اصدارات برنامج الدراسات والبحوث

معركة طرابلس وما بعدها: لا حفتر انتصر.. ولا السرّاج انهزم!

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

حكومة الوفاق هي حكومة منبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر 2015، والذي أشرفت عليه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. وقد تعهدت حكومات فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، يوم 13 مارس 2016، بالعمل مع حكومة الوفاق الوطني المقترحة من قِبل بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، واعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا.

مند بداية شهر ابريل والعمليات العسكرية الجارية في ليبيا بين طرفي الصراع اخذت منحى جديد وتأثرت بطريقة او بأخرى بالوضع السياسي الذي تمر به البلاد بشكل عام خاصة التصدعات التي بدأت تظهر في البيت الداخلي لحكومة الوفاق والقوات التابعة لها.

تم تعيين الفريق خليفة حفتر في مارس 2015 قائدا عاما للقوات المسلحة العربية. وهو الأصل في التسمية السائدة عن القوات المنضوية تحته. فيما اصبحت نفس التسمية تستعمل بالنسبة للقوات التابعة لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

بحثت قوات حكومة الوفاق عن مساحة حركة جديدة لإرجاع الثقة الى مقاتليها بعد تضييق قوات حفتر الخناق على طرابلس. تعتمد قوات القيادة العامة بقيادة حفتر، القوات المسلحة العربية الليبية، على استراتيجية النفس الطويل واستنزاف الخصم، وهي تملك الخبرة في ذلك حيث حاصرت مناطق وسط مدينة بنغازي لمدة استمرت الى أكثر من أربع سنوات وكذلك حصارها لدرنة لأكثر من عامين حتى تمكنت من الدخول اليها في النهاية. ان هذا الاسلوب في سير المعارك لم تعتد عليه القوات التابعة لحكومة الوفاق فهي تشكيلات تعتمد على الحرب الخاطفة والسريعة والتي تحسم في غضون ايام او شهور معدودة بالنصر او الهزيمة وهذا ما نراه واضحا في أكبر حرب حدثت في المنطقة الغربية لليبيا في سنة 2014 والتي سميت (بعملية فجر ليبيا) والتي شاركت فيها كل التشكيلات المسلحة في المنطقة الغربية دون استثناء ولم تمتد لأكثر من شهرين ونصف.

محافظ مصرف ليبيا المركزي
عمر الكبير - محافظ مصرف ليبيا المركزي

اضافة الى وجود ملامح واضحة لتضارب مصالح داخل بيت حكومة الوفاق وشركائها. سبق أن خرج فائز السراج وأعلن ان محافظ مصرف ليبيا المركزي لا يقوم بعمله وانه يعرقل سير التدفق المالي للدولة الأمر الذي يؤثر على عمل الحكومة سواء في توفير الاحتياجات اليومية ومواجهة جائحة كورونا او دعم المجهود الحربي اليومي. يتواصل الصديق الكبير، كما صرح بذلك السراج وغيره من المطلعين على سير العلاقة بين محافظ ليبيا المركزي ورئاسة المجلس الرئاسي، مع كل الاطراف على الساحة اليوم سواء مع قادة عسكريين وعمداء بلديات ووزراء وغيرهم وهوما لم يقبله فائز السراج. في الحقيقة، يلعب الكبيّر دورا سياسيا بعيدا عن دوره الوظيفي في المنطقة الغربية.

يبدوا ان الاشكال لا يقف هنا فهناك عدد ليس بالقليل من الشخصيات القيادية داخل مدينة مصراته والتي تعتبر العمود الفقري للقوات العسكرية لحكومة الوفاق، لا تتوافق مع المسلك السياسي والدبلوماسي الذي ينتهجه السراج. واصبحت الأصوات تتعالى بشكل واضح حول خلل بنيوي في الاستراتيجية التي تعمل بها حكومة الوفاق قد تؤدي الى ضياع تضحيات (الثوار) هباء، قد تمكن قوات الجنرال حفتر من السيطرة على طرابلس. يأتي ذلك مع الحديث المتواصل عن شبهات الفساد المالي التي لحقت وكيل وزارة الصحة في حكومة الوفاق الوطني. طالبت اكثر من اربعين بلدية في المنطقة الغربية من فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي بسرعة اتخاذ اجراء مناسب بإزاء هذه الإتهامات وعزل وكيل وزارة الصحة واحداث تغيير في شكل الحكومة ووضع الية جديدة في التعامل مع ما تمر به الدولة.

كل هذه المعطيات جعلت حكومة الوفاق امام مأزق حقيقي وكان لزاما عليها كخطوة اولى ان تقوم بتغيير مسار المعركة ومحاولة رفع معنويات قواتها. وهنا لجأت في مرحلة أولى إلى قصف مواقع وخطوط قوات القيادة العامة بقيادة حفتر غرب مدينة سرت وجنوب مدينة بني وليد، مما أسفر عن مقتل العديد من أفرادها وتدمير آليات عسكرية وأخرى لنقل الوقود فقد قال مصدر عسكري من قوات حكومة الوفاق إن عشرين مسلحا قتلوا في قصف نفذته طائرة تابعة لقواتهم استهدفت مساء الخميس 02 أفريل/ابريل سيارات محملة بالذخيرة وآليات عسكرية تابعة قوات القيادة العامة بقيادة حفتر في منطقتي (الوشكة وبويرات الحسون) اللتين تقعان بين مدينتي مصراتة وسرت وأضاف المصدر أن هذه الذخائر والآليات كانت قادمة لدعم قوات حفتر في محاور شرق مصراته.  وقال مصدر حكومي رفيع إن قتلى قوات القيادة العامة بقيادة حفتر سقطوا في أماكن متفرقة من الموقع الذي قصفته طائرة حكومة الوفاق بمنطقة الوشكة غرب سرت.

وكانت قوات حكومة الوفاق أعلنت أن طائراتها استهدفت ثلاث سيارات وقود جنوب مدينة بني وليد، الواقعة جنوب شرق العاصمة طرابلس، كما استهدفت مخزنا للذخيرة وسيارات مسلحة بمحيط مدينة سرت وذكرت عملية “بركان الغضب” على صفحتها على الفيسبوك أن طائرة لحكومة الوفاق قصفت ثلاث ناقلات وقود أخرى جنوب مدينة بني وليد، كانت في طريقها لإمداد قوات حفتر المتمركزة جنوبي العاصمة، كما استهدفت طائرات قوات الوفاق عشر سيارات مسلحة تابعة قوات القيادة العامة بقيادة حفتر ومخزن ذخيرة جنوب منطقة الوشكة بين مصراتة وسرت.

هذه لم تكن الا البداية، فقد شنت قوات حكومة الوفاق سلسلة من الضربات الجوية على مدينة ترهونة وبني وليد طيلة الاسبوع الأول من شهر أفريل لمحاولة اضعاف حركة الإمدادات العسكرية التي تصل الى قوات القيادة العامة بقيادة حفتر خليفة حفتر في مدينة طرابلس. وكانت الأخيرة ترد بكل قوة وتقصف مطار معيتيقة بالتحديد بوابل من الصواريخ والقذائف التي وصلت في بعض ايام نفس الأسبوع إلى أكثر من 60 قذيفة وصاروخ في اليوم الواحد. تعتبر هذه القاعدة من اكبر القواعد العسكرية في شمال افريقيا من حيث المساحة الجغرافية والتي تعتمد عليها حكومة الوفاق بشكل واضح في حركة الطائرات المسيرة لاستهداف قوات القيادة العامة بقيادة حفتر . 

وفي الأسبوع الثاني من شهر أفريل/أبريل شهد سير المعارك على طرابلس تطورا ملحوظا، لا يخرج على محاولات تغيير مسارات المعركة بهدف تحقيق انتصارات تُعيد الثقة إلى التشكيلات المسلحة التي تنطوي تحت قيادة حكومة الوفاق وإثبات انها واجهة سياسية تعبر عنهم، حيث اعلنت حكومة الوفاق التوجه الى تحرير (حسب قولها) مدن الغرب الليبي وتحديدا صبراته وصرمان والعجيلات ورقدالين والجميل وزلطن وقد نجحت في ذلك ولم تستغرق المعركة (حسب تصريحها) أكثر من 10 ساعات!!! والتي كانت قوات الجنرال خليفة حفتر قد دخلت اليها في اواخر شهر مارس الماضي كردة فعل على محاولة قوات حكومة الوفاق بقيادة اللواء اسامة الجويلي السيطرة على قاعدة (الوطية العسكرية) الا انها لم تتمكن من ذلك. وما حدث هو قيام قوات الجنرال خليفة حفتر بالدخول واعلان السيطرة على كل المدن المذكورة سلفا.

بالنتيجة، يمكن القول أنه لم يكن هناك سيطرة حقيقية قوات القيادة العامة بقيادة حفتر خليفة حفتر على هذه المدن كما كان يدعي فيما لم تحقق حكومة الوفاق انتصارا عظيما كما روجت له عبر وسائل الإعلام.

أهم المناطق التي حررتها حكومة الوفاق خلال معركة صرمان

صرمان: مدينة استراتيجية تقع على الطريق الساحلي الذي يربط العاصمة الليبية طرابلس بالحدود التونسية، وعدد سكانها يقدر بنحو 40 ألف نسمة، وتكمن أهميتها الاستراتيجية، في أنها كانت تقع في خط المواجهة بين ميليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وقوات الوفاق في مدينة الزاوية (50 كلم غرب طرابلس) بينما لا يفصل صرمان عن العاصمة سوى 60 كلم، وبسقوطها تهاوت بقية مدن غرب طرابلس.

صبراتة: مدينة تبعد عن طرابلس بنحو 70 كلم، ويبلغ عدد سكانها حوالي 110 آلاف نسمة، وتعد من بين أكبر مدن غرب العاصمة من حيث عدد السكان، وتقع أيضاً على الطريق الساحلي الحيوي بالنسبة للتبادل التجاري وحركة المسافرين إلى تونس أو الخارج، حاول تنظيم “داعش” الإرهابي أن يتخذها قاعدة خلفية للتدريب، لكن تم القضاء عليه في 2017، شكلت إحدى المدن الرئيسية التي منعت قوات حفتر ما بين 2014 و2016 من دخول طرابلس، لكنها في 2019 فتحت أبوابها لميليشياته قبل استعادتها بعد عام.

العجيلات: مدينة تبعد 80 كلم عن طرابلس، ويقطنها نحو 110 آلاف نسمة، ورغم أنها لا تقع على الطريق الساحلي، إلا أنه لا يبعد عنها سوى بضعة كيلومترات، كانت إحدى المعاقل الرئيسية لميليشيات حفتر، التي سعت لقطع الطريق الساحلي ودخول طرابلس من الغرب، لكن بعد انحياز أسامة الجويلي، قائد المجلس العسكري للزنتان (170 كلم جنوب طرابلس) إلى حكومة الوفاق أصبحت العجيلات من المدن المتأرجة، وإن مالت كفة حفتر بها في غالب الأحيان.

 الجمَيَّل: مدينة يبلغ عدد سكانها نحو 100 ألف نسمة، وتبعد عن طرابلس 100 كلم، تقطنها قبائل عربية، وتمثل حاجزاً بشرياً وجغرافياً بين أمازيغ زوارة بالساحل وأمازيغ الجبل، عسكرياً كانت غالباً محسوبة على حفتر، وإن كان للجويلي، قائد المنطقة الغربية لقوات الوفاق، بعض النفوذ في هذه المناطق، وتتبع قاعدة الوطية الجوية (140 كلم جنوب غرب طرابلس) إدارياً لها.

 رقدالين: يبلغ عدد سكانها نحو 36 ألف نسمة، وتبعد عن طرابلس 120 كلم، ولا يفصلها عن ساحل زوارة سوى 10 كلم، وتشبه في تركيبتها البشرية والسياسية مدينة الجميل، حيث كانت محسوبة على القبائل العربية الداعمة لحفتر، رغم وجود مراكز نفوذ لقوات الجويلي، وأعاد حفتر السيطرة عليها في 25 مارس/آذار الماضي.

 زلطن: مدينة صغيرة، لا يتجاوز عدد سكانها 25 ألف نسمة، وهي آخر مدينة على الطريق الساحلي غير بعيد عن الحدود التونسية، حيث تبعد عن طرابلس 130 كلم، من المدن الداعمة لحكومة الوفاق، لكن ميليشيات حفتر سيطرت عليها في 25 مارس/آذار الماضي، بعد اقتحام قوات الوفاق لقاعدة الوطية الجوية، وأسرها 27 عنصراً.

 العسة: منطقة قريبة من الحدود التونسية، وتقع جنوب معبر راس جدير مع تونس، وتتبع مدينة رقدالين إدارياً، أهميتها الاستراتيجية تكمن في وجود معسكر لحرس الحدود، مكلف بمراقبة عمليات التهريب، وأيضاً تحركات الإرهابيين عبر الحدود مع تونس، ومنذ 2014 تبادلت عدة أطراف السيطرة عليه لأهميته الاستراتيجية، لكن في 25 مارس/آذار اقتحمت ميليشيات حفتر المعسكر بعد اشتباكات مع قوات الوفاق، نظراً لقربه من قاعدة الوطية الجوية، المعقل الرئيسي لميليشيات حفتر في غرب البلاد، في إطار هجوم انتقامي شمل عدة مدن في الغرب الليبي.

مليتة: منطقة فلاحية قليلة السكان، تتبع إدارياً مدينة العجيلات، لكنها اكتسبت أهمية استراتيجية بعدما تم فتح ميناء نفطي بها ومجمع للغاز، وأنبوب غاز يربط ليبيا بإيطاليا، مما حولها إلى منطقة صناعية بامتياز، أما عسكرياً فأهميتها تكمن في وقوعها على الطريق الساحلي وتحيط بها ثلاث مدن قوية؛ صبراتة من الشرق، وزوارة من الغرب، والعجيلات من الجنوب، وبها حاجز عسكري دائم على الطريق، ولطالما كانت نقطة صراع وصدام بين حفتر وخصومه رغم أنها غالباً ما كانت خارج سيطرته إلا بعد دخوله صبراتة.

تعدُّ هذه المناطق شبه منزوعة السلاح مند 2011 حيث لم تتمكن هذه المدن من الحصول على تسليح جيد بالمقارنة بمدينة الزاوية وزوارة الملاصقة لها شرقا وغربا. وقد حسبت جل هذه المدن على نظام معمر القذافي. الأمر الذي يُبرر وجود قاعدة شعبية قوات القيادة العامة بقيادة حفتر خلقت بيئة حاضنة له هناك، خاصة انه استوعب في خلال العاميين الماضيين جل الجنرالات العسكريين والضباط والجنود من منظومة النظام السابق. وبناء عليه انخرط العديد من افراد هذه المدن في قوات الجنرال حفتر الذي امدهم ببعض القطع العسكرية والعتاد، لكنه تسليح لا يؤهلهم اصلا الى خوض معارك للحفاظ على مدنهم بالشكل المطلوب ولم يعمل على مساعدتهم ابدا خلال هذه المعركة التي استمرت حوالي العشر ساعات لأنه غير مستعد ان يفرغ خطوطه العسكرية التي تطوق طرابلس في مساحة جغرافية تمتد لأكثر من 160 كيلو متر.

كما شهدنا ايضا يوم السبت الموافق 18 – ابريل – 2020 عملية عسكرية شنتها قوات حكومة الوفاق على مدينة ترهونة هذه المدينة التي تمثل القاعدة المتقدمة قوات القيادة العامة بقيادة حفتر ويعتمد عليها بشكل اساسي في دعم خط الهجوم لقواته المحاصرة للعاصمة طرابلس، الا ان هذا الهجوم رغم قوته وخاصة بسبب استخدام الطيران المسير اثناء العملية العسكرية ونجاحه في دخول الحدود الإدارية لمدينة ترهونة الا انه لم يستطع السيطرة على المدينة. وهذا ما كان متوقعا من خاصة ان اللواء السابع المعروف باسم (الكانيات) سيدافع على المدينة بكل قوته. فيما يٌستبعد سماح الجنرال حفتر بسقوط قاعدته المتقدمة في الغرب الليبي الا ان قوات حكومة الفاق لم تنسحب بشكل كامل من محاصرة المدينة بل اضطرت الى الرجوع الى الحدود الادارية لمدينة ترهونة وهي تستمر بالمحاولة منذ ذلك التاريخ وذلك لما تمثله هذه المدينة من اهمية بالغة، حيث أعلنت عن عزمها السيطرة على المدينة قبل شهر رمضان، وهو ما لم يتحقق إلى الآن.

كل هذه المحاولات من حكومة الوفاق الوطني لترميم صفوفها الداخلية توّجها رئيس المجلس الرئاسي بخطابه عقب السيطرة على المدن المذكورة آنفا ببعض التصريحات الحادة جدا والتي لم تعهد من السراج طيلة الفترة الماضية ضد من يسميهم المعتدين. فعليا هذه المرة، يبدوا ان هذا الخطاب موجه إلى الطرف الآخر من الصراع.

توقف فعليا ما تقوم به حكومة الوفاق الوطني من اليات تحاول من خلالها ترميم بيتها الداخلي عند الحرب على ترهونة. اما قوات القيادة العامة بقيادة حفتر اتضح أن لها رؤية مختلفة حيث لجأت إلى ردات فعل عنيفة سواء بالقصف المكثف على مناطق واحياء طرابلس أو قصفها لمدينة جادوا الجبلية لأول مرة مند اندلاع الحرب في شهر ابريل 2019. تعتبر هذه المدينة عاصمة لأمازيغ ليبيا في الجبل الغربي الذين ناصبوا الجنرال حفتر العداء مند البداية لأسباب مختلفة.

كما وجب التذكير بعامل مهم في هذا التغيير الاستراتيجي في سياق المعركة. وهو متعلق بتماسك حكومة الوفاق وشركائها وذلك يتضح من الاختلاف في الرؤى الذي أصبح يخرج إلى العلن بين بعض قيادات مدينة مصراته، حيث يشعر بعض القيادات   من تيار الاسلام السياسي تحديدا بنوع من القلق إذ يتوقعون ان يكون هناك تسوية قد تحدث بين قيادات من مصراته والجنرال خليفة حفتر. للإشارة توجد علاقات مفتوحة بين القيادات غير المحسوبة على تيار الاسلام السياسي وبين جنرال الرجمة وهذا ما يثير قلق غيرهم، نظرا لأن الخلاف مع حفتر بالنسبة لهم وجودي في ظل دعم دول كاملة له.

يمكن لذلك فهم ما راج، أواخر شهر أفريل، من حديث بين العديد من حلفاء حكومة السراج عن تشكيل حكومة حرب صغيرة بقيادة جديدة مع الاحتفاظ بالمجلس الرئاسي كقيادة له وهذا المقترح في إطار تقريب وجهات النظر داخل البيت الوفاقي ان صح التعبير ولتجنب الإنقسام الحاد.

سبق أن خرجت اصوات بهذا المقترح بعد مرور سبعة أشهر من الحرب وتحديدا في الثلث الأخير من سنة 2019 تعبيرا عن نية حقيقية لتشكيل حكومة بمعزل عن المجلس الرئاسي. الأمر الذي يحاول العديد من الأطراف داخل المجلس الرئاسي ايقافه.

اتجهت الأحداث في ليبيا إلى مشهد مختلف وذلك بعد اعلان قوات القيادة العامة بقيادة حفتر قبول التفويض الذي تحصل عليه من الشعب، حسب وصفه، هذا التفويض الذي كان قد طلبه من الليبيين عندما خرج في خطاب قصير ومصور يؤكد وجوب اسقاط الاتفاق السياسي وما نتج عنه وتفويض جهة جديدة في الدولة لتسيير امور البلاد.

خلال 72 ساعة فقط من خطابه الأول، ودون انتظار اية تفاعل مع ما طلبه من تفويض، خرج قوات القيادة العامة بقيادة حفتر بخطاب جديد يقبل فيه حسب وصفه ما سماه “تفويض الشعب” للمؤسسة العسكرية الي يترأسها لاستلام زمام الأمور في البلاد. وقد اقترح احتمالية اعلانه لوثيقة دستورية جديدة حاكمة للمرحلة القادمة.

انتُخب عقيلة صالح في أوت 2014 رئيسا لمجلس النواب الليبي في طبرق بعد انتخابات تشريعية دارت يوم 25 جوان 2014. وفي نوفمبر 2014 نزعت المحكمة العليا في ليبيا الشرعية عن مجلس النواب المنعقد بطبرق شرقي البلاد وما انبثق عنه من قرارات ومؤسسات ومنها حكومة عبد الله الثني والمعروفة بمسمى “الحكومة المؤقتة”

ورغم وجود بعد بيانات التأييد البسيطة من بعض القبائل والمناطق في ليبيا وخاصة في المنطقة الشرقية الا ان هذا التفويض لم يؤدي إلى ما كان متوقعا منه. ويتضح ذلك في الفيديو الذي نشر وتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي للمستشار عقيلة صالح مع مجموعة من مشائخ قبيلة العبيدات (قبيلة عقيلة صالح )، وهو يتحدث قائلا بان المجتمع الدولي وعلى رأسه داعمي قوات القيادة العامة بقيادة حفتر وتحديدا (روسيا) لا يعترفون الا بحكومة الوفاق الوطني كممثل لليبيا وان اتفاق الصخيرات هو الناظم للعملية السياسية في ليبيا ولا يمكن اسقاطه بمجرد بيان وان العملية العسكرية الحاصلة على اسوار العاصمة الليبية طرابلس يبدوا انها لن تنجح خاصة بعد التدخل التركي القوي ولهذا لا مناص من وجود مبادرة لحل الازمة على اساس الحوار.

أطلق عقيلة صالح لذلك مبادرته لحل الأزمة في ليبيا، التي قوبلت برفض من قبل حكومة الوفاق الوطني لتضمنها بعض النقاط الخلافية منها ان الجنرال حفتر هو قائد الجيش ولا يتم المساس بهذه المؤسسة نهائيا ولا التدخل فيها. ورغم صدى رفض عقيلة صالح لفكرة التفويض الا ان الجنرال خليفة حفتر لازال يسير فيما يسميه هو تفويض الشعب بل وتم تسريب تشكيل لحكومة مؤقته جديد تمثل الوضع الجديد تحت قيادة قوات القيادة العامة بقيادة حفتر.

يشير مراقبون إلى أن الكفة قد اختلَّت تماماً في غرب البلاد لصالح حكومة الوفاق، وأن تقدُّم الأخيرة على مشارف ترهونة جعل النصر الاستراتيجي الذي بدأ بصد حملة حفتر في عام 2019 ثم عملية تحرير غريان التي جاءت بصورة مفاجئة بعد شهرين ونصف من عمليات قوات حفتر لاقتحام العاصمة (4/4/2019)، نصراً حقيقياً تكتيكياً وعملياتياً على قوات القيادة العامة بقيادة حفتر، خاصة بعد السيطرة الجوية لقوات الوفاق على المنطقة الغربية إلى حدود سرت حيث بداية الشرق الليبي بالقرب من الهلال النفطي.

ان خروج قوات القيادة العامة بقيادة حفتر نهاية أبريل/ 2020 ليعلن رفضه لاتفاق الصخيرات الإطار السياسي الذي أقره مجلس الأمن وإلغاءه لمجلس النواب الذي قام باختيار حفتر نفسه كقائد عام للجيش الليبي قبل 5 أعوام، يجعل المنطقة الشرقية تحت سيطرته وحكمه منفصلة عن غيرها. هذا الانتقال نحو المجال السياسي وتغيير دينامية الصراع إلى صراع أطر ونظم ومؤسسات هو المنتظر من الجنرال خليفة حفتر فهو بهذه الطريقة سيضمن مساحات آمنة له في حال انتصر في الغرب الليبي أو هزم.

للإشارة فجرت الخطوة التي قام بها حفتر ردود فعل غاضبة لدى أعضاء مجلس النواب في الشرق الليبي، خاصة لفقدانهم كل أمل في إيجاد معادلة بين فكرة وجود برلمان ونظام دستوري وحكم عسكري يرفض منطق المشاركة في الحكم.

ولهذا يرى العديد من المتابعين ان حفتر بهذه الخطوة قد اعاد القدرة لحكومة الوفاق على معالجة التصدعات التي تعصف بها خلال هذه المرحلة خاصة انها كانت تحاول ان تعيد ثقة القادة العسكريين كواجهة سياسية لهم والتخلي عن فكرة وجود بديل لها نتيجة حالة الجمود التي مرت بها العمليات العسكرية والتحركات الدولية للحكومة خلال الفترة الماضية. الامر الذي جعلها تعمل على نوع من التغييرات العسكرية السريعة من اجل اعادة بناء الثقة. الا ان قوات القيادة العامة بقيادة حفتر قد اعانها بهذه الخطوة لإعادة توحيد صفوفها واثبات ان كل ما قامت به خلال الثلاث اسابيع الماضية قد كان في الطريق الصحيح.

أعاد هذا الانقلاب في موازين القوى لحكومة الوفاق الوطني القدرة على إيجاد مشروع يمكن أن يطلق مرحلة جديدة في مسار الأزمة الليبية، وهو ما يمكن أن نلمسه في تصريحات المجلس الرئاسي الذي بدأ بالحديث عن “تحرير كل المدن الليبية”. يعدُّ غير مسبوق في تصريحات المجلس الرئاسي، خاصة مع ظهور بعض الشخصيات العسكرية من الشرق الليبي -التي تقاتل مع حكومة الوفاق- تتحدث عن أن هدف القيادة العليا (المجلس الرئاسي) هو تحرير ليبيا بالكامل، وأنه يجب ألا تَقف العمليات في المنطقة الغربية، وأنه يجب التوجه للشرق لمقاتلة حفتر للحفاظ على الوحدة الوطنية في ليبيا.

   ليس هناك أي مشاريع أو خطط مطروحة بوضوح على الطاولة، لكن فيما يبدو أن الضعف الذي أظهره حفتر وداعموه وعدم قدرتهم على الصمود أمام التخطيط المتأنِّي للداعم التركي وقدرته على تنظيم صفوف قوات الوفاق، جعلت الأنظار تتجه نحو الشرق وهذا تحول كبير في المشهد الليبي وانتقال استراتيجي للمعركة. إذا استطاعت حكومة الوفاق السيطرة على كامل الغرب الليبي بالسيطرة على قاعدة الوطية ومدينة ترهونة، فإن المشهد برمته سيتحول نحو الشرق ويبدأ الكل في البحث عن سردية لنقل الصراع سواء من القوى المحلية أو الإقليمية أو الدولية. للإشارة، يمكن ملاحظة ان سير العمليات العسكرية لحكومة الوفاق يحافظ على توجهه نحو السيطرة على المنطقتين المذكورتين عبر عزل تدريجي لهما وتحييد للقوات الجوية التابعة لحفتر. 

للتذكير يعتبر الشرق منطقة كبيرة ومتنوعة بين السهول والوديان والجبال. وكانت القبائل في الشرق جزء من المشهد الاجتماعي والسياسي منذ البداية. فقبائل العواقير في بنغازي كانت من أوائل الداعمين لحفتر، كما أن عقيلة صالح من قبيلة العبيدات أعطى لحفتر الدعم السياسي كونه رئيس مجلس النواب في طبرق من خلال تعيينه في 2/3/2015 كقائد عام للجيش الليبي رغم أن النظام الإداري للجيش الليبي لا توجد فيه هذه الصفة.  يمكن تقسيم الشرق إلى عدة مناطق من بنغازي وضواحيها إلى المرج حيث قبائل “العرفة”، والبيضاء وضواحيها إلى القبة حيث قبائل البراعصة، ثم تأتي درنة وضواحيها إلى المناطق المرتفعة في الطريق إلى طبرق حيث بقية قبائل العبيدات بفروعها وبيوتها المختلفة، وطبرق وضواحيها الرابطة مع الحدود المصرية في مساعد.

ان قوات القيادة العامة بقيادة حفتر وقادة التشكيلات المسلحة في بنغازي، والقبائل في ليبيا ليست نظاماً عشائرياً محدداً كما في بعض الدول العربية، كما أنها في الأغلب نظام زعاماتي تستخدمه بعض الزعامات والطامحين للسلطة للحصول على مكاسب وغنائم في الدولة، فعقلية الغنيمة والقبيلة وجَدَت فيها فضاءً سياسياً خاصة مع الدعم العسكري والسياسي والمالي الذي وفرته الإمارات لحفتر.

فعليا سيؤدي ما قام به حفتر إلى تقسيم المنطقة الشرقية إلى مناطق متعددة الولاءات، فالمنطقة الممتدة من درنة إلى طبرق تحاول دائماً أن يكون لها نمطها وطابعها الخاص الذي يجعلها تستفيد من كافة القوى السياسية سواء حفتر أو حكومة الوفاق، لذا فهي منطقة رخوة، وبما أن عقيلة صالح من هذه المنطقة فيرجح انقسامها داخليا وسيجد الموالون لعقيلة صالح أنفسهم أمام موقف صعب، فهم إن وقفوا مع عقيلة صالح للمكتسبات السياسية التي كانوا عليها  عندما كان رئيساً للبرلمان، فإنهم يعرفون ضعف عقيلة صالح، نظرا لغياب المال والسلاح الكافيين للاستمرار في منازعة حفتر، وهذا ما سيجعلهم يبحثون عن حل وسط مع خليفة حفتر، والأقرب أن الأخير سيتعامل معهم على أنهم قبائل طامعة في السلطة وسيصل معهم إلى حالة توازن تجعله الحاكم وتبسط سلطانه على تلك المناطق.

وعلى الصعيد الحقوقي لازال ملف الاختفاء القسري هو ما يتصدر الأخبار اليومية للعديد من المواطنين وخاصة في المناطق القريبة من الاشتباكات وتعتبر مدينة طرابلس ومنطقة القرابولي (مدينة قريبة من ضواحي طرابلس الشرقية ) هي من اكثر المدن التي تزداد فيها وتيرة الاختفاء والتي تعتبر اغلبها على اساس جهوى ومناطقي نتيجة استمرار التفسخ الاجتماعي الذي خلفته الحرب الدائرة اليوم ولا توجد الى حد الان احصائية دقيقة لأعداد المواطنين المختفيين قسريا.

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
Skip to content