كان الأصل في الحق في المعلومة، الحرية أم الحجب. 

كما ان غالبية المواطنين غير معتادين على أن تتوفر المعلومات أو أن يطالبوا بها، وهي مقتصرة على الكبار، سواء كبار الأسرة أو المجتمع أو الدولة. فالنظام يسمح بقدر ضئيل جدا من المعلومات، يزيد كلما ارتقى المتلقي في سلم اتخاذ القرار.

وبعد سريان دستور 2014، أعلن وزير الصناعة الأسبق، منير فخري عبد النور، عن إعداد وزارته ‏لقانون خاص ب"الشفافية وإتاحة حرية تداول المعلومات "لكافة الشركات والمصانع الجديدة سواء في ‏القطاع العام أو الخاص"، إلا أن حديث عبد النور لم يترجم في مشروع قانون.

وإعمالًا لهذه المبادئ، فقد ذكرت المحكمة في حيثيات حكمها “إن الحق في المعرفة هو حق من حقوق ‏الإنسان التي تمثل أمرًا بالغ الأهمية، وأن تنظيم حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، والبيانات ‏المتعلقة بالتسويات التي تُجرى على المال العام، من شأنه تعزيز مبدأ الشفافية، ويضمن طرقًا أفضل ‏لإتمام هذه التسويات على أحسن وجه، ويقضي على الفساد، ويؤدي إلى إتخاذ قرارات مدروسة من ‏القائمين على أمر هذه التسويات، ويجعل المواطنين مُشاركين فيها، بإعتبار أن هذه التسويات تؤثر ‏تأثيرًا مباشرًا في حياتهم وأوضاعهم الإقتصادية، ويضع قادتهم أمام المساءلة، ومن ثم يتعين على الدولة ‏أن تنشئ الأطر القانونية القوية التي تحمي حق الأفراد في الوصول إلى هذه المعلومات- وبما يضمن ‏الحفاظ على سريتها- وبالتالي يؤدي إلى خلق مجتمع مدني نشط قادر على تحقيق رقابة شعبية ‏حقيقية، وفعالة على تصرفات الحكومة في أموال الدولة.‏

تعود خلفية الدعوى التي أعدها المُحامي "أحمد حسام"، إلى قيام الحكومة ممثلة في المجلس العسكري ‏بإصدار المرسوم بقانون رقم 4 لسنة 2012 بتعديل بعض أحكام قانون ضمانات وحوافز الإستثمار، ‏لإجازة التصالح في الجرائم المتعلقة بالمال العام، وإجراء تسويات في المخالفات التي شابت عقود الدولة. ‏وعقب إصدار هذا المرسوم طالعتنا وسائل الإعلام بالعديد من الأخبار حول إجراء الحكومة عدة ‏تسويات في جرائم ومخالفات تمثل وقائع فساد تتعلق بالمال العام، دون أن يحقق ذلك أي قدر من ‏المعرفة بالمعايير والأسباب والأسس التي تتم بناء عليها هذه التسويات. ثم صدر بعد ذلك، وفي أثناء ‏نظر الدعوى، القرار بقانون رقم 32 لسنة 2014 المعروف بتحصين/أو تقييد الطعن على عقود ‏الدولة، فأصبحت الحكومة تُجري تسويات في عقود تتضمن وقائع فساد تتعلق بالمال العام، بعيدًا عن ‏أعين المواطنين، والرأي العام، ولم تكتفِ بذلك بل سلبت منهم كذلك حق الطعن على هذه العقود دفاعًا ‏وحفاظًا على المال العام، وهو ما شكل ضرورة أكثر إلحاحًا حول إلزام الحكومة بالإفصاح عن التسويات ‏التي تُجرى على المال العام‎.‎

ورتبت الدعوى على ذلك أن إعمال قواعد الإفصاح، وتفعيل الحق في المعرفة، والحصول على ‏المعلومات وكشف مضمون تلك التسويات التي أجريت في جرائم، أو مخالفات، أو وقائع فساد على ‏المال العام، من شأنها إتاحة الرقابة الشعبية على التصرفات الواردة على المال العام الذي هو ملك ‏للشعب في المقام الأول، ويضاف إلى هذا تمكين الرأي العام من إنزال أحكام موضوعية في مدى قيام ‏الدولة بواجباتها في حماية المال العام، ونهوضها بواجباتها نحو حماية المقومات الاقتصادية للمجتمع، ‏وضمانها للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومما لا شك فيه أن إطلاع الرأي العام سواء كانوا من ‏الخبراء والاقتصاديين أو المواطنين على تفاصيل قرارات التصالح واجب في ظل إنعدام الحد الأدنى من ‏الشفافية حول محتوى، ومضمون القرارات الصادرة باعتماد هذه التسويات‎.‎

قانونيًّا استندت الدعوى بشكل أساسي إلى الحق في المعرفة، بما يتضمنه جوهره من حرية تداول ‏المعلومات، والإفصاح عنها، وإتاحتها، باعتباره حقًّا دستوريًّا للمواطنين، ورد النص عليه بدستوري ‏‏2012، و2014، أيضًا فقد تم النص على هذا الحق في المواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر، ‏ووافق عليها البرلمان، ونشرت بالجريدة الرسمية وينبغي أن تنفذ كالقوانين الداخلية، وفق ما نص عليه ‏الدستور، كإتفاقية مكافحة الفساد، والإتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الأفريقي ‏لحقوق الإنسان والشعوب، كما ورد هذا الحق كذلك بقانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996، ‏وقانون حماية المستهلك رقم 67 لسنة 2006.

السياسة العامة

لا يمكن القول أن الحق في المعلومة سياسة عامة تنتهجها الدولة المصرية، وإن وجد أثر للحق في دستوري 2012 و2014. لم تكن حرية تداول المعلومات مذكورة بشكل واضح في أيا من الدساتير المتعاقبة قبل دستور 2012، إلا إن المطالبين بها لجأوا إلى صلتها الوطيدة بحرية الرأي والتعبير والإبداع والبحث العلمي، لتصبح مبدأ دستوريًا، وإن لم يُذكر بشكل صريح.

وسنقوم خلال هذا الجزء بقراءة السياسات العامة من خلال:

  1. الدستور
  2. المعاهدات
  3. القوانين و/أو المراسيم
  4. الأوامر والقرارات الترتيبية
 
أولا -  الدستور:

الدستور المصري الصادر في 1923 :

 المادة 14:  "حرية الرأي مكفولة. ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو الكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك، في حدود القانون."

الدستور المصري الصادر في 1971 :

المادة 49: "تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي، وتوفر وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك."

الإعلان الدستوري الصادر في 2011:

المادة 12: "تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية. وحرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمانا لسلامة البناء الوطني."

وأتى التنصيص الصريح على الحق في المعلومة كحق دستوري في سنة 2012.

الدستور المصري الصادر في 2012:

 المادة 47: "الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق، والإفصاح عنها، وتداولها، حق تكفله الدولة لكل مواطن؛ بما لا يمس حرمة الحياة الخاصة، وحقوق الآخرين، ولا يتعارض مع الأمن القومي. وينظم القانون قواعد إيداع الوثائق العامة وحفظها، وطريقة الحصول على المعلومات، والتظلم من رفض إعطائها، وما قد يترتب على هذا الرفض من مساءلة."

المادة 45: "حرية الفكر والرأي مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل النشر والتعبير."

المادة 46: "حرية الإبداع بأشكاله المختلفة حق لكل مواطن. وتنهض الدولة بالعلوم والفنون والآداب، وترعى المبدعين والمخترعين، وتحمي إبداعاتهم وابتكاراتهم، وتعمل على تطبيقها لمصلحة المجتمع. وتتخذ الدولة التدابير اللازمة للحفاظ على التراث الثقافي الوطني، وتعمل على نشر الخدمات الثقافية."

المادة 59: "حرية البحث العلمي مكفولة. والجامعات والمجامع العلمية واللغوية ومراكز البحث العلمي مستقلة، وتخصص لها الدولة نسبة كافية من الناتج القومي."

الإعلان الدستوري الصادر في 8 يوليو سنة 2013:

المادة 7: "حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون."

إلى أن تمّ النصيص على الحق في المعلومة في نص شديد الوضوح سنة 2014.

دستور 2014 المعدل:

المادة 68: "المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمداً. وتلتزم مؤسسات الدولة بإيداع الوثائق الرسمية بعد الانتهاء من فترة العمل بها بدار الوثائق القومية، وحمايتها وتأمينها من الضياع أو التلف، وترميمها ورقمنتها، بجميع الوسائل والأدوات الحديثة، وفقاً للقانون." 

المادة 23: "تكفل الدولة حرية البحث العلمي وتشجيع مؤسساته، باعتباره وسيلة لتحقيق السيادة الوطنية، وبناء اقتصاد المعرفة، وترعى الباحثين والمخترعين، وتخصص له نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 1% من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية. كما تكفل الدولة سبل المساهمة الفعالة للقطاعين الخاص والأهلي وإسهام المصريين في الخارج في نهضة البحث العلمي."

المادة 48: "الثقافة حق لكل مواطن، تكفله الدولة وتلتزم بدعمه وبإتاحة المواد الثقافية بجميع أنواعها لمختلف فئات الشعب، دون تمييز بسبب القدرة المالية أو الموقع الجغرافي أو غير ذلك. وتولي اهتماماً خاصاً بالمناطق النائية والفئات الأكثر احتياجاً. وتشجع الدولة حركة الترجمة من العربية وإليها."

المادة 65:"حرية الفكر والرأي مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر."

المادة 66: "حرية البحث العلمي مكفولة، وتلتزم الدولة برعاية الباحثين والمخترعين وحماية ابتكاراتهم والعمل على تطبيقها."

وقد وضع الدستور حماية علي تلك الحقوق حين نص في مادتين مختلفتين:

المادة 92: "الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصاً. ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها."

المادة 99: "كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وللمضرور إقامة الدعوى الجنائية بالطريق المباشر. وتكفل الدولة تعويضًا عادلًا لمن وقع عليه الاعتداء، وللمجلس القومي لحقوق الإنسان إبلاغ النيابة عن أي إنتهاك لهذه الحقوق، وله أن يتدخل في الدعوي المدنية منضمًا إلى المضرور بناء على طلبه، وذلك كله على الوجه المبين بالقانون."

وكما وضح في تعاقب النصوص الدستورية، فمفهوم حرية تداول المعلومات كحق منفصل هو مفهوم جديد على المشرع الدستوري المصري، ويعود جزء كبير من إدراجه بدستور 2012 إلى الأوضاع المتوترة التي وضع بها، والتي جعلت الجمعية التأسيسية، والتي كان يسطر عليها السياسيين الإسلاميين تحاول إتخاذ خطوات لطمأنة التيار الديمقراطي. إلا أنه، وبعد 30 يونيو لم يرد ذكرها في الإعلان الدستوري سنة 2013، إلا أن الحق في المعلومة عاد في دستور 2014 لنص واضح، بالإضافة إلى نصّ المادة 99، والتي وضعت حماية جنائية للاعتداء على حقوق وحريات المواطنين، وهو وإن كان عائداً علي طبيعة دستور 2014، والذي أورد كل الحقوق الممكنة للمواطنين كجزء من مسار التوافق الديمقراطي آنذاك، إلا أنه أيضاً يعكس وجهة نظر المشرع الدستوري فيما يتعلق بحظر تعطيل أو الانتقاص من أي من الحقوق الواردة بالدستور، ومنها الحق في المعرفة ونشر المعلومات، بل ويعتبر ذلك جريمة.

ثانيًا – القوانين:

لم تتم المصادقة على قانون خاص بالنفاذ إلى المعلومات بالرغم من كونه إستحقاق دستوري منذ دستور 2012، إلا أنه توجد أطر قانونية متعددة تؤثر على هذا الحق، وجدت في عدد من القوانين والقرارات، إما لضمانه بطريقة غير مباشرة، أو للحد منه.

قانون رقم 20 لسنة 1936 بشأن المطبوعات

المادة 2: في الأحكام المتعلقة بالمطابع وبالمطبوعات على وجه العموم يجب على كل طابع قبل فتحه مطبعة أن يقدم إخطارًا كتابيًا بذلك إلى المحافظة أو المديرية التي تقع المطبعة في دائرتها. ويشتمل الإخطار على أسم ولقب وجنسية ومحل إقامة الطابع ومقر المطبعة وأسمها. ويجب تقديم إخطار جديد في خلال ثمانية أيام عن كل تغيير في البيانات المتقدمة.

المادة 11: يجب أن يكون لكل جريدة رئيس تحرير مسئول يشرف إشرافًا فعليًا على كل محتوياتها أو جملة محررين مسئولين يشرف كل واحد منهم إشرافًا فعليًا على قسم معين من أقسامها.

المادة 26 في العقوبات:  كل مخالفة لأحكام المواد 11 و12 و13 و14 و17 تكون عقوبتها الحبس لمدة لا تتجاوز ستة أشهر والغرامة من 20 جنيهًا إلى 200 جنيهًا أو إحدى هاتين العقوبتين فقط. وتكون المعاقبة على دخول المطبوعات والجرائد أو تداولها أو نشرها خلافًا لأحكام المواد 9 و10 و21 بنفس العقوبات السابقة. ويجوز أن يقضي أيضًا الحكم الصادر بالعقوبة بتعطيل الجريدة لمدة 15 يومًا إذا كانت تصدر ثلاث مرات أو أكثر في الأسبوع أو لمدة شهرًا إذا كانت تصدر أسبوعيًا أو لمدة سنة في الأحوال الأخرى.

تشوب هذا القانون شائبة عدم الدستورية الآن، بعد أن نص دستور 2014 على منع الحبس في قضايا النشر في المادة 76 والتي نصت على "ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري".

قانون رقم 356 لسنة 1954 بشأن إنشاء دار الوثائق التاريخية القومية بتاريخ 24-6-1954

المادة 1: تنشأ دار للوثائق التاريخية القومية - تكون تابعة لوزارة الإرشاد القومي.

المادة 2: تقوم هذه الدار بجمع الوثائق التي تعد مادة لتاريخ مصر وما يتصل به في جميع العصور - وبحفظها وتيسير دراستها والعمل على نشرها كل ذلك مع عدم الإخلال بأحكام القانون رقم 215 لسنة 1951 المشار إليه.

المادة 3: يكون للدار مجلس أعلى يتولى كافة المسائل التي تقوم عليها الدار - وعلى الأخص ما يأتي:

  • تقرير ما يعتبر من الوثائق ذا قيمة تاريخية.
  • تقرير نقل الوثائق إلى الدار.
  • وضع قواعد المحافظة على الوثائق.
  • تحديد الوثائق التي تنشر وطريقة نشرها.
  • وضع شروط الإطلاع على الوثائق وأخذ الصور منها - على أن يصدر بذلك قرار من وزير الإرشاد القومي.
  • إبداء الرأي في إعدام الأوراق الخاصة بكل وزارة.
  • وضع اللائحة الداخلية لسير العمل بالدار على أن يصدر بها قرار من وزير الإرشاد القومي.

ويصدر وزير الإرشاد القومي قرارًا ببيان تشكيل هذا المجلس ومواعيد إنعقاده وصحة جلساته وكيفية صدور قراراته وتنفيذها ونظام العمل به وإختصاصات رئيسه وسكرتيره ومكافآت أعضائه.

المادة 9: يجوز التصريح بأخذ صور شمسية أو خطية من الوثائق المودعة بالدار طبقًا للقواعد التي يحددها المجلس الأعلى والتي يصدر بها قرار من وزير الإرشاد القومي.

وتؤدى عن هذه الصور الرسوم المقررة لإستخراج صور من الأوراق الرسمية ما لم يكن مقررًا عليها رسوم خاصة بمقتضى القوانين المعمول بها في الجهات التي نقلت منها الوثيقة.

ويجوز زيادة الرسوم إلى ما لا يزيد على ضعفيها - كما يجوز تخفيضها والإعفاء منها وفق القواعد التي يحددها قرار يصدره وزير الإرشاد القومي بناء على إقتراح المجلس الأعلى للدار.

كما ورد في المذكرة الإيضاحية للنص:

لوحظ أن وثائق مصر القومية مبعثرة في عدة أمكنة، فالوثائق الأصلية للقوانين والمراسيم لم ترسل قط لدار المحفوظات بالقلعة وإنما تبقى في مجلس الوزراء والمعاهد والوثائق الخاصة بالمفاوضات التي أجرتها مصر بعضها بوزارة الخارجية وبعضها برئاسة مجلس الوزراء ووثائق تاريخ مصر منذ عهد محمد علي بعضها سلم للقسم التاريخي بقصر الجمهورية وبعضها في مكان على حدة ولم يكن الاطلاع عليها ميسورًا في عهد الملكية إلا بإجراءات غاية في الصعوبة.

وقد آن الأوان لجمع كل هذه الوثائق في مكان واحد على أن ترتب ترتيبًا علميًا وأن ييسر البحث فيها والإطلاع عليها ونشر ما يتقرر نشره منها وأن تنشر الحقائق التي تحويها على الشعب لهذا نص القانون على إنشاء دار للوثائق التاريخية ونص في مادته الأولى على تبعيتها لوزارة الإرشاد القومي، وذلك لأن مهمة الدار ألصق ما تكون بمهمة تلك الوزارة التي تعنى بنشر الحقائق للرأي العام، ودار الوثائق مستودع للحقائق التاريخية ومن ثم فمكانها الطبيعي حيث وضعها هذا القانون.

وقد نص القانون على جواز أخذ صور شمسية أو خطية من الوثائق لضرورة ذلك للعلماء والباحثين من جهة ولصيانة حقوق الأفراد من جهة أخرى وذلك طبقًا للقواعد التي يصدر بها قرار من وزير الإرشاد القومي بناء على إقتراح المجلس الأعلى وذلك مقابل رسم يقدر طبقا للقوانين رقم 90 و91 لسنة 1944 و324 لسنة 1951 وغيرها من القوانين التي تقرر رسما على أخذ الصور من الجهات الحكومية وهذا هو الحل الذي تمليه طبيعة الأشياء، إذ أن تلك القواعد متعينة التطبيق لو أن هذه الوثائق كانت قد بقيت في مكانها الأصلي غير أنه نظرًا لأن وثائق الدار لأنهم الأفراد فقط وإنما تهم العلماء والباحثين ودور العلم والوثائق في مصر وغيرها، فينبغي أن تراعى هذه الطبيعة الخاصة ولذلك نص على أنه يجوز تخفيض الرسوم بل والإعفاء منها وفق القواعد التي يحددها قرار وزاري يصدر بناء على اقتراح المجلس الأعلى تسهيلًا للبحث العلمي ونشر الحقائق وهما من الأهداف السياسية للدار – وقد نص كذلك على إمكان زيادة الرسوم وذلك إحتياطا للمستقبل إذ أن الصور الفوتوغرافية قد تتكلف مصاريف لا يغطيها قيمة الرسم العادي، وليس من المقبول أن تتحمل الدولة أعباء مالية في هذا السبيل فواجب أن يتحمل طالب هذه التكاليف ومن ثم نص على إمكان زيادة الرسوم إلى ضعفها – ولما كان أخذ الصور من هذه الوثائق قد يكون لأغراض علمية يهم الدولة تشجيعه – لذلك نص على جواز تخفيض هذه الرسوم والإعفاء منها.

جاءت نصوص تنظيم قانون دار الوثائق، وإن كانت في ظاهرها تشير إلى السماح للطاعنين بالإطلاع على الوثائق التي هي ملك الشعب المصري في المقام الأول - وما دور الدولة إلا حامي لتلك المستندات وموثق لها- إلا إنها في باطنها أعطت جهة الإدارة الحق في تقرير ما ينشر من تلك الوثاق من عدمه، وكذلك وضع شروط للاطلاع عليها، مما جعلها في النص حكرًا على الباحثين الأكاديميين. كما أنه في حقيقة الأمر، لا يسمح لأحد بالإطلاع على الوثائق، وذلك لشرط وجود الموافقة الأمنية التي يحرم أي شخص من الحصول عليها. كما أن إمتناع الدار عن القيام بدور النشر أو إتاحة الإطلاع وقصره على الباحثين من جهات محدده بشرط الموافقة الأمنية يعد إخلالًا عظيمًا بمبدأ المساواة وإنتهاك للحق في المعرفة وحرية البحث العلمي غير المرتبطين بصفات رسمية من أي نوع. 

قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 313 لسنة 1956 بحظر نشر أية أخبار عن القوات المسلحة 

المادة 1: يحظر نشر أو إذاعة أية معلومات أو أخبار عن القوات المسلحة وتشكيلاتها وتحركاتها وعتادها وأفرادها وبصفة عامة كل ما يتعلق بالنواحي العسكرية والإستراتيجية بأي طريق من طرق النشر أو الإذاعة إلا بعد الحصول علي موافقة كتابية من مدير إدارة المخابرات الحربية، أو من يقوم بعمله في حالة غيابه سواء بالنسبة لمؤلف أو واضع المادة المنشورة أو المذاعة أو بالنسبة للمسئول عن نشرها أو إذاعتها.

المادة 2: كل من يخالف أحكام هذا القانون يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلي خمس سنوات وبغرامة من 100 جنيه الي 500 جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين وذلك إذا ارتكبت الجريمة في زمن السلم وبالسجن إذا ارتكبت في زمن الحرب.

تنص المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 313 لسنة 1956 على ما يلي:

لا يخفي ما لتشكيلات الجيش وتجهيزاته وعتاده من أهمية بالغة من ناحية أمن الدولة وسلامتها في الداخل والخارج مما يقضي إحاطتها دائما بسياج من السرية التامة والحيلولة دون تسريب أنبائها إلي الجهات التي تقيد منها في النيل من صالح البلاد وقد تضاعفت هذه الأهمية في العهد الحاضر بصقة خاصة نظرا لما نيط بالقوات المسلحة من الاشتراك قي الدفاع عن البلاد العربية الي جانب الدفاع عن مصر ضد العدو المشترك بحيث أصبح الامر يستدعي جعل نشر أو إذاعة أي أخبار عن الجيش وتشكيلاته وتحركاته وعتاده وكل ما يتعلق بالنواحي العسكرية والإستراتيجية بصفة عامة منوطا بالحصول علي موافقة القيادة العامة للقوات المسلحة باعتبارها الجهة المختصة التي تستطيع تقدير ما من شان نشره أو إذاعته أن يضر أو لا يضر بصالح الأغراض العسكرية.

تنص المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون رقم 14 لسنة 1967 والخاص بتعديل المادة الأولى من القانون:

صدر قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة بالقانون رقم 313 لسنة 1956 ونص في مادته الاولي علي حظر نشر أو اذاعة أي أخبار عن القوات المسلحة. ولما كانت المسئولية بمقتضي هذا النص تتناول ناشر الأخبار أو مذيعها ولا يدخل في نطاقها مؤلف المادة المنشورة أو المذاعة إذا كان غيره قد تولي نشرها أو إذاعتها. ونظرا لان النص على هذا الوضع لا يحقق الردع الكافي رغم ما قد ينجم عنه النشر من إضرار تلحق القوات المسلحة وخاصة في الوقت الراهن الذي تحتاج فيه هذه القوات إلى العناية التامة بحماية أسرارها وأخبارها. نظراً لأن مسئولية مؤلف المادة التي نشرت أو أذيعت لا تقل عن مسئولية الناشر أو المذيع أن لم تزد باعتبار نشاطه في جمع المعلومات والأخبار. 

لذلك رؤي تعديل نص المادة الأولي من القانون المشار إليه بما يكفل مساءلة مؤلف الخبر أو واضع المعلومات باعتباره فاعلا أصليا جنبا إلي جنب مع مسئولية الناشر أو المذيع وبذلك يمكن مضاعفة الحماية التي يجب أن تتوفر لكل ما يتعلق بالنواحي العسكرية أو الإستراتيجية.

قانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ

المادة 3: لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ التدابير المناسبة للمحافظة على الأمن والنظام العام وله على وجه الخصوص:

الأمر بمراقبة الرسائل أيًا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإغلاق أماكن طبعها، على أن تكون الرقابة على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام مقصورة على الأمور التي تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومي.

يمثّل قانون الطوارئ الإنتهاك الأعظم لحقوق وحريات المواطنين في كل الأوقات، وإن كان يدفع بأنه وضع مؤقت للحالات الطارئة، إلا أن الوضع التاريخي في مصر أثبت أن قانون الطوارئ يُفرض طوال الوقت بمخالفات دستورية متتالية.

القانون رقم 35 لسنة 1960 في شأن الإحصاء والتعداد

المادة 1: تجرى الإحصاءات والتعدادات التي تحتاجها الدولة بناء على ما تقرره هيئة فنية يصدر بتشكيلها قرار من رئيس الجمهورية تتولي تعيين ما يجب إجراؤه منها وتحديد مواعيد وطرق إجرائها ونشر نتائجها وتعيين الجهات أو الأجهزة التي تقوم بعمل هذه الإحصاءات والتعدادات بما يحقق التنسيق الكامل بين العمليات والأجهزة الإحصائية ويؤدي إلى رفع مستوى الدقة والكفاية في هذه العمليات والأجهزة.

المادة 2: للهيئة الفنية أن تقوم بمهمتها متعاونة مع الوزارات والمصالح والهيئات العامة ولها كذلك أن تستعين بالجهات والأجهزة الإحصائية التي لدي الهيئات الخاصة وعلى جهات الإدارة وسلطات الأمن العام أن تعاون المكلفين بإجراء الإحصاء أو التعداد بما يكفل تأدية مهمتهم علي أكمل وجه. وعلى الأفراد والهيئات أن يقدموا إلى الجهة المكلفة بالإحصاء أو التعداد جميع البيانات التي تطلب منهم بما يطابق الحقيقة وبالكيفية وفي المواعيد التي تحددها الهيئة الفنية. وعلى أصحاب المنشآت أو من يمثلهم أن يسمحوا للمكلفين بإجراء الإحصاءات والتعدادات بالدخول في محالهم في أوقات العمل العادية والإطلاع على كافة المستندات للتحقق من صحة البيانات المقدمة. ويجوز للمكلفين بإجراء التعداد العام أن يضعوا الأرقام أو الحروف أو العلامات أو المنشورات اللازمة للتعداد على المباني والمؤسسات.

المادة 3: البيانات الفردية التي تتعلق بأي إحصاء أو تعداد (سرية) ولا يجوز إطلاع أي فرد أو هيئة عامة أو خاصة عليها أو إبلاغه شيئًا منها كما لا يجوز إستخدامها لغير الأغراض الإحصائية أو نشر ما يتعلق منها بالأفراد إلا بمقتضى إذن مكتوب من ذوي الشأن. ولا يجوز إستغلال أي بيان إحصائي كأساس لربط ضريبة أو لترتيب أي عبء مالي آخر ولا إتخاذه دليلًا في جريمة أو أساسًا لأي عمل قانوني.

المادة 4: يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على مائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين

كل من أخل بسرية البيانات الإحصائية أو أفشى بيانًا من البيانات الفردية أو سرًا من أسرار الصناعة أو التجارة أو غير ذلك من أساليب العمل التي يكون قد أطلع عليها بمناسبة عمله في الإحصاء أو التعداد.

  • كل من حصل بطريق الغش أو التهديد أو الإيهام بأية وسيلة أخرى على بيانات أو معلومات سرية بشأن الإحصاءات أو التعدادات أو شرع في ذلك.

  • كل من عطل عمدًا عملًا من أعمال الإحصاء أو التعداد التي تقررها الهيئة الفنية أو تسبب في ذلك.

  • كل من نشر إحصاءات أو تعدادات أو نتائج إستقصاء غير صحيحة مع علمه بذلك.

  • كل من إمتنع عن الإدلاء بالبيانات المطلوبة أو أدلى ببيانات غير صحيحة مع علمه بذلك.

ويعتبر ممتنعًا من لم يقدم البيان خلال أسبوع من الميعاد المحدد ما لم يثبت أن التأخير في تقديم البيانات كان بسبب عذر مقبول.

لم يكتف هذا النص القانوني بعدم التنصيص على إتاحة المعلومات، ولكن نص صراحة على سريتها، فلا يجوز اطلاع أي شخص عليها، كما أنه وضع نصاً عقابيًا لمن يحاول نشر تلك المعلومات أو الوصول إليها.

قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة بالقانون رقم 2915 لسنة 1964 بإنشاء وتنظيم الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 20 سبتمبر 1964

المادة 9: يضع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء برنامجًا سنويًا للمطبوعات والنشرات والمؤشرات والبيانات الإحصائية اللازمة لمختلف قطاعات الدولة وذلك بالتنسيق مع مختلف الأجهزة المعنية. وللجهاز أن يتولى بنفسه إصدار جميع المطبوعات والنشرات والمؤشرات والبيانات الإحصائية التي تصدرها مختلف أجهزة الدولة أو جزء منها ويجري النشر في هذه الحالة بالخصم علي ميزانية الجهاز المختص.

المادة 10: لا يجوز لأية وزارة أو هيئة أو جهة أو أي فرد أو أفراد في الحكومة أو القطاع العام أو القطاع الخاص بنشر بأي وسيلة من وسائل النشر أو الإعلام أي مطبوعات أو نتائج أو بيانات أو معلومات إحصائية إلا من واقع إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. أما الإحصاءات الغير مقررة ضمن برامج الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فلا يجوز نشرها إلا بموافقة الجهاز.

والملاحظ هنا إن النص إقتصر إجراء أي أبحاث إحصائية علي الجهاز، وأعطاه الحق منفردًا في نشرها، وكذلك الحق في منع أي شخص أخر من أي محاولة إحصائية، وهو ما يعد منع للمعلومة من منبعها.

 

قانون رقم 121 لسنة 1975 بشأن المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة وتنظيم أسلوب نشرها بتاريخ 25-9-1975

المادة 1: يضع رئيس الجمهورية بقرار منه نظامًا للمحافظة على الوثائق والمستندات الرسمية للدولة ويبين هذا النظام أسلوب نشر وإستعمال الوثائق والمستندات الرسمية التي تتعلق بالسياسات العليا للدولة أو بالأمن القومي والتي لا ينص الدستور أو القانون على نشرها فور صدورها أو إقرارها. ويجوز أن يتضمن هذا النظام النص على منع نشر بعض هذه الوثائق لمدة لا تجاوز خمسين عامًا إذا ما إقتضت المصلحة العامة ذلك.

يعتبر هذا القانون أحد النصوص المهجورة في القانون المصري تمامًا، فبالرغم من كونه يشير إلى الوثائق الرسمية السرية للدولة، ويضع حد أقصى للفترة التي تمنع فيها من النشر على الجمهور، لمدة لا تتجاوز خمسة عشر عامًا قبل أن تنقل إلى دار الوثائق القومية ويسمح لمطالعها للجمهور، وفي ظروف خاصة يمكن مد تلك الفترة إلى 30 أو 50، لا يجوز بعدها منعها بأي شكل، إلا أنه لا توجد أي وثائق يتم السماح بالإطلاع عليها سواء بإنقضاء مدة ال50 عام أو بعدها.

قانون رقم 94 لسنة 2015 بشأن إصدار قانون مكافحة الإرهاب

المادة 28: يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنين كل من روج أو أعد للترويج، بطريق مباشر أو غير مباشر، لإرتكاب أية جريمة إرهابية سواء بالقول أو الكتابة أو بأية وسيلة أخرى. ويُعد من قبيل الترويج غير المباشر، الترويج للأفكار والمعتقدات الداعية لإستخدام العنف. وذلك بأي من الوسائل المنصوص عليها في الفقرة السابقة من هذه المادة. وتكون العقوبة السجن مدة لا تقل عن سبع سنين، إذا كان الترويج داخل دور العبادة، أو بين أفراد القوات المسلحة، أو قوات الشرطة، أو في الأماكن الخاصة بهذه القوات. ويُعاقب بذات العقوبة المقررة في الفقرة الأولى من هذه المادة كل من حاز أو أحرز أية وسيلة من وسائل الطبع أو التسجيل أو العلانية استعملت أو أعدت للاستعمال، ولو بصفة وقتية، بقصد طبع أو تسجيل أو إذاعة شيء مما ذكر.

المادة 35: يُعاقب بغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه كل من تعمد، بأية وسيلة كانت، نشر أو إذاعة أو عرض أو ترويج أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أعمال إرهابية وقعت داخل البلاد، أو عن العمليات المرتبطة بمكافحتها بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع، وذلك كله دون إخلال بالعقوبات التأديبية المقررة. وفي الأحوال التي ترتكب فيها الجريمة بواسطة شخص إعتباري، يُعاقب المسئول عن الإدارة الفعلية لهذا الشخص بذات العقوبة المقررة في الفقرة الأولى من هذه المادة ما دامت الجريمة قد ارتكبت لحسابه أو لمصلحته، ويكون الشخص الإعتباري مسئولًا بالتضامن عما يحكم به من غرامات وتعويضات.

وفي جميع الأحوال، للمحكمة أن تقضي بمنع المحكوم عليه من مزاولة المهنة لمدة لا تزيد على سنة، إذا وقعت الجريمة إخلالًا بأصول مهنته.

المادة 36: يحظر تصوير أو تسجيل أو بث أو عرض أية وقائع من جلسات المحاكمة في الجرائم الإرهابية إلا بإذن من رئيس المحكمة المختصة، ويُعاقب بغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه كل من خالف هذا الحظر.

إن هذا النص القانوني مستمد من الوضع المصري من بعد 30 يونيو، وحيل أي إنتهاك إلى الحرب ضد الإرهاب. ينتهك القانون كل المحاذير الدستورية، ويضع عقوبة سالبة للحرية على النشر بالمخالفة لنص المادة 76 من الدستور، والتي نصت على أنه "لا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري". كما أنه يعاقب على نقل أي أخبار مخالفة لبيانات المجلس العسكري، سواء كانت تلك الأخبار صحيحة أم لا، فهو يحتكر المعلومة بكل أشكالها لجهة معيّنة، ويعاقب من يحاول البحث عن حقيقتها.

قانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن إصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام

المادة 3: يحظر، بأي وجه، فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية، ويحظر مصادرتها، أو وقفها، أو إغلاقها. ويجوز إستثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب أو التعبئة العامة. وفي هذه الحالة للمجلس الأعلى أن يصدر قرارًا بضبط نسخ الصحيفة الورقية أو حذف أو حجب المادة المخالفة لتعليمات الرقابة في حالة نشرها في صحيفة إلكترونية أو موقع إلكتروني، أو وقف إعادة بثها في الوسيلة الإعلامية، ولذوي الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإداري.

المادة 4: يحظر على المؤسسة الصحفية والوسيلة الإعلامية والموقع الإلكتروني نشر أو بث أي مادة أو إعلان يتعارض محتواه مع أحكام الدستور، أو تدعو إلى مخالفة القانون، أو تخالف الإلتزامات الواردة في ميثاق الشرف المهني، أو يخالف النظام العام أو الآداب العامة، أو يحض على التمييز أو العنف أو العنصرية أو الكراهية. وللمجلس الأعلى، للإعتبارات التي يقتضيها الأمن القومي، أن يمنع مطبوعات أو صحفًا أو مواد إعلامية أو إعلانية صدرت أو جرى بثها من الخارج من الدخول إلى مصر أو التداول أو العرض.

وعلى المجلس أن يمنع تداول المطبوعات أو المواد الإباحية، أو التي تتعرض للأديان والمذاهب الدينية تعرضًا من شأنه تكدير السلم العام، أو التي تحض على التمييز أو العنف أو العنصرية أو الكراهية. ولكل ذي شأن الطعن في هذا القرار أمام محكمة القضاء الإداري.

المادة 5: لا يجوز بأي حال من الأحوال إصدار أي صحيفة، أو الترخيص بإنشاء أي وسيلة إعلامية أو موقع إلكتروني، أو السماح له بالإستمرار في ممارسة نشاطه، متى كان يقوم على أساس تمييز ديني أو مذهبي أو التفرقة بسبب الجنس أو الأصل، أو على أساس طائفي أو عرقي، أو تعصب جهوي، أو ممارسة نشاط معاد لمبادئ الديمقراطية، أو على نشاط ذي طابع سري أو تحريض على الإباحية أو الكراهية أو العنف، أو يدعو إلى أي من ذلك، أو يسمح به.

المادة 6: لا يجوز تأسيس مواقع إلكترونية في جمهورية مصر العربية، أو إدارتها، أو إدارة مكاتب أو فروع لمواقع إلكترونية تعمل من خارج الجمهورية، إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من المجلس الأعلى وفق الضوابط والشروط التي يضعها في هذا الشأن.ومع عدم الإخلال بالعقوبات الجنائية المقررة، للمجلس الأعلى في حالة مخالفة أحكام الفقرة السابقة إتخاذ الإجراءات اللازمة بما في ذلك إلغاء الترخيص، أو وقف نشاط الموقع أو حجبه، في حالة عدم الحصول على ترخيص سار. ولذوي الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإداري.

المادة 7: الصحفيون والإعلاميون مستقلون في أداء عملهم، لا سلطان عليهم في ذلك لغير القانون.

المادة 8: لا يجوز أن يكون الرأي الذي يصدر عن الصحفي أو الإعلامي أو المعلومات الصحيحة التي تصدر عن الصحفي أو الإعلامي سببًا لمساءلته، كما لا يجوز إجباره على إفشاء مصادر معلوماته.

المادة 9: للصحفي أو الإعلامي حق نشر المعلومات والبيانات والأخبار التي لا يحظر القانون إفشاءها. وتلتزم الجهات الحكومية والجهات العامة الأخرى بإنشاء إدارة أو مكتب أو موقع إلكتروني للإتصال بالصحافة والإعلام لتمكين الصحفي أو الإعلامي من الحصول على البيانات والمعلومات والأخبار.

المادة 10: يحظر فرض أي قيود تعوق توفير المعلومات أو إتاحتها، أو تحول دون تكافؤ الفرص بين مختلف الصحف المطبوعة والإلكترونية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، أو حقها في الحصول على المعلومات، وذلك كله دون الإخلال بمقتضيات الأمن القومي، والدفاع عن الوطن.

المادة 11: مع مراعاة أحكام المادتين (9، 10) من هذا القانون، للصحفي أو الإعلامي الحق في تلقي إجابة على ما يستفسر عنه من معلومات وبيانات وأخبار، وذلك ما لم تكن هذه المعلومات أو البيانات أو الأخبار سرية بطبيعتها أو طبقا للقانون.

المادة 12: للصحفي أو الإعلامي في سبيل تأدية عمله الحق في حضور المؤتمرات والجلسات والإجتماعات العامة، وإجراء اللقاءات مع المواطنين، والتصوير في الأماكن العامة غير المحظور تصويرها، وذلك بعد الحصول على التصاريح اللازمة في الأحوال التي تتطلب ذلك.

المادة 19: يحظر على الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية أو الموقع الإلكتروني نشر أو بث أخبار كاذبة، أو ما يدعو أو يحرض على مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية، أو ينطوي على تمييز بين المواطنين، أو يدعو إلى العنصرية أو يتضمن طعنًا في أعراض الأفراد، أو سبًا أو قذفًا لهم، أو امتهانًا للأديان السماوية أو للعقائد الدينية.

ويلتزم بأحكام الفقرة السابقة كل موقع إلكتروني شخصي أو مدونة إلكترونية شخصية أو حساب إلكتروني شخصي، يبلغ عدد متابعيه خمسة آلاف متابع أو أكثر. ومع عدم الإخلال بالمسئولية القانونية المترتبة على مخالفة أحكام هذه المادة، يجب على المجلس الأعلى إتخاذ الإجراء المناسب حيال المخالفة، وله في سبيل ذلك وقف أو حجب الموقع أو المدونة أو الحساب المشار إليه بقرار منه. ولذوي الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإداري.

المادة 20: يحظر في أي وسيلة من وسائل النشر أو البث التعرض للحياة الخاصة للمواطنين. كما يحظر في أي وسيلة من وسائل النشر أو البث تناول مسلك المشتغل بالعمل العام أو الشخص ذي الصفة النيابية العامة أو المكلف بخدمة عامة إلا إذا كان التناول وثيق الصلة بأعمالهم، ومستهدفًا المصلحة العامة.

المادة 21: مع مراعاة القرارات الصادرة وفقًا للقانون بحظر النشر في القضايا، يحظر على الصحفي أو الإعلامي، تناول ما تتولاه سلطات التحقيق أو المحاكمة على نحو يؤثر على مراكز من يتناولهم التحقيق أو المحاكمة، ويحظر على الصحف ووسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية نشر أو بث أي من ذلك. وتلتزم الصحف ووسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية بنشر وبث قرارات النيابة، ومنطوق الأحكام التي تصدر في القضايا التي تناولتها أثناء التحقيق أو المحاكمة، وموجز واف للأسباب التي تقام عليها.

المادة 94: يضع المجلس الأعلى لائحة بالجزاءات والتدابير الإدارية والمالية التي يجوز توقيعها على المؤسسات الصحفية والمؤسسات الصحفية القومية والمؤسسات الإعلامية والمؤسسات الإعلامية العامة حال مخالفة أحكام هذا القانون، وإجراءات التظلم منها. وتعتبر هذه اللوائح جزءا لا يتجزأ من التراخيص أو الموافقات الصادرة أو غيرها من التصرفات والإجراءات والأعمال بين المجلس الأعلى وتلك الجهات. ويجوز أن تتضمن هذه اللائحة ما يأتي:

  • إلزام المؤسسة أو الوسيلة بإزالة أسباب المخالفة خلال مدة محددة أو إزالتها على نفقتها.
  • توقيع الجزاءات المالية المنصوص عليها في حالة عدم الالتزام بشروط الترخيص.
  • منع نشر أو بث المادة الإعلامية لفترة محددة أو بصفة دائمة.

وفي جميع الأحوال، لا يجوز توقيع أي من تلك الجزاءات أو التدابير إلا في حالة إنتهاك أي مؤسسة صحفية أو إعلامية للقواعد أو المعايير المهنية أو الأعراف المكتوبة (الأكواد)، وبعد إجراء الفحص اللازم من المجلس الأعلى، ويكون توقيع الجزاء بقرار مسبب. ويتم إخطار النقابة المختصة لإتخاذ الإجراءات اللازمة في المخالفات التي تقع من أحد أعضائها بمناسبة توقيع المجلس أحد الجزاءات على إحدى الجهات الخاضعة للمجلس الأعلى، وتلتزم النقابة المعنية بإتخاذ الإجراءات التأديبية في مواجهة الشخص المسئول عن المخالفة وفقًا لقانونها. ولذوي الشأن الطعن على هذه الجزاءات أو التدابير أمام محكمة القضاء الإداري، ولا يقبل الطعن إلا بعد تقديم التظلم منه إلى المجلس الأعلى.

المادة 95: للمجلس الأعلى الحق في إلغاء ترخيص مزاولة البث الإعلامي أو الموقع الإلكتروني في الأحوال الآتية: 

  • إذا لم يباشر المرخص له العمل الإعلامي خلال سنة من تاريخ منح الترخيص، إلا إذا وافق المجلس على منحه مدة سنة أخرى.
  • إذا فقد المرخص له شرطًا من شروط الترخيص المحددة في هذا القانون، أو خالف حكما جوهريًا من أحكامه، وذلك بشرط إخطار المجلس للجهة المخالفة بأوجه المخالفة ومنحها مهلة مناسبة لا تقل عن أسبوع ولا تزيد على شهر لتصحيح المخالفة.

ولذوي الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإداري.

المادة 96: مع عدم الإخلال بإختصاص النيابة العامة، للمجلس الأعلى من تلقاء ذاته، أو بناء على شكوى تقدم إليه، أن يقيم الدعاوى القضائية عن أي مخالفة لأحكام هذا القانون وتشكل جريمة.

يعد هذا النص القانون الكارثي الذي أطلق عليه الصحفيون المصريون لقب "قانون تأميم الصحافة"، والذي يمنع بشكل عملي كل شيء، ويعطي المجلس الأعلى للصحافة السلطة في الحجب والمنع والمصادرة لأي معلومة أو مصدر أو شخص يراه، بل ويعطيهم سلطة إحالتهم للتحقيق الجنائي إذا ارتؤوا أي مخالفة بلا مرجع أو منهج لطبيعة تلك المخالفات.

ثالثًا – القرارات:

قرار رئيس الجمهورية رقم 472 لسنة 1979 بشأن نظام المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة وأسلوب نشرها واستعمالها بتاريخ 29-11-1979

المادة 1: تعتبر الوثائق والمستندات والمكاتبات التي تتعلق بالسياسات العليا للدولة أو بالأمن القومي سرية لا يجوز نشرها أو إذاعتها كلها أو بعضها كما لا يجوز تداولها أو الاطلاع عليها إلا لمن تستوجب طبيعة عمله ذلك وذلك كله ما لم تكن مما ينص الدستور أو القانون على نشرها فور صدورها.

المادة 4: يكون حفظ الوثائق والمستندات المشار إليها بجهاتها لمدة لا تتجاوز خمسة عشر عامًا تنقل بعدها إلى دار الوثائق القومية لتحفظ في الأماكن التي تعد لهذا الغرض، وتظل محتفظة بسريتها لمدة خمس عشرة سنة أخرى.

المادة 5: تشكل لجنة بدار الوثائق القومية من مديرها وعضوية أثنين من العاملين الفنيين بها وتمثل فيها الجهة المصدرة للوثيقة أو المستند للنظر في الوثائق التي مضت عليها ثلاثون سنة فأكثر لتقرر إباحة الاطلاع عليها أو استمرار سريتها ومنع تداولها لمدة أخرى لا تتجاوز عشرين سنة تالية وبشرط ألا تتجاوز مدة حظر الاطلاع أو النشر خمسين تبدأ اعتبارًا من تاريخ إصدار الوثيقة أو المستند.

المادة 6: تحفظ الوثائق والمستندات للإطلاع أو البحث بعد مرور المدة المحظور فيها الإطلاع أو النشر، ويجوز بقرار من مجلس الوزراء بناء على عرض الوزير المختص بعد موافقة الجهة صاحبة الوثيقة أو المستند السماح بنشرها قبل الموعد المنصوص عليه في المادة السابقة.

قرار رئيس الجمهورية رقم 627 لسنة 1981 بشأن إنشاء مراكز المعلومات والتوثيق في الأجهزة الإدارية للدولة والهيئات العامة وتحديد اختصاصاتها بتاريخ 4-11-1981

المادة 3: يهدف مركز المعلومات والتوثيق إلى تجميع البيانات والمعلومات التي تخدم أهداف الجهة المنشأ بها سواء من داخلها أو خارجها وتسجيل وتحليل وتنظيم وفهرسة هذه المعلومات والبيانات وتحديثها وتعديلها أولا بأول ليتمكن المعاونة في إتخاذ القرارات الرشيدة في الوقت المناسب.

المادة 4: مع عدم الإخلال بأحكام قرار رئيس الجمهورية رقم 2915 لسنة 1964 المشار إليه يختص المركز بالاشتراك مع كافة الأجهزة المعنية بالجهة التابع لها بما يأتي:

(أولا) في مجال التوثيق:

  • تجميع المكتب والمراجع والوثائق والمجلات والبيانات والمعلومات التي تخدم أهداف الجهة من المصادر المختلفة سواء من داخل الجهة أو خارجها وفرزها وتسجيلها.

  • توصيف الوثائق ماديا وموضوعيا على نحو يبين عناصرها ومحتوياتها وعمل فهارس موضوعية لها.

  • التحليل العلمي لمحتويات الوثائق بكافة أشكالها وعمل مستخلصات لها.

  • تجميع وتنظيم وتبويب القوانين واللوائح والتعليمات المتعلقة بالجهة.

  • تزويد الباحثين والمترددين للإطلاع بالمواد المطلوبة وإرشادهم طبقًا للنظم الموضوعة للإستعارة الداخلية أو الخارجية.

     

أولا - المؤثرات الداخلية:

أن المؤسسات الأمنية لديها خطوط حمراء في تداول المعلومات حتى فيما بينهم، لأنها أجهزة قائمة على إحتكار المعلومة. وصنعت مؤسسات الدولة والجيش حالة من الخوف من النفاذ للمعلومة، وأكبر مثال على ذلك غضب الرئيس السيسي من المطالبة بإعلان البرنامج الانتخابي في 2014. فهو خوف مزدوج من الدولة والجيش، ومن الناس، حيث أصبح يخاف المواطنون من المطالبة بالمعلومات كي لا يقعون تحت طائلة القانون الزجري، فيودعون السجن في ظل قوانين الطوارئ والإرهاب.

إلا أن مشاركة المواطنين في المجال العام هي في حد ذاتها إتاحة للمعلومات لأنها في كل الأحوال ستؤدي لتسريبات تجبر المؤسسات أن تعلن المعلومات للرد على التسريبات، وهو مؤثر داخلي شعبي وفعّال. إن تكتم المؤسسات الرسمية على المعلومات خاصة العسكرية منها منطقي لعقليتها السرية، والعامل المتغير الأهم هو من يمكن التأثير عليهم، مثل المشرع والقضاة. فالدولة المصرية جهاز بيروقراطي قائم بذاته أقوى من النظام السياسي وظل محافظًا على طريقته في كل الأنظمة المختلفة، والمعركة الرئيسية ليست إيجاد القانون في حد ذاته، ولكن تغيير طريقة تفكير العاملين بالجهاز الإداري للدولة. 

كما يجب ألا نغفل أن يالرغم من وجود هذا النظام البيروقراطي إلا أن المؤسسات ليست صاحبة قرارات، وإنما الدولة تدار بشكل فردي من الرئيس والمقربين منه، وأن المعلومات جزء من الحق في التعبير وهو حق مكروه منهم. 

من المؤثرات الداخلية زخم الثورة من 2011 وحتى 30 يونيو، حيث شهدت مصر تحسنًا في النفاذ للمعلومات بضغوط شعبية، إلا إنها انتهت مع تسلم النظام الحالي المقاليد، ولم تترك التظاهرات أي أثر واضح في أي مرحلة.

ثانيا - المؤثرات الخارجية:

أن أهم العوامل الخارجية المؤثرة هي العلاقة بمؤسسات التمويل الدولية (البنك الدولي، صندوق النقد، والمقرضين بشكل عام) فهم بشكل بديهي يريدون نشر المعلومات لتقدير موقف الطرف المقترض مثلما حدث بشكل رسمي حين أصبح البنك المركزي يصدر نشرة شهرية عن نسبة التضخم منذ عام 2009، وأصبحت متاحة للجميع على الإنترنت، بعد أن كانت ربع سنوية وغير متاحة، وهو ما أدى إلى تطور كبير في السياسات المصرية، منها النقدية والضريبية، وأيضاً أثّر على استقلالية القضاء.

لكن للاسف هناك تأثير سلبي من رأس المال الخليجي، الذي كان يدفع إلى التراجع عن الشفافية التي تهدد مصالحه الاقتصادية والاستثمارية. أن المنظمات الدولية تتعامل مع مصر ودول المنطقة بتمشي يضع الإجراءات الاقتصادية على رأس الأولويات، دون الإكتراث بالتحول الديمقراطي في مصر، فيصبح الشكل الديمقراطي مهمًا بغض النظر عن الواقع. أن التأثيرات الخارجية ضعيفة جداً على الواقع المصري، وأن أي تغيير سيأتي من الداخل، وإن كانت هناك محاولات هامشية من منظمة المادة 19، والمقرر الخاص بتداول المعلومات بدون أثر حقيقي يذكر.

تطبيق الحق في المعلومة

على الرغم من النص الدستوري الواضح في حرية تداول المعلومات والحماية الجنائية للمعتدي عليه، إلا أن مصر دولة مانعة للمعلومة بشكل واضح، فكما أوضحنا أغلب القوانين مقيدة للحق بل وفي بعض الأحيان تجرم ممارسيه مثل قانون مكافحة الإرهاب، ومن جانب آخر فالهيكل الإداري للسلطة التنفيذية يرفض إصدار أي معلومات من أي نوع.

ومن أشهر المناسبات التي إمتنع فيها إصدار معلومات هي رفض دار الوثائق الإفراج عن المستندات التي تثبت مصرية جزيرتي تيران وصنافير أثناء نظر الطعن على قرار بيعهم للسعودية أمام المحكمة الإدارية العليا، وعلي الرغم من صدور أمر من المحكمة مرتين بالحصول علي تلك الوثائق إلا أن القائمين علي الدار رفضوا تسليمها، لدرجة أن الطاعنين استطاعوا الوصول لتلك الوثاق من المكتبة البريطانية والألمانية بدلًا من دار الوثائق المصرية.

التزام الدولة بضمان الحق في المعلومة

الجريدة الرسمية

مصدر النشر الرسمي الرئيسي في مصر هي جريدة الوقائع المصرية هي أول جريدة مصرية وعربية وإسلامية تصدر باللغة العربية كما صدرت أيضًا باللغة التركية، أسس جريدة الوقائع المصرية الوالي محمد علي في القاهرة عام 1828م، وصدر العدد الأول في 3 ديسمبر عام 1828م وكانت توزع على موظفي الدولة وضباط الجيش وطلاب البعثات، وفي العام 1842م قام رفاعة الطهطاوي بتطوير الجريدة من حيث الشكل والمضمون والأسلوب، لدرجة أثارت حفيظة رجال الدولة وخشيتهم مما كان سببًا في نفي رفاعة الطهطاوي إلى السودان، وجعل رفاعة الأخبار المصرية المادة الأساسية بدلًا من التركية، وهو أول من أحيا المقال السياسي عبر إفتتاحيته في جريدة الوقائع، وفي عهده أصبح للجريدة محررون من الكتاب.

وفي عهد الخديوي سعيد باشا توقفت الصحيفة بين عامي 1854 و1863، ومع بدء الاحتلال البريطاني لمصر ابتداء من سنة 1882م تحولَّت الوقائع المصرية من صحيفة حكومية إلى صحيفة شعبية يومية على يد الشيخ محمد عبده، فقد عهد اليه رياض باشا في عام 1880م مهمة إصلاح جريدة الوقائع المصرية، ومكث في هذا العمل نحو ثمانية عشر شهرًا، نجح أثناءها في أن يجعل من الجريدة منبرا للدعوة للإصلاح، والعناية بالتعليم.

تعتبر الهيئة الناشر للجريدة الرسمية والوقائع المصرية وهي أقدم صحيفة مصرية بل وأقدم صحف الشرق الأوسط يزيد عمرها عن 179عام وقد ساهم في تحريرها وقتئذ قادة الحركة الفكرية في البلاد.

تصدر الجريدة الرسمية يوم الخميس من كل أسبوع ويجوز في الحالات العاجلة إصدار أعداد غير عادية بالمواد التي تنشر بها:

  • القوانين.
  • القرارات الجمهورية بقوانين.
  • قرارات رئيس الجمهورية.
  • قرارات رئيس مجلس الوزراء المفوض بها من السيد رئيس الجمهورية.
  • قرارات لجنة شئون الأحزاب السياسية.
  • أحكام المحكمة الدستورية العليا.
  • بيانات منح الأوسمة والنياشين.
  •  

تعتبر الوقائع المصرية ملحقًا للجريدة الرسمية وتصدر يوميًا ماعدا أيام الجمع والعطلات الرسمية والمواد التي تنشر بها:

  1. قرارات رئيس مجلس الوزراء.
  2. القرارات الوزارية. 
  3. قرارات المحافظين. 
  4. قرارات شهر الأندية وتشكيل مجالس إدارتها.
  5. ملخصات تأسيس الجمعيات بجميع أنواعها.
  6. إعلانات الحجوزات والمناقصات والمزايدات وإعلانات المصالح الحكومية وفقد الشيكات.
  7. موضوعات أخرى تقتضي القوانين والقرارات ضرورة نشرها.

 

مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

هو هيئة حكومية مصرية تابع لرئاسة مجلس الوزراء ومقره في العاصمة المصرية القاهرة، تأسس المركز في عام 1985 علي يد الدكتور عاطف عبيد. وتطور في عهد حكومة الدكتور أحمد نظيف ومشروع الحكومة الإلكترونية.

أنشأت مكتبة مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء عام 1987 كأحد البنيات الأساسية لقطاع دعم إتخاذ القرار بالمركز. وتقوم المكتبة بتوفير مصادر المعلومات بأشكالها وأنواعها المختلفة في مجالات دعم القرار، التنمية الاقتصادية والاجتماعية، الإدارة، وتكنولوجيا المعلومات.

تتيح المكتبة للمستفيدين من أعضاء المركز والباحثين الخارجيين قواعد البيانات المنتقاة محليًا وعالميًا ويمكن من خلال التجول عبر صفحات الموقع التعرف على قواعد البيانات المختلفة التي تقوم المكتبة ببنائها وتنميتها أو الاشتراك فيها. إلا أن دور هذه المراكز بدأ يتراجع بشكل كبير قبل 5 سنوات، خاصًة فى المحافظات، حتى أصبح الحصول على المعلومة، في حد ذاته، مهمة تبدو شبه مستحيلة.

أحد قيادات مركز معلومات التنمية المحلية بمحافظة الدقهلية صرح لجريدة ـ«الوطن» عن الحالة المتردية التي وصل إليها المركز قائلًا:

"عندما بدأنا العمل في مراكز المعلومات كنا عمود التنمية في مصر، ولكن يبدو أن المسئولين خافوا منا، فوزعونا وشتتوا قوتنا"، المشكلة حاليًا تكمن في قيمة المعلومة، ولجوء البعض إلى إستغلالها بشكل خاطئ، وبغرض تحقيق أهداف غير التي تم جمعها من أجلها وأصبحنا نعانى حاليًا من الحصول على المعلومات، الكثير من الجهات الحكومية ترفض التعامل معنا، وبالتالي لا يمكننا الحصول على أي إحصائيات أو معلومات مهمة منهم، ويزودوننا فقط بقشور المعلومات، كنا إدارات قوية عندما كانت مراكز المعلومات تتبع وزارة التنمية المحلية، حتى 2013، وبعدها تم توزيعنا على المراكز والمدن، وتم تصفية عدد من مراكز المعلومات في بعض المدن تمامًا، كما هو الحال في مدينة السنبلاوين، كما تم دمج بعض المراكز الأخرى ضمن مركز دعم إتخاذ القرار، التابع لرئاسة مجلس الوزراء، كما هو الحال بمدينتي المطرية وأجا"

 كما يصدر البنك المركزي نشرة شهرية عن نسبة التضخم منذ عام 2009 وأصبحت متاحة للكافة للجميع على الإنترنت، بعد أن كانت ربع سنوية وغير متاحة، وهو ما أدى إلى تطور ملحوظ في السياسات المصرية.

مظاهر ممارسة الحق في المعلومة

في ظل عدم وجود قانون واضح ينظم تداول المعلومات في مصر سواء قبل النص عليه بدساتير 2012 و 2014 أو بعده فلجأ المطالبين بالحق إلى القضاء لمحاولة الوصول إليه.

تمثل القضايا التي تمّ رفعها لضمان الحق، سواء منذ التسعينات (كما ذكر سابقًا)، أو في القضايا التي ستذكر في هذا القسم، تمثّل جزءًا من مجهود المؤسسات الحقوقية المصرية في تطوير التقاضي الإستراتيجي للوصول إلى حقوق إما لم ينظمها القانون أو إنتهكتها السلطة التنفيذية من المعارك القضائية الهامة معركة إثبات مصرية جزيرتي تيران وصنافير، والتي تخلت عنهما الحكومة المصرية لدولة السعودية، فخاض المجتمع المصري معركة طويلة أمام القضاء الإداري بدرجاته حتى صدر الحكم بمصريّتهما

واللجوء للتقاضي الإستراتيجي في مصر في ظل عدم وجود القانون أو تعطيله بتعنت الجهات التنفيذية لطالما كان أسلوبًا بديلًا للوصول إلى الحقوق، وخاصة في ظل قانون المحكمة الدستورية الذي ينصّ علي أحقيتها في الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين واللوائح و تفسير نصوص القوانين الصادرة من السلطة التشريعية والقرارات بقوانين الصادرة من رئيس الجمهورية.

يتم اللجوء إلى المحكمة الدستورية في تحديد مدى دستورية نص قانوني يكون عن طريق آليتين حددتهما المادة 29: "(ا) اذا تراءى لإحدى المحاكم او الهيئات ذات الإختصاص القضائي أثناء نظر احدى الدعاوى عدم دستورية نص في قانون او لائحة لازم للفصل في النزاع، أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة أو الهيئة العليا للفصل في المسألة الدستورية.

إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الإختصاص القضائي بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى وحددت لمن آثار الدفع ميعادًا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد أعتبر الدفع كان لم يكن."

ومن ثم لتتم إثارة النزاع أمام المحكمة الدستورية فيجب أن تكون هناك دعوى مثارة أمام أحد المحاكم العادي وتتعلق بنص به شبهة عدم دستورية، فإما تتراءى لهيئة المحكمة شبهة عدم الدستورية فتوقف الدعوى وتحيلها للمحكمة الدستورية، أو أن يدفع المتقاضي بعدم دستورية النص وتأخذ المحكمة بالدفع وتعطيه التصريح برفع دعوى أمام المحكمة الدستورية مع إيقاف الدعوى الأصلية لحين الفصل في دستورية النص من عدمه.

والطريقة الثانية هي الأكثر إستخدامًا في الواقع المصري وخاصة من جانب المنظمات الحقوقية التي تقوم برفع دعاوى أمام مجلس الدولة لتثير الجدال حول قانون ما وتحصل علي تصريح بالطعن عليه أمام المحكمة الدستورية.

ففي ظل عم وجود قانون جديد لتداول المعلومات بعد إقرار النص الدستوري، تصبح القوانين القديمة المقيدة لتداول المعلومات واقعة تحت طائلة عدم الدستورية ومن الممكن إثارة دعاوى بعدم دستوريتها أمام المحكمة الدستورية العليا وإلغائها.

ومن ثم يثار التساؤل في ظل شبهة عدم دستورية النصوص الحالية لتقيدها للحق، وكذلك كون النص الدستوري لاحق عليها، فما القانون واجب التطبيق؟

خير مثال لذلك الحكم الذي أصدرته مx²حكمة أمن الدولة العليا طوارئ بالقاهرة في القضية رقم 4190 لسنة 1986 الأزبكية (121 كلي شمال) ببراءة المتهمين في إضراب عمال السكك الحديدية سنة 1986، مستندة في حكمها إلى أن الحظر الوارد على حق الإضراب بالنسبة لعمال الحكومة، استنادًا لنص المادة 124 من قانون العقوبات(المُجرم للإضراب)، أصبح غير قائم، حيث أن تصديق مصر على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والذي يبيح الإضراب قد نسخ نص المادة 124 من قانون العقوبات، فموافقة مجلس الشعب على العهد وتصديق رئيس الجمهورية والنشر في الجريدة الرسمية في تاريخ لاحق لإصدار المادة 124 من قانون العقوبات، قد نسخوا المادة وجعلوها كأن لا وجود لها، وبناء عليه صدر حكم البراءة في 16/4/1987، ليصبح الإضراب مباحًا بعد ذلك لعمال القطاع الخاص والعام والحكومي على السواء. وتلا ذلك صدور حكم المحكمة التأديبية بطنطا الذي ذهب إلى براءة عمال مصنع سجاد الجمعية التعاونية للصناعات المنزلية من تهمة الإضراب، بالإستناد إلى أن:

"الامتناع عن العمل [الإضراب] قد أصبح منذ سريان الإتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي وقعت عليها جمهورية مصر العربية، وذلك على النحو سالف البيان، اعتبارًا من 8/4/1982 حقًا من الحقوق المكفولة للعاملين بالدولة [عاملين مدنيين وقطاع عام] ومن ثم فان هذا السلوك لا يعد خروجًا من جانبهم على مقتضى الواجب الوظيفي وخاصة أنه لم يثبت من الأوراق أنه عند ممارستهم لهذا الحق لم يقع منهم ما يخالف المحافظة على ممتلكات وأموال الشركة التي يعملون بها ولا ينال من ذلك أن الشارع في جمهورية مصر العربية حتى الآن لم يصدر التشريعات المنظمة لممارسة حق الإضراب، لأنه لا يسوغ أن يكون الموقف السلبي مبررًا للعصف بهذا الحق والتحلل من أحد الالتزامات الهامة، التي قبل أن يكفلها من قبل المجتمع الدولي، وخاصة أن هذا الحق يعد من أهم مظاهر ممارسة الديمقراطية وهو ما أكدته واعتنقته معظم التشريعات في العالم". (الحكم 120 لسنة 17 ق تأديبية طنطا صدر في 10/3/1991) 

كما أن القضاء الإداري المصري سبق أن أصدر العديد من الأحكام التاريخية التي تؤكد علي الحق في حرية تبادل المعلومات ما عبرت عنه المحكمة الدستورية العليا في حكمها الصادر في ( 15/4/1995 ) في  الطعن رقم 6 لسنة 15 قضائية:

"إن ما توخاه الدستور من خلال ضمان حرية التعبير، هو أن يكون إلتماس الآراء والأفكار، وتلقيها إليه، غير مقيد بالحدود الإقليمية على إختلافها، ولا منحصر فى مصادرة بذواتها تعد من قنواتها، بل قصد أن تترامى آفاتها، وان تتعدد مواردها وأدارتها، وأن تنفتح مسالكها، وتفيض منابعها " Marketplace of ideas " " Free trade in ideas " لا يحول دون ذلك قيد يكون عاصفًا بها، مقتحمًا دروبها، ذلك أن لحرية التعبير أهدافًا لا تريم عنها، ولا يتصور أن تسخر لسواها، هى أن يظهر ضوء الحقيقة جليًا، فلا يداخل الباطل بعض عناصرها، ولا يعتريها بهتان ينال من محتواها ولا يتصور أن يتم ذلك إلا من خلال إتصال الآراء وتفاعلها ومقابلتها ببعض، وقوفًا على ما يكون منها زائفًا أو صائبًا، منطويًا على مخاطر واضحة، أو محققًا لمصلحة مبتغاة ذلك أن الدستور لا يرمى من وراء ضمان حرية التعبير، أن تكون مدخلًا إلى توافق عام، بل تغيًا بصونها أن يكون كافلًا لتعدد الآراء Plurality of opinions وإرسائها على قاعدة من حيدة المعلومات Neutrality of information ليكون ضوء الحقيقة منارًا لكل عمل، وحددا لكل اتجاه .

إن حرية التعبير التى تؤمنها المادة 47 من الدستور، أبلغ ما تكون أثرًا فى مجال إتصالها بالشئون العامة، وعرض أوضاعها تبيانًا لنواحى التقصير فيها، وتقويما لاعوجاجها، وليس حق الفرد فى التعبير الآراء التى يريد إعلانها، معلقًا على صحتها، ولا مرتبطًا بتمشيها مع الإتجاه العام فى بيئة بذاتها، ولا بالفائدة العملية التى يمكن أن تنتجها وإنما أراد الدستور بضمان حرية التعبير، أن تهيمن مفاهيمها على مظاهر الحياة فى أعماق منابتها، بما يحول بين السلطة العامة وفرض وصايتها على العقل العام Public mind ، فلا تكون معاييرها مرجعا لتقييم الآراء التى تتصل بتكوينه، ولا عائقًا دون تدفقها.

تمثّل حرية التعبير التي كفلها الدستور القاعدة في كل تنظيم ديموقراطي، لا يقوم إلا بها ويعدو الإخلال بها أن يكون إنكارا لحقيقة أن حرية التعبير لا يجوز فصلها عن أدواتها، وأن وسائل مباشرتها يجب أن ترتبط بغاياتها، فلا يعطل مضمونها أحد، ولا يناقض الأعراض المقصودة من إرسالها."

كما قضت محكمة القضاء الإداري (دائرة المنازعات الاقتصادية و الاستثمار) في الدعوى رقم 1430 لسنة 65 قضائية بتاريخ  27/11/2010:

وحيث إنه يضاف إلى ما تقدم أن "الحق في المعرفة" Right to know ليس حقًا ترفيا مقررًا لمحض المعرفة دون تبني موقفًا إيجابيًا يعبر عن الغاية من تقرير الحق، وإنما يرتبط "الحق في المعرفة" ارتباطًا وثيقًا بحق آخر هو "الحق في تدفق المعلومات وتداولها" right to information flow and circulation ، وكليهما يرتبط بحق أوسع وأشمل هو "الحق في التنمية" Right to Development الذي نصت عليه المادة الأولى من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمادة الأولى من إعلان الحق في التنمية الصادر بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 41/128 في الرابع من ديسمبر 1986، وهو بدوره وثيق الصلة بالحق في الحياة The right to life وكذلك بالحق في بناء قاعدة اقتصادية تتوافر أسبابها، وفضلًا عن ذلك فإنه ومما يترتب على الإرتباط الوثيق بين خدمات الاتصالات، ومنها خدمة الرسائل النصية المجمعة، وبين الحق في تدفق المعلومات وتداولها ما يلي:

  1. أن حرية تداول المعلومات ترتبط بحقين أساسين من حقوق الإنسان الأول هو الحق في التعبير، والثاني هو الحق في المعرفة، وتمثل حرية تداول المعلومات - الرافد الرئيسي - لحرية الرأي بصورها المختلفة فحق الإنسان في حرية الرأي والتعبير يشمل حقه في تلقي المعلومات والأفكار ونقلها إلى الآخرين دون إعتبار للحدود، وذلك من خلال كافة وسائل التعبير والإعلام أو بأية وسيلة أخرى يمكن نقل الآراء ونشرها وتداولها من خلالها، فبدون القدرة على الحصول على المعلومات وامتلاك حق تداولها وإبلاغها للرأي العام لن يكون لحرية الرأي أي مدلول حقيقي داخل المجتمع.

  2. أن حرية التعبير وتداول المعلومات لا يقيدها إلا بعض القيود التشريعية المشروعة كالدعاية إلى الحرب والكراهية والعنصرية أو القومية أو الدينية وفقا لحكم المادة (20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة (4) من الإتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري، والحروب والنزاعات المسلحة وإعلان حالة الطوارئ العامة، ومقتضيات الأمن الوطني والنظام العام، وإحترام حقوق الآخرين وحرياتهم.

  3. أن الحق في تدفق المعلومات وتداولها هو حق ذو طبيعة مزدوجة، فهو في وجهه الأول يفرض التزاما (سلبيًا) مفاده إمتناع الجهة الإدارية عن إتخاذ أية إجراءات تشريعية أو إدارية للحيلولة دون التدفق الحر للأنباء والمعلومات سواء في الداخل أو من الخارج، ومن ثم يمتنع على الدولة وضع العوائق ضد تدفق المعلومات أو السماح بإحتكار المعلومات ومنع نشرها إلا في حدود المحافظة على النظام العام، وهو في وجهه الثاني يفرض التزاما (إيجابيًا) مفاده إلتزام الدولة بنشر المعلومات الرئيسية التي تتعلق بالمصلحة العامة على أوسع نطاق وذلك من أجل ضمان الشفافية والرقابة على آداء السلطات العامة.

  4. أن الحق في تدفق المعلومات وتداولها يتطلب إيجاد بيئة ثقافية ومعرفية culture media يتم من خلالها تبادل المعلومات والمعارف بشتى صورها وأنواعها عبر الخطاب العلمي والثقافي في مواقعه الكثيرة وهو ما يتعين توفيره دون إقحام لعراقيل تحد من التمهيد لتلك البيئة.

 

وعلى جانب آخر فمعظم العاملين بالمجال العام يرون أن المطالبة بصدور قانون لتداول المعلومات في ظل السلطة التشريعية الحالية سيمثل خطوة كبيرة للخلف، حيث أن كل القوانين المكملة التي صدرت من البرلمان كانت مقيدة أو لاغية للحق بالكامل، فصدور القانون الآن سيخلق وضعًا أسوء بكثير من غياب القانون، خاصة وبالنظر إلى تجربة الحق في الإضراب، والتي إستندت فيه المحكمة للإتفاقية الدولية وليس النص، وإمكانية الطعن بعدم دستورية القوانين الحالية المتعلقة بالحق. إن الوضع الحالي يتيح للمطالبين بالحق خوض معارك قضائية لتداول المعلومات سواء بالإستناد على النص الدستوري مباشرة أو بالطعن في دستورية القوانين، أما إذا صدر القانون فلن تكون هناك طريقة مضمونة للوصول للمعلومات في ظله.

وإعمالًا لهذه المبادئ، فقد ذكرت المحكمة في حيثيات حكمها:

"إن الحق في المعرفة هو حق من حقوق الإنسان التي تمثل أمرًا بالغ الأهمية، وأن تنظيم حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، والبيانات المتعلقة بالتسويات التي تُجرى على المال العام، من شأنه تعزيز مبدأ الشفافية، ويضمن طرقًا أفضل لإتمام هذه التسويات على أحسن وجه، ويقضي على الفساد، ويؤدي إلى إتخاذ قرارات مدروسة من القائمين على أمر هذه التسويات، ويجعل المواطنين مُشاركين فيها، بإعتبار أن هذه التسويات تؤثر تأثيرًا مباشرًا في حياتهم وأوضاعهم الاقتصادية، ويضع قادتهم أمام المساءلة، ومن ثم يتعين على الدولة أن تنشئ الأطر القانونية القوية التي تحمي حق الأفراد في الوصول إلى هذه المعلومات - وبما يضمن الحفاظ على سريتها- وبالتالي يؤدي إلى خلق مجتمع مدني نشط قادر على تحقيق رقابة شعبية حقيقية، وفعالة على تصرفات الحكومة في أموال الدولة."

 تعود خلفية الدعوى التي أعدها "أحمد حسام، محام"، إلى قيام الحكومة، ممثلة في المجلس العسكري، بإصدار المرسوم بقانون رقم 4 لسنة 2012، بتعديل بعض أحكام قانون ضمانات وحوافز الاستثمار، لإجازة التصالح في الجرائم المتعلقة بالمال العام، وإجراء تسويات في المخالفات التي شابت عقود الدولة. وعقب إصدار هذا المرسوم تداولت وسائل الإعلام أخبارًا حول إجراء الحكومة عدة تسويات في جرائم ومخالفات تمثل وقائع فساد تتعلق بالمال العام، دون أن يحقق ذلك أي قدر من المعرفة بالمعايير والأسباب والأسس التي تتم بناء عليها هذه التسويات. ثم صدر بعد ذلك، وفي أثناء نظر الدعوى، القرار بقانون رقم 32 لسنة 2014 المعروف بتحصين /أو تقييد الطعن على عقود الدولة، فأصبحت الحكومة تُجري تسويات في عقود تتضمن وقائع فساد تتعلق بالمال العام، بعيدًا عن أعين المواطنين، والرأي العام، ولم تكتفِ بذلك بل سلبت منهم كذلك حق الطعن على هذه العقود دفاعًا وحفاظًا على المال العام، وهو ما شكل ضرورة أكثر إلحاحًا حول إلزام الحكومة بالإفصاح عن التسويات التي تُجرى على المال العام.

ورتبت الدعوى على ذلك أن إعمال قواعد الإفصاح، وتفعيل الحق في المعرفة، والحصول على المعلومات وكشف مضمون تلك التسويات التي أجريت في جرائم، أو مخالفات، أو وقائع فساد على المال العام، من شأنها إتاحة الرقابة الشعبية على التصرفات الواردة على المال العام الذي هو ملك للشعب في المقام الأول، ويضاف إلى هذا تمكين الرأي العام من إنزال أحكام موضوعية في مدى قيام الدولة بواجباتها في حماية المال العام، ونهوضها بواجباتها نحو حماية المقومات الاقتصادية للمجتمع، وضمانها للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومما لا شك فيه أن إطلاع الرأي العام سواء كانوا من الخبراء والاقتصاديين أو المواطنين على تفاصيل قرارات التصالح واجب في ظل إنعدام الحد الأدنى من الشفافية حول محتوى، ومضمون القرارات الصادرة باعتماد هذه التسويات.

قانونيًّا إستندت الدعوى بشكل أساسي إلى الحق في المعرفة، بما يتضمنه جوهره من حرية تداول المعلومات، والإفصاح عنها، وإتاحتها، باعتباره حقًّا دستوريًّا للمواطنين، ورد النص عليه بدستوري 2012، و2014، أيضًا فقد تم النص على هذا الحق في المواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر، ووافق عليها البرلمان، ونشرت بالجريدة الرسمية وينبغي أن تنفذ كالقوانين الداخلية، وفق ما نص عليه الدستور2، كإتفاقية مكافحة الفساد، والإتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، كما ورد هذا الحق كذلك بقانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996، وقانون حماية المستهلك رقم 67 لسنة 2006 . 

النفاذ إلى المعلومة تاريخياً

يجعل الوضع السياسي والاجتماعي في ليبيا للنفاذ إلى المعلومة لونًا مختلفًا عن جارتيها الشرقية والغربية؛ في التطور التاريخي له، في شكله الحالي، وفي مستقبل تبلوره. ولعلّ ما يُرى كخطر على ضمان هذا الحق، من تشتت لهياكل الدولة وتعدد لشرعية كل واحد منها – إن وُجدت، قد يكون في الحقيقة فرصة للتحكّم في طريقة تطوّر هذا الحق، إن تمّ بطريقة تستغل الفرص وتدرأ المخاطر. 

إن التسلسل التاريخي لأهم الأحداث المؤثرة على النفاذ إلى المعلومة في ليبيا يبدأ قبل ثورة 2011 بسنوات عدة، حين تمّ تسجيل تغيّرات واضحة في تعامل الدولة مع المعلومة، ولاحقًا، بعد الثورة، عندما تم تسجيل تغيّرات واضحة في تعامل المواطن مع هذا الحق.

لقد كان للتغيير الطارئ في 2003، والذي تبلور مثلًا في وضع شكري غانم رئيسًا للجنة الشعبية العامة (رئيسًا للحكومة)، تبعات على تعامل الدولة مع المعلومة، لا إيمانًا منها بالضرورة، بل ل"تزايد النفوذ الأنجلو ساكسوني"، وللتوجهات الاقتصادية الجديدة التي ساهمت في وضعها شركة إستشارية بريطانية بالتعاقد مع أستاذ في جامعة هارفرد الأمريكية. ولئن شهدت هاته اللجنة الشعبية العامة معارضة للسياسة الاقتصادية التي ارتكزت بشكل كبير على الخوصصة وجذب الإستثمارات الأجنبية وتحرير العملة أدت إلى وضع "البغدادي المحمودي" كرئيس حكومة جديد، فإن موجة الإصلاح أستمرت بإزدياد إهتمام "سيف الإسلام القذافي" بالشأن العام. في 2007، كان قد تحدث ابن معمّر القذافي عن مشروع دستور جديد لليبيا، في إطار وضع "عقد ينظم حياة الليبيين". وقد كان للمعلومة حيز من مساحة الإصلاح بحديث الأخير عن إستقلالية مؤسسات مجتمعية معينة، وهي "المصرف المركزي والمحكمة العليا والمؤسسة الإعلامية والمجتمع المدني". بل وركّز في خطابه على حاجة الإعلام إلى "جهاز إعلامي مستقل يلقي الضوء على الفساد والغش والتزوير." يظهر التأثير الخارجي على الوصول إلى المعلومة في الإتفاقيات الدولة، وخاصة تلك المتعلقة بالمؤسسات المالية، بتنصيصها على الشفافية المتعلقة بإيرادات النفط.

إلا أن موجة الإصلاح المزعومة رافقها نقد حاد على الجانب الاقتصادي والسياسي بشكل عام، وأحياناً، تهكّم من محاولات النظام لنشر معلومات الغاية منها "التحجج بأنه يسلك منهجًا شفافًا في التعاطي مع المعلومات العامة"

البحث في ليبيا، وإن نتج عنه وصف ضئيل للوعاء القانوني لهذا الحق، لأسباب موضوعية كبقاء الدستور في شكل مسودّة إلى غاية خطّ هاته الكلمات، فإنه يقترح تفاصيل ثرية في المؤثرات، الداخلية والخارجية، على هذا الحق، ويقترح فرص واضحة لمزيد بلورته مستقبلًا.

تبلور الحق في المعلومة في ليبيا

قد يبدو الحديث عن الحق في المعلومة في ليبيا عبثيًا قبل ثورة 2011، في ظل حكم شعبي لا يقنّن العديد من الحقوق، لا في دستور ولا في قوانين تنظّم سبل الوصول إليها وممارستها. إلا أن جانب هام من تبلور الحق في المعلومة – أو عرقلته – لا يُفهم دون تسليط الضوء على مراحل بلورة الحق الثلاث، منذ بدابة الألفية الثالثة: المطالبة بالمعلومة، صنع الإطار القانوني، واللجوء إلى الحق من قبل المواطنين. يرتبط الحق في المعلومة قبل الثورة إرتباطًا وثيقًا بعملية الإصلاح الاقتصادية التي بدأت خطوطها العريضة تظهر منذ سنة 2004. فمن الإجراءات الاقتصادية مثلًا، خوصصة الشركات العمومية، فتمّ طرح عدد من أسهم الشركات للبيع، كشركة الإسمنت، ومصرف الصحارى، والشركة العامة للمطاحن، ضمن برنامج خوصصة 360 شركة لتعويض دور الدولة الليبية الرئيسي، بالقطاع الخاص. طرح عزوف الليبيين عن شراء الأسهم أسئلة العديدين، وساهم الدكتور "محمود الفطيسي"، أمين الهيئة العامة للتمليك للوحدات الاقتصادية في ليبيا آنذاك، في محاولة الإجابة عنها. تحدث الدكتور الفطيسي عن ضرورة وجودة "حزمة من التشريعات المتضمنة قوانين ولوائح وقرارات تشكل في مجملها إطاراً قانونيًا يكفل الشفافية والوضوح والعدالة الاجتماعية والأسس الاقتصادية العلمية لكافة جوانب تنفيذ البرنامج". وإن خص الدكتور الفطسيسي برنامج خوصصة الشركات العمومية بالذكر، فقد نصّ على تقنين الشفافية، منذ سنة 2005. ويعكس هذا، وإن كان بطريقة غير مباشرة، وجود مطالبة سلبية بالمعلومة، ترتبط بتأثر سلوك المواطن حسب مقدار توفّر المعلومات، وإن يصعب سحب هذا الإستنتاج خارج حدود الإستثمار المالي.

يبرز الحق في المعلومة سنة 2006 في تقرير "هيومن رايتس واتش، والذي نصّ على وجوب توفير مقدار من الشفافية فيما يخصّ محكمة الشعب. فمن توصيات المنظمة دعوتها للحكومة الليبية إلى "توفير جميع الضمانات التي تكفل الشفافية وإتباع الإجراءات الواجبة"، ونصّت على وجوب إتباع اللجان الشعبية العامة للعدل المستقبلية أسلوب "يتسم الشفافية وأن تعلن المعايير التي تطبقها والنتائج التي تتوصل إليها".

لا علامات تؤكد وجود مطالبة شعبية بالمعلومة، إلا أن التفاعل معها ونقد ما توفره الدولة من مقدار ضئيل منها يظهر لدى نخبة فكرية، كما يوضح "سالم محمد"، شاعر ليبي، في مقال له بعنوان "شكري غانم لن يستطيع إنقاذ "حبحب رمان"!" سنة 2006. ينتقد محمد إحصائيات كانت قد نشرتها اللجنة الشعبية العامة على موقعها حول عدد السكان في المناطق الإدارية، وعدد المراكز الصحية، والتعليم، وخدمات إدارية أخرى. يوضح محمد عدم تعوّد "السلطة الشعبية" على نشر الإحصائيات الخاصة بالخدمات التي تقدمها للمواطن، ويعلّل ذلك ب"ربما خشية النظام الحاكم في ليبيا من فضح جرائمه المتمثلة في فشل إدارته للدولة وإفتضاح أهواله المتمثلة في إستشراء المحسوبية والفساد". يشير محمد إلى إحصائيات تعود إلى سنة 2002 حول المرافق الصحية، ويشكك في صحّتها، ويقول: أنها "بدون شك مفبركة ومزورة الغرض منها تبييض الوجه وتقديم البرهان الإحصائي الكاذب إلى مؤسسات الغرب الرأسمالية الضاغطة مقل البنك الدولي." 

لا يمكن تأكيد شكوك محمد أو تكذيبها دون التأكد من مصادر أخرى للمعلومة، إلا أن إيحائه إلى تأثير المؤسسات المالية الدولية لا يبعد كثيرًا عن الصحة، وسيتم التطرق إليه في الجزء الخاص بالمؤثرات الخارجية، لاحقًا في الدراسة.

طال النقد أيضًا المناقصات الخاصة بمنح عقود إمتياز النفط الليبي، في مقال نُشر في أكتوبر 2005 ومدى شفافيتها، وتغطية الإعلام لها، بعنوان "تنبيه لكارثة... فليحذر شكري غانم!". يوضح المقال أن الإعلام الحكومي ركّز على "كثرة عدد الشركات المتقدمة للمناقصة وجنسياتها وضخامة المساحات التي ستستغل"، وأن المؤسسة الوطنية للنفط اكتفت ب"نشر قائمة الشركات الفائزة ومواقع الامتيازات الممنوحة لها". يوضح الكاتب أن في هاته التغطية الحكومية "محاولة للإيهام بالشفافية التي اتبعت"، حيث أن الإعلان عن المناقصات وفتح الظروف في اجتماع "يحضره ممثلو الشركات المتنافسة وإعلان النتائج أمامهم لا يعني في حد ذاته الحيدة والنزاهة والشفافية."  إلا أن كاتب المقال يوضح صراحة أن الاهتمام بمتابعة شؤون النفط الليبي، أو الوصول إلى المعلومات الخاصة به، حكر على "المهتمين"، حيث يرى أن "ليس كل الليبيين، فما فيهم النخبة المثقفة وحتى غالبية القادرين من المعارضة الوطنية، مهتمين بما يجري لعصب حياتهم هذا"، وربط عدم وجود إهتمام موسّع بهاته المعلومات، بجعل مصير النفط "نسيا منسياً" وفتح باب الإهدار والإفساد. 

أن الحق في المعلومة لم يكن مبلورًا إطلاقًا قبل الثورة. إن التغييرات والإصلاحات التي بدأت من قبل سنة 2006 هي، من منطلق الدولة المتزمتة، بداية إنهيار الدولة، أما من باب ثوري، فهي بداية التغيير، لأنه يوجد خرق للترسانة الأمنية. من هاته التغييرات أفكار "سيف الإسلام القذافي"، والتي تمظهرت في إحداث جمعية حقوقية، إلى القيام بمراجعات مع الإسلاميين، وإفراج عن الكثير من الإخوان، والتساهل مع الصحف (أصبح بإمكانها أن تنتقد الوزراء وما دونهم). تذكر الدكتورة "محمد طرح" فكرة كتابة الدستور وصياغة رؤية لليبيا تمتد إلى سنة 2025، والتي كانت وليدة شركة إستشارية أجنبية، بدت وكأن النظام يجدد نفسه. أن ما جاء به شكري الغانم عند تنصيبه رئيسًا للحكومة قد كان نتيجة أفكار ثورية في المجال الاقتصادي، أو التحول من الإشتراكية إلى الرأسمالية، فتحت ما تحتكره الدولة، ومنه المعلومة، وأدى إلى الإنفراج في المعلومة الاقتصادية.

وقد خلصت مقابلاتنا مع مجموعة من الخبراء الليبيين أن المجتمع الليبي غير واع بأن النفاذ إلى المعلومة حق، وأن من حقه أن يعرف، حتى من النخبة، التي لم تستوعب بعد أن من حق المجتمع أن يعرف. وأن القائمون على أنظمة الدولة لا زالوا يتعاملون بالعقلية القديمة، وهي أن المعلومة أثمن شيء لديها، ومازال تعاملها يتم من منطلق الأمن القومي، حتى وإن كانت المعلومات متعلقة بالصحة أو التعليم، فـ"أي معلومة هي ملك الدولة ولا يمكن إعطاؤها."

وأختلفت القراءات لمدى تمسك الدولة بالحق في المعلومة قبل الثورة، وإن إتفقت جميعًا على شح ما تم تقديمه من معلومات. وأختلفت أيضًا في تقسيم الشارع الليبي إلى مجموعات حسب علاقته بالحق في المعلومة، وإلا أنها أتفقت على أن الحق مازال لم يأخذ شكله المبلور، والذي يستند على مطالبة واضحة للمعلومة، وصنع لإطار قانوني خاص بها، وتوفير لها من قبل الدولة بناءً على هذا الإطار القانوني.

هناك من قسم المجتمع الليبي إلى ثلاثة أنواع بعد الثورة، فيم يخص المطالبة بالحق في المعلومة؛ الناشطين والحقوقيين والمثقفين، وأعداء الإدارة، ومن لا يهمهم الحق مطلقًا. فالمجموعة الأولى، وهي النخبة، تشعر أن الحق في المعلومة حق أصيل، وتتوق إلى الحصول إليه بالطرق القانونية والدستورية، وتطالب به لتطبيق المساءلة والمحاسبة والشفافية. أما المجموعة الثانية، فهي مجموعة ترى أن الحق مهم حقًا، إلا أنها تريد تقويض معالم الدولة، وتسعى إلى المعلومة لإثارة الفوضى. أما المجموعة الثالثة، فهي مجموعة لا تهمها المعلومة ولا النفاذ إليها.

وبالرغم من بعض الإنفراج في الحق في المعلومة وقد كان هذا التوجه من نتائج حكم "سيف الإسلام القذافي"، حيث كان ينتهجه لكسب الشعبية، ولخلفيته وتجربته خارج ليبيا، حيث درس خارجها وعاش مرفّهًا، على عكس والده.، إلا أنه لا توجد مصادر للمعلومة في ليبيا ما قبل الثورة، إن الحق في المعلومة في ليبيا يأتي ضمن حزمة من الحقوق مثل الحق في التعبير والإبداع، وبما أن كل حق من هاته الحقوق محتكر من الدولة، التي بدورها لم تفسح مجال للحق في المعلومة. فإن مواقع المعارضة كانت المجال الوحيد لمثل هاته النقاشات، والتي كانت تدار من خارج ليبيا، وتدور النقاشات عليها من خلال أسماء مستعارة. حتى جاء مشروع سيف الإسلام القذافي الإصلاحي، والذي بدأ الحديث عنه سنة 2004، أحدث إنفراج بسيط ونسبي في حزمة الحقوق المذكورة. فتم إصدار صحيفتين جديدتين، وإدارة قناة لا تتبع قناة الجماهرية العظمى أو لوزارة الإعلام الليبية. وإن كانت هاته محاولات تجميلية، لكنها خلقت مساحة ولو ضئيلة جعلت الوضع أفضل مما سبقه، فيمكن كتابة مقال ناقد، أو مطالبة الحكومة بشيء ما، ما دام القلم لا يمسّ من معمر القذافي وأبنائه.

أما موضوع النفط فقد كان مغلقًا، وسرًا من أسرار الدولة الحربية، ولم تتوفر أي معلومات حول كمية الإنتاج والبيع، وغيرها، مع حدوث تغيرات طفيفة عندما تم تنصيب شكري غانم على رأس المؤسسة الوطنية للنفط بعد تغيير الحكومة سنة 2006. عن طريق محاولة تفكيك سيطرة الدولة، فبدأت الشفافية تطال المناقصات وتؤثر على التنافس بين القطاع العام والخاص.

إن الحق في المعلومة بدأ بالظهور بعد الثورة، ليس كحق مبلور، ولكن في إطار عام للحريات، وليس بمفهومه المعروف. فقد بدأ المواطنون يتحدثون عن الآداء السياسي وتقييمه، كتقييم الحكومة والبرلمان، والمطالبة بجلسات علنية، والمشاركة في وضع القوانين الأساسية. ويدور الحديث عن الحق في المعلومة دون تخصيصه، ويعود هذا لعدم وجود حالة وعي مجتمعي حول هذا الحق، وإن كانت ظهرت بوادر لذلك خلال الفترة الماضية. 

إلا أن هناك من من رأى أن طبيعة الشعوب العربية الرغبة في المعرفة والمعلومة، وأن من يقول أن ثقافة الرغبة في المعلومة غير موجودة مخطئ تمامًا. فيجب التفرقة بين رغم رغبة المواطنين في المعلومة، وعدم وجود تفسير ومعنى للحق وآلياته. كذلك الحديث عن الحق في المعلومة قبل الثورة أمر لا يصح، وأنه حتى حالات الإنفراج سواء فترة تنصيب شكري غانم وحقبة سيف الاسلام، أي سنة 2006، كانت حالات مبرمجة مع الدولة، مما يتنافى مع مبدأ الحق في المعلومة، لأنه يجب ألا يقتصر على ما تفضّل به النظام من معلومات.

السياسة العامة

يصعب الحديث حول سياسة عامة تخطط لها الدولة الليبية فيم يخص الحق في المعلومة، في ظل الإنقسامات التي طالت هياكل الدولة، وتعدد شرعيات السلطات، وخاصة التنفيذية والتشريعية. تقتصر هاته القراءة على النصوص السابقة ذات القيمة الدستورية، وعلى مسودة الدستور، لما تعكسه من تمشّ ممكن للحقوق التي قد يضمنها مستقبلًا، وعلى بعض القوانين التي مازالت سارية المفعول.

أولًا – الدستور:

دستور المملكة الليبية المتحدة لسنة 1951

لم ينص دستور سنة 1951 على الحق في المعلومة صراحة، وإن نصّ على حرّيات أخرى ذات علاقة، منها الفكر، والتعبير عن الرأي، والصحافة، والطباعة. وقد قيّد هاته الحريات بضبطها بما لا ينافي النظام العام والآداب، لكنه لم يمس منها في تعديله سنة 1963، بل تم تعزيزها بالنص على نشر القوانين في الجريدة الرسمية في آجال محددة.

المادة 22:"حرية الفكر مكفولة ولكل شخص الإعراب عن رأيه وإذاعته بجميع الطرق والوسائل ولكن لا يجوز إساءة استعمال هذه الحرية فيما يخالف النظام العام أو ينافي الآداب."

المادة 23:"حرية الصحافة والطباعة مكفولة في حدود القانون."

المادة 137:"تصبح القوانين التي أصدرها الملك نافذة في المملكة الليبية بعد إنقضاء ثلاثين يومًا من تاريخ نشرها في الجريد الرسمية. ويجوز نقص هذا الميعاد أو إطالته بنص خاص في هذه القوانين. ويجب نشر القوانين في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ إصدارها."

الإعلان الدستوري بتاريخ 11 ديسمبر 1969

لم يتطرق الإعلان الدستوري لسنة 1969 على الحق في المعلومة بصريح العبارة أيضًا، ولم ينص على الحقوق المصاحبة له، منها تلك المذكورة في دستور 1951. لكنه تطرق إلى مكافحة الفساد في توطئته، وأكتفى بالتنصيص على حرية الرأي، مع ضبطها بما يتماشى ومصلحة الشعب والثورة. نصّ الإعلان أيضًا على نشر القوانين في الجريدة الرسمية.

جزء من التوطئة:

"وهو يدرك أن تحالف الرجعية والإستعمار هو المسؤول عن التخلف الذي يعانيه رغم وفرة ثرواته الطبيعية وعن الفساد الذي إستشرى في جهاز الحكم."

المادة 13:"حرية الرأي مكفولة في حدود مصلحة الشعب ومبادئ الثورة."

المادة 36:"تنشر القوانين في الجريدة الرسمية ويعمل بها من تاريخ نشرها إلا إذا نص على خلاف ذلك."

الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير في سنة 1988

جاءت الوثيقة الخضراء بعد الإعلان عن قيام سلطة الشعب بـ11 سنة لتنصّ على حقوق الإنسان في عصر الجماهيرية. لم تنصّ الوثيقة صراحة على الحق في المعلومة، لكنها تطرّقت إلى الحقوق الأخرى الملاصقة له، منها المعرفة والتفكير، ونجد ذلك خلال المطالبات التالية:

  • "التعليم والمعرفة حق طبيعي لكل إنسان فلكل إنسان الحق في إختيار التعليم الذي يناسبه والمعرفة التي تروقه دون توجيه أو إجبار."

  • "المجتمع الجماهيري مجتمع التألق، والإبداع ولكل فرد فيه حرية التفكير، والإبتكار والإبداع، ويسعى المجتمع الجماهيري دأبًا إلى إزدهار العلوم، وإرتقاء الفنون والآداب ضمان إنتشارها جماهيريًا منعًا لإحتكارها."

الإعلان الدستوري بتاريخ 3 أوت 2011

أصدر المجلس الوطني الإنتقالي المؤقت إعلانًا دستوريًا يحدد تنظيمًا مؤقتًا وينصّ على حقوق وحريات عدة ذات علاقة بالحق في المعلومة، بطريقة مباشرة أو غيرها.

المادة 7:"تصون الدولة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتلتزم بالإنضمام للإعلانات والمواثيق الدولية والإقليمية التي تحمي هذه الحقوق والحريات، وتعمل على إصدار مواثيق جديدة تكرم الإنسان كخليفة الله في الأرض."

لا تنصّ هاته المادة على الحق في المعلومة بشكل صريح، إلا أنها تعترف بحقوق وحريات أساسية للإنسان، وتحيل على مواثيق وإعلانات ضمنت الحق في المعلومة كحق أساسي.

المادة 14:"تضمن الدولة حرية الرأي وحرية التعبير الفردي والجماعي، وحرية البحث العلمي، وحرية الإتصال، وحرية الصحافة ووسائل الإعلام والطباعة والنشر، وحرية التنقل، وحرية التجمع والتظاهر والإعتصام السلمي، وبما لا يتعارض مع القانون."

لا تنصّ هاته المادة أيضًا على الحق في المعلومة بشكل صريح، إلا أنها تضمن حزمة حقوق تصبّ تلقائيًا في الحق في المعلومة، وهي التعبير والإتصال والصحافة والإعلام. يمكن الإستنتاج أيضًا من عدم ذكر الحق في المعلومة صراحة، أنه لم يكن حقًا مبلورًا البتة حين صياغة والمصادقة على الإعلان الدستوري.

المادة 28:"ينشئ المجلس الوطني الإنتقالي المؤقت ديوانًا للمحاسبة، يتولى الرقابة المالية على جميع الإيرادات والمصروفات وكافة الأموال المنقولة والثابتة المملوكة للدولة، والتأكد من حسن إستعمال هذه الأموال والمحافظة عليها، ويرفع تقريرًا دوريًا عن ذلك لكل من المجلس الوطني الإنتقالي المؤقت والمكتب التنفيذي – أو الحكومة المؤقتة -."

لم تنصّ هاته المادة على نشر التقرير الدوري لديوان المحاسبة، أي أنها لم تضمن "دستوريًا" الحق في الوصول إلى المعلومات المذكورة فيه، إلا أن تنصيصها على صياغة تقرير دوري هو الذي مهّد نشر الديوان لتقريره لاحقًا، مما وفّر معلومات وتحاليل للعموم.

مشروع الدستور بتاريخ 29 يوليو 2017

لازال مشروع الدستور الليبي يمرّ بمخاض عسر نتيجة التوازنات السياسية الصعبة ما بين شرق وغرب البلاد، والتي ترجمت في إختلافات ما بين مجلس نواب الشعب الليبي، والمجلس الأعلى للدولة حول مشروع الدستور وطريقة الإستفتاء عليه. تمّت عرقلة المسار عن طريق التشكيك في طريقة الإستفتاء، مما إقتضى تغيير الإطار الدستوري (الإعلان الدستوري لسنة 2011)، لجعل المجلس الأعلى للدولة جزءًا من عملية أخذ القرار.

تعددت مسودات مشروع الدستور، إلى غاية الوصول إلى آخر مشروع بتاريخ 29 يوليو لسنة 2017، وفيه إدراج واضح للحق في المعلومة والحقوق اللصيقة به، في عدة مواد.

المادة 8:"يقوم النظام السياسي على مبادئ التعددية السياسية، والتداول السلمي على السلطة، والفصل بين السلطات، والتوازن، والرقابة بينهما على أسس الحكم الرشيد القائم على الشفافية، والمراقبة، والمساءلة."

إحتوت هاته المادة على أول تنصيص على الشفافية كإحدى قوائم الحكم الرشيد، وهو المرجو في النظام السياسي.

المادة 15:"تعمل الدولة على إقامة اقتصاد متنوع يحقق الرفاهية، والرخاء، ورفع مستوى المعيشة، وضمان حق المبادرة، ويقوم على تنوع مصادره وعلى معايير الشفافية، والجودة، والمساءلة، والتوازن بين الكفاية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والتنافسية، وحماية حقوق المستهلك، والمنتج، كما تعمل الدولة على تشجيع الإستثمار الخاص، والعام، والمشترك؛ بما يلبي حاجات المجتمع، ويحقق التنمية الشاملة."

تنصّ هاته المادة مرة أخرى على معايير الشفافية، في مجال أضيق، وهو ما يخص مصادر الاقتصاد.

المادة 20:"المال العام مصون. وعلى الدولة حمايته، وتنميته، وصيانته، ويحظر الإعتداء عليه، أو التصرف فيه، بما يخالف أحكام الدستور، والقانون، وتضمن الدولة إسترداده، وإقتضاء التعويض عن إتلافه، أو الإضرار به، ولا تسقط الجرائم المتعلقة به بالتقادم، ولا يجوز العفو عنها."

لا تنصّ هاته المادة صراحة على الحق في المعلومة، إلا أنها توضّح واجب الدولة تجاه المال العام، وهو مبدأ مهم ذو علاقة وطيدة بالحكم الرشيد.

المادة 21:"تؤسس المرافق العامة، وتدار؛ وفق معايير الحوكمة الرشيدة، وإحترام حقوق الإنسان، وتضمن حق المنتفعين بها في تلقي خدماتهم بإنتظام، وإطراد، وبشكل متكافئ، وفي معالجة شؤونهم بنزاهة وفي تقديم التماساتهم وشكاويهم، والرد عليها، وتلتزم تسبيب قراراتها، وتبسيط إجراءاتها، والتقييم الدوري لآدائها وفق ما يحدده القانون."

إضافة إلى تنصيص هاته المادة على معايير الحوكمة الرشيدة، والتي أحدها هو الشفافية والحق في المعلومة، تنصّ صراحة على وجوب تعليل القرارات الخاصة بالمرافق العامة وإدارتها، وعلى تبسيط الإجراءات، وفي هذا تنصيص على نوع واضح من المعلومات التي يجب على الدولة توفيرها.

المادة 23:"تتخذ الدولة التدابير اللازمة لمكافحة الفساد الإداري، والمالي، وكشف حالاته، ومعالجة آثاره، ويحظر على من يحكم عليه في جنحة، أو جناية فساد تولي الوظائف في الحالات التي يحددها القانون."

لا تنصّ هاته المادة على مكافحة الفساد فقط، بل على كشف حالاته، وفي هذا ضمانة للحق في المعلومات المتعلقة به.

المادة 35:"للحياة الخاصة حرمة، ولا يجوز دخول الأماكن الخاصة؛ إلا لضرورة، ولا تفتيشها؛ إلا في حالة التلبس، أو بأمر قضائي. كما لا يجوز المساس بالبيانات الشخصية، أو إخضاع الاتصالات، والمراسلات للمراقبة؛ إلا بإذن من الفاضي المختص."

تحمي هاته المادة البيانات الشخصية كجزء من حرمة الحياة الخاصة.

المادة 37:"حرية الكلمة، وأمانتها صنوان متلازمان، والتعبير، والنشر حقان مصونان، وتتخذ الدولة التدابير اللازمة؛ لحماية الحياة الخاصة، وحظر التحريض على الكراهية، والعنف، والعنصرية على أساس العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الجنس، أو الميلاد، أو الرأي السياسي، أو الإعاقة، أو الأصل، أو الإنتماء الجغرافي، أو غير ذلك من الأسباب. كما يحظر التكفير وفرض الأفكار بالقوة."

توضّح هاته المادة حدود الحق في التعبير والنشر، وتعيد التنصيص على حماية الحياة الخاصة، ومنها البيانات الشخصية.

المادة 38:"تضمن الدولة حرية وتعددية وإستقلال وسائل الصحافة، والإعلام، وحق المواطن في ملكيتها. ويحظر إيقافها؛ إلا بأمر قضائي، وحلها؛ إلا بحكم قضائي، ولا يجوز الحبس الإحتياطي في قضايا الصحافة."

تنصّ هاته المادة صراحة على الصحافة والإعلام، وهي أحد أهم وسائل تفعيل الحق في المعلومة، وإنارة الرأي العام.

المادة 46:"تضع الدولة التدابير اللازمة للشفافية، وتضمن حرية تلقي ونقل وتبادل المعلومات، والإطلاع عليها، وتعدد مصادرها، بما لا يمس الأسرار العسكرية، وأسرار الأمن العام، ولوازم إدارة العدالة وحرمة الحياة الخاصة، وما إتفق مع دولة أخرى على إعتباره سريًا، مع الحفاظ على سرية المصدر."

تقنّن هاته المادة الحق في المعلومة صراحة، وتعدد الإستثناءات لهذا الحق، ذات العلاقة بالأمن والدفاع، والحياة الخاصة وإدارة العدالة، ولأسباب دبلوماسية. وتحفظ هاته المادة الحق في الإبقاء على سرية المصدر.

المادة 51:"تحمي الدولة الحقوق المادية، والمعنوية للملكية الفكرية بصورها كافة، وفي شتى المجالات، وتعمل على دعمها؛ وفق ما يحدده القانون."

يمكن لهاته المادة أن تؤثر على الحق في المعلومة إن تمّ تقديم حقوق الملكية الفكرية على الحق في المعلومة.

المادة 65:"أي قيد على ممارسة الحقوق، والحريات يجب أن يكون ضروريًا، وواضحًا، ومحددًا، ومتناسبًا مع المصلحة محل الحماية. ويحظر الرجوع على الضمانات المقررة قانونًا، وذلك كله بما لا يتعارض مع أحكام هذا الدستور."

توضّح هاته المادة حدود تقييد الحقوق والحريات، أنه يتمّ عن طريق القانون.

المادة 66:"تبنى السياسات التشريعية والتنفيذية وبرامج التنمية والتطوير كافة على حماية حقوق الإنسان، والنهوض بها، وتخضع الدولة تشريعاتها، وسياساتها في هذا المجال للتقييم الدوري، على أن تنشر أسس التقييم ونتائجه في الجريدة الرسمية."

تنصّ هاته المادة صراحة على الحق في المعلومة الخاصة بالتشريعات والسياسات التنفيذية، حيث توجب نشرها في الجريدة الرسمية بطريقة دورية، وإن لم يتم تحديد دورية التقييم والنشر ويبدو انه تم ترك تلك التفاصيل للمشرع القانوني.

المادة 73 (الفقرة الأولى):"إذا أقر مجلس النواب مشروع، أو مقترح القانون يحال في مدة أقصاها سبعة أيام على رئيس الجمهورية؛ لإصدارها والأمر بنشره في الجريدة الرسمية خلال مدة لا تجاوز خمسة عشر يومًا من تاريخ إقراره. وإذا لم يقم رئيس الجمهورية بذلك، فعلى رئيس مجلس نواب الشعب إصداره، ونشره بتوقيعه."

تنص هاته المادة على وجوب نشر القوانين في الجريدة الرسمية، وهو إستمرارية لما يُعمل به منذ الإعلان الدستوري لسنة 1969.

المادة 87:"يصدر كل من المجلسين لائحة بنظامه الداخلي خلال مدة لا تجاوز ثلاثين يومًا من تاريخ أول إجتماع له، وتنشر في الجريدة الرسمية، ويتعين على كل من المجلسين عند وضع نظامه الداخلي مراعاة التناسق، والتكامل مع المجلس الآخر، ويبين النظام الداخلي لكل مجلس الجزاءات اللازمة؛ لضمان انتظام حضور الأعضاء."

المادة 93:"تكون جلسات المجلسين علنية، وتوثق مداولاتهما في محاضر؛ وفق نظامهما الداخلي، وتنشر؛ طبقًا لما يحدده القانون، ويجوز للمجلسين، أو لأي منهما أن ينعقد في جلسة سرية بموافقة أغلبية الحاضرين؛ بناًء على طلب إثني عشر عضوًا، أو بطلب من رئيس الجمهورية، أو رئيس الوزراء."

تكمن أهمية هاتين المادتين في تدعيم الحق في المعلومة أولًا للتنصيص على وجود نظام داخلي لمجلس النواب ومجلس الشيوخ، وعلى وجوب نشره في الجريدة الرسمية. وثانيًا، للتنصيص على علنية الجلسات وتوثيقها، وعلى طريقة إنعقادها سرية. إن التنصيص على شفافية عمل المجلسين، وتحديد المعلومات التي يجب نشرها حول عملهما، ينصّ عليهما النظام الداخلي مستقبلًا.

المادة 122:"فيما عدا المخالفات، والدعاوى قليلة الأهمية التي يحددها القانون، تنظم المحاكمات على درجتين، ويحدد القانون الإختصاصات المحاكم، والإجراءات المتبعة أمامها."

قد تؤثر هاته المادة على ضمان الحق في المعلومة، في حالة التقاضي لعدم توفيرها. فإن حدد التشريع أنها دعوى قليلة الأهمية، فلن يُضمن حق التقاضي على درجتين، مما قد لا يضمن حق المطالب بالمعلومة، فيها.

المادة 139 (الفقرة 1، و2، و3، و6، و8):"تختص المحكمة الدستورية دون غيرها بالآتي:

  • الرقابة القضائية على دستورية القوانين، ولائحتي مجلس النواب، ومجلس الشيوخ.
  • النظر في دستورية إجراءات التعديلات الدستورية.
  • الدعاوى المتعلقة بعدم وفاء السلطة التشريعية بإلتزاماتها الدستورية.
  • مراجعة المعاهدات، والإتفاقيات الدولية قبل التصديق عليها.
  • مراجعة القوانين التي حكم بعدم دستوريتها قبل إعادة إصدارها."

إن تنصيص هاته المادة على إختصاصات المحكمة الدستورية تسلط الضوء على أثر واضح على ضمان الحق في المعلومة، بما أنه حق دستوري واضح. إن رقابة المحكمة على لائحتي مجلس النواب ومجلس الشيوخ قد يضمن إحترامهما لعلنية الجلسات، وللشفافية والحق في المعلومة، والنظر في إجراءات التعديلات الدستورية يضمن أيضًا تناغم التعديلات وباقي مبادئ الدستور (إلا أن كان التعديل يشمل المادة 46!). إن الإلتزام بالدعاوى المتعلقة بالسلطة التشريعية وإلتزاماتها الدستورية يشمل الإلتزام بإحترام نظامها الداخلي، وعلنية جلساتها. إن مراجعة المعاهدات والإتفاقيات الدولية يضمن أيضًا عدم تأثير المعاهدات والإتفاقيات على الحقوق والحريات التي ينص عليها الدستور. أما مراجعة القوانين بسبب عدم دستوريتها، فيضمن أيضًا أن تحترم كافة القوانين، كافة مبادئ الدستور، ومنها الحق في المعلومة.

المادة 141:"يجوز لكل ذي مصلحة اللجوء إلى المحكمة الدستورية، للطعن بعدم الدستورية سواء بطريق مباشر، أو بالدفع الجدي بعدم الدستورية في دعوى منظورة أمام المحاكم؛ وفق ما ينظمه القانون."

تضمن هاته المادة إمكانية اللجوء إلى المحكمة الدستورية في حالة عدم إحترام الحق في المعلومة، وهو حق دستوري، وإن كان التشريع لا يضمنه.

المادة 142:"أحكام المحكمة الدستورية وقراراتها باتة ملزمة للكافة، وتنشر في الجريدة الرسمية، ويفقد النص الذي حكمت المحكمة بعدم دستوريته قوة إلزامه من اليوم التالي لنشر الحكم، وللمحكمة في حال الضرورة أن تحدد تاريخ سريان الحكم بعدم الدستورية."

إن هاته المادة ضمان لعلوية تطبيق الدستور وأحكامه، كما أن فيها ضمان للحق في المعلومة الخاصة بقرارات المحكمة، في التنصيص على وجوب نشر قراراتها وأحكامها في الجريدة الرسمية. كما أن فيه ضمان لغربلة الإطار القانوني من القوانين التي لا تحترم الأحكام الدستورية، كتلك التي لا تحترم الحق في المعلومة مثلًا، في حالة قبول الدفع الجدي بعدم دستوريتها.

المادة 152:"تعتمد وحدات الحكم المحلي التدابير اللازمة، لضمان مساهمة المواطنين، ومنظمات المجتمع المدني في إعداد برامج التنمية المحلية، ومتابعة تنفيذها؛ وفق الضوابط التي يحددها القانون."

إن تنصيص هاته المادة على مساهمة المواطنين والمجتمع المدني على إعداد برامج التنمية محليًا، ومتابعة تنفيذها، لا يمكن تحقيقه دون وصول إلى المعلومات اللازمة لوجود مساهمة حقيقية، وهو أحد أوجه التأكيد على الحق في المعلومة على مستوى محلي.

المادة 156:"تخضع الهيئات الدستورية لرقابة مجلس النواب، وتقدم له تقارير عن أعمالها، وفق ما ينظمه القانون، كما تقدم تقاريرها لمجلس الوزراء، ولمجلس النواب نشرها بعد مناقشتها."

تضع هاته المادة الحق في الوصول إلى المعلومة المتعلقة بسير الهيئات الدستورية، بين يدي مجلس النواب، الذي يقرر في نشر تقارير الهيئات المقدمة إليه، من عدمه.

المادة 157 (الفقرة الأولى):"تتولى المفوضية الوطنية العليا للإنتخابات دون غيرها إدارة، وتنظيم الإستفتاءات العامة، والإنتخابات العامة، والمحلية في جميع مراحلها بشفافية، ومصداقية، بما في ذلك إعلان النتائج النهائية."

تفرض هاته الفقرة أن تقوم المفوضية الوطنية العليا للإنتخابات بدورها بشفافية في كل المراحل، دون توضيح آليات الشفافية. إلا أن في هذا تنصيص دستوري على الحق في المعلومة الخاصة بتنظيم الإنتخابات.

المادة 159 (الفقرة 1، 2، 4):"يتولى المجلس الوطني لحقوق الإنسان ترسيخ قيم حقوق الإنسان، والحريات العامة الواردة في الشريعة الإسلامية، والمواثيق الدولية، وتعزيزها، ونشر ثقافتها. كما يختص بالآتي:

  • مراقبة أوضاع حقوق الإنسان، ورصد الإنتهاكات بشأنها، وتبليغ الجهات الوطنية المختصة بها، ومتابعة ذلك.
  • دعم المواطنين في الحصول على حقوقهم المقررة دستوريًا، وقانونيًا.
  • التوصية بالتصديق، أو الإنضمام للعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، بما لا يتعارض مع أحكام الدستور."

إن هاته المادة تنصّ على هيكل خاص بحقوق الإنسان، يراقب أوضاعها ويرصد الإنتهاكات بشأنها، ويدعم المواطنين في تحقيقها، ويوصي بالمعاهدات الدولية الخاصة بها، ويأتي الحق في المعلومة ضمن هاته الحقوق.

المادة 163:"تنظم بقانون هيئة للرقابة الإدارية، و هيئة للشفافية ومكافحة الفساد، و هيئة للإحصاء، ومجلس أعلى للإعلام والصحافة، ومجلس للعلوم والتقنية والإبتكار، ويحدد القانون تكوينها، وإختصاصاتها، ونظام عملها، وضمانات إستقلالها، وحياد أعضائها؛ وفق ما هو منصوص عليه في هذا الباب".

إن تنصيص هاته المادة على هيئات أخرى تعنى بالمعلومة، كهيئة الشفافية، والرقابة، والإحصاء، والإعلام والصحافة، دليل على ملامح سياسة عامة تعنى بالحق في المعلومة هيكليًا. إلا أن حقيقة دعم هاته الهياكل للحق في المعلومة سيحددها القانون الخاص بكل هيكل.

المادة 164:"تخضع المالية العامة للدولة لمبادئ الشفافية، والمساءلة، [...]."

في هاته المادة تنصيص صريح على مبدأ الشفافية، وتقرنه بالمساءلة، فيم يخص المالية العمومية.

المادة 168:"يتمتع مصرف ليبيا المركزي بالشخصية الإعتبارية، والإستقلال الإداري، والمالي، والفني، ويمارس عمله بشفافية في إطار السياسة العامة للدولة، [...]."

في هاته المادة تنصيص صريح على مبدأ الشفافية، وتقرنه بالمساءلة، فيم يخص نشاط مصرف ليبيا المركزي.

المادة 170:"تعرض العقود، والإتفاقيات المتعلقة بالثروات الطبيعية على مجلس الشيوخ، للمصادقة عليها خلال مدد محددة، وفي الحالات التي يبينها القانون. وذلك يما يضمن الحفاظ على الثروات الطبيعية، والتوازن البيئي، ومقتضيات الشفافية، [...]."

في هاته المادة تنصيص صريح على مبدأ الشفافية، وتقرنه بالمساءلة، فيم يخص عقود وإتفاقيات متعلقة بالثروات الطبيعية. كما أن التنصيص على عرضها على مجلس الشيوخ ومصادقته عليها يضمن الحق في بعض المعلومات الخاصة بها، خاصة إن تم النقاش في جلسات علنية، والتصويت كذلك.

المادة 181 (الفقرة 1):"1. تلتزم الدولة تطبيق تدابير العدالة الإنتقالية؛ ويصدر قانون ينظم كشف الحقيقة، [...]."

في هاته الفقرة تنصيص على كشف الحقيقة كجزء من مسار العدالة الإنتقالية، وفي هذا ضمان للحق في المعلومة.

المادة 189 (الفقرة 1 و2):"

1. يحدد القانون أسباب إعلان حالة الطوارئ، أو الأحكام العرفية، ونطاق كل منهما، والمدة، والحقوق التي يمكن تقييدها، والإجراءات، والتدابير الجائز إتخاذها.

2. مع مراعاة المواد (31، 32، 34)، لا يجوز لرئيس الجمهورية أثناء حالة الطوارئ، أو الأحكام العرفية فرض قيود على الحقوق، والحريات الأساسية؛ إلا بالقدر الضروري للمحافظة على الأمن العام، والسلامة العامة للبلاد."

إن في الفقرة الأولى من هاته المادة تنصيص على الحق في المعلومات ذات العلاقة بحالة الطوارئ أو الأحكام العرفية، مما يقلل من الإعتباطية التي قد ترافق هاته الحالات الإستثنائية. إلا أن في الفقرة الثانية، ورغم تقديمها لضرورة عدم تقييد الحقوق والحريات خلال هاته الحالات، فهي تجعل ذلك مباحًا للمحافظة على الأمن والسلامة العامين، وهما مفهومان يصعب ضبطهما. 

المادة 195 (الفقرة 2):"2. لا يجوز المساس [...] بالضمانات المتعلقة بالحقوق، والحريات؛ إلا بغرض تعزيزها، [...]."

في هاته المادة، وهي متعلقة بتعديل الدستور وإجراءاته، التزام واضح بالحقوق والحريات التي ينصّ عليها الدستور، وحماية لها في حالة تعديله.

المادة 196:"تعدل التشريعات النافذة بما يتلاءم مع أحكام هذا الدستور [...]."

في هاته المادة التزام واضح بتنقيح القوانين المتعارضة مع ما جاء به الدستور، ومنها قوانين سارية المفعول تؤثر على الحق في المعلومة مثلًا.

رغم وضوح الحق في المعلومة، والحقوق المصاحبة له، في المسودة الأخيرة لمشروع الدستور الليبي، إلا أنه يبدو أن ظهور الحق في عدة زوايا في الدستور لم يكون نتيجة تبلور الحق، بالضرورة، أو لوجود حاجة ملحة له أو ضغط مدني أو سياسي لإدراجه.

أن إدراج الحق في مسودة الدستور لم يكن نابعًا عن حراك مجتمع مدني أو حزبي، بل جاء نتيجة نضج نسبي من أعضاء لجنة الصياغة، دون أن يكون وجود وعي بالحق أو نضال من أجله. وأكبر دليل على ذلك هو أن ذكر الحق جاء عاديًا جدًا، ومن كتب وصاغ هاته المادة، ويقصد المادة 46، وضعها بكل بساطة، ولم تكن أولوية، بل أمرًا عاديًا. أن الحق أتى في الدستور غير مفصل، ولم يتم المساس به رغم تعدد المسودات، بل أنه وحتى في النقاشات العديدة حول المسودة، لم يكن هناك من تطرق إلى هاته المادة.

بإستثناء النقاط الخلافية، لم يكن هناك خلاف حول الدستور، بل كان هناك نسخ ولصق للمواد من نسخة لأخرى، دون خلاف حقيقي لدى الهيئة التأسيسية. أن الحق في المعلومة بالذات لم يكن موضع خلاف أو بحث أو نقاش، بل تمت إستعارته، "للأسف". وأنه لو تم نقاش هذا الحق، لأصبح أسهل في التسويق والشرح للعموم. أما النتيجة، فكانت مغايرة، وما خرج هو نص نخبوي، لم يقف أحد عنده، ولو تم مسحه من المسودة لما لاحظ أحد غيابه، وليس هذا بإنجاز.

أن الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، والتي تحتوي على 60 عضوًا، تحتوي على سادة لديهم فكر قانوني مستنير، كـ "الهادي بو حمرة"، المتتلمذ في فرنسا، والذي حاول تطعيم الدستور، كما تمت الإستعانة بالأمم المتحدة لكتابة الدستور حسب المعايير الدولية مما جعله يحتوي على حق مثل النفاذ إلى المعلومة.

فوجود بعض الشخصبات الحقوقية داخل الهيئة أضاف العديد من الحقوق، كذلك جعلها مرنة في الإستماع لمؤسسات المجتمع المدني. ومن اللمكن أن نقول أن باب الحقوق والحريات في مشروع الدستور الليبي مقبول نوعًا ما، كذلك السلطة القضائية، وأن الحق في المعلومة كان مقتبسًا من دساتير أخرى بعد لقاءات كثيرة. مثال على ذلك جامعة بنغازي، والتي أتت بدراسة حول 182 دستور من حول العالم، كما أن أعضاء الهيئة التقوا مع أعضاء من المجلس الوطني التأسيسي التونسي لتبادل الخبرات. أن ذكر الحق في المعلومة في مسودة الدستور لم يكن إستجابة لمطلب شعبي، بل لمحاولة تطوير المنظومة الحقوقية.

ثانيا - القوانين و/أو المراسيم:

قانون العقوبات

تمّ إصدار هذا القانون سنة 1954، وقم تمّ تنقيحه أكثر من 20 مرة، آخرها سنة 2014، لمنع المس من ثورة 17 فبراير 2011. يمسّ هذا القانون سلبًا من الحق في المعلومة، حيث يمكّن من مجابهة الوصول إلى المعلومة بمسألة السر المهني أو أمن الدولة أو جرائم متعلقة بالمطبوعات. مازال هذا القانون قيد التطبيق.

المادة 64:"مع مراعاة مسئولية المؤلف وبإستثناء حالات الإشتراك، إذا أرتكبت إحدى الجرائم عن طريق الصحافة الدورية يعاقب حسب الأحكام الآتية:

المدير أو المحرر المسئول الذي لا يمنع النشر عندما لا تتوافر الموانع الناتجة عن القوة القاهرة أو الحادث الطارئ أو الإكراه المادي أو المعنوي الذي لا يمكن دفعه.

إذا كون الفعل جناية أو جنحة تتوفر فيها النية الإجرامية، تطبق العقوبة المقررة للجريمة المرتكبة مع خصمها إلى حد النصف، وإذا كون الفعل جريمة خطئية أو مخالفة فتطبق العقوبة المقررة لها.

وفي حالة النشر غير الدوري إذا كـان المؤلف مجهولًا أو غير قابل للمعـاقبة أو لا يوجد داخل أراضي الدولة فتطبق الأحكام السابقة على الناشر، فإن كان هذا مجهولًا أو غير قابل للمعاقبة أو لا يوجد داخل أراضي الدولة يعاقب الطابع."

المادة 65:"تطبق أحكام المادة السابقة أيضًا حتى ولو لم تراع أحكام القوانين الخاصة بالمطبوعات ونشر المطبوعات الدورية وغير الدورية. وإذا كان الأشخاص المبينون في المادة السابقة مجهولين أو غير معاقبين أو غير موجودين في أراضي الدولة يعد مسئولًا عن الجرائم المذكورة كل من قام بتوزيع المطبوعات على أي وجه."

ويمكن لهاتين المادّتين المسّ صراحة من حرية الطباعة والإعلام، وبالتالي، الحق في المعلومة من المصادر الإعلامية.

المادة 171:"يعاقب بالإعدام كل من زود حكومة أجنبية أو أحد عملائها أو أي شخص آخر يعمل لمصلحتها على أي وجه من الوجوه وبأية وسيلة، بسر يتعلق بالدفاع عن البلاد أو أي سر مماثل له. ويعاقب بنفس العقوبة كل من حصل على سر من هذا القبيل بأي طريقة كانت بقصد إفشائه رأسًا أو بالواسطة إلى حكومة أجنبية أو أعدم ذلك السر لمصلحة دولة أجنبية أو جعله غير صالح للإنتفاع به كليًا أو جزئيًا."

المادة 236:"يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر كل موظف عمومي يخل بواجبات وظيفته أو يسئ إستعمالها بأن يفشي معلومات رسمية يلزم بقاؤها سرية، أو يسهل بأي طريقة كانت الوصول إلى الإفشاء بها."

المادة 237:"يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تجاوز مائتي دينار ليبي كل موظف عمومي يمتنع بدون وجه حق عن آداء عمل من أعمال وظيفته أو يهمله أو يعطله. وإذا كان الموظف العمومي قاضيًا أو عضوًا بالنيابة العـامة اعتبر ممتنعًا أو مهملًا أو معطلًا إذا توافرت الشروط القانونية اللازمة لمخاصمته، وتضاعف العقوبة في شأنه."

تخص هاتين المادتين الموظفين العمومين، وتؤثر على الحق في المعلومة وعلاقتهم الممكنة بتوفيرها. فرغم تنصيص الأولى على عقوبات متعلقة بإفشاء المعلومات الرسمية أو تسهيل ذلك، إلا أنه ينص على عقوبات من يمتنع عن آداء عمله، مما قد يتمثّل في توفير المعلومة، إذا نظّم ذلك قانونًا خاصًا بالمعلومات وتوفيرها. 

تقييد المادة 236 لتوفير المعلومة، وتعطي مثالًا، كأن تجد سكرتيرة من يطرف باب مكتبها - موظف من درجة أقل - فيطلب محضر إجتماع، فإن مدته به، قد تتهم بإفشاء سر مهني، فتصبح حذرة في كل ورقة توفرها.

المادة 284:"يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة تتراوح بين عشرين ومائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أذاع بطريقة الصحافة أو بأي طريق آخر من طرق العلانية بيانًا عن قضية جنائية نظرت سرًا أو أذاع محتويات وثائق أو أوراق تتعلق بالتحقيق في قضية يجب أن تبقى سرية قانونًا. ولا يطبق هذا الحكم على الوثائق وحيثيات التحقيق التي أدلى بها فيما بعد في مناقشة علنية وبوجه عام لا يطبق على سائر أوراق الإجراءات الجنائية القضائية بعد إنقضاء ثلاثين سنة على الفصل فيها أو قبل ذلك إذا أذن وزير العدل بالنشر صراحة. ولا يعاقب في الأحوال المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة على مجرد الإعلان عن القضية ولا على نشر الحكم فيها فقط."

المادة 285:"في غير الدعاوى التي ينطبق عليها حكم المادة السابقة يجوز للمحاكم نظرًا لنوع وقائع الدعوى، أن تحظر في سبيل المحافظة على النظام العام أو الآداب، نشر المرافعات القضائية أو الأحكام كلها أو بعضها بأحد طرق العلانية ومن يخالف ذلك يعاقب بالحبس مـدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن عشرين دينار ولا تزيد على مائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين."

المادة 286:"يعاقب بالعقوبات المذكورة في المادة السابقة كل من نشر بأي طريقة من طرق العلانية المداولات السرية بالمحاكم أو نشر بغير أمانة وبسوء قصد ما جرى في الجلسات العلنية بالمحاكم."

وإن كانت المواد الثلاث المذكورة تخصّ المعلومات الخاصة بسير المحاكمات، إلا أنها تقيّد الحق في المعلومة في القضايا الجنائية السرية، أو في قضايا ليست سرية يقتضي الحفاظ على "النظام العام أو الآداب" حظر نشر معلومات خاصة بها. تضع المادة 285 حداً لتقييد الحق، بإنقضاء 30 سنة على الفصل في القضية، أو إن أذن وزير العدل. تعاقب المادة 286 النشر غير الدقيق للجلسات العلنية بالمحاكم.

القانون عدد 76 لسنة 1972 في شأن المطبوعات

ينظم هذا القانون قطاع الصحافة والطباعة، وضبط حدودهما، وقد تم نقده لكونه يحدّ من الحق في الإعلام والتعبير، وبطريقة غير مباشرة، الحق في المعلومة.

المادة 7:"بالإضافة إلى الشروط الواردة بالمواد المتقدمة والواجب توافرها في أصحاب المطبوعات الدورية وشبه الدورية ورؤساء وأعضاء مجالس إدارتها ورؤساء وأمناء التحرير والمحررين فيها فإنه يتعين أن يكونوا جميعًا مؤمنين برسالة الصحافة والمطبوعات والإعلام مراعين لأخلاقيات العمل فيها، عاملين على تحقيق أهدافها في خدمة الجماهير ملتزمين بما يأتي: 

[...]

(ب‌) العمل على التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها وتصحيح ما يتبين الخطأ في نشره. 

(ج) الحرص على أن يكون الحصول على المعلومات بالطرق المشروعة. 

(د) عدم شغل الجماهير بما لا ينفع أو بما يشيع الإبتذال أو يثير الغرائز أو يشهر بالأفراد والعائلات في فضائح أخلاقية. 

[...]."

المادة 29:"لا يجوز أن ينشر في أية مطبوعة: 

  • مداولات وقرارات مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء إلا بإذن من الجهات المختصة. 
  • تحركات القوات المسلحة وما يتعلق بتنظيمها أو تعبئتها أو تشكيلها أو عددها أو تسليحها أو إشاراتها أو مواقعها أو تدريبها أو اسماء المنتسبين إليها مقرونة بمناصبهم، إلا بإذن من القائد العام للقوات المسلحة. 
  • المحاكمة السرية ونصوص محاضرها. 
  • الدعاوى التي تصدر المحاكم قرارا بمنع نشرها. 
  • التشكيك في أهداف الثورة ومبادئها. 
  • الدعوة إلى حكم الطبقة أو الفرد. 
  • تحقير الديانات والمذاهب الدينية المعترف بها. 
  • إنتهاك حرمة الآداب أو التشهير بسمعة الأشخاص. 
  • صور للمعدومين إلا بإذن من جهة الاختصاص. 
  • التعريفة الجمركية أو قرارات لجان التموين المتعلقة بالتسعيرة أو أجور الاستيراد أو القرارات المتعلقة بالعملة وذلك قبل الإذن بنشرها. 
  • الجانب السلبي من أي موضوع أو قضية وتجاهل الجانب الإيجابي بقصد تضليل للجماهير. 
  • ما يثير فتنة المذاهب أو الثأر أو دعوة الجاهلية. الأخبار التي من شأنها خفض قيمة العملة الوطنية أو سندات القروض الحكومية أو الإخلال بالثقة في الداخل أو الخارج. 
  • وكل مخالفة لأحكام هذه المادة يعاقب مرتكبها بالسجن وبغرامة لا تزيد عن ألف دينار وذلك مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون العقوبات أو أي قانون آخر. كما يجوز وقف إصدار المطبوعة بقرار من الوزير المختص وتتبع في هذه الحالة الإجراءات المنصوص عليها في المادة (33) من هذا القانون."

قانون رقم 20 لسنة 1991

جاء هذا القانون بعد صياغة الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهيرية المذكورة أعلاه، وينص على حزمة من الحريات مشابهة للإعلان الدستوري لسنة 1969، دون تنصيص صريح على الحق في المعلومة، بل على بعض الحقوق الملاصقة لها. وهذا قانون ملغى.

المادة 8:"لكل مواطن الحق في التعبير عن آرائه وأفكاره والجهر بها في المؤتمرات الشعبية وفي وسائل الإعلام الجماهيرية ولا يسأل المواطن عن ممارسة هذا الحق إلا إذا إستغله للنيل من سلطة الشعب لأغراض شخصية. وتحظر الدعوة للأفكار والآراء سرًا أو محاولة نشرها أو فرضها على الغير بالإغراء أو بالقوة أو بالإرهاب أو بالتزييف."

وفي هاته المادة تنصيص على حرية التعبير، إلا أنه يحد منها بطريقة غير دقيقة، أو عند النيل من سلطة الشعب، وهو مفهوم مبهم. 

قانون المصارف لسنة 2005

يضبط هذا القانون التصرف في البنوك والمصارف، وينصّ على حقوق وواجبات عدة، منها ما يمكن أن يؤثر على الحق في المعلومة. ما زال هذا القانون قيد التطبيق.

المادة 116: "مع مُراعاة أحكام المادة (50) من هذا القانون، يكون لمُوظَّفي مصرف ليبيا المركزي، الذين يصدر بتحديدهم قرار من المُحافظ، صفة مأموري الضبط القضائي، بالنسبة إلى الجرائم التي تقع بالمُخالفة لأحكام هـذا القانون واللوائح والقرارات الصادرة بمُقتضاه، ولهم بهذه الصفة الإطِّلاع على السجلاَّت والحسابات المدينة، وغيرها من المُستندات والوثائق، والمنظومات والإلكترونية، وعليهم المُحافظة على سرِّية ما يطَّلعون عليه، أو يصل إلى علمهم من مُعلومات أو بيانـات، تتعلَّق بآداء وظائفهم."

تعطي هاته المادة الحق في المعلومة لفئة معينة، أي موظفي مصرف ليبيا المركزي، وتنصّ على وجوب محافظتهم على سريتها.

المادة 118: "يجوز منح مكافآت مالية لكُلِّ من أرشد أو سهَّل أو عاون في كشف أو ضبط جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، وذلك في الحدود وطبقًا للشروط التي يصدر بها قرار من مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي."

تنصّ هاته المادة على مكافئة من يوفر معلومات حول جرائم ذات علاقة بفساد أو مخالفة لقانون المصارف، وفي هذا تشجيع على تداول المعلومة، وتوفيرها للدولة.

قانون رقم 19 لسنة 2013 في شأن إعادة تنظيم ديوان المحاسبة

ينظم هذا القانون عمل ديوان المحاسبة المختص في رقابة المال العام. ينص هذا القانون على حق ديوان المحاسبة في الحصول على معلومات للقيام بعمله.

المادة 14 (الفقرة 2 و3):"وللديوان أن يفحص عدا المستندات المنصوص عليها في القوانين أو اللوائح أي مستند أو سجل أو ورقة يراها لازمة لأعمال المراجعة بما في ذلك السرية من ها وله أن يحتجز ما يراه من هذه المستندات أو الوثائق أو السجلات أو الأوراق الأخرى أو الحصول على صور منها وله أن يطلب إلى أي شخص معهود إليه بتلك المستندات أو السجلات أو الأوراق أو مسؤول عنها أن يقدم شهادة موقعة منه تثبت صحة هذه المستندات أو السجلات أو الأوراق.

وعلى الجهات التي تخضع حساباتها لمراجعة الديوان أن تقدم حساباتها في المواعيد المقررة قانونًا وللديوان حق الإتصال المباشر بمديري الحسابات ومراقبيها ورؤسائها ومن يقوم مقامهم في الجهات المذكورة من الموظفين المختصين وحق مراسلتهم في ذلك وطلب البيانات التي يراها لازمة منهم."

المادة 53:"يقدم الديوان تقريرًا سنويًا عن نشاطه وملاحظاته وتوصياته إلى السلطة التشريعية للدولة كما يقدم للجهات المعنية تقارير عن المسائل والموضوعات التي تكشف عنها أعمال الفحص والمراجعة ويرى أنها من الأهمية والخطورة بحيث يقتضي الأمر سرعة النظر فيها."

لا ينص القانون على نشر هذا التقرير السنوي، ولكنه لا يمنع ذلك.

قانون رقم 29 لسنة 2013 في شأن العدالة الإنتقالية

يضبط هذا القانون مسار العدالة الإنتقالية، وعمل هيئة تقصي الحقائق. لهذا القانون دخل بالحق في المعلومة، حيث يعطي الهيئة الحق في الوصول إلى معلومات معينة، ويسعى إلى حفظ الذاكرة.

المادة 16 (الفقرة 1، و3، و4):"للهيئة سلطة أمر الأشخاص وتفتيش الأماكن وضبط المستندات والأدلة وتحريزها وزيارة الأماكن ذات الصلة بالموضوعات التي تحقق فيها، ويكون للأشخاص الذين يصدر بتحديدهم قرار من رئيس مجلس إدارة هيئة تقصي الحقائق والمصالحة سلطة الضبطية القضائية في هذا الشأن.

[...]

للهيئة واللجان التابعة لها أن تطلب من أي شخص أن يكشف عن أي معلومة أو وثيقة أو مادة لديه يكون لها علاقة بموضوع البحث الذي تقوم به الهيئة وأن تستوجب أي شاهد وأن تحلفه اليمين القانونية المقررة.

للهيئة العمل على تلقي معلومات في دولة أخرى وتقوم وزارة الخارجية بالعمل على الحصول على الموافقة من الدولة المقصودة.

[...]."

المادة 17: "تقدم الهيئة عند الإنتهاء من كل ملف:

  • تقريراً إجماليًا يتضمن توصيات إجمالية.

  • تقريرًا تفصيليًا لكل ملف على حدة ترفقه بالتقرير الإجمالي على أن يشمل التقرير التفصيلي ما يأتي:

  • بيانًا وافيًا بالوقائع مدعمًا بالأدلة.

  • النتائج التي تم التوصل إليها من خلال الدراسة والتحقيق متضمنة تحديدًا دقيقًا لحجم الأضرار وللمسؤولية وللأشخاص ذوي العلاقة بها.

  • ما قامت به الهيئة في سبيل محاولات الصلح بين الأطراف.

إصدار توصيات بشأن طرق معالجة الإنتهاكات أو حل المنازعات بما في ذلك إتخاذ إجراءات أو تدابير أو إحالة أشخاص أو وقائع إلى الجهة المختصة."

المادة 31:"يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة لا تزيد على ألف دينار كل من يمتنع عن تمكين الجهات المختصة بتنفيذ هذا القانون من الإطلاع على أي أدلة أو مستندات في حوزته أو يرفض المثول أمام هيئة التقصي والمصالحة أو لجانها دون عذر مقبول."

تعنى هاته المواد بحصول الهيئة على المعلومات وكيفية توثيقها، إلا أنها لا تنص صراحة في المادة 17 على نشر تقاريرها أو مشاركتها مع العموم.

المؤثرات 

إن الإجماع على عدم تبلور الحق في المعلومة في ليبيا، وتطور وجود هذا الحق في الإطار القانوني الدستوري، دليل على وجود مؤثرات دقيقة سرّعت من تواجده في الإطار القانوني. 

أولا - المؤثرات الداخلية:

إن غياب بعض المؤثرات الداخلية التقليدية، كالمجتمع المدني والصحافة المختصة، هو ما يجعلها مؤثراً حقيقياً، حيث يؤثر غيابها على عدم بلورة الحق بشكل كاف يحافظ عليه. 

فبالرغم من وجود مقالات وتعليقات عدة، لكنها لا تستند على معلومات محددة، كحصة المخابز من الدقيق مثلًا، وهي غير معروفة، أو وجود تضارب مصالح من عدمه في موضوع ما. كما أن مواقع التواصل الاجتماعي قد حرّكت الرغبة في المعلومة، لكنها عبارة عن تساؤلات غير مؤطرة، ورغم هذا، فهي مؤثرة: "المسؤول الليبي أصبح يخاف من الفيسبوك ومواقع التواصل الأجتماعي كثيراً".

هناك عنصر ومؤثر هام مفتقد تمامًا وهو الإهتمام والمبادرة الشخصية. فلا يوجد من يهتم بأن يبحث عن المعلومة، وإن كان لا يرفضها. بل ويوجد من يتجنب العلم بالمعلومة لكي لا يقع في مشاكل لأسباب أمنية. فثقافة الخوف، أصبحت أكثر من وقت القذافي.

وقد أوعز هذا للمليشيات. بحكم قوتها على الميدان، أن تستفيد من الإعتمادات التجارية وتمول نفسها بذلك، وهو نفس الوضع في شرق ليبيا تحت قيادة حفتر أيضًا. فقد تم منع ديوان المحاسبة من الاطلاع على مصاريف المؤسسة العسكرية وقياداتها في شرق ليبيا، وظلت تلك المؤسسة مجهولة في مصادر التمويل، كما تم أُنشاء هيئة الاستثمار العسكري، وهي صندوق أسود لا يُعرف عنه شيئًا ولا عن طريقة التصرف فيه وفي موارده وأرباحه، كذلك تتحكم المؤسسة العسكرية بالعمالة الأجنبية التي تمر في طريقها وتدفع لها الرسوم. ورغم هاته الموارد، فإن ميزانيتها غير معروفة.

كذلك غياب مؤثراً داخلياً خاص بالدولة، وهو مؤثرًا هامًا بشدة بل يقف حائل في وجه أي مطالب جدية للمعلومة، وهو غياب أرشفة الوثائق والمعلومات داخل المؤسسات الليبية الوطنية والرسمية. كذلك بعد الثورة والرحب الداخلية والانقسام تعمد بعض الأطراف إتلاف ما بقى من مستندات ووثائق لإخفاء ما بها من تجاوزات، كذلك احتفظ البعض بمجموعة من تلك الوثائق أو المستندات التي كانت بحوزة المؤسسات الوطنية الرسمية بغرض تهديد أطراف أخرى من أطراف النزاع.

ثانيا -  المؤثرات الخارجية:

على عكس التأثيرات الداخلية، فإن الخارجية منها واضحة وجلية، وقد كانت ملامحه جليّة منذ بداية الحديث عن الشفافية والمعلومة في 2004، ويبدو أنها هي التي تدير دفّة التوجه نحو الحق في المعلومة، من عدمه. فمنذ سنة 2003، ذكر أول تقرير يقوم به صندوق النقد الدولي حول ليبيا أنه "يتعين وضع استراتيجية شاملة لتقوية إدارة الإيرادات النفطية. ومعالجة قضايا الحوكمة والشفافية والمساءلة فيما يتعلق بإدارة هيئة الاستثمار الليبي". بعد إنضمام ليبيا إلى بلدان صندوق النفط الدولي سنة 2005، في أول تقييم لها، تم التنصيص على زيادة شفافية المعاملات الحكومية، ووجود نقص في الشفافية في عملية تحديد الميزانية، ووجوب تحسين العاملات الاقتصادية، والتنصيص على وجوب الشفافية والمساءلة في صندوق عائدات النفط.

الضغط الدولي من أجل الإصلاحات الاقتصادية ومحاربة الفساد كان موجود وبشكل مباشر وواضح حاليًا في ليبيا، إلا أنه لا تطرق إلى الحق في المعلومة بشكل خاص. فالاهتمام الدولي قائم على مقاومة الفساد، فهو الذي يقوض بناء دولة ليبية. وكانت الساسات العامة من قبل مع التعتيم لإعطاء فرصة أكبر للتلاعب، ولكن حدث الفارق مع ترؤس غسان سلامة لبعثة الأمم المتحدة، حينها أصبحت مكافحة الفساد أولوية، فمنظمات المجتمع المدني قد غيّرت نشاطاتها بناًء على أولويات التمويل الجديدة، حيث أصبح الممولون يدعمون نشاطات مكافحة الفساد، بعد أن كانت سابقًا تموّل ما له دخل باللإنتخاب والتحول الديمقراطي وتمكين المرأة. 

كذلك قرار الأمم المتحدة المتعلق بالتدخل في الشأن الليبي كان قد أعطى للبعثة الحق في مراقبة الإنفاق العمومي، وأنها لم تقم بذلك ولم تحترم القرار إلى حد البعثة الأخيرة برئاسة سلامة، التي أهتمت بقضية الفساد وأصدرت تقريرًا يتحدث عن شبهات فساد في مصرف ليبيا المركزي في بنغازي والواقع تحت سيطرة الجنرال خليفة حفتر. فمسؤولية مراقبة الإنفاق الحكومي التي أوكلت للبعثة، والتي تتمثل في إصدار تقارير دورية عن وضع الإنفاق ومسائل الفساد، كانت تشهد تقصيراً كبيراً. كذلك كان لإهتمام بعثة الأمم المتحدة أخيراً بالحوكمة الرشيدة أثرًا على أولويات الممولين الدوليين. الذي كان دورهمقبل ذلك هامشياً.

يبدو أن اهتمام الممولين بالشفافية سيرى النور أخيرًا، فاتفاقية الشراكة التي تم إمضاؤها من البنك الدولي بتاريخ 19 فبراير 2019، وهي من الوثائق الشحيحة المتوفرة حول ليبيا، والتي تحدد إستراتيجية البنك في البلاد، وتنصّ صراحة على دعم الشفافية والمساءلة والمشاركة في عمليات أخذ القرار وتوفير الخدمات.

إلا أن اهتمام المنظمات المختصة بالحق في المعلومة كان متواجدًا في مراحل محددة، كصياغة مشروع الدستور مثلًا. منها منظمة المادة 19، والتي نشرت في 1 يوليو 2013، وقبل بدء صياغة الدستور، ملخص سياسات عامة بعنوان:

"ليبيا: حماية حرية التعبير وحرية المعلومات في الدستور الجديد. من توصياتها "ينبغي أن يعرف الدستور الحديد حرية التعبير يشكل واسع لتشمل الحق في طلب واستلام ونشر المعلومات والأفكار بحيث يغطي كافة أنواع التعبير ووسائل الاتصالات ولمنح هذا الحق لجميع الأشخاص. وينبغي أن ينص الدستور الجديد على أن الحصول على المعلومات ينبغي أن يكون مضموناً ما لم: (أ) أن يؤدي الإفصاح عن المعلومات إلى إلحاق ضرر جسيم بمصلحة مشروعة محمية (ب) أن يفوق ذلك الضرر المصلحة العامة في الكشف عن المعلومات."

كما خصصت منظمة الشفافية الدولية مجالًا واضحًا للحق في المعلومة في تقريرها حول مؤشر النزاهة في ليبيا، والذي نشرته بتاريخ 2014. حيث نصّ على ضرورة "تطوير، وتبني، وإنفاذ قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، إضافة إلى ضمان الوصول السهل إلى القوانين، والقواعد، والأنظمة، وذلك بتجميع كل الوثائق الأساسية في مكان مركزي واحد، مثلًا، في قاعدة بيانات إلكترونية أو موقع إلكتروني".

الأثر الخارجي يتمثّل أيضًا في ضغط الشركات الأجنبية، تلك الشركات يهمها النفاذ إلى المعلومة لكي تدعّم وتطور أنشطتها كذلك هناك شركات تتبنى دعوات قضائية على ليبيا يهمها الحصول على المعلمات لدعم ملفها وقضاياها.

تطبيق الحق في المعلومة

يصعب تتبع تطبيق الحق في المعلومة في ليبيا لغياب آليات واضحة يمكن الإستناد عليها، ولهشاشة الإطار القانوني والسياق السياسي والحكومة. إلا أنه، ورغم هذا، يمكن ملاحظة بوادر لإفتكاك هذا الحق من قبل المواطنين، أو توفيره من قبل الدولة.

التزام الدولة بضمان الحق في المعلومة

يبقى تفكك هياكل الدولة في ليبيا العائق الأهم وراء مساءلتها حول توفير الحقوق، ومنها الحق في المعلومة. بل وأنه من الإلتزامات التي كانت توفّرها الدولة سابقًا، ما تعجز عن توفيره الآن. فالتحدي يكمن في وضوح المصادر، مثل إنتاج ليبيا من النفط مثلًا. فهاته المعلومات من المفروض أن تكون متوفرة في الموقع الإلطتروني للشركة الوطنية للنفط، إلا أن المواقع إما غير محيّنة أو غير موجودة، ولا يوجد مسار مضمون للمعلومة.

مثال على أثر عدم إلتزام الدولة بضمان الحق في المعلومة قفل عدادات النفط في منطقة الهلال النفطي سنة 2013، مما جعلها قضية رأي عام، وأحس المواطن أنه تم تغييب المعلومة عنه. وكان أثر هذا التعتيم حرب كبيرة بين الشرق والغرب، حيث أتهمت القيادة العسكرية في شرق ليبيا أن المؤسسة الوطنية تبيع النفط دون عدادات، وتم تأكيد هذا الحديث من مجموعة النواب البرلمانيين التابعين لبرلمان طبرق التابع للحكومة المؤقتة بقيادة عبدالله الثني. وتم إقفال خطوط النفط لمدة عام ونصف، مما تسبب في الأزمة الاقتصادية في ليبيا. المشكلة الأكبر أن المؤسسة الوطنية للنفط لا تملك معلومات لكي توفرها للمواطنين وتصلح ما يتم تداوله من مغالطات.

من مصادر المعلومة التي توفرها الدولة بشكل رسمي أيضًا الجريدة الرسمية، إلا أنها مصدر للقانونيين فقط، ورغم أهميتها، كنشرها لميزانية الدولة، وهو أمر يُعمل به من قبل الثورة، فإنه لا توجد مطالب حقيقية لجعلها الكترونية، فتصبح متاحة للجميع.

إلا أنه هناك هياكل تحترم الحق في المعلومة، فالمحكمة العليا كمثال، والتي أصبحت تنشر أحكامها الكترونيًا منذ أكثر من عامان. ويعود هذا إلى مبادرة فردية للمكتب الفني في المحكمة العليا، لا لتطبيق معتمد من الدولة ككل للحق في المعلومة.

إن نشر تقرير ديوان المحاسبة من قبل رئيس الديوان من أوجه التزام الدولة بالحق في المعلومة أيضًا. فرغم عدم تنصيص الإطار القانوني على وجب النشر صراحة، إلا أن مشاركة العموم بنتائج التقرير في مايو 2018 كان سابقة جعلت من النقاش حول الفساد مبنيًا على حقائق وأرقام دقيقة، وإن إعترضت على ذلك مؤسسات الدولة المعنية بهذا التقرير.

يظهر إلتزام الدولة بتوفير المعلومات على المستوى المحلي أيضًا، ويتجلى في دليل قامت به عدة وزارات، منها وزارة الحكم المحلي، خاص بالسلم الاجتماعي والتنمية المحلية في ليبيا. يوضح هذا الدليل أن الوصول إلى المعلومات من مقومات السلم الاجتماعي، وتبديد الشائعات، وتشريك المواطنين في أخذ القرار. يصعب تقييم أثر هذا الدليل الفعلي على أرض الواقع، إلا أنه دليل على تنامي الوعي بالحق في المعلومة على مستوى الإدارة وتوجهاتها.

مظاهر ممارسة الحق في المعلومة

تمامًا مثل إلتزام الدولة المتقطع بتوفير المعلومة، تبدو مظاهر ممارسة الحق في المعلومة متقطعة وغير ممنهجة من قبل الشارع الليبي.

فممارسة هذا الحق ليس بأولوية لدى المواطن الليبي، والذي أُنهك اقتصاديًا، وأنصب جلّ تركيزه على عدم إنقطاع راتبه والكهرباء وطوابير الزحام أمام البنوك من أجل الحصول على السيولة المالية. إلا أن هاته الاهتمامات الأساسية كانت أحيانًا شرارة إنطلاق حملات شعبية، منها حملة "نبي نعرف"، والتي أرتكزت على جمع توقيعات من المواطنين لرفع دعوى على مصرف ليبيا المركزي لكي يلزم البنوك بإعلان السيولة التي تمتلكها، وكم من حساب بنكي فعال لديها، وهل أن توزيع السيولة عادل. وبالرغم من أهمية هاته الحملة، إلا أنه لم يوجد حشد شعبي حولها، فالمهتمين أقروا بوجود مشكلة سيولة لا غير. كذلك هناك خطورة اقتصادية جراء الإجراءات قضائية لمثل هاته الحملة، لأنها قد تؤدي إلى إفلاس البنوك، فالإشكال ليس بتقصير من المصارف، بل مشكلة في المصرف المركزي، وتلك مشكلة سياسية عامة.

هناك وجهاً آخر أكثر عفوية لمطالبة المواطن بحقه في المعلومة من قبيل المساءلة، حيث يذكر جدالًا دار بين مروان الطشاني وبين وزير الرياضة، حينما سأل الأول الثاني عن معايير تقسيم الميزانية على الأندية الرياضية. من خلال حسابه على موقع الفيسبوك، بينما أجابه الوزير طالباً منه أن يترك الفتنة. إن هذا الإعراض عن توفير المعلومة من قبل الوزير أدى إلى نقده شعبيًا وبشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يؤكد الرغبة في ممارسة الحق، والحاجة إلى تأطير هذا المطلب الشعبي.

فالمطالبة بالمعلومة تتم في حالات أخرى أيضًا، كالمطالبة بمعرفة ما حدث من إنتهاكات لحقوق الإنسان، والمسؤولين عنها، ومن يقوم بقصف المواقع المدنية، والسجون ومن يديرها ومن يمنع المعتقلين من الخروج منها. فغياب المعلومة في هاته الإنتهاكات أدى إلى حالة فوضى جعلت الأرشيف يتناثر على المواطنين، وهي نتيجة عفوية لمطالبة من لهم مفقودين، والذي كانوا يركزون على المستندات الأمنية تحديدًا.

كذلك هناك جمعيات طالبت بمتابعة أشغال البرلمان وجلساته، وتذمر البعض على شبكات التواصل الاجتماعية على غلق البرلمان لجلساته، وعن تمرير القوانين دون معلومات كافية حولها. وطالبت تلك الجمعيات بشفافية البرلمان، وإن كان يصعب الحديث عن أداء تشريعي بعد 2014 والحرب، فتحدي شرعية الهياكل في ليبيا يجعل من ممارسة الحق في المعلومة غير واضح الملامح.

وقد قام أكرم النجار، بمشاركة تجربة شخصية له في الحصول على المعلومة، خلال حملة مناصرة كان يقوم بها في أكتوبر 2016، على المادة 424 من قانون العقوبات، والمتعلقة بتزويج المغتصبة. يوضح النجار أنه قام بالبحث عن معلومات وإحصائيات في طرابلس، مدينته، وأنه التجأ إلى القنوات الرسمية، أي منظومة البحث الجنائي. فتم إيقافه لمدة 6 ساعات للتحقيق، رغم توجيهه رسالة رسمية إلى الإدارة يوضح فيها مطلبه والغاية منها. كما إنه سئل عمن قال له بأن الظاهرة التي يود دراستها موجودة، وأنه في نهاية المطاف التجأ إلى علاقات شخصية للحصول على المعلومات. يرى أكرم أن عقل المسؤول مدرب على أن المعلومة حكر على الدولة.

هناك تجربة أخرى على مستوى محلي مع جمعية H2O، والتي حاولت أن تعمل على الشفافية وترسيخ هاته المبادئ في ليبيا. من خلال إنشاء موقع الكتروني لبلدية سوق الجمعة لنشر برامجها والإتفاقيات والعقود لإقامة المشاريع، لكي تكون متاحة للجميع، وقد تم التوصل إلى إتفاق مع البلدية في هذا الصدد. إلا إنه تم إيقاف المشروع رغم البدء به منذ سنة 2013، وقد بحث متساكني بلدية سوق الجمعة عن أسباب إيقاف المشروع، ليكتشفوا أنه يعود إلى أطراف من البلدية دفعت ضده، خوفًا مما قد تسببه المعلومات من مشاكل للبلدية، وأنه قد يفتح باب نقاشات عدة، مما سيعقل سير العمل البلدي. 

بالرغم من أن الحق في المعلومة مكفول في تونس على كافة المستويات القانونية: ابتداءً من الدستور إلى المعاهدات الي تمت المصادقة عليها، انتهاءً إلى القوانين التي نصّت صراحة على ضمانه. وإن كان هذا الحق قد بلغ مرحلة متقدمة من الناحية التشريعية، إلا أنه لم يصبح بعد مطلبًا شعبيًا ناضجًا، في نجاعة تطبيقه أو في توسّع شعبيته. يفسّر هذا التطوّر التاريخي لبلورة هذا الحق، من قبل ثورة 17 ديسمبر-14 جانفي/يناير 2011، إلى ما بعدها، والارتباط الوثيق بين كافة الحريات والحق في المعلومة.

كما أن تعدد المتدخلين في الشأن العام بعد الثورة كان أحد أهم عوامل الدفع باتجاه النفاذ إلى المعلومة، ومنهم مكونات المجتمع المدني، وهياكل الدولة التشريعية والترتيبية والقضائية، والهيئات المستقلة، والصحفيين. لكلّ متدخل منهم زاوية مختلفة للجوء إلى الحق في المعلومة، وأهميته، ومدى تطوره.
فوضوح النص القانوني مهّدت إليه مؤثرات خارجية ساهمت في وضع حجرة الأساس لبلورته، بدءاً بعقد تونس للمرحلة الثانية من القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس، من 16 إلى 18 نوفمبر سنة 2005، إلى إدراج “الحق في النفاذ إلى الوثائق الإدارية” في الإطار القانوني سنة 2011، رغم الفرق الشاسع بين السياق القمعي سنة 2005، والثوري في مطلع سنة 2011.
وجب وضع الحق في المعلومة في سياقه التاريخي في تونس ما قبل الثورة، لتوضيح أن بلورة الحق لا يمكن أن تقتصر على التزام الدولة به في سياساتها العامة لغويًا فقط، بل أن توجد مطالبة شعبية ومواطنية تحوّل هذا الالتزام إلى واقع يطالب فيه المواطن بالمعلومة، وتوفرها الدولة.
إن التساؤل حول مدى نجاعة ممارسة الحق في المعلومة كإحدى آليات مكافحة الفساد في تونس مشروع في سياق متطور، تشريعيًا وسياسيًا، ويمكن تقييم فرص إرساء الحكم الرشيد ومحاربة الفساد بناًء على ذلك.

تبلور الحق في المعلومة في تونس

لم يكن النفاذ إلى المعلومة حقًا مبلورًا في مطالب الأطراف السياسية، الحزبية والمدنية، المختلفة، ليس بصيغته وشكله الحاليين. وكانت الحقوق المدنية الأكثر شيوعًا هي تلك المتعلقة بحرية التعبير والإعلام، أي علاقة معاكسة مع الوصول للمعلومة - الحق في نشر المعلومات الشخصية من آراء وتعليقات ونقد، لكن لا مطالبة واضحة للمعلومة من الجهة المقابلة، ألا وهي الدولة. إلا أن الآراء والنقد المقموعين دارا في العديد من الأحيان حول التعتيم وعدم نشر الحقيقة، وهذا أحد أوجه المطالبة بالمعلومة. فالتعتيم الذي طال التونسيين والتونسيات ما قبل الثورة لم يكن مقتصرًا على المعلومات الرسمية، أو التي تصرّح بها هياكل الدولة، بل أيضًا على المعلومات التي يتم تداولها الكترونيًا وخارج نطاق السياسات التحريرية وتحكم الدولة. كانت العديد من المواقع الالكترونية تحجب، وخاصة تلك التي تتداول آراء ناقدة للنظام، أو تلك التي لا يمكن التحكم في محتواها، كموقع youtube مثلًا.


قام عادل لطيفي بنقد القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي انعقدت في تونس سنة 2005، مؤكدًا أن القمة “لا تهم سوى السلطة التونسية”، والهيئة المنظمة، و”أن المواطن التونسي العادي لم يكن له أي علم بهذا الحدث، وذلك حتى مع ظهور طوفان المقالات والساعات الطوال من البث الإذاعي والتلفزيوني التي جعلت من قمة المعلومات ومجتمع المعلومات خبزًا يوميًا ومفردات تكاد تصنع لنفسها موقعًا في قاموس اللهجة التونسية.” (لطيفي 2005). يبرز لنا هذا المقال أن هاته القمة لم تأتي نتيجة التزام حقيقي من قبل الدولة، أو تبلور واضح للحق، كما أن الحق في المعلومة كمفرد كان قد أٌقحم في الواقع التونسي من قبل دولة بوليسية قامعة دون ممارسة حقيقية لهذا الحق سواء من طرف الدولة او المواطنين في مفارقة منفردة، كما اوضحت المقالة أيضاً أن التحرك السياسي والمدني قد بدأ منذ أواسط التسعينيات، في أشكال متعددة وكان إحدى هذه الطرق هو انتشار وتعدد المواقع المعارضة على الإنترنت.
وقد أمتلكت تونس شهرة عالمية كـ”إحدى أكثر الدول ممارسة للحجب والمصادرة في الانترنت بصفة متواترة ومنهجية”، حيث أن الحجب طال موقع القمة العالمية للمعلومات نفسه، ووقعت “مصادرة تقرير لمنظمة العلو الدولية” وتم منعه من التداول (مرصد حرية الصحافة والنشر والإبداع 2010). كما تعددت اوجه الرقابة والمحتوى المصادر يكون بدءًا من “مواقع حقوق الإنسان ومواقع المعلومات مروارأ بمواقع أحزاب المعارضة” ووصولاً إلى “مواقع الترجمة الآلية وبعض مواقع الموسوعات”. كذلك “غياب الشفافية في التصرف في بالمال العمومي لم يسمح بقياس حجم الميزانية المرصودة في تونس وفي الخارج من قبل السلطات العمومية من أجل مراقبة الانترنت.


ومع استمرار سياسات الحجب والمصادرة على الشبكة العنكبوتية والتضييق من خلاله على عمل منظمات حقوق الانسان والمجتمع المدني التونسي، أطلقت “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وجمعية نساء تونسيات من أجل البحث والتنمية” “صيحة فزع” في سبتمبر 2008 حول تعطيل عملهم، وإمكانية ولوجهم لبريدهم الالكتروني، واختفاء رسائل ترد إليهم (مرصد حرية الصحافة والنشر والإبداع 2010).
وهو ما كان له صدى على المستوى الدولي، واهتمت التقارير الدولية بحرية الانترنت في تونس منها تقرير لهيومن راتيس واتش صادر في مارس 2006 (Human Rights Watch 2006). ويذكر التقرير أسماء عدّة تم سجنها لتداول “معلومات كاذبة”، أو لمقالات تمّ نشرها، ناقدة للدولة وسياساتها، منها زهير اليحياوي، الذي سجن لموقع كان قد أنشأه، ومحمد عبو، الذي سجن لمقال نشره، وعبد الله الزواري، الذي كان سجينًا سياسيًا، وصحفيًا سابقًا، الذي منع من بث أنباء إضرابه عن الطعام.


كما مثّلت أحداث الحوض المنجمي سنة 2008، والتي تعتبر “أطول احتجاجات اجتماعية شهدتها تونس في العصر الحديث” (SWI 2008)، نقطة فارقة في الحراك الاجتماعي، لكن أيضًا على مستوى المطالبة بالحق في المعلومة، وإجهاضه من قبل الدولة. اندلعت هاته الاحتجاجات نتيجة إجراءات تمّ أخذها متعلقة بمنجم الفوسفاط في قفصة، منها انتدابات تم التشكيك في نزاهتها من قبل أهالي المنطقة، الذين نظموا اعتصامًا مفتوحًا يقطع النفاذ إلى شركة الفوسفاط، والسكك الحديدية التي تنقله. واستمر الاحتجاج لقرابة الثلاثة أشهر، إلا أن العنف المستعمل من قبل السلطة جوبه أيضاً بتعتيم إعلامي مواز، حيث “التزمت وسائل الإعلام الرسمية الصمت المطبق”، وتم “منع الصحافيين الراغبين في نقل أخبار تلك الأحداث.” وتم هضم حق المواطنين للوصول للمعلومة في هذا الملف.


“ثقب في جدار التعتيم”، ضمنته تغطية قناة “الحوار التونسي”، والتي التقطت صورًا سرية بثتها عبر قناة “أركواريس الإيطالية”، وعبر قناة “فرنسا 3 الفرنسية”. رغم ضمان صحفيي القناة لجزء بسيط من المعلومات حول ما يحدث في تلك المنطقة، إلا أنه “الفاهم بوكدوس”، وهو أحد صحفييها، واجه تهمة تكوين عصابة مفسدين، لأنه “قام بتغطية حركة الاحتجاجات في الحوض المنجمي بمحافظة قفصة”، وأودع السجن نتيجة لذلك.
بدأ ظهور “عمار 404”، وهو “اسم ابتدعه المدونون التونسيون للرقابة التي تفرضها الحكومة على المواقع الإخبارية والسياسية المعارضة وعلى العشرات من المدونات.” (دبارة 2010). وقد أدت هاته التسمية الواضحة إلى مطالبة احتجاجية دعا إليها عدد من الناشطين والمدونين، في ماي/مايو 2010، إلا أن المطلب الرسمي الذي أودعه “سليم عمامو، وياسين العياري”، لدى وزارة الداخلية، لتنظيم هاته المظاهرة أمام وزارة الاتصال آنذاك، أدى إلى اعتقالهما (كلمة 2010)، وهو ما أدى إلى تنظيم وقفة احتجاجية لدعمها في باريس، وللتنديد بحجب المعلومات في تونس، في 22 ماي 2010 (manif22mai 2010). كل تلك الأحداث سرعت من النسق الاحتجاجي المرتبط بالحراك الاجتماعي، وسلّطنا الضوء على الخطر الحقيقي الذي يجابه حرية التعبير بشكل مباشر، والحق في المعلومة كنتيجة لذلك في تونس.


كان نشر الوثائق المسربة عبر موقع ويكيليكس بمثابة آخر مسمار يدق في نعش محاولة الدولة التونسية التحكم في المعلومات التي يتداولها المواطنون، حيث وفّرت قدرًا هائلًا من المعلومات التي سلطت ضوءًا ساطعًا على حقيقة الفساد في تونس، وأوجه استغلال أصهار بن علي للنفوذ، وقرارات أخرى لم يكن الرأي العام على اطلاع بها (الحوار 2010). ساهم موقع نواة في نشر هاته المعلومات للعموم بتاريخ 28 نوفمبر 2010 (Nawaat 2010)، بضع أيام قبل اندلاع الشرارة الرمزية للثورة التونسية في سيدي بوزيد.
إن الثورة في حد ذاتها اندلعت نتيجة نفاذ إلى معلومات متعلقة بالاحتجاجات التي اندلعت في سيدي بوزيد بعد و التي قامت نواة بنشر تسجيلات فيديو توثق المظاهرات والمواجهات مع قوات الأمن بتاريخ 18 ديسمبر 2010 (نواة 2010). ساهم تداول تلك المعلومات في انتقال عدوى الاحتجاجات إلى العديد من الجهات الأخرى، ليساهم المواطنون بتوثيقهم للأحداث في ضمان تغطية دولية للمواجهات ولسقوط الضحايا.


كان لهروب بن علي، الرئيس التونسي المخلوع، قيمة رمزية في إعلان نجاح الثورة، إلا أن هذا الإعلان لم تصاحبه مطالبة واضحة ومباشرة بضمان الحق في المعلومة كمطلب ثوري. ولكن كان لإحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي والتي شملت 155 عضواً من أحزاب ونقابات ومنظمات وجمعيات وممثلين عن الجهات وشخصيات وطنية دورًا هامًا في مأسسة المطالب الثورية في وقت مبكّر (الرائد الرسمي 2011). فقد اقترحت عدة مراسيم ذات علاقة بالصحافة، وهي المرسوم المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، وآخر متعلق بحرية الاتصال ال سمعي والبصري. وإن كان هاذان الأخيران ذوي علاقة بالحق في المعلومة، إلا أن الهيئة لم تقترح إطارًا قانونيًا ينص صراحة على حق الجميع في المعلومة. بل أنه قد تم نقد الهيئة في حد ذاتها على عدم الشفافية، حيث ينص مرسوم إحداثها على سرية مداولاتها (La Louve 2011).
وبالرغم من عدم اقتراح الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي لما يضمن الحق في المعلومة، ورغم غياب الحق في المعلومة في ساحة المطالب الثورية الشعبية، إلا أنه ظهر بسرعة ضمن المراسيم الأولى التي صدرت بضعة أشهر بعد الثورة، أي في المرسوم 41 لسنة 2011 المتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية.


يبقى النفاذ إلى المعلومة أحد رموز فشل تحقيق بعض أهداف الثورة، فحقيقة القناصة خلال أيام الثورة لم تظهر، وظهرت بوادر التكتم عليها جلية بعد أشهر قليلة من الثورة (العبيدي 2011) ، وبقي أرشيف وزارة الداخلية لغزًا منيعًا أيضًا رغم الانتقال الديمقراطي. فرغم صدور المرسوم عدد 8 لسنة 2011 المؤرخ في 18 فيفري/فبراير 2011، والمتعلق بإحداث اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق في التجاوزات المسجلة خلال الفترة الممتدة من 17 ديسمبر 2010 إلى حين زوال موجبها، إلا أن قائمة شهداء وجرحى الثورة لم تنشر بعد إلى حد خط هاته الكلمات. بالرغم انه كان بإمكان هاته اللجنة “الاطلاع على جميع الوثائق الإدارية أو الخاصة”، بموجب نص المرسوم المحدث على “النفاذ إلى المعلومات”، وهو أول إطار قانوني يصدر بعد الثورة بلور الحق في هاته الكلمات، وإن كان في إطار ضيق، حيث “تكتسي أعمال اللجنة [...] ومداولاتها طابعاً سريًا”، إلا أن المرسوم أجاز تقديم رئيس اللجنة لمعلومات للعموم بنفسه حالة تقدم أشغال اللجنة.
كما كان لوصول بعض الأوجه الشبابية للسلطة مثل سليم عمامو، أثرًا على الحق في المعلومة وشعبيته. فرغم قصر فترة انتمائه للفريق الحكومي، إلا أنه كان قد أشتهر بـتغريداته من المجالس الوزارية (الحسناوي 2011) ، مما كسر حاجز السرية المعروف عن أجهزة الدولة وطرق أخذها للقرار.
كما نتج عن إصدار مرسوم الجمعيات والمرسوم المتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية دفعة هامة باتجاه تفعيل الحق في المعلومة، وإن كانت عفوية. فقد كان في تفجر عدد الجمعيات تنويع في المتدخلين المدنيين، خاصة المرسوم الخاص بالجمعيات الذي كان بمثابة حاضنة مهمة لتكوين جمعيات تونسية قادت على مستوى وطني ومحلي مسار بلورة الحق في المعلومة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.


من أبرز الحملات التي مهّدت إلى تبلور الحق في المعلومة حملة “حِلْ”، أي افتح باللهجة التونسية، والتي تم إطلاقها في 5 جانفي/يناير سنة 2012 للضغط من أجل شفافية المجلس الوطني التأسيسي، بناًء على مبادئ الحوكمة المفتوحة (MK 2012). بمشاركة عدد من الجمعيات التونسية، وتبنّاها عدد من النواب المؤسسين صلب المجلس التشريعي، لتتكوّن حركة الحوكمة المفتوحة في تونس. تطوّرت مطالب هاته الحملة من البث المباشر لأعمال المجلس على التلفزة الوطنية، إلى المطالبة بإدراج مبادئ الشفافية في النظام الداخلي المنظم لعمل المجلس، وعلنية لجان المجلس، وقد نجحت في ذلك. تمّ تنظيم حملة ثانية في أكتوبر من نفس السنة، تدعى “حل عينيك”، أو افتح عينيك باللغة التونسية، لمطالبة المجلس الوطني التأسيسي بتطبيق ما التزم به في نظامه الداخلي من مبادئ الشفافية، وتطبيق مبادئ المرسوم المتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية (MK 2012).


وتكوّنت جمعيات تونسية مختصة بالشفافية والنفاذ إلى المعلومة، سواء بشكل عام، أو في هياكل معيّنة في الدولة. مستخدمة الانترنت وواقع التواصل الاجتماعي والاساليب والتطبيقات الحديثة في مجال النشر الاكتروني، ومن هاته الجمعيات جمعية “البوصلة”، والتي أُحدثت في أوائل سنة 2012، وركزت في بداية نشاطها على الشفافية في المجلس الوطني التأسيسي. كما قامت “البوصلة” وبالتعاون من جمعية “نواة” ومواطنين آخرين، برفع قضية بالمجلس الوطني التأسيسي، بناًء على المرسوم المتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية، بتاريخ 29 أوت/أغسطس 2012 (Nawaat 2012)، وذلك لعدم نشر المجلس لتفاصيل التصويت على القوانين، وقائمات الحضور والغياب، وتقارير اللجان منذ إرساء المجلس في 23 أكتوبر 2011. وأصدرت المحكمة الإدارية حكمها في 10 جوان/يونية 2015، بقبول الدعوة شكلًا وأصلًا، وإلغاء قرار المجلس الوطني التأسيسي برفض نشر ما تم طلبه من قبل الأطراف المطالبة (بن رجب 2015).
قامت أيضاً جمعية “توانسة” ببعث موقع الكتروني في جويلية من سنة 2013، يدعى “مرسوم 41”، متعلق بتلقي مطالب النفاذ إلى الوثائق الإدارية، وقد ساهم آنذاك في تقييم استجابة الإدارية التونسية للمرسوم 41 المتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية (الصباح 2013).

على مستوى الحراك المحلي من أجل الحصول على المعلومة وتوفيرها وضعت بلدية صيادة من ولاية المنستير حجر الأساس للشفافية في البلديات، حيث قامت بإطلاق موقع الكتروني متاح للجميع بتاريخ 15 مارس 2012، حيث تم توفير معلومات حول ميزانية البلدية، والمشاريع وكلفتها وغيرها (Barraud 2012). بنت جمعيات أخرى مبادرات تشجّع على الوصول إلى المعلومة على المستوى المحلي، حيث أطلقت جمعية البوصلة مشروع مرصد بلدية سنة 2014، والذي يقوم بطلب معلومات محددة من كافة بلديات الجمهورية، وينشرها على موقعه baladia.marsad.tn.
تم إدراج الحق في المعلومة في الدستور التونسي والمصادقة عليه بتاريخ 6 جانفي من سنة 2014، وبهذا تمت دسترة الحق. وتمت بعدها المصادقة على القانون المتعلق بالحق في المعلومة في مارس 2016.
السياسة العامة

تضبط السياسة العامة للحق في المعلومة أطر قانونية بمختلف درجاتها، ابتداًء من الدستور التونسي، إلى مختلف المعاهدات الممضى عليها، إلى القانون الأساسي منه والعادي، فالأوامر والقرارات الترتيبية. من أهم الملاحظات التي تصف الوعاء القانوني للحق في المعلومة في تونس، هي وجود قوانين تؤثر بشكل غير مباشر في هذا الحق ومدى تطبيقه، جلّها يسبق دستور 2014، عمرًا وتطبيقًا. 

أولا: في الدستور

دستور سنة 1861

يمثّل دستور سنة 1861 أول دستور للدولة التونسية، وبالرغممن انه ينصّ صراحة على الحق في المعلومة أو النفاذ إليها، إلا أنه يمكن إيجاد بوادر ضمان الحق للوصول إلى معلومات معيّنة.

الفصل 2 من الباب الثاني عشر: "جميع رعايانا على اختلاف الأديان لهم الحق في الوقوف على دوام إجراء قانون المملكة وسائر القوانين والأحكام الصادرة من الملك على مقتضى القوانين ولهم معرفتها بلا حجر ولا منع والشكاية للمجلس الأكبر من عدم إجرائها وفو في غير حق الشاكي."

قد يأتي هذا الفصل كامتداد طبيعي للرائد التونسي، أو الجريدة الرسمية للبلاد التونسية، التي يتم فيها نشر النصوص الرسمية، تشريعية أو ترتيبية، والذي صدر أول عدد له في 22 جويلية 1860.

دستور سنة 1959

لم ينصّ دستور سنة 1959 صراحة على الحق في المعلومة أو النفاذ إليها، إلا أنه نصّ على حقوق تمهّد إليها.

الفصل 8: "حرية الفكر والتعبير والصحافة والنشر والاجتماع وتأسيس الجمعيات مضمونة وتمارس حسبما يضبطه القانون."

وقد نصّ هذا الفصل على التعبير والصحافة والنشر، وهما مصادر للمعلومة لا تقيّد بالضرورة الدولة أو تجبرها في توفير المعلومة من ناحيتها، وإن كان بإمكان لهذا التنصيص أن يحفظ بعض مصادر المعلومة من المصادر الصحافية مثلًا. 

الفصل 9: "حرمة المسكن وسرية المراسلة وحماية المعطيات الشخصية مضمونة إلا في الحالات الاستثنائية التي يضبطها القانون."

تم إدراج هذا الفصل في تنقيح الدستور سنة 2001، وهو يحدّ الوصول إلى المعلومة ذات الطابع الشخصي، ويضبط ذلك بقانون. مازال القانون الذي يفعّل حماية المعطيات الشخصية مثلًا، ساري المفعول.

الفصل 52:  "يختم رئيس الجمهورية القوانين الدستورية والأساسية والعادية ويسهر على نشرها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية في أجل لا يتجاوز خمسة عشر يومًا ابتداء من بلوغها إليه من طرق رئيس مجلس النواب."

ينص هذا الفصل على نشر القوانين في الرائد الرسمي، وضبط ذلك بآجال محددة، ضمانة للحق في الوصول إلى هاته القوانين، لأن الرائد الرسمي وثيقة متاحة للعامة. وتجدر مقارنة هذا التنصيص، بغيابه في كل ما يخصّ السلطة الترتيبية، فلا تنصيص على وجوب نشر الأوامر، أو القرارات، أو المناشير. 

دستور سنة 2014

تمّت المصادقة على الدستور التونسي في 26 جانفي/يناير من سنة 2014، بعد فترة امتدت من الانتخابات التأسيسية في 23 أكتوبر من سنة 2011، شهدت خلالها البلاد أحداثًا لن تمحى من الذاكرة الشعبية، ولازالت تشوبها العديد من التساؤلات. ينص الدستور على عدد من الحقوق والمبادئ التي تحمي الحق في المعلومة.

الفصل 32: "تضمن الدولة الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة. تسعى الدولة إلى ضمان الحق في النفاذ إلى شبكات الاتصال."

بجانب النصّ على ضمان الدولة للحق في المعلومة صراحة، وضمه إلى الحق في الإعلام، أدرج معه الحق في الوصول إلى شبكات الاتصال. والحق في المعلومة لا يمكن عزله عن الإعلام وعن التكنولوجيا، وأنهما مترابطان يكمل أحدهما الآخر. تمّ اقتراح عدة تغييرات على هذا الفصل خلال عملية التصويت، منها اقتراح حدود للحق في المعلومة، "في حدود عدم المساس بالأمن الوطني وبالحقوق المضمنة في الدستور"، وقد قُبل التعديل في مرحلة أولية، لكن تم التخلي عنه لاحقًا، لشمولية الفصل 49 المذكور لاحقًا. تمّ أيضًا اقتراح ضمان الدولة لحيادية الانترنت في نفس الفصل، إلا أنه لم يتم قبول هذا الفصل.

تمّ التصويت على الصيغة النهائية لهذا الفصل بتاريخ 21 جانفي 2014، وقد تحصّل على 172 صوت مؤيد، واحتفظ 10 نواب عليه، بينما صوّت 5 ضده.

وقد مكّن التنصيص على الحق في المعلومة صراحة في الدستور الارتكاز عليه خلال مناقشة القانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة لاحقًا من قبل المجتمع المدني، والمطالبة بحماية هذا الحق في قوانين أخرى، كمجلة الجماعات المحلية، وغيرها.

الفقرة الثالثة من الفصل 10: "تحرص الدولة على حسن التصرف في المال العمومي وتتخذ التدابير اللازمة لصرفه حسب أولويات الاقتصاد الوطني وتعمل على منع الفساد وكل ما من شأنه المساس بالسيادة الوطنية."

ينصّ الدستور التونسي صراحة على منع الفساد في نفس سياق أداء الضريبة وحسن التصرف في المال العمومي، تم النصيص على هذا منذ الصيغة الأولى للدستور المصادق عليها، إلا أنه تم تعديل الصياغة عدة مرات ليتم الإرساء على هاته، والتصويت عليها بتاريخ 20 جانفي/يناير 2014، وقد حظي ب120 صوت معه، 42 ضده، و11 محتفظ.

الفصل 15: "الإدارة العمومية في خدمة المواطن والصالح العام. تنظّم وتعمل وفق مبادئ الحياد واستمرارية المرفق العام، ووفق قواعد الشفافية والنزاهة والنجاعة والمساءلة."

إن في هذا الفصل تحدّ واضح لواقع الإدارة التونسية، والتي كانت تعرف بسرية تعاملاتها وصعوبة الوصول إلى المعلومات التي تمتلكها. كما وضع هذا الفصل الشفافية كحالة توصف بها الإدارة، إلى جانب المساءلة، وهي ما يقوم به المواطن عن تحصله على المعلومة.

لم تطرأ العديد من التغييرات على صياغة هذا الفصل، وتم التصويت عليه بتاريخ 4 جانفي 2014، وتحصّل على 175 صوت مؤيد، 6 أصوات ضده، و3 أصوات محتفظة

الفصل 31: "حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة. لا يجوز ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات."

ينصّ هذا الفصل على عدد من الحريات المتعلقة بممارسات تمسّ من الحق في المعلومة بشكل عام، لا تلك التي توفرها الدولة فقط، أو التي يطلبها المواطن بالضرورة، سواء لتوفيرها كالنشر والإعلام، أو إنتاجها، كالرأي والفكر والتعبير. تجدر الإشارة إلى أن الإشارة إلى الإعلام تتم كحرية في هذا الفصل، وكحق في الفصل 32. تمت محاولة تعديل هذا النص بإضافة تحريم المساس بالمقدسات وهي الذات الإلهية والقرآن الكريم والرسول الأكرم، إلا أنه تمّ التخلي عن هذا التعديل، وتمّ التصويت على الفصل بتاريخ 6 جانفي/يناير 2014، وقد تحصّل على 173 صوت مع، و9 أصوات محتفظة.

الفقرة الأولى من الفصل 24: "تحمي الدولة الحياة الخاصة، وحرمة المسكن، وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية."

يحمي التنصيص على سرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية المواطنين من اختراق تفاصيل حياتهم الشخصية. إلا أن تأويل هذا التنصيص بمنأى عن بقية الحقوق التي يضبطها الدستور قد يجعل منظومة الحقوق والحريات مختلة، فقد يتضارب هذا الحق والحق في ضمان شفافية الإدارة مثلًا، إذا تعلقت المعلومة بتفاصيل الموظف، فيؤثر رسم حدود الحياة الخاصة على حدود الشفافية.

تمّ التصويت على هذا الفصل في 6 جانفي 2014 بإجماع شبه تام من الحضور، حيث صوّت 157 نائب مع هذا الفصل، واحتفظ نائب وحيد.

الفصل 49: "يحدد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها. وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك.

لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور."

يحمي هذا الفصل الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور، حيث يجعل كل ضابط لها محددًا بقانون، ولا يجعل ضبطها مطلقًا، بل لأهداف معينة وبطريقة متناسبة. تم الاستناد على هذا الفصل للطعن في دستورية مشاريع قوانين مسّت من جوهر الحريات والحقوق، مما يشكل ضمانة أيضًا للحق في المعلومة أيضًا. لم يتم تغيير صياغة هذا الفصل خلال نقاش الدستور، بل تمّ التصويت عليه مرة واحدة في 9 جانفي 2014، وقد صوّت 164 نائب معه، 5 ضده، واحتفظ 6 نواب.

الفصل 81: "يختم رئيس الجمهورية القوانين ويأذن بنشرها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية في أجل لا يتجاوز أربعة أيام [...]."

يضمن هذا الفصل نشر القوانين في الرائد الرسمي، فينفذ إليها العموم. تمّ تعديل هذا الفصل عدة مرات قبل التصويت عليه بشكله النهائي، وقد شملت التغييرات تنقيح المدة المحددة لختم رئيس الجمهورية القوانين، فقد كانت الصيغة الأولى مشابهة لما نص عليه دستور 1959، إلى أن تم تخفيض الأجل من 15 يوماً إلى أربعة أيام. تمّ التصويت على الصيغة النهائية يوم 23 جانفي/يناير 2014، حيث صوّت 163 نواب مع الفصل، 3 ضده، واحتفظ 11 نائب بصوتهم.

 

أخيرًا تكمن الأهمية التقليدية للتنصيص على الحقوق في الدستور، في علويّته، إلا أن إمكانية ضمان هاته الحقوق يقتصر بشكل مباشر على وجود الهياكل الضامنة لذلك، أهمها المحكمة الدستورية. في ظل تعثّر إرساء هاته المحكمة إلى غاية خط هاته الكلمات، لا يمكن ضمان هاته الحقوق تقنيًا إلا في مشاريع القوانين التي تمّ التصويت عليها بعد المصادقة على الدستور، حيث تنظر الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين لمدى استجابة مشاريع القوانين لأحكام الدستور، في حالة تقديم طعن في ذلك، قبل أن يمضي عليها رئيس الجمهورية وتصبح نافذة.

سيسمح إرساء المحكمة الدستورية بإمكانية ضمان هاته الحقوق في القوانين المُطبّقة عن طريق الدفع بعدم دستورية أحكام قانون ما في حالة التقاضي، وأيضًا عند نظرها وجوبًا في النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب، والذي يجب أن يضمن الحق في المعلومة والإعلام والتعبير، وغيرها من أحكام الدستور. يحدد الفصل 120 من الدستور جلّ مهام المحكمة الدستورية.

 

ثانيا: المراسيم والقوانين

يستحسن تقسيم القوانين والمراسيم إلى ترسانة تنصّ صراحة على الحق في المعلومة، وأخرى تؤثر عليها بشكل مباشر أو غيره. يسهّل هذا التقسيم تسليط الضوء على الفرص والمخاطر التي من شأنها أن تحدّد شكل الحق في المعلومة عند التطبيق. 

القوانين ذات التنصيص الصريح

مرسوم عدد 41 لسنة 2011 مؤرخ في 26 ماي/مايو 2011 يتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية للهياكل العمومية

تمّ إصدار هذا المرسوم تحت حكومة الباجي قائد السبسي، بإمضاء الوزير المؤقت فؤاد المبزّع، قبل تنظيم الانتخابات التأسيسية في أكتوبر 2011. نصّ المرسوم على النفاذ إلى الوثائق الإدارية، وليس المعلومة بشكل عام، عن طريق النشر الآلي من قبل الهياكل العمومية، أو طلب أي شخص طبيعي أو معنوي لها. وضّح المرسوم المعلومات التي يجب على كل هيكل عمومي نشرها تلقائيًا في الفصلين 4 و5، ووضح طريقة طلب المعلومات من الفصل 7 إلى الفصل 19.

تمّ تنقيح هذا المرسوم بعد أقل من أسبوعين من إصداره، عن طريق المرسوم عدد 54 المؤرخ في 11 جوان/يونيو 2011. شمل التنقيح تغيرين مهمّين: إضافة أجل سنتين للهياكل العمومية لتلاؤمها مع أحكام المرسوم، والتنصيص على وجوب نشرها لتقارير حول مدى تقدّم الإجراءات المعتمدة لحسن تطبيق المرسوم على موقعها الالكتروني. 

جاء نصّ هذا المرسوم نتيجة تأثير خارجي، من البنك الدولي خاصة، وتمت صياغته ضمن لجنة في الوزارة الأولى.

وقد مثّل هذا المرسوم القاعدة الأساسية للضمان القانوني للحق في المعلومة قبل التنصيص عليه في الدستور التونسي. وهو ما استندت عليه العديد من الحملات التي تمّ ذكرها آنفًا، وما استند عليه المجتمع المدني في مطالبته للنفاذ إلى معلومات حول ذات علاقة بالشأن العام الوطني، كأعمال المجلس الوطني التأسيسي، وعلى مستوى محلي، في البلديات.

من أهم نقائص هذا المرسوم أنه حدّد النفاذ إلى الوثائق وليس المعلومة بشكل عام، مما يفترض معرفة طالب المعلومة باسم الوثيقة التي تضمنها المعلومة. أما على مستوى تطبيق المرسوم فهناك بطء لعمل المحكمة الإدارية، وهو إن كان نقيصة لا تُحسب على المرسوم بشكل مباشر، إلا أنها أثرت على ضمان هذا الحق.

 

قانون أساسي عدد 22 لسنة 2016 مؤرخ في 24 مارس 2016 يتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة

تمّت المصادقة على القانون المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة في جلسة عامة صلب مجلس نواب الشعب في جلسة عامة بتاريخ 11 مارس من سنة 2016، حيث صوّت 121 نائب مع القانون، واحتفظ نائب وحيد. جاءت المبادرة التشريعية من قبل حكومة المهدي جمعة، بتاريخ 18 أوت/أغسطس من سنة 2014، وتمّت إحالة مشروع القانون على لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية، على أن تعدّ لجنة التشريع العام تقريرًا كتابيًا أيضًا. مرّ القانون بعدة عثرات، أهمّها سحبه من قبل الجهة المبادرة ثم إعادة إدراجه.

يفتتح القانون تنصيص الهدف منه، وهو "ضمان حق كل شخص طبيعي أو معنوي في النفاذ إلى المعلومة"، لأغراض أولها "الحصول على المعلومة"، ثم للشفافية والمساءلة، وتحسين جودة المرفق العمومي، ودعم مشاركة العموم في السياسات العمومية في كافة مراحلها، ودعم البحث العلمي. إن التنصيص على كافة الأغراض السابقة يضمن الحصول على المعلومة من أجل المعلومة، أي دون تبرير ملزم للحصول عليها، ولكنّه يضع المعلومة في سياق أوسع يشمل عدّة مبادئ دستورية، منها التشاركية والبحث العلمي وجودة المرفق العمومي.

عرّف القانون مفهومي المعلومة والنفاذ إلى المعلومة في الفصل الثالث.

  • المعلومة: كل معلومة مدونة مهما كان تاريخها أو شكلها أو وعاؤها والتي تنتجها أو تتحصل عليها الهياكل الخاضعة لأحكام هذا القانون في إطار ممارسة نشاطها.
  • النفاذ إلى المعلومة: نشر المعلومة بمبادرة من الهيكل المعني والحق في الحصول عليها بطلب.

ضبط هذان التعريفان حدود واسعة للمعلومة - يكفي أن تكون مدوّنة، ووضع وسيلتي النفاذ - النشر والطلب - على نفس كفة المسؤولية. كما ضبط القانون الهياكل التي ينطبق عليها، فلم يقتصر تطبيقه على هياكل الدولة، بل كذلك "أشخاص القانون الخاص التي تسيّر مرفقًا عامًا"، و"المنظمات والجمعيات وكل الهياكل التي تنتفع بتمويل عمومي."

تطرّق القانون أولًا إلى "واجب نشر المعلومة بمبادرة من الهيكل المعني"، حيث وضع قائمة من المعلومات التي يجب أن يتمّ نشرها وتحيينها ووضعها على ذمة العموم، وهي قائمة تتأرجح بين ما هو عام، "السياسات والبرامج التي تهم العموم" على سبيل المثال، وما هو واضح ودقيق، ك "الصفقات العمومية المبرمجة والمصادق على ميزانيتها والتي يعتزم الهيكل إبرامها ونتائج تنفيذها".

ينص القانون صراحة على وجوب نشر قائمة من المعلومات في "شكل قابل للاستعمال"، وهي نقلة نوعية مقارنة بالمرسوم 41 المذكور آنفًا، إلا أن في الفصل 7 من القانون انتقاص من هذا الحق، حيث ينصّ المشرّع على "مراعات الإمكانيات المتاحة للهياكل" قبل تنصيصه على وجوب نشر المعلومات على موقع الكتروني "وتحيينها على الأقل مرة كل ثلاثة أشهر وعند كلّ تغيير يطرأ عليها." كما أتى القانون بسابقة مهمة في فصله الثامن، حيث نصّ على نشر الهياكل الخاضعة لأحكامه للمعلومات التي تمّ طلبها مرتين على الأقل، بمبادرة منها. إن نقائص القانون المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة قد تبدو تقنية، لا في التوجه الواضح لحماية هذا الحق. تقول هاجر الطرابلسي أن الآجال المتوفرة للهيئة للبت في الطعون قصيرة جدًا، مما يضع ضغطًا كبيرًا على المجلس الذي لا يتفرّغ كل أعضائه للعمل صلب الهيئة (الطرابلسي 2018). تقول أيضًا أن تركيبة مجلس الهيئة تطغو عليها تمثيلية الإدارة، والتي هي الخصم الذي يلتجئ المواطن بسببه إلى الهيئة.

 

أما في "النفاذ إلى المعلومة بمطلب"، فقد تمّ توضيح هاته الآلية بدقة، بدءًا بالإجراءات، فالردّ، فالمعاليم المستوجبة، فالاستثناءات، ثمّ الطعن في قرارات الهيكل الذي طُلبت منه المعلومة. يمكن تقديم الطلب استناداً على نموذج*، أو كتابيًا في نصّ يتضمن المعلومات التي ينصّ عليها القانون. ينصّ القانون على وجوب تقديم المساعدة لطالب المعلومة "في حالة العجز أو عدم القدرة على القراءة والكتابة" أو في حالة فقدان حاسة السمع والبصر. كما تعدّدت طرق الإيداع الممكنة حسب القانون، إما مباشرة في الهيكل، أو عن طريق البريد أو الفاكس أو البريد الالكتروني. ويؤكد القانون أن من يطلب المعلومة غير ملزم بذكر السبب وراء طلبه أو المصلحة المرجوة من الحصول على المعلومة. وتتوفر عدة أوجه للحصول على المعلومة، حسب النص القانوني: اطلاع على عين المكان، أو الحصول على نسخة ورقية أو الكترونية، أو مقتطفات منها.

فصّل القانون آجال الاستجابة إلى مطلب النفاذ إلى المعلومة حسب الرسم البياني المتوفر في دليل النفاذ إلى المعلومة (هيئة النفاذ إلى المعلومة 2019):

كما يختصر القانون آجال الرد التي يتعيّن على الهيكل احترامها إن كان للمطلب "تأثير على حياة شخص أو حريته"، حيث يتوجب على الهيكل أن يستجيب فورًا دون أن يتجاوز الثمان وأربعين ساعة، وأن يعلّل رفضه إن رفض. كما يمكّن القانون الهيكل من تمديد الآجال بعشرة أيام على أن يُعلم طالب المعلومة.

ينص القانون على أن للجميع الحق في المعلومة بصفة مجانية، إلا أنه يمكن مطالبة طالبها بمبلغ مالي لا يتجاوز المصاريف الحقيقية لتوفيرها.

يعدد القانون عدة استثناءات للحق في المعلومة قد تعلل رفض طلب النفاذ إليها، وهي المعلومة التي قد يؤدي مدّها إلى "إلحاق ضرر بالأمن العام أو بالدفاع الوطني أو بالعلاقات الدولية فيما يتصل بهما أو بحقوق الغير في حماية حياته الخاصة ومعطياته الشخصية وملكيته الفكرية." رغم وجود هاته الاستثناءات، إلا أن الحق في المعلومة يبقى هو المبدأ لأن الاستثناءات غير مطلقة، وتنتهي بزوال أسبابها، ويضمن هذا تقدير الضرر والمصلحة العامة، حيث يتم الأخذ بعين الاعتبار "التناسب بين المصالح المراد حمايتها والغاية من مطلب النفاذ"، ولعلّها الموضع الوحيد الذي تؤثر فيه الغاية من المعلومة على إمكانية الحصول عليها. رغم تشديد القانون على حماية هويات المبلغين عن الفساد بشكل مطلق، إلا أنه يؤكد على أن الاستثناءات غير مطلقة في حالات متعلقة بأسباب معينة، كالنفاذ إلى معلومات ضرورية لكشف انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان أو جرائم الحرب، وعندما تغلب المصلحة العامة لتهديد للصحة أو السالمة أو المحيط أو بعد حدوث فعل إجرامي. 

يمكن لطالب المعلومة أن يعترض على القرار المتّخذ بخصوص مطلبه، وهو ليس الرفض فقط، بل عدم توفير المعلومة كاملة أو بالطريقة التي تم التنصيص عليها، أو عدم الاستجابة في الآجال، والذي يعتبر رفضًا ضمنيًا. ويمكن الاعتراض عن طريق اللجوء إلى إحدى طريقتين: إما لدى الهيكل عن طريق تظلّم يرسل إليه، وتضبطه آجال معينة، أو الطعن في ما قرّره الهيكل مباشرة لدى هيئة قضائية مختصة، تدعى هيئة النفاذ إلى المعلومة، تُذكر لاحقًا بالتفصيل، ويعتبر رفض الهيكل للاستجابة للتظلم رفضًا ضمنيًا، يعترض عليه طالب المعلومة لدى الهيئة المذكورة عن طريق الطعن أيضًا. ولضمان التقاضي على درجتين، يمكن الطعن في قرار الهيئة استئنافيًا أمام المحكمة الإدارية.

خصّص القانون عقوبات لمن يتعمّد تعطيل النفاذ إلى المعلومة، أو من يتلف معلومة بصفة غير قانونية، أو يحمّل غيره على الإتلاف. وتأتي هاته العقوبات إضافة إلى ما يترتب عليه عدم احترام عون عمومي لأحكام القانون الأخرى، حسب قانون الوظيفة العمومية، والذي يتم ذكره لاحقًا.

لتطبيق الإجراءات الضامنة للمعلومة، سواء لنشرها تلقائياً أو توفيرها عند الطلب، يقترح القانون إحداث هيئة النفاذ إلى المعلومة، وإمكانية إحداث هيكل داخلي صلب الهياكل المعنية بالقانون لتنظيم الأنشطة المتعلقة بالنفاذ إلى المعلومة، يرأسه المكلف بالنفاذ. 

هيئة النفاذ إلى المعلومة

نص القانون على إحداث هيئة عمومية مستقلة، لها الشخصية المعنوية، لها صلاحيات تخول لها القيام بهامها ذات العلاقة بالنفاذ إلى المعلومة. ويسيّر الهيئة مجلس يؤثثه تسعة أعضاء منتخبون من قبل مجلس نواب الشعب، على أن يكون منهم قاض إداري، وعدلي، ومحام، ومختص في الإحصاء، ومختص في الوثائق الإدارية والأرشيف، ومختص في تكنولوجيا المعلومات، وممثل عن الهيئة الوطنية لحماية المعلومات، وممثل عن المجتمع المدني، وصحفي.

من أهم صلاحيات الهيئة البت في الدعاوي التي يرفعها طالبوا المعلومة اعتراضاً على قرارات الهياكل التي تم طلب المعلومة منها. يخوّل القانون الهيئة من التحري على عين المكان عند الحاجة، والتحقيق مع من قد يساعدها على الحكم في القضية محل النظر. تُعلم الهيئة طالب المعلومة والهيكل المعني بقراراتها، وتنشرها على موقعها الالكتروني الخاص، وتتابع تطبيقها وتوفير المعلومة المطلوبة. أما فيم يخص النشر التلقائي للمعلومة، فمن مهام الهيئة أن تتابع التزام الهياكل التي يشملها القانون بتوفير المعلومات المنصوص عليها في النص التشريعي. وتتدخّل الهيئة في الحق في المعلومة بشكل عام في كل ما يخص الأطر القانونية الأخرى عن طريق إبدائها لرأيها وجوباً في المبادرات التشريعية ذات العلاقة بهذا الحق، أو عن طريق نشر ثقافة الحق في المعلومة بالتعاون مع الفاعلين من هياكل يشملها القانون ومجتمع مدني. للهيئة دور تقيمي ينص على دوريته القانون، لتسليط الضوء على مدى التزام الهياكل المعنية بتطبيقه. يجب على هيئة النفاذ إلى المعلومة أن تعد تقريراً سنوياً يقدّم معلومات حول الحق في المعلومة، وتوصيات واقتراحات لمزيد تكريسه، ويرفع للرئاسات الثلاث وينشر. 

ينظّم القانون سير عمل الهيئة، وقد بدأت أول هيئة بالعمل منذ أواخر سنة 2017، ويتم التطرق إلى إرسائها وعملها في أجزاء لاحقة في الدراسة.

المكلف بالنفاذ إلى المعلومة

يفرض هذا القانون على كل الهياكل الخاضعة له أن تعيّن شخصاً مسؤولًا عن الحق في المعلومة، وهو ما يشار إليه ب “المكلف بالنفاذ إلى المعلومة"، وأن يتم تحديد نائب له، وأن يتم إعلام العموم بهويتهما على الموقع الالكتروني، وهيئة النفاذ إلى المعلومة. ولا تقتصر على الاستجابة إلى المطالب التي ترد على الهيكل، بل أيضًا أن يكون همزة وصل بين الهيكل وهيئة النفاذ إلى المعلومة، وأن يعدّ خطة تحسّن من الحق في المعلومة في الهيكل الذي ينتمي إليه.

القانون عدد 29 لسنة 2018 مؤرخ في 9 ماي/مايو 2018 يتعلق بمجلة الجماعات المحلية

رغم تخصّص القانون المتعلق بمجلة الجماعات المحلية بتطبيق الباب السابع من الدستور التونسي، والذي يعنى بأحكام السلطة المحلية ومبادئ اللامركزية، إلا أنه تطرّق في عده فصول منه إلى الحق في المعلومة. لم يقتصر تنصيص هذا القانون على التزام هياكل السلطة المحلية الثلاث، من بلديات وجهات وأقاليم، أو ما يعرف بالجماعات المحلية، بالتشريع المنظم للنفاذ إلى المعلومة فقط، بل خصص حيّزًا للحكومة المفتوحة، وقد جاورت الديمقراطية التشاركية. جاء التزام هذا القانون بتوفير المعلومة عن طريق ذكر وسائل توثيق عملية أخذ القرار في المجالس المنتخبة، أي المحاضر، ولكن أيضاً بفتح جلسات أخذ القرار بالتصويت، وجعلها علنية أي مفتوحة للعموم، إلا عند الاستثناء، فيتم التصويت على السرية بطريقة علنية. وينص القانون على وجوب نشر الجماعات المحلية لمشاريع القرارات التي ستتداول فيها قبل انعقاد الجلسات، "بكل الوسائل المتاحة" ومنها مواقعها الالكترونية. يمكّن القانون المواطنين من طرح أسئلة محدّدة حول موارد ونفقات معينة، يتم توجيهها إلى رئيس الجماعة المحلية حسب إجراءات مضبوطة.

تمّ التصويت على مجلة الجماعات المحلية في 26 أفريل/أبريل سنة 2018، حيث صوت معه 147 نائب، واحتفظ 10. شارك العديد من منظمات المجتمع المدني في صياغة هذا القانون، والدفع من أجل الشفافية وتوفير المعلومات حول سير عمل الجماعات المحلية. من أبرز الجمعيات التي ضغطت من أجل تمرير التوصيات الخاصة بالشفافية هي جمعية البوصلة، كلنا تونس، عتيد، والجمعية التونسية للحوكمة المحلية.

القوانين ذات الصلة

تكمن أهمية هاته القوانين في أنها تؤثر بطريقة غير مباشرة على الوصول إلى المعلومة، لكن أيضًا لكونها قد تتغيّر خلال المسار الانتقالي، وفي تغييرها تأثير على واقع الوصول إلى المعلومة في تونس. تعرض القوانين حسب ترتيبها الزمني.

قانون عدد 95 لسنة 1988 مؤرخ في 2 أوت/أغسطس 1988 يتعلق بالأرشيف

يعرّف القانون الأرشيف بأنه "مجموع الوثائق التي أنشأها وتحصل عليها أثناء ممارسة نشاطه كل شخص طبيعي أو معنوي وكل مرفق عمومي أو هيئة عامة أو خاصة مهما كان تاريخ هذه الوثائق وشكلها ووعاؤها". ويخص هذا الوثائق المتعلقة بالدولة وهياكلها، أو الهيئات الخاصة المكلفة بتسيير مرفق عمومي، أو المأمورين العموميين. يسلّم القانون مسؤولية الحفاظ على كلّ الوثائق التي يستعملها كلّ عون يعود بالنظر إلى الهيئات التي ينطبق عليها القانون. ينص القانون على أن يكون لكل هيكل معني به برنامج للتصرف في وثائقه بالتعاون مع الأرشيف الوطني. يقسّم القانون الأرشيف إلى نوعين: (جاري، ووسيط) الجاري: هو ما يتم استعماله باستمرار ممّن أنشأه، والوسيط: هو الوثائق التي انتهى العمل بها. هناك تدابير معيّنة خاصة بتصنيف وإتلاف الأرشيف الجاري، وإجراءات أخرى خاصة بمعالجة وحفظ الأرشيف الوسيط في أماكن مهيئة. تحدد الهياكل المعنية بالقانون جداول خاصة بمدد الاستبقاء بوثائقها، وكل جدول تحدد طريقة إعداده بأمر.

أما الأرشيف النهائي، فيتكون من الوثائق التي تم إقرار حفظها بشكل دائم بعد فرزها، وهي ما يتم تحويله إلى مؤسسة الأرشيف الوطني. يمكن استثناء تحويل بعض الوثائق بأمر حكومي، "لأسباب تتعلق بضرورة الأمن أو بضرورة العمل القصوى". تعنى مؤسسة الأرشيف الوطني بتصنيف الأرشيف النهائي وإعداد وسائل بحث تمكن من الوصول إلى الأرشيف بسهولة.

يضبط القانون آجال الاطلاع على الأرشيف بشكل عام، حيث لا يمكن ذلك إلا بعد انقضاء 30 سنة منذ تاريخ إنشائه – أي منذ أن تم إحداث الوثيقة أو الحصول عليها من قبل هيكل معيّن. إلا أنه يوجد استثناءان يرفعان من هذا الأجل. يرفع هذا الأجل إلى ستين سنة إذا تعلقت الوثائق بمعلومات تمس الحياة الخاصة أو سلامة الوطن، ويضبط أمر حكومي قائمة هاته الوثائق، أو الوثائق التي تجمع في إطار التحقيقات الإحصائية التي تتضمن معلومات عن الأفراد، والوثائق المتعلقة بالقضايا المرفوعة أمام السلطة القضائية. ويرفع الأجل إلى مئة سنة بالنسبة إلى أصول دفاتر العدول والعدول المنفذين ودفاتر الحالة المدنية ودفاتر التسجيل، والوثائق المتضمنة على معلومات فردية ذات طابع طبي وملفات الموظفين. يمكن استثناء وجوب انقضاء الآجال للاطلاع على الأرشيف في حالة البحث العلمي وبعد استشارة الإدارة التي أنشأت الوثائق، دون أن يمس ذلك من سرية الحياة الشخصية أو سلامة الوطن. 

يضبط أمر حكومي شروط وتراتيب الاطلاع على الأرشيف العام من قبل العموم، ويمكن لكل من تم السماح له بالاطلاع على الأرشيف أن يحصل على نسخة أو صور منه على نفقته الخاصة.

كما ينصّ القانون كذلك على أرشيف خاص لا يهم مؤسسات الدولة التي ينطبق عليها الأرشيف العام، بل هو مجموع الوثائق التي أنشأها أي شخص طبيعي أو معنوي آخر، ويهم الصالح العام لأسباب تاريخية، ويتم ذلك عن طريق أمر حكومي. لا يمكن للعموم الاطلاع على الأرشيف الخاص إلا بموافقة المالك. 

وينصّ القانون على أحكام جزائية لكلّ اتلاف للأرشيف على خلاف أحكام القانون، كما ينظّم القانون أمور هامة متعلقة بالوثائق الإدارية، مما يسهّل الولوج إليها عند الحاجة لتصنيفها والتنصيص على الحق في الاطلاع عليها، إلا أن له سلبيات عدة قد تؤثر على هذا الحق. من أهم سلبيات هذا القانون اللجوء إلى الأوامر الحكومة في عدة تفاصيل متعلقة بالمعلومات، كالوثائق التي يتم الإبقاء عليها مثلًا دون اتلاف. إن اللجوء إلى الأوامر الحكومية عوض التوضيح في النص القانوني يفتح إمكانية تغيير قواعد حفظ المعلومات من قبل السلطة التنفيذية، كما أنه يؤثر على تطبيقها في حالة عدم صدور الأمر الحكومي.

قانون أساسي عدد 63 لسنة 2004 في 27 جويلية/يوليو 2004 يتعلق بحماية المعطيات الشخصية

يعرّف هذا القانون المعطيات الشخصية بكونها "كل البيانات مهما كان مصدرها أو شكلها والتي تجعل شخصًا طبيعيًا معرفًا أو قابلًا للتعريف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة باستثناء المعلومات المتصلة بالحياة العامة أو المعتبرة كذلك قانونًا". يضبط هذا القانون استعمال ومعالجة المعطيات الشخصية التي يتم جمعها، ويحدث الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، التي تعنى بمنح التراخيص الخاصة بمعالجة المعطيات الشخصية، وتلقى الشكايات الخاصة بها أيضًا، ضمن مهام أخرى. يحدد القانون أيضًا من له حق النفاذ إلى المعطيات الشخصية الخاصة، أو تغييرها، ويقتصر هذا الحق على المعني بالأمر والورثة وولي أمره.

يسعى هذا القانون إلى حماية المعطيات الشخصية، وهو حق يكفله الدستور كما ذكر آنفًا. إلا أنه من المعطيات التي لا يمكن النفاذ إليها المعلومات المتعلقة بالخصائص الاقتصادية، والذي قد يؤثر على القدرة على مساءلة المتدخلين في الشأن العام، وخاصة في شبهات تضارب المصالح والإثراء غير المشروع. وإن كان القانون يستثني المعلومات المتصلة بالحياة العامة، فإنه لا يحدد معنى ذلك، ويترك مجالًا للتأويل يؤثر على الحق في الوصول إلى المعلومة.

يقوم مجلس نواب الشعب بالعمل على مشروع قانون يعوّض هذا القانون ويستجيب إلى مبادئ دستور 2014.

المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 المؤرخ في 14 نوفمبر 2011 المتعلق بمكافحة الفساد

يمثّل هذا المرسوم الإطاري القانوني الخاص بمكافحة الفساد وإحداث الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، قبل أن يتم تفعيل الهيئة الدستورية التي تعنى بالحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، والمذكورة في القانون الأساسي عدد 59 لسنة 2017، جاء هذا المرسوم بتعريف للفساد، والنزاهة، الشفافية، والمساءلة. بعث أيضًا الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وهي هيئة عمومية مستقلة تقترح سياسات مكافحة الفساد وتتابع تنفيذها، تكشف مواطن الفساد في القطاع العام والخاص، وتتلقى الشكاوى حول حالات الفساد وتحقق فيها وتحيلها إلى القضاء. تجمع هاته الهيئة أيضاً المعطيات ذات صلة بالفساد، وتقوم بإعداد ونشر تقرير سنوي حول نشاطها.

تقوم الهيئة الوطنية بمكافحة الفساد بممارسة كل مهام أخرى أوكلتها قوانين مصادق عليها لهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، إلى أن تُحدث كما ينص الدستور، ومنها حماية المبلغين عن الفساد، واستلام تصاريح المكاسب والمصالح، والتحقيق فيها.

قانون أساسي عدد 59 لسنة 2017 مؤرخ في 24 أوت 2017 يتعلق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد

أتى هذا القانون ليحدث الإطار القانوني الخاص بإحدى الهيئات الدستورية الخمس، وهي هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. صادق مجلس نواب الشعب على هذا القانون بتاريخ 19 جويلية/يوليو من سنة 2017، وقد صادق 119 نائب معه، بينما صوّت عشر نواب ضده، واحتفظ خمسة. إلا أنه لم يدخل حيز النفاذ بعد إلى أن تُلغى أحكام المرسوم الإطاري عدد 120 المذكور أعلاه، أي بعد بدء هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، المنتخبة من قبل مجلس نواب الشعب، علمها، ومباشرتها لمهامها، حسب الأحكام الانتقالية للقانون.

إن صلاحيات هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد المضبوطة في القانون تمثّل القاعدة الأساسية لتمكينها من مكافحة الفساد، وتستند بشكل كبير على الحق في المعلومة، سواء من قبل الهيئة أو من يلجأ إليها. إن الوصول إلى المعلومات، عن طريق ممارسة الحق في النفاذ إليها، أو بأي طريقة أخرى كالتعرض إليها صدفة أو خلال ممارسة العمل بطريقة طبيعية، يمكّن من يشتبه وجود فساد ما أن يبلّغ عنه، حيث تتلقى الهيئة التبليغ عن شبهات أو حالات الفساد (الفصل 18). 

وينصّ القانون أيضًا على حق الهيئة في المعلومة كذلك، أو ما يسميه ب "حق الاطلاع"، حيث يؤكد على وجوب التزام الهياكل العمومية والخاصة والهيئات بمدّها تلقائيًا أو بطلب منها بالمعلومات والوثائق" التي قد تحتوي على معطيات لها علاقة بممارسة الهيئة لمهامها. كما حصّن القانون الهيئة من أي استثناء لوصولها إلى المعلومة، حيث حُجر على أي جهة أن تجابه طلبات الهيئة بالسر المهني أو البنكي أو الجبائي، ومكّن الهيئة من اللجوء إلى القضاء الإداري في حالة الاستثناءات المتعلقة بالحق في المعلومة.

المرسوم عدد 115 لسنة 2011 مؤرخ في 2 نوفمبر 2011 يتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر

مثل المرسوم 41 المذكور آنفًا، مهّد المرسوم عدد 115 للحق الدستوري المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر والتعبير، قبل المصادقة على الدستور التونسي بأكثر من سنتين. وإن كان نصًّا قانونيًا يؤطر ما يتم إصداره من منتوج خارج أطر هياكل الدولة، إلا أنه ينصّ على معلومات يجب أن تنشرها المؤسسات التي تصدر دوريات إخبارية جامعة على أعمدتها: الأشخاص الطبيعيون المالكون، وتنظيم المؤسسة وشكلها ورأس مالها ومقرها وممثلها القانوني والشركاء، واسم المدير المسؤول ومدير التحرير، وعدد النسخ في كلّ إصدار. يحدد المرسوم معلومات أخرى يجب نشرها في النسخة الالكترونية. 

ينصّ هذا المرسوم أيضًا على "النشر الممنوع" والعقوبات المترتبة عليه، لعلّ أهمها فيم يخص الحق في المعلومة ودورها في مكافحة الفساد هو العقاب المتعلق بنشر وثائق التحقيق في جرائم معيّنة قبل تلاوتها في جلسة علنية، أو الظروف المحيطة بالمحاكمات المتعلقة بالجرائم والجنح (المنصوص عليها في الفصل 201 و240 من المجلة الجزائية)، كذلك ينص المرسوم على تحجير "لتناول الإعلامي لأي قضية من قضايا الثلب الخاصة بالحياة الخاصة لشخص ما أو بجريمة انقضت بالعفو أو التقادم، وقضايا ثبوت النسب والطلاق والإجهاض". وهنا حد واضح لوصول العامة لهذا النوع من المعلومات، إلا في الأحكام التي تأذن السلطة القضائية بنشرها. 

المرسوم عدد 116 لسنة 2011 مؤرخ في 2 نوفمبر 2011 يتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري وبإحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي والبصري

يضبط هذا المرسوم حرية الاتصال السمعي والبصري، ويربطه ربطًا وثيقًا بحق كل مواطن في النفاذ إلى المعلومة (الفصل 4)، استنادًا على عدة مبادئ منها الموضوعية والشفافية (الفصل 5). تكمن أهمية هذا المرسوم في كونه يضبط الإطار القانوني والهيكلي لقطاع الإعلام السمعي والبصري، بكل الأطراف المتدخلة فيه، ومنها المنشآت السمعية والبصرية الجمعياتية مثلًا، والتي يمكن أن كون لها دورًا هامًا في نشر المعلومات والمساهمة في نشر ثقافة مكافحة الفساد.

يمثّل هذا المرسوم أيضًا الإطار القانوني للهيئة التعديلية الخاصة بقطاع الإعلام السمعي والبصري، والتي نصّ الدستور على هيئة دستورية ستعوّضها، مازال المجلس لم يشرّع لما سينظّمها من قانون.

أمر عدد 50 لسنة 1978 مؤرخ في 26 جانفي/يناير 1978 يتعلق بتنظيم حالة الطوارئ

ينصّ الفصل 8 أنه يمكن لوزير الداخلية أو الوالي أن يتخذ "كل الإجراءات لضمان مراقبة الصحافة وكل أنواع المنشورات وكذلك البث الإذاعي والعروض السينمائية والمسرحية." تخوّل هاته الصلاحية التأثير بشكل مباشر على بعض سبل الوصول إلى المعلومة المنشورة. 

يمثّل هذا الأمر خطرًا على تداول المعلومة، وإن كان في حالة الطوارئ، والتي لا يمكن لها أن تدوم دون تجديدها، لعدم تماشيه ومقتضيات الدستور التونسي لسنة 2014. لا تنصيص في الدستور على حالة الطوارئ، بل على الحالة الاستثنائية، والتي ينظّمها الفصل 80 من الدستور.

ويجب أن تهدف هاته التدابير الإستثنائية إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال. ويعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هاته الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة.

وبعد مضيّ ثلاثين يومًا على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البت في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يومًا.

وينهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بيانًا في ذلك إلى الشعب."

ولما في الحالة الاستثنائية من حدّ من الحقوق والحريات وإن كان لمدة محدودة، فإن الدستور يوضح في الفصل 49 أن القانون هو الضابط لذلك بما لا ينال من جوهر الحقوق والحريات المنصوص عليها في دستور 2014. ولا توضع هذه الضوابط إلى لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة.

وفي ظل أستمرار غياب المحكمة الدستورية، واستمرار تطبيق الأمر عدد 50، يستمر الخطر على المعلومة ونشرها والنفاذ إليها، لغياب ضمانات الحقوق، كما ينصّ الدستور. وينظر المجلس حاليًا في مشروع قانون منظم لحالة الطوارئ، سعيًا منه لتعويض الأمر السالب للحرية، بقانون، كما ينص الدستور.

قانون عدد 46 لسنة 2018 مؤرخ في 1 أوت/أغسطس 2018 يتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح

يفعّل هذا القانون ما نصّ عليه الدستور في الفصل 11 في التصريح بالمكاسب لكل من يتولى رئاسة الجمهورية أو الحكومة أو عضويتها أو عضوية مجلس الشعب أو الهيئات الدستورية المستقلة أو وظيفة عليا. كما إنه جاء أيضًا منقّحًا للقانون عدد 17 لسنة 1987 المؤرخ في 10 أفريل/أبريل 1987 المتعلق بالتصريح على الشرف بمكاسب أعضاء الحكومة وبعض الأصناف من الأعوان العموميين.

لا تكمن أهمية هذا القانون في تفعيله للمبدأ الدستوري فقط، بل لأنه ينص على تعريف لمفاهيم يرتبط رصدها بمكافحة الفساد في الشأن العام. فهو يعرّف تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، كما إن في هذا القانون بلورة لأهمية المعلومة لمكافحة الفساد، والمعلومة هنا هي ما يصرّح به الأشخاص المعنيّون بالقانون، من مكاسب ومصالح لهم، واستنتاج أي تضارب للمصالح أو إثراء غير مشروع عن طريق معالجة هاته المعلومات. لم يكتف القانون بفرض التصريح على من يذكرهم الدستور في الفصل 11، بل نصّ على 37 صنف مختلف يشمله التصريح، بدءًا برئيس الجمهورية وانتهاًء بالأمناء العامين للنقابات المهنية والمنظمات الوطنية. لا يشمل التصريح موظفي الدولة وآخذي القرار المنتخبين فقط، بل تمّ توسيع دائرة المشمولين إلى من له أثر على الشأن العام، كأصحاب المؤسسات الإعلامية والصحفيين وكل من يمارس نشاطًا إعلاميًا أو صحفيًا، أو مسيري الأحزاب السياسية والجمعيات.

ينصّ القانون على أن التصريح الالكتروني هو القاعدة، والتصريح اليدوي هو الاستثناء، وفي هذا التزام صريح في القانون بالرقمنة، وهو لا يسهّل معالجة المعلومات فحسب، بل النفاذ إليها في حالات محددة.

يوفّر تطبيق هذا القانون كمًّا هامًّا من المعلومات، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، منها ما هو متوفّر لهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد فقط، ومنها ما هو متوفّر للعموم. يوفّر تطبيق القانون المعلومات التالية:

  • مضمون التصاريح المودعة: حيث يتم نشر التصاريح على الموقع الالكترونية للهيئة. ينطبق هذا النشر على رئيس الجمهورية ومدير ديوانه ومستشاريه، ورئيس الحكومة وأعضائها ورؤساء دواوينهم ومستشاريهم، ورئيس مجلس نواب الشعب وأعضائه ورئيس ديوانه ومستشاريه، ورؤساء الهيئات الدستورية المستقلة وأعضائها، ورؤساء الجماعات المحلية، وأعضاء مجالس الجماعات المحلية، ورئيس المحكمة الدستورية وأعضائها. تنصّ الفقرة الخامسة من الفصل 8 على أن النشر يجب أن يراعي التشريع المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، ويضبط هذا أمر حكومي تقترحه الهيئة، يفصّل ما يتم نشره من التصاريح المودعة، مما يسمح للهيئة بالقيام بالتقصي والتحقق من صحة التصاريح، والذي يجب أن يكون واجبًا في بعض الحالات.

  • قاعدة بيانات الكترونية خاصة بالأشخاص الخاضعين لواجب التصريح: حسب الفقرة الثالثة من الفصل 8. لا تحتوي هاته القاعدة على بيانات المصرّحين فقط، بل كذلك على مسيرتهم المهنية، حيث يُجدّد التصريح كلّ ثلاث سنوات في حالة تواصل مباشرة الوظيفة الموجبة للتصريح، أو عند انتهاء المهام الموجبة للتصريح، وذلك حسب الفصل 10. 

  • قائمة القائمين بالتصريح وقائمة الممتنعين عنه: وتنشر كل ستة أشهر على الموقع الالكتروني للهيئة. تمكّن هاته المعلومة العموم من معرفة من امتثل إلى القانون، ومن رفض، مما يمكن العموم من مساءلة الهيكل المعني أو الشخص المنتخب.

  • قائمة الهياكل العمومية التي لم تتخذ التدابير الضرورية لوضع حد لوضعيات تضارب المصالح: حسب الفصل 26 من القانون. وفي نشر هاته القائمة إلى العموم تسليط للضوء على الهياكل التي لا تلتزم كما يجب بمكافحة الفساد المتمثّل في تضارب المصالح.

رغم تنصيص القانون على نشر التصاريح بالمكاسب والمصالح، وهي معركة لم تكن مضمونة منذ دخول مشروع القانون إلى مجلس نواب الشعب لغياب النشر في مشروع القانون الذي أودعته الحكومة، إلا أن وسع القاعدة التي ينطبق عليها القانون يصعّب مهمة التصريح، خاصة في ظل عدم التزام الدولة بتوفير الإمكانيات اللازمة للهيئة، حيث يجب أن يصرّح قرابة 400 ألف شخص بمكاسبهم.

قانون عدد 112 لسنة 1983 المتعلق بضبط النظام الأساسي العام لأعوان الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية

يمثل هذا القانون الإطار القانوني الضابط لأسس عمل كل أعوان الدولة في هياكل الدولة ذات الصبغة الإدارية، باستثناء من يعمل في القضاء أو المؤسسة العسكرية وقوات الأمن الداخلي وأعوان المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية.

ينصّ الفصل 6 من القانون على السرّ المهني بصرف النظر عن القواعد المنصوص عليها بالمجلة الجنائية فيما يخص السر المهني، كما ينصّ الفصل 56 أيضاً أن إفشاء السر المهني يعتبر خطًأ جسيمًا مماثل للارتشاء أو الاختلاس أو الزور، و"يجب فورًا رفع القضية لدى النيابة العمومية" ويحال على مجلس التأديب. 

يمنع التخوف من إفشاء السر المهني تعامل الإدارة التونسية السلس مع المطالبة بالمعلومة والشفافية، وهو إرث قديم وجب التعامل معه عن طريق توضيح حدود تطبيق النظام الأساسي للأعوان، وتوضيح آخذ قرار مد المعلومات من عدمه.

 

النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب

يعزز النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب الوصول إلى المعلومة بتنصيصه على هذا الحق في عدة فصول. 

الفصل 76: يسمح هذا الفصل باطلاع العموم على أعمال اللجنة إما عن طريق الحضور ومتابعة أعمال اللجنة بشكل مباشر، أو عن طريق التغطية الإعلامية أو الجمعياتية لعمل اللجنة، والإعلان عن مواعيد اجتماعات اللجان وجدول الأعمال من أهم المعلومات التي تسمح إلى العموم بمعرفة برمجة أعمال المجلس، وقد أخلّ المجلس بهذا المبدأ في عدد كبير من اجتماعات اللجان، حيث تعقد دون إعلام العموم أو حضور الإعلام أو المجتمع المدني. أدى هذا الإخلال إلى تعتيم في أعمال بعض اللجان، خاصة عند مناقشة مواضيع وقوانين حساسة مثيرة للرأي العام، وقد اعترض المجتمع المدني على هذا الخرق، وخاصة جمعية البوصلة. 

الفصل 103: وينصّ هذا الفصل صراحة على أن الجلسات العامة متاحة للعموم، ويتابعونها بطرق مختلفة إما عن طريق الحضور أو على بث مباشر في وسيلة إعلامية أو على وسيلة تواصل اجتماعية، أو عن طريق نشر مداولات الجلسة العامة. تم تخصيص القناة الوطنية الثانية لبث كل الجلسات العامة، وقد سمح هذا في توسيع دائرة الاهتمام بالعمل التشريعي.

يمكن للمجلس حسب الفصل 105 أن يعقد جلسة مغلقة بموافقة ثلاثة أخماس أعضائه، وفي هذا التزام بالشفافية لتوضيح طريقة جعل المداولات سرية وتمكين المتلقي من معرفة من طالب بالسرية ومن وافق عليها. وقد فتح هذا الباب للعموم لمساءلة المجلس عند إغلاقه لجلسة ما، مما جعل لجوء النواب لهذا نادراً.

الفقرة الرابعة من الفصل 26: التي نصت على أنه من حق العموم معرفة النواب الحاضرين والغائبين في الجلسات العامة، كطريقة لتقييم أدائهم، ولمساءلتهم مستقبلًا. لم يلتزم المجلس بهذا الفصل فور مصادقته على النظام الداخلي، بل كان هناك تراخ في تطبيقه، للأثر الذي يحمله هذا الفصل على الاقتطاع من منحة النواب.

الفقرة الأولى من الفصل 83: تكمن أهمية التنصيص على نشر محاضر جلسات اللجان لتوثيق النقاشات التي تتم حول مشاريع القوانين أو مساءلة الحكومة أو النقاش في مواضيع أخرى في صلب اختصاص اللجنة، وإتاحة ذلك للعموم. لم يتلزم مجلس نواب الشعب بهذا الفصل في كل اجتماعات اللجان، وتبقى العديد من المحاضر ناقصة، والمعلومة غير متوفرة.

الفقرة الثانية من الفصل 128: والمتعلق بنشر نتائج التصويت على الموقع الالكتروني للمجلس خلال 48 ساعة وقد كان إدراج هذا الفصل نتيجة ضغط المجتمع المدني، وخاصة جمعية البوصلة، بعد أن كانت المصدر الوحيد لنتائج التصويت صلب المجلس التشريعي التونسي، عندما كان يمتنع المجلس عن نشر نتائج التصويت حسب النائب. يساهم نشر تفاصيل التصويت للعموم في مساءلة النواب، وفهم مواقفهم السياسية. رغم التزام المجلس بهذا الفصل بشكل عام، تمّ تأخير نشر بعض تفاصيل التصويت حول مشاريع قوانين أثارت الرأي العام، كقانون المالية لسنة 2018 مثلًا، وقد فتح هذا التأخير المجال لتأويلات مختلفة وزاد في احتقان الشارع.

يجدر التذكير وجوب نظر المحكمة الدستورية في النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب فور انتصابها، ولذلك لضمان احترامه لمبادئ الدستور والحقوق والحريات التي ينص عليها. غياب المحكمة الدستورية جعل مجلس نواب الشعب يعمل بنظام داخلي لم يمرّ على أنظار المحكمة الدستورية بعد.

 

في الأوامر والقرارات الترتيبية

رغم تدنّي علوية الأوامر والقرارات والترتيبية مقارنة بالأطر القانونية المذكور أعلاه، إلا أن صلابة النسيج الإداري مقارنة بقوة النص القانوني تجعل من الاستجابة إلى الأوامر والقرارات والمناشير الترتيبية أقوى من استجابة النظام ككل إلى ما ينص عليه الدستور أو القانون. يقتصر تطبيق القانون في أحيان عدة على إصدار أمر حكومي تطبيقي، أو منشور تفسيري، ويصبح تأخير إصدار هاته النصوص الترتيبية عائقًا أمام تطبيق القانون. في أحيان أخرى، تكون الأوامر الحكومية والمناشير ذات أثر سلبي على الحق في المعلومة لمحتواها المتناقض والحق. 

أمر حكومي عدد 772 لسنة 2016 مؤرخ في 30 جوان/يونيو 2016 يتعلق بضبط شروط وإجراءات منح عقود الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص

تم ذكر الفانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة ضمن السند القانوني المؤيد لهذا الأمر الحكومي، وهو أمر يضبط تفاصيل وإجراءات ذات علاقة بالعقود التي تبرم بين القطاع العام والخاص، وهو ينفّذ أحكام القانون عدد 49 لسنة 2015 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاع العام والخاص. من أهم ما جاء به نص الأمر الحكومي، هو إجراءات نشر ملخصات العقود المبرمة، وهي من مسؤوليات الشخص العمومي ذي المصلحة. يذكر نص الأمر العناصر التي يجب أن يتم تضمينها في ملخص العقد، ويمنح الحق في عدم نشر بعض المعلومات الخاصة بالعقد، وينص على ذات الاستثناءات التي نص عليها القانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة (الفصل 63). يزيد التضييق على المعلومات في الفصل 65 و66، حيث ينص الأمر على أنه لا يمكن لمن اطلع على العقود بسبب وظيفته، أن يفشي أي من المعلومات والمعطيات، وأنه لا يمكن لكل شخص ذي مصلحة أن يطلع على معطيات من شأنها أن تمس من "نزاهة إجراءات إسنادها"، أي العقود.

ينص الأمر على أن العقود تنشر على الموقع الالكتروني للهيئة العامة للشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص.

 

أمر حكومي عدد 1164 لسنة 2016 مؤرخ في 10 أوت/أغسطس 2016 يتعلق بتنظيم وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي

لم يتم ذكر القانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة ضمن السند القانوني المؤيد لهذا الأمر الحكومي، إلا أنه ينص على تغيير هيكلي في وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي. ينص الأمر على وظائف الإدارة العامة للشؤون المالية والتجهيزات، ويحدد منها "بلورة خطة تتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية" و"تسريع النفاذ إلى المعلومة المحينة". تمارس هاته الوظائف الخاصة بالمعلومة إدارة فرعية تم إحداثها، تعنى بالتوثيق والنفاذ إلى المعلومة، وهي جزء من إدارة التصرف في التوثيق والأرشيف. يوثق هذا الأمر الحكومي أول تغيير هيكلي يطرأ على الهياكل التنفيذية بعد المصادقة على قانون النفاذ إلى المعلومة.

 

أمر حكومي عدد 1158 لسنة 2016 مؤرخ في 12 أوت/أغسطس 2016 يتعلق بإحداث خلايا الحوكمة وضبط مشمولاتها

تم ذكر القانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة ضمن السند القانوني المؤيد لهذا الأمر الحكومي، والمرسوم الإطاري المتعلق بمكافحة الفساد. يحدث هذا الأمر خلية في كل وزارة تسمى "الخلية المركزية للحوكمة"، وفي كل ولاية، وبلدية في مقر الولاية، والمؤسسات والمنشآت العمومية، والشركات ذات الأغلبية العمومية، تسمى "خلية الحوكمة". من صلاحيات هاته الخلايا "السهر على حسن تطبيق مبادئ الحوكمة والوقاية من الفساد"، ونشر هاته الثقافة، و"التعهد بحالات التبليغ ومتابعتها، مع الحفاظ على السر المهني" و"متابعة ملفات الفساد" والإحصائيات المتعلقة بها.

نصّ الأمر الحكومي على وجوب توفير كل هيكل معني "الوسائل البشرية والمادية الضرورية" لإنجاز مهام الخلية، وأنه يجب إرساؤهم في أجل 3 أشهر من نشر الأمر الحكومي.

 

أمر حكومي عدد 156 لسنة 2018 مؤرخ في 13 فيفري/فبراير 2018 يتعلق بتنقيح وإتمام الأمر عدد 1885 لسنة 2007 المؤرخ في 23 جويلية/يوليو 2007 المتعلق بضبط التنظيم الإداري والمالي للمدرسة الوطنية للإدارة

"أمر حكومي لا يذكر القانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة في السند القانوني الذي يتكئ عليه، لكنه ينقّح الباب الخاص بالتكوين في إدارة المعلومات، ويضيف ضمن عدة مقترحات خاصة بالإدارة والسلامة المعلوماتية، "المساهمة في توفير أفضل الظروف وتهيئة محيط تنظيمي وتقني يمكن المدرسة من إرساء آليات لتطبيق الإجراءات الترتيبية المتعلقة بالنفاذ إلى المعلومة." 

 

أمر حكومي عدد 328 لسنة 2018 مؤرخ في 29 مارس 2018 يتعلق بتنظيم الاستشارات العمومية

تم ذكر القانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة ضمن السند القانوني المؤيد لهذا الأمر الحكومي، وهو أمر يؤطّر الاستشارات العمومية لعدة أسباب منصوص عليها صراحة، منها "تكريس مبدأي الشفافية والمشاركة في اتخاذ القرار". ينطبق هذا الأمر على الهياكل المركزية والجهوية والجماعات المحلية. ينصّ هذا الأمر على توفير بيانات معيّنة ذات دخل بموضوع الاستشارة، الكترونيًا، وخاصة الوثائق المتعلقة بالسياسة العمومية محل النظر. 

لا يمثّل هذا الأمر الحكومي فرصة لتشريك المواطنين في عملية أخذ القرار فقط، بل يوفر فرصة لتوفير بيانات بشكل تلقائي، وتسليط الضوء على مسار أخذ القرار، سواء كان صياغة أمر حكومي أو تنفيذ مشروع تنموي، مما يسلط الضوء كذلك على أية مصالح قد تتضارب والمصلحة العليا.

 

أمر حكومي عدد 503 لسنة 2018 مؤرخ في 31 ماي/مايو 2018 يتعلق بتنقيح وإتمام الأمر عدد 420 لسنة 2001 المؤرخ في 13 فيفري/فبراير 2001 المتعلق بتنظيم وزارة الفلاحة

تم ذكر القانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة ضمن السند القانوني المؤيد لهذا الأمر الحكومي، وهو أمر يضيف هياكل جديدة للتنظيم الإداري والهيكلي لوزارة الفلاحة، أهمهما "خلية الحوكمة الرشيدة" التي تعنى بملفات الفساد، بدءًا بالتقصي والبحث إلى متابعتها أمام الهيئات التأديبية والهيكل القضائي، وتنسيقها مع الهياكل الأخرى المكلفة بالرقابة، ولها كذلك دور استراتيجي.

تمّ أيضًا تنقيح تسمية ودور "الإدارة العامة للتنظيم والإعلامية والتصرف في الوثائق والأرشيف"، حيث تم التركيز على الإجراءات التي تعتمد على التكنولوجيات الحديثة للمعلومات، وفيها تركيز على التصرف في الوثائق بالتعاون من مؤسسة الأرشيف الوطنيمن خلال إعداد نظام لتصنيف الوثائق الجارية الاستعمال وأخرى ما يجمعها الأرشيف، واقتناء وجمع الوثائق المتعلقة بمجال اختصاص الوزارة، و"القيام بالأعمال الضرورية لإعدادها على المستوى المادي ولحفظها ولإتاحتها للمستفيدين"، وفي هذا التزام واضح بما نص عليه القانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة.

 

المنشور عدد 19 لسنة 2018 مؤرخ في 18 ماي/مايو 2018 متعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة

تمّ نشر تفسير لأحكام القانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة من قبل رئيس الحكومة إلى الوزراء وكتاب الدولة والولاة ورؤساء البلديات ورؤساء المؤسسات والمنشآت العمومية، بعد أكثر من سنتين على التصويت على القانون. يوضح المنشور تفاصيل استجابة الإدارة للقانون، ويحتوي على نموذج مطلب النفاذ إلى المعلومة، ونموذج مطلب التظلّم لدى رئيس الهيكل المعني. 

يجدر الذكر أن الإدارة تعتمد كثيرًا على المناشير في الاستجابة إلى القوانين، وإن كانت القوانين أعلى مرتبة قانونية من المناشير.

 

المؤثرات 

يوجد إجماع شبه تام على أن تبلور الحق في المعلومة في تونس، سواء في دسترته تم تطبيقه، كان نتيجة مؤثرات ضغط إيجابًا أو سلبًا في هذا الاتجاه، وإن كان يختلف التقييم في حجم مؤثر مقارنة بغيره. يختلف التقييم أيضاً بناًء على خلفية من تمّ سؤالهم المهنية وزاوية تعاملهم مع هذا الحق وميدان الشفافية.

 

المؤثرات الداخلية

يمكن تقسيم المؤثرات الداخلية على الحق في المعلومة في تونس إلى قسمين رئيسيين: (مؤثرات حكومية وأخرى غير حكومية). ويسمح هذا التقسيم للأخذ بعين الاعتبار التوازنات السياسية الموجودة ما بين من ينشط من داخل هياكل الدولة، ومن ينشط من خارجها.

أثرت هياكل الدولة على بلورة الحق في المعلومة إيجابًا وسلبًا، حسب المرحلة والهيكل، على المستوى المحلي والوطني. كان للسلطة القضائية دور أساسي لحماية الحق في المعلومة، سواء في التشريع أو التطبيق، قبل وبعد المصادقة على الدستور في 2014. كانت المحكمة الإدارية الضامن لتطبيق المرسوم 41 لسنة 2011، وإن كان طول مدة النظر في القضايا مؤثرًا على سرعة الحصول على المعلومة. لقد كانت إمكانية التقاضي لضمان هذا الحق من وسائل الضغط على الهياكل  (أنا يقظ 2017). 

أثر وجود الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، على ضمان تطبيق الحق في المعلومة بعد المصادقة على الدستور. لقد تمّ اللجوء إلى الهيئة للطعن في مشاريع قوانين مختلفة، إلا أن الطعن المتمثّل في قانون المالية لسنة 2019، على سبيل المثال، أعطى مثالًا على تأويل لم يدافع على الحق في المعلومة، وأولى أهمية لحقوق أخرى، كالحقوق الاقتصادية وحماية المعطيات الشخصية. طعن نواب في عدم دستورية قانون المالية لعدة أسباب، منها عدم توفير المعلومات الكافية لنقاش القانون، كسعر صرف الدينار مثلًا، وحجب اعتمادات للوزارات ذات علاقة بالتأجير العمومي، وتم الطعن في رفع السر البنكي. لم تقبل الهيئة أي من الطعون المتعلقة بعدم توفير المعلومات الكاملة، وقبلت الطعن المتعلق بتوضيح آليات رفع السر البنكي، لعدم وضوحها  (الرائد الرسمي 2018).

كان للسلطتين التشريعية والتنفيذية دور هام لبلورة الحق في المعلومة حينًا، وعرقلته في أحيان أخرى. كانت حكومة المهدي جمعة صاحبة المبادرة التشريعية الأولى الخاصة بمشروع القانون المتعلق بالحق في المعلومة، وقد كانت أودعت المشروع في مجلس نواب الشعب بتاريخ 18 أوت 2014. إلا أنه تم سحب مشروع القانون من لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية، وإعادة إيداعه من قبل حكومة الحبيب الصيد بتاريخ 8 أوت 2015، مما عطل مروره. يحسب أيضًا لمجلس نواب الشعب مصادقته على القانون المتعلق بالحق في المعلومة بصيغة لا خلاف على أنها متقدمة على ما اقترحته الحكومة. كان لانفتاح البرلمان على المجتمع المدني أثرًا إيجابيًا، حسب أشرف العوادي. سمح انفتاح المجلس بالحديث مع النواب، وتنظيم جلسات استماع للمتدخلين في الحق في المعلومة. انقتح النواب أيضًا على خبرات أخرى فيما يخص الحق في المعلومة. 

إلا أن التأثير على الحق في المعلومة من قبل السلطتين لا يقتصر على الإطار القانوني فقط. يحدد القانون صلاحية انتخاب أعضاء الهيئة الوطنية للنفاذ إلى المعلومة لمجلس نواب الشعب، ولاختيار الأعضاء أثر كبير على واقع الحق في المعلومة. يوضح نجيب المكني أن تأخير انتخاب أعضاء الهيئة من قبل البرلمان أثر سلبًا على الحق في المعلومة. ترى هاجر الطرابلسي أنه يمكن أن يؤثر النواب بشكل إيجابي على الحق في المعلومة إن تابعوا عمل الهيئة بعد انتخابها، وتتساءل عن دور البرلمان بعد إعداد وإرسال الهيئة لتقريرها السنوي. يجب على الحكومة أيضًا إصدار الأوامر الحكومية التي تنظم عدد من تفاصيل عمل الهيئة، وخاصة تلك ذات العلاقة بإدارة الهيئة. ترى الطرابلسي أن دور الحكومة يكون فقط في أول إرساء الهيئة، ودعمها فنيًا في صياغة أطر عملها، لكنها مع الاخذ في الاعتبار عدم زيادة تأثير الحكومة، لضمان استقلالية الهيئة. كما تؤثر الحكومة على ميزانية الهيئة أيضًا، فهي التي تحدد ميزانيتها بناًء على اقتراح مجلس الهيئة. تؤثر الميزانية على ما يتوفر للهيئة من إمكانيات لممارسة مهامها العديدة. يرى نجيب المكني أن الحكومة لعبت دورًا سلبيًا أثر على الحق في المعلومة، وذكر نشر المنشور 4 سنة 2017 مثلاً والذي أثر سلبيًا على الحق في المعلومة، وأرسل رسالة غير مطمئنة، كما أنه يجد أن الميزانية الوقتية التي تم منحها للهيئة أول إرسائها أثر سلبًا. 

تجد الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد نفس الأثر من السلطة التنفيذية، فالحكومة هي المسؤولة عن تسمية أعضاء مجلسها، وهي التي تقرر ميزانيتها السنوية أيضًا.

يقول أشرف العوادي أن المنظومة القديمة كانت من أكثر المؤثرات السلبية على الحق في المعلومة، وأنه قد وجب تحدي النظام لكي يقبل أن يتغير (العوادي 2018). يرى أشرف أن الإدارة قد تدعم أحيانا الحق في المعلومة ظاهريًا، وخاصة من يعمل مع الشركاء الدوليين، لأنها تمدهم بفرصة للحديث عن أمر مثير للاهتمام، لكن في التطبيق، هو ليس إلا جهد إضافي. وان الإدارة مثلت عائقًا بسبب مفهوم خاطئ للسيادة، وهو "العصى". إلا أن الإدارة تأخذ أشكال عدة، وتختلف من هيكل لآخر. 

كان للبلديات دور هام في جعل الحق في المعلومة أكثر شعبية، لما للبلديات من دور يمس من حياة المواطن بشكل مباشر ويومي. ساهمت استجابة البلديات لمطالب النفاذ إلى المعلومة التي قامت بها جمعية البوصلة في كافة بلديات الجمهورية كجزء من مشروع "مرصد بلدية"، ساهمت في جذب انتباه الرأي العام، خاصة عند نشر مقياس الشفافية الذي رتّب بلديات الجمهورية حسب نسب استجابتها للمطالب وتوفيرها للمعلومة. كانت بعض البلديات سباقة في بناء مواقع الكترونية تستجيب إلى مقتضيات التشريع، لعل هذا يعود إلى الاستقلالية الإدارية التي أتى بها الدستور التونسي، وإلى التوقعات التي صاحب الانتخابات البلدية سنة 2018. 

توجد العديد من المؤثرات الداخلية غير الحكومة على الحق في المعلومة، لعلّ أبرزها هو المجتمع المدني والإعلام. يرى أشرف العوادي أن انفتاح تونس بعد الثورة خلق مناخًا ملائماً لنشاط المجتمع المدني. كما أن أثر الإعلام الإيجابي على بلورة الحق في المعلومة كان نتيجة تأثير النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، والتي خلق دفاعها عن هذا الحق حيزًا زمنيًا في الإعلام للحديث عن الحق في المعلومة. كذلك أيضًا أن الشعب أصبح مثقفًا أكثر في المواضيع ذات العلاقة بالحقوق، وإن لم يمارسها بشكل مباشر وكاف، وكان لهذا أثر على عدم المس بالحق في المعلومة مثلًا. إلا أن دور المجتمع المدني لم يتٌحد النظام بشكل كاف، وأن المطالب الخاصة بالنفاذ التي تقدمها جمعية أنا يقظ مثلًا لن تغير شيئًا، وأن التأثير الحقيقي يتطلب هجمة جماعية.

يرى محمد الحداد أيضًا أن المجتمع المدني لعب دورًا فاعلًا في فتح الطريق من أجل الحق في المعلومة، منهم أشخاص ومؤسسات وجمعيات. إلا أنه هناك بعض مكونات المجتمع المدني أثرت بشكل سلبي أحيانًا حينما تعاملت مع المعلومة وكأنها ملك لها بعد حصولها عليها، وهي وإن كان سبب عدم نشرها تقنيًا، فقد كانت بعض الهياكل تستغل توفير المعلومة بشكل حصري لتلك الجمعيات، وتحيل أي جمعية أخرى تطلب المعلومة إلى تلك الجمعية التي تملك المعلومة ولا توفرها. رغم أن تلك الجمعيات فتحت المجال وكانت رائدة في طلب المعلومة، إلا أنها بنت عائقًا للجمعية التي تليها، دون قصد. 

ترى هاجر الطرابلسي أن المجتمع المدني التونسي لم يكن له دور كبير أو تأثير حقيقي في إرساء هيئة النفاذ إلى المعلومة، لكنه لعب دورًا لاحقًا بعد إرسائها، في تنظيم اللقاءات بين أعضائها على سبيل المثال. تفسّر هاجر هذا بأن انتظارات المجتمع المدني التونسي من الهيئة مختلفة عن انتظارات الهيئة منه. 

يرى نجيب المكني أن الهيئة هي المسؤولة عن تحديد موقف المجتمع المدني منها حسب قراراتها المتعلقة بحماية الحق في المعلومة، ويرى أن دور المنظمات الوطنية كان حاسمًا في المناصرة والتأثر المباشر على آخذي القرار خلال وضع القانون المتعلق بالحق في المعلومة. 

أما بالنسبة إلى تأثير الصحفيين على بلورة الحق في المعلومة، فتختلف الآراء. يرى محمد الحداد أن لجوء العديد من الصحفيين للحق في المعلومة كان مرحلة حاسمة في تبلور الحق، وكذلك تغطيتهم للمصادقة على القانون المتعلق بالحق في المعلومة سنة 2016. يرى الحداد أن النفاذ في المعلومة ليس بالمرحلة الأصعب، بل استعمالها، فالقيمة المضافة ليست الحصول على المعلومة، بل وضعها في سياقها. 

المؤثرات الخارجية

يمكن تقسيم المؤثرات الخارجية على الحق في المعلومة في تونس في قسمين رئيسيين: (التعاون الدولي، والتعاون غير الحكومي). يأخذ هذا التقسيم بعين الاعتبار الجهة التونسية التي يؤثر عليها العامل الخارجي، إن كان حكوميًا أو غير حكومي.

يظهر تأثير المانحين الإيجابي على الحق في النفاذ إلى المعلومة في أول أشهر بعد الثورة، وخاصة عند صياغة ونشر المرسوم 41 المتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية، والذي تم نشره في مارس 2011، والذي تمّت صياغته في رئاسة الحكومة (الوزارة الأولى آنذاك)، ضمن برنامج مع البنك الدولي لدعم الاقتصاد (المكني 2018). يرى أشرف العوادي أنه لا توجد مؤثرات خارجية سلبية، وأن أثر الشركاء الدوليين إيجابي فقط، إلا أنه لا يمكن الوثوق في سقف مطالبهم، لأنه متدني جدًا، وأعطى العوادي مثالًا صندوق الأمم المتحدة الإنمائي، لأنه شريك الحكومة لا الشعب، وبالرغم هذا يرى أشرف العوادي أن دون بعض الاتفاقيات الدولية لما مر القانون المتعلق بالحق في المعلومة مثلًا، وأعطى مثالًا شراكة الحوكمة المفتوحة التي انضمت إليها تونس، والتعامل مع البنك الدولي. لكن رغم هذا الدور المهم للفاعلين الخارجيين، يرى العوادي أن دسترة الحق هي التي "جعلتنا نربح العركة".

يعطي محمد الحداد اتفاقيات التبادل الحر أو اتفاقيات الثنائية (أليكا) كمثال على الأثر الخارجي السلبي. فهاته الاتفاقيات، بصفتها أعلى رتبة من القانون وأدنى من الدستور، قد يحملون تأثيرًا سلبيًا لما يتضمنونه من شروطن كالسر التجاري مثلًا، وهو الطريقة الأنجع لحجب كل شيء. يروي الحداد حادثة جدت في اجتماع نظمته لجنة التسيير حسب الأهداف الخاصة باتفاقية الأليكا ركّز على التقارب التشريعي بين الاتحاد الأوروبي وتونس، حيث اقترح إدماج القانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة في نطاق التقارب التشريعي، وتفاجأ ممثلو الحكومة من هذا المقترح الذي يبدو أنه لم يخطر على بال المفاوضين رغم ذكر السر التجاري من قبل الطرف الأوروبي. 

التعاون غير الحكومي، ويشكل المانحين الذين يتعاملون مع مكونات المجتمع المدني، الوطنية والمحلية، حيث تؤثر المنح المتاحة على إمكانية المجتمع المدني من القيام بأنشطة تدفع بالحق في المعلومة. الأثر السلبي الذي قد ينجر عن الشركاء الدوليين أو المانحين يأتي عندما يلتقي مجتمع مدني انتهازي أو محترف مع ممول ليست لديه أولويات استراتيجية لصرف الأموال في دولة ما، وهاته هي المعادلة السيئة حسب أشرف العوادي.

يرى محمد الحداد أثرًا سلبياً غير مباشرًا للتعاون الخارجي غير الحكومي، وهي مشكلة ليست مرتبطة بالنفاذ إلى المعلومة كمنظومة، لكن بواقع يعطي المنظمات الدولية نفاذًا أكثر من المنظمات المحلية. يتفاجأ الحداد من أن يكون هناك مكاتب للمنظمات الدولية صلب الهياكل العمومية مثلًا، وإمكانية اطلاعهم على كل المعلومات بسهولة، بينما يصعب ذلك عندما تكون مواطنًا تونسيًا. الأثر السلبي ينجر عن الانطباع لدى المواطن بأنه يوجد تفاوت في الحصول على المعلومة. يمتد الأثر السلبي حسب الحداد في عدم استدامة المشاريع أيضًا، ويقول أنه في بعض الوزارات، يقف استعمال المواقع الالكترونية المفتوحة مثلًا بانتهاء مشروع الممول الخارجي. 

ترى هاجر الطرابلسي أن اتفاقية الشراكة التي قامت بإمضائها الهيئة الوطنية للنفاذ إلى المعلومة مع جمعية المادة 19 مثلاً مهمة جدًا لتقديم الدعم الفني وتنظيم حملات التوعية وإنتاج الدليل الخاص بالنفاذ إلى المعلومة، وتعدد شراكات أخرى مع البنك الدولي واليونسكو وغيرها. يوضح نجيب المكني جانبًا آخرًا لدعم المنظمات الدولية وأثره الإيجابي على بلورة الحق في المعلومة، كتوفير التحاليل القانونية وتجارب المقارنة والخبراء الأجانب. يرى المكني أن هذا الدعم أعطى مشروعية للمطالب الوطنية بالحق في المعلومة، وأن شراكة الحوكمة المفتوحة مثلًا وضعت التزامًا سياسيًا للدولة.

تطبيق الحق في المعلومة

يرتكز تقييم تطبيق الحق في المعلومة بدراسة التزام الدولة بضمان هذا الحق، ومظاهر ممارسة هذا الحق من قبل المواطنين، أفرادًا أو منتظمين. ويمثل هذا التقييم فرصة فريدة في تونس لتطور الإطار القانوني الذي يضبط الحق في المعلومة كسياسة عامة. 

التزام الدولة بضمان الحق في المعلومة

يمكن تقييم مدى التزام الدولة بضمان الحق في المعلومة عن طريق حصر تمظهر الحق في المعلومة في ممارساتها، حسب الالتزامات القانونية التي تضبطها سياستها العامة في الحق في المعلومة، بدءًا بالأوامر الحكومة والقوانين مروراً بالاتفاقيات والدستور. 

الرائد الرسمي، وهو أحد إصدارات المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، يعد أحد أقدم المنشورات الرسمية، والذي تصدر فيه النصوص القانونية والترتيبية المضبوطة بالقانون. صدر أول رائد رسمي في 22 جويلية/يوليو سنة 1860. تتعدد أنواع الرائد الرسمي حسب الاختصاص، فيوجد الرائد الرسمي المتعلق بالقوانين والأوامر والقرارات والآراء، وهو ما يصدر وينشر للعموم كل ثلاثاء وجمعة من كل أسبوع، ويوجد الرائد الرسمي المتعلق بالإعلانات القانونية والشرعية والعدلية، وآخر متعلق بإعلانات المحكمة العقارية. يتوفر الرائد الرسمي بأنواعه الثلاثة بنسخ ورقية أو الكترونياً على الموقع www.iort.gov.tn. يسمح الرائد الرسمي بتتبع القرارات الرسمية والأنشطة التجارية وإحداث الجمعيات والأحزاب، حسب ضبط القانون وتنصيصه على النشر. إلا أن هاته المعلومات تتأثر أحيانًا بتأخر نشر القرارات، فهي لا تنشر دومًا فور أخذها، وتأخر نشر الرائد الرسمي. رغم الالتزام بدورية نشر الرائد الرسمي، إلا أن الاعتباطية في نشر القرارات أحيانًا يقلل من قيمة المعلومة التي يمكن نشرها، كقرارات التسمية مثلًا، والتي قد تنشر بعد أشهر من أخذها مثلًا. يتوفر أيضًا رائد رسمي خاص بمداولات مجلس نواب الشعب، يتم نشره على الموقع الرسمي للمجلس.

رغم تنصيص النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب على نشر معلومات محددة للعموم في أجل محدد، كنتائج التصويت على القوانين مثلًا والتي يجب نشرها بعد 48 ساعة من التصويت، يتأخر أحيانًا نشر هاته المعلومة. ينصّ أيضًا النظام الداخلي على نشر قائمة الحضور في الجلسة العامة واللجان في أجل أقصاه ثلاثة أيام بعد كل جلسة، وهو ما لا يتم احترامه دومًا، فيتأخر نشر القائمة، أو لا تنشر. يتأخر أيضًا نشر قرارات مكتب مجلس نواب الشعب، والتي تنشر حسب نظامه الداخلي في أجل ثلاثة أيام. يتأخر أيضًا نشر محاضر جلسات اللجان، والتي ينص النظام الداخلي على نشرها في أجل شهر من انعقاد الجلسة، فبعضها يتأخر بأشهر، وبعضها لم ينشر أبدًا. يتم أيضًا القيام باجتماعات للجان البرلمانية دون إعلان مسبق عنها، وهو مخالف للنظام الداخلي وللحق في المعلومة. كما التزم مجلس نواب الشعب بالتغطية التلفزية لأشغال الجلسات العامة، مما يسمح للجميع بمتابعة النقاشات والتصويت. يقوم المجلس ببث أشغال بعض اللجان مباشرة بطريقة رقمية، إلا أن هاته المبادرة أتت بعد مقاومة شديدة لمحاولة المجتمع المدني لبث بعض الاجتماعات، رغم تنصيص النظام الداخلي على أنها اجتماعات مفتوحة للعموم. رأت جمعية أنا يقظ في منعها من تصوير أحد اجتماعات اللجان البرلمانية "ضرباً لحق المواطن في النفاذ إلى المعلومة" (أنا يقظ 2016). 

وإن كانت المصادقة على القانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة من مظاهر التزام المشرّع بتفعيل الحق الدستوري في قانون أساسي، إلا أن التزام مؤسسات الدولة باحترام مقتضيات النص القانوني لا تعكس بالضرورة التزامًا بضمان الحق في المعلومة. ينصّ القانون صراحة على مسؤوليات يجب أن تحترمها كل المؤسسات الخاضعة لأحكام هذا القانون. من هاته المسؤوليات أن يتوفر موقع الكتروني لكل مؤسسة، يحتوي على المعلومات الواجب نشرها بصفة تلقائية، وعلى دليل النفاذ إلى المعلومة الذي يمكن المواطن من الوصول إلى المعلومات، وعلى المكلف بالنفاذ إلى المعلومة صلب ذلك الهيكل. ينص القانون في أحكامه الانتقالية على آجال واضحة لاحترام هاته الأحكام، وهو ستة أشهر من دخول القانون حيز التطبيق. في تقرير لها يقيّم التزام مؤسسات الدولة بأحكام القانون المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة نشرته منظمة أنا يقظ في سبتمبر 2018، وجدت أن 20% فقط من الوزارات تحترم ما ينص عليه القانون من نشر تلقائي للمعلومة، وأن 41% من الولايات لا تملك موقعًا الكترونيًا، وأن 11 ولاية من تلك التي تملك موقعا لا تقوم بتحيينه بالمعلومات  (أنا يقظ 2018). وجدت الجمعية أيضًا أن عددًا من المؤسسات العمومية لا تحترم أيضًا أحكام القانون، وجلّ الجامعات الرياضية. أما بالنسبة للبلديات، فقد قامت جمعية البوصلة بنشر تقرير يقيم استجابة البلديات كافة لمقتضيات القانون بالنشر التلقائي، ثم الاستجابة لمطالب النفاذ إلى المعلومة، ووجدت أن 61.7% من البلدية تمتلك مواقع الكترونية في سنة 2018، وأن 47.7% من هاته المواقع تحتوي على بعض معلومات منشورة كما ينص القانون (أنا يقظ 2018)، و14% منها فقط ينصّ على المكلف بالنفاذ إلى المعلومة.

ينص القانون أيضًا على إرساء الهيئة الوطنية للنفاذ إلى المعلومة في أجل سنة من المصادقة عليه. تأخر إرساء الهيئة لتعطّل انتخاب أعضائها، وصدر أول قرار لها بتاريخ 1 فيفري/فبراير 2018، أي بعد تسعة أشهر من الأجل الذي ينصّ عليه القانون. وإن تأخر إرساؤها، فقد تمكنّت الهيئة من البت في أكثر من 700 قضية بموفى أوت/أغسطس 2019، وقد نشرت أمامها أكثر من ألف قضية منذ إرسائها. تنشر كافة قرارات الهيئة على موقعها الالكتروني www.inai.tn. يبقى التحدي في مدى استجابة الهياكل المعنية بقرارات الهيئة وتوفيرها المعلومة لطالبها. 

مجلة الجماعات المحلية من القوانين التي تؤثر أيضًا على المعلومة. رغم استناد المجلة على الحق في المعلومة والتشريع الخاص بتفعيل هذا الحق، إلا أنه سبق وأن تم خرق بعض أحكامه بعد الانتخابات البلدية الأولى بعد الثورة. أول هاته الخروقات كان في عملية انتخاب رؤساء البلديات، حيث قام بعض الولاة بدعوة أعضاء المجالس البلدية لجلسات مغلقة للانتخاب، رغم تنصيص القانون صراحة على أن الجلسات علنية. لجأ بعض المواطنين والجمعيات إلى القضاء للطعن في السلامة القانونية للجلسات المغلقة، أمام المحكمة الإدارية. لم تلتزم الدولة بضمان الحق في المعلومة في نموذج النظام الداخلي الذي اقترحته الحكومة على المجالس البلدية، والذي نص صراحة على منع البث المباشر للجلسات البلدية، رغم تنصيص المجلة على علنيتها. ضغط المجتمع المدني على المجالس البلدية لنبذ الفصل المتعلق بهذا المنع، ووضعت جمعية البوصلة عريضة يلتجئ إليها من يريد الطعن في قانونية النظام الداخلي الذي يمنع البث المباشر.

قامت الدولة التونسية بالانضمام إلى شراكة الحوكمة المفتوحة « Open Govenrment Partnerhsip » في سنة 2014، وهي مبادرة تضمن عدد من البلدان، تم الإعلان عنها منذ سنة 2011 في الجمعية العامة للأمم المتحدة. تأتي تونس ضمن 75 دولة منضمة إلى هاته المبادرة، وهي تسعى إلى تشريك المواطن وزرع مبادئ الحوكمة المفتوحة في الهياكل العمومية والشفافية ومكافحة الفساد. يعدّ انضمام تونس إلى هاته المبادرة دليلاً على التزام الدولة بالحق في المعلومة لما يتطلّب الانضمام إلى الشراكة من توفر حد أدنى لاحترام مبادئ الحوكمة المفتوحة بشكل ملموس في المجالات التالية: الشفافية المالية والجبائية، حق النفاذ إلى المعلومة، التصريح بالمكاسب، والمشاركة وحماية الحريات المدنية  (الحكومة التونسية 2019). تمت صياغة ثلاثة خطط عمل منذ انضمام تونس إلى المبادرة، تخط الالتزامات التي تقوم بها الدولة لتعزيز الحوكمة المفتوحة. تمت صياغة هاته الخطط ضمن لجنة قيادة تضم ممثلين عن المجتمع المدني وممثلين عن هياكل الدولة المختلفة بصورة متساوية، وتتم متابعتها عن طريق تقارير تقييمية (الحكومة التونسية 2019).

مصر : بوادر ثورة موجّهة أم يقظة شعبية أم صراع أجهزة؟

تحيين

المفوضية المصرية للحقوق والحريات: موجة اعتقالات تطال أكثر من 606 متظاهرا سلميا بالإضافة إلى 37 متظاهرا رفضت أسرهم النشر عنهم على الحكومة المصرية الإفراج الفوري عن المعتقلين على خلفية مظاهرات 20 سبتمبر 

(more…)
  • الصفحة 1 من 2
  • 1
  • 2
Skip to content