مشروع قانون زجر الاعتداء على القوات الملسحة ُ حصانة مُقنعة لتعزيز الإفلات من العقاب؟

رغم مناخ الحرية والديمقراطية والجهود المتواصلة من أجل تكريس سيادة القانون، بقي السؤال مطروحًا عن سبب تواصل غياب المتابعة والعقاب فيما يوجه من تهم لأعوان الأمن خاصة. فلا يفوت المتابع للشأن العام في تونس، تواصل ارتكاب الأجهزة الأمنية لعدة اعتداءات عُرفت تحت شعارات تعلم عوم أو “غزوة بن عروس” التي اقتحمت خلالها قوات الأمن محكمة بن عروس لإخراج عون امن متهم بالتعذيب، أو حادثة مقتل الشاب أيمن العثماني. وجميعها يغيب فيها القصاص العادل بينما يحضر فيها الإفلات من العقاب، إلا أن الأخطر فيها، هو حدوثها في ظل تعزيز فكرة تطبيق القانون وسيادته. يشير ذلك إلى أهمية صيانة ومراجعة وحسن إصدار القوانين بما يضمن فعليًا نصوصًا دقيقة وقابلة للتطبيق، دون استغلال في تواز مع مسار إصلاح مؤسساتي وهيكلي، يشمل جميع تفاصيل الدولة، لأن فرضية خرق القانون واستغلاله تحضر أيضًا في مناخ الديمقراطية.

عاد مشروع زجر الاعتداءات على القوات المسلحة ليبرز على الساحة الإعلامية والسياسية والحقوقية بعد ان وضع على طاولة نقاش لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب منذ أكثر من أسبوع. وهنا تذكير بمواعيد مهمة مرتبطة به:

جوان 2013

عرض مشروع القانون على المجلس الوطني التأسيسي ورفض واسع في المجتمع المدني

أفريل 2015

مصادقة الحكومة على القانون وإيداعه بمجلس نواب الشعب، ولاقى نفس الرفض من قبل المجتمع المدني.

جويلية 2017

تمت إحالة القانون على لجنة التشريع العام لكنه واجه نفس الرفض

مارس 2020

عودة مشروع القانون امام انظار لجنة التشريع العام

من المهم أيضًا التذكير بأن سياق عودة مشروع القانون دائمًا ما يترافق مع احداث ارهابية او سياق مضطرب تمر به البلاد. إلا أن المفارقة أن المضمون يمس من الحقوق والحريات أكثر منه رد تشريعي على الخطر الإرهابي. الأمر الذي يؤكد عليه المجتمع المدني على الدوام.

إرهابيان يفجّران نفسيهما قرب السفارة الأمريكية في تونس بتاريخ 9 مارس 2020

تمسكت وزارة الداخلية والنقابات الأمنية من خلال المبادرة التشريعية الأخيرة بضرورة حماية منظوريها أثناء قيامهم بعملهم، لكن هذا المشروع لاقى معارضة واسعة حول مضمونه الزجري و طابعه العقابي، إضافة إلى تعارضه مع المواثيق الدولية والدستور فيما يتعلق بالحريات، وقد أصدرت أغلب المنظمات والجمعيات الحقوقية والمنظمات الوطنية بيانات ومواقف منددة بهذا القانون ونبهت لخطورته كما عبر العديد من الفاعلين السياسيين عن امتعاضهم من مشروع القانون كما طالبت كل من نقابة الصحفيين التونسيين والاتحاد العام التونسي للشغل بسحبه من أمام لجنة التشريع العام، كما شارك مركز دعم منظمات المجتمع المدني التونسية في توجيه نداء إلى نواب الشعب لالغاء النظر في مشروع القانون المتعلق بزجر الاعتداء على القوات المسلحة

ويهم مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان (دعم) أن يبدي بعض الملاحظات حول المشروع لتوضيح الأسس التي ينبني عليها رفض المركز المطلق لمثل هذا القانون.

1- على المستوى القانوني

من الجدير بداية تقديم القانون شكلا وما يحيلنا عليه من جرائم وعقوبات قبل التعرض لمضمونه.

أ‌) تقديم عام

يتضمن هذا القانون عشرين فصلًا مقسمة إلى خمسة أبواب. باستثناء الفصول الثلاث الأولى التي جاءت في الباب الأول تحت عنوان أحكام عامة وفيها حاولت جهة المبادرة تحديد أهداف مشروع القانون فإن باقي الفصول وعددها سبعة عشر جاءت جميعها لخدمة الطابع الزجري والعقابي لمشروع القانون، يُستثنى منها طبعًا الفصل الثامن عشر الذي ينفي عن عون الأمن أي مسؤولية جزائية في حالات معينة مذكورة في نص المشروع.

أما باقي النصوص فهي مقسمة كالآتي:

فصول تحدد الركن المادي للجريمة دون التنصيص على العقاب المستوجب لها وتخصص الفصول التي تليها لتفصيل العقاب من الأدنى للأشد وهي حالة الفصل 4 الذي يحدد الفصل 5 والفصل 6 العقوبات المستوجبة لمخالفته. وكذلك الفصل 7 الذي يحدد الفصل 8 والفصل 9 العقوبات المستوجبة لمخالفته.

 

ثمة فصول أخرى تحدد الركن المادي للجريمة والعقوبة المستوجبة لها بنفس الفصل.

 

كما جاء بنص المشروع ثلاثة فصول لا تتناول جرائم او عقوبات ولكنها تؤكد على التشديد في العقاب وهي حالة الفصل 9 الذي ينص على عدم إمكانية تطبيق الفصل 53 من المجلة الجزائية الذي يسمح للقاضي بالنزول بالعقاب الى الأدنى المسموح، وهو يحيل على مضمون الفصلين 5 و6.

 

أيضا، أكد الفصل 19 على أن العقوبات المنصوص عليها لا تحول دون تطبيق العقوبات الأشد!! في مخالفة واضحة لمبادئ القانون الجزائي الذي يقدم النص الخاص على النص العام ويطبق فيه مبدأ النص الأرفق بالمتهم. فمشروع القانون إذن يتكامل مع غيره من النصوص في التشديد والزجر، لكن يخالف الكثير منها في مبادئ القانون وحدود الحقوق والحريات وضوابطها الدستورية.

 

ويختتم المشروع بالفصل 20 الذي ينص على أنه يمكن الحكم بأحد أو بعض العقوبات التكميلية المنصوص عليها بالفصل 5 من المجلة الجزائية.

 

إن ما يمكن إحصاؤه أيضا انطلاقًا مما سبق بسطه أن المشروع تضمن 13 جناية يتراوح الحكم فيها بين 6 سنوات والسجن بقية العمر وبخطايا مالية تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف دينار مقابل 5 جنح فقط يتراوح الحكم فيها بين شهرين إلى 5 سنوات سجن والخطية من 5000 إلى 25000 دينار. وهو ما يؤكد نزوع جهة المبادرة للتشديد في العقوبات المستوجبة

 

 

وهنا شرح تفصيلي بمجمل الوارد في القانون من جنايات وجنح والعقوبات المرتبطة بها:

الفصل

الفصل 5

التهمة

اختلاس أو إتلاف أو إفشاء أو تغيير إستعمال أو مسك أو تداول أو حفظ سر من أسرار الأمن الوطني الذي عرفه الفصل 4 من نفس القانون على أنه جميع المعلومات والمعطيات المتعلقة بالأمن الوطني.

العقوبة

10 سنوات سجن

50 ألف دينار خطية

الفصل 6

من ليس له صفة في إستعمال أو مسك أو تداول أو حفظ سر من أسرار الأمن الوطني ولذي تعمد بحسب الحال إما الإستيلاء أو النفاذ أو الإطلاع عليه أو اتلافه أو نسخه أو افشاه أو تغييره.

10 سنوات سجن

50 ألف دينار خطية

الفصل 7

عدم الخضوع لشرط الترخيص

يخضع لترخيص مسبق من السلط المختصة إستعمال

آلات التصوير

آلات التصوير السنيمائي

الأجهزة الهاتفية بغاية التصوير

الات التسجيل

أجهزة الإستقبال الإذاعي والتلفزي وذلك داخل المنشآت الأمنية والعسكرية أو في مواقع العمليات الأمنية والعسكرية أو بالعربات أو على متن الوحدات البحرية أو الجوية التابعة للقوات المسلحة.

شهرين إلى سنتين سجن

الفصل 10

تعمد دون ترخيص من السلط المختصة الدخول إلى المباني غير المفتوحة للعموم أو النفاذ إلى التجهيزات أو العربات والآليات سواء كانت برية أو بحرية أو بحرية أو إلى الأراضي المسيجة أو غير المسيجة المميزة بعلامة كتابية ظاهرة مخصصة للقوات المسلحة أو موضوعة تحت حمايتها أو رقابتها.

سنة سجن

15 ألف دينار خطية

الفصل 11

تعمد بقصد الإضرار بالأمن العام من خلال تعطيل السير العادي للمصالح والمؤسسات والمنشآت التابعة للقوات المسلحة بأي وجه من الوجوه

3 أعوام سجن

15 ألف دينار خطية

الفصل 12

تعمد تحقير القوات المسلحة بقصد الأضرار بالأمن العام

عامان سجن

15 ألف دينار خطية

الفصل 13

تعمد حرق أو هدم أو تحطيم عربة أو آلية تابعة للقوات المسلحة بقصد الإضرار بالأمن العام

السجن مدى الحياة

الإستيلاء على أسلحة وذخيرة أو تجهيزات أو معدات أو وثائق أو أشياء أخرى بعهدة القوات المسلحة بقصد الإضرار بالأمن العام.

10 سنوات سجن

50 ألف دينار خطية

الفصل 14

المشاركة ضمن جمع غير مسلح في الإعتداء على مقرات تابعة للقوات المسلحة أو أماكن احتفاظ أو ايقاف أو سجن لتسهيل أو إيقاف فرار محتفظ أو موقف أو سجين

10 سنوات سجن

50 ألف دينار خطية

الفصل 15

التهديد بارتكاب جناية أو جنحة في حق أحد الأعوان او قرينه أو أحد أصله أو فروعه أو أحدا ممن هم في كفالته قانونا

15 سنوات سجن

25 ألف دينار خطية

في حالة التشديد: تضاعف العقوبة

الفصل 16

الإعتداء على محل سكنى عون القوات المسلحة أو على محتوياته أو على وسيلة تنقله

6 سنوات سجن

30 ألف دينار خطية

في حالة التشديد: 20 عاما و مائة ألف دينار

يمكن القول أن نص القانون عام ومقتضب وذو صياغة سيئة لا تحترم قواعد صياغة النصوص القانونية، التي منها ضمان حسن الصياغة والتحرير بما يجعله مفهوما من الجميع، بالإضافة إلى الدقة اللازمة لتطبيقه من حيث التعريف والمجال، دون أن ننسى تناسقه مع كامل المنظومة القانونية ومبادئها. وهو ما سيتضح في القسم التالي.

ب) من حيث المضمون

بالعودة إلى محتوى النصوص، يمكن ملاحظة نقطتين أساسيتين:

 

أولًا: غياب مفاهيم واضحة ودقيقة واستعمال مصطلحات فضفاضة.

 

ثانيا: الطابع الزجري والتشديد في العقوبات.

 

إذا ما انطلقنا من أن القاعدة القانونية يجب أن تكون عامة ومجردة وملزمة فإن المفاهيم والتعريفات والمصطلحات واللغة المستعملة يجب أن تكون دقيقة وواضحة من حيث مدلولها ومناط تطبيقها، والملاحظ في هذا المشروع أن المصطلحات المستعملة جاءت فضفاضة وعامة دون أن تكلف جهة المبادرة نفسها عناء تفسيرها وتعريف المصطلحات تعريفًا دقيقًا في بعض الفصول واستعملت أيضًا مصطلحات ومفاهيم لم تكلف نفسها عناء تعريفها ولو تعريفا غير دقيق في بعض الفصول الأخرى مما يجعل مجال تطبيقها واسعًا وهو ما يمكن أن يشكل خطرًا عمليا على الحقوق والحريات.

 

ومن بين هذه المصطلحات نجد:

1 –  اسرار الأمن الوطني

 

يعرّف الفصل الرابع من نص مشروع القانون أسرار الأمن الوطني بطريقة غير دقيقة، على أنّها “جميع المعلومات والمعطيات والوثائق المتعلّقة بالأمن الوطني”. يقع تقدير السر من غيره على عاتق السلطة الأمنية في حالة مماثلة، بحيث يمكن أن تجعل من كل معلومة، تهم الشأن العام أو السياسية الرسمية في قطاع مهم داخليا لجهة ارتباطه بالحياة السياسية والمدنية، سرا لا يمكن التطرق له.

2 – العمليات الأمنيّة:

ينص الفصل السابع من مشروع القانون على انه يخضع لترخيص مسبق من السلطة المختصة كل استعمال لآلات التصوير والتصوير السينمائي والأجهزة الهاتفية وآلات التسجيل وأجهزة الاستقبال الإذاعي أو التلفزي داخل المنشآت الأمنية أو العسكرية أو في مواقع العمليات الأمنية أو العسكرية أو بالعربات أو على متن الوحدات البحرية أو الجوية التابعة للقوات المسلحة. كما يخضع لترخيص مسبق من السلطة المختصة كل نشر أو إحالة للأفلام أو الصور أو التسجيلات المصورة أو الصوتية التي تتم داخل المنشآت الأمنية أو العسكرية أو في مواقع العمليات الأمنية أو العسكرية أو بالعربات أو على متن الوحدات البحرية أو الجوية التابعة للقوات المسلحة.

 

والملاحظ في هذا الفصل غياب أي تعريف لمفهوم العمليات الأمنية.

 

3 – التحقير:

نص الفصل 12 من مشروع القانون على ما يلي: يعاقب بالسجن مدة عامين وبخطية مالية قدرها عشرة آلاف دينار كل من تعمد تحقير القوات المسلحة بهدف الإضرار بالأمن العام. والملاحظ أيضًا أن هذا الفصل لا يعرف مفهوم التحقير والمقصود منه.

 

4 – الأمن العام:

ورد بالفصول 11 و12 و13، مرتبطا بجرائم اخرى. يعتبر مفهوم الـأمن العام من المفاهيم القانونية الكلاسيكية والمتداولة في النصوص القانونية الوطنية والدولية. وتطرح دائما إشكالا مهما في تحديد دلالتها.

الفصل 18

لا تترتب أية مسؤولية جزائية على عون القوات المسلحة الذي تسبب، عند دفعه لأحد الاعتداءات التي تتكون منها الجرائــم المنصوص عليها بالفصول و14 و16 من هذا القانون، في إصابة المعتدي أو في موته، إذا كان هذا الفعل ضروريا لبلوغ الهدف المشروع المطلوب تحقيقه حماية للأرواح أوالممتلكات، وكانت الوسائل المستخدمة هي الوحيدة الكفيلة برد الاعتداء وكان الردّ متناسبا مع خطورتـه.

والحال هذه، خاصة عندما تكون المفاهيم والمصطلحات غير دقيقة من حيث الدلالة ومجال التطبيق، فإن الباب يصبح مفتوحا لتقدير السلطة، وحتى مع وجود رقابة القاضي، إلا أنها، في حال الثقة التامة في دوره، يبقى دوره بعديا، ولا يمنع من تعسف السلط الأمنية.

 

وهو ما يتكرس أكثر لجهة التوسع في دائرة حماية عون القوات المسلحة في مشروع القانون. جاء به في فصله الخامس عشر أن كل تهديد بارتكاب جناية أو جنحة ضد عون أو قرينه أو أحد أصوله أو أحد فروعه أو من هم في كفالته قانونا، يعاقب عليه مرتكبه بـ 5 سنوات سجنا و25 ألف دينار. وتشمل دائرة حماية العون محل سكناه ومحتوياته ووسيلة تنقله، فيما تتولى الدولة جبر الضرر الحاصل له، وتحل محله في المطالبة بالتعويض من خصمه.

 

كما يعتبر الفصل 18 أخطر الفصول لجهة حمايته لعون القوات المسلحة بعد استعماله للقوة المميتة دون اية متابعة جزائية. وهو ما يجعل القانون مبنيا على منطق التشدد مع المعتدي على قوات الأمن والتساهل مع العون، حيث غابت الضوابط الكفيلة بضبط دوره وضمانات سلامته، بين احترام ضرورات العمل الأمني وضرورات دولة القانون ومبادئ الحقوق والحريات.

2- على المستوى الحقوقي

يمكن القول منذ البداية أن فصول هذا القانون تقريبًا تتناقض مع الفصل 49 من الدستور الذي يضع شروطًا لأي تقييد للحقوق والحريات ولمبادئ الضرورة والتناسب. يؤكد الفصل المذكور على أن أية ضابط لا يوضع إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية وديمقراطية وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها. يحدد هذا الفصل على أن المنطق التشريعي يدخل تحت مقاربة حقوقية عامة تجعل المقاربات الأخرى منها ودونها. الأمر الذي يؤكد على أن المقاربة الأمنية التي برر لها شرح الأسباب في مشروع القانون، عبر التأكيد على ارتباطها بسلامة المجتمع ووجوده، لا تنفصل بتاتا عن المقاربة الحقوقية التي كرسها دستور 2014. وهنا يمكن الإشارة إلى بعض الحقوق التي يمسها هذا المشروع.

المس من الحق في الحياة

يعفي الفصل 18 من مشروع القانون القوات الحاملة للسلاح من المسؤولية الجزائية في حالة التسبب في الإصابة أو وفاة المعتدي. والى جانب أن هذا الفصل يتناقض مع مبدأ الاستخدام التدريجي للقوة الذي يحدده القانون عدد 69 المؤرخ في 24 جانفي 1969 المنظّم للاجتماعات العامة والمواكب والاستعراضات والمظاهرات والتجمهر. فإنه يمس من الحق في الحياة الذي يكفله الدستور وجميع المواثيق الدولية.

المس من حرية الصحافة والنشر والتعبير

وذلك من خلال اخضاع التصوير والنشر لترخيص مسبق واستعمال مصطلحات فضفاضة دون تعريفها تعريفا دقيقا كما في صورة مصطلح التحقير المستعمل صلب الفصل 12 من مشروع القانون ومصطلح أسرار الأمن الوطني المستعمل صلب الفصل الرابع، بالإضافة إلى مصطلح الأمن العام.

 

جاء شرح الأسباب في مشروع القانون على ذكر وثيقة المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين. واقتصرت المقتطفات الواردة منه في الشرح على ما يدعم فكرة الحماية الواردة في مشروع القانون، ذات الطابع الزجري والعقابي، دون ربطها بروح ومنطق القواعد الدولية، حيث جاء في هذه المبادئ شبكة من المفاهيم المترابطة حول فكرة تطبيق وإنفاذ القانون ضمن “…إيلاء الإعتبار لدور مسؤولي إنفاذ القانون فيما يتعلق بإقامة العدل وحماية الحق في الحياة وحرية الشخص وأمنه ومسؤولية الحفاظ على السلامة العامة والسلام الإجتماعي وأهمية مؤهلاتهم وتدريباتهم وسلوكهم..” وفي نفس الإطار تشير المبادئ إلى “…أنه يجب توجيه انتباه المسؤولين عن إنفاذ القانون وغيرهم من الأشخاص من القضاة والمدعين العامين والمحامين وأعضاء السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والجمهور“.

تضع المبادئ الأساسية المذكورة آنفا كل تنظيم وتشريع يتعلق بعملية إنفاذ القانون، أيا كان المتدخل فيها، تحت سقف احترام القانون والعدل والحرية وحقوق الإنسان، بالتشارك مع بقية المتدخلين فيها. الأمر الذي يجعل هذا المشروع، أمنيا بالأساس دون مراعاة المقاربة القانونية والحقوقية، خاصة أن جزء منه يتعارض مثلا مع مبدأ العقوبة الأخف التي تنص عليها النصوص الدولية.

إن مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان (دعم) وبعد التأمل بفصول مشروع القانون تأملًا موضوعيًا بناء على تحليل قانوني بنظرة حقوقية يؤكد على أن هذا المشروع خطير ويتعارض مع المواثيق الدولية والدستور والعديد من القوانين الأخرى. كما يؤكد المركز على أن مثل هذه القوانين القمعية لم يعد لها مبرر في ظل ما تعيشه البلاد من تحولات سياسية واجتماعية. إن الوضع الراهن في تونس وكل المنطقة ولئن كان على درجة من الخطورة يجعل من المسألة الأمنية محل نقاش دائم ومتواصل خاصة بعد العمليات الإرهابية التي استشهد خلالها العديد من القوات الحاملة للسلاح وكذلك في ظل تنامي الحراك الاجتماعي بكامل أنحاء البلاد (9091 تحرك خلال سنة 2019 وفق التقرير السنوي للحركات الاحتجاجية الاجتماعية في تونس الصادر عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية) فإن هذا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبرر مثل هذه القوانين المتشددة والتي تأتي تحت تأثيرات وظروف معينة كما أن مثل هذه القوانين أثبتت فشلها في إحداث التوازن المجتمعي وهو ما تذرعت به جهة المبادرة في الوثيقة المصاحبة لمشروع القانون.

 

لا يكفي ما تواجهه القوات الحاملة للسلاح من صعوبات ومخاطر حقيقية أثناء أداء واجبها الوطني لتبرير هذا القانون الذي كلما كان أكثر تشددًا كلما زاد في الفجوة وخرق التوازن المجتمعي بسبب ضربه لعنصر الثقة المطلوب في العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمواطنين. لا تحتاج العلاقة المذكورة إلى الزجر والعقاب لتعزيزها بقدر ما تحتاج إلى ضمان سيرها في ظل القانون واحترام الحقوق والحريات. لا يجب ان يكون القانون أداة لهيكلة العنف في العلاقة بين المواطن والأمني، بقدر ما يحتاج إلى السلم المبني على احترام الذوات من احترام الحقوق والواجبات.

 

لا يعالج مشروع القانون المسائل الأساسية والمشاكل الحقيقية والمستعجلة للقوات الحاملة للسلاح ونحن نبارك كل مشروع قانون يكون هدفه الحقيقي إصلاح المنظومة الأمنية وشحذ معنويات القوات الحاملة للسلاح مثلما كان الأمر في علاقة بالقانون عدد 50 لسنة 2013 الذي تعلق بضبط نظام خاص للتعويض عن الأضرار الناتجة لأعوان قوات الأمن الداخلي عن حوادث الشغل والأمراض المهنية الذي كان يهدف الى تطمين أعوان قوات الأمن الداخلي الذين يعرضون أنفسهم لمخاطر مكافحة الاٍرهاب والجريمة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on email
Email
Share on print
Print
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
Skip to content