اخبار برنامج اصلاح السياسات والتشريعات

مصر: الخطايا العشر لنيابة أمن الدولة

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

أعده:

  • الباحث والحقوقي حازم إمام
  • مسؤول وحدة البحوث والدراسات خليل العربي

 

أقامت جلُ النظريات السياسية الصلة بين الدولة والفرد، بحيث جعلت من تمام وجوده حضوره في دولة تدفع به كقيمة عليا. الأمر الذي يجعل كل انتهاك ضده هدما لفكرة الدولة نفسها. وكما تتحقق الصلة الإيجابية بين الفرد والدولة بالقانون فإن خلافها يتحقق أيضا بالقانون.

تعتبر حرية الفرد الأصل في الأشياء، وكل حد لها يفترض نصا قانونيًا يبرر وضع الحد. في مخالفة ما سبق تقع حالة التعسُف في تطبيق الإجراء القانوني. لعل الضحية الأولى للإعتقال التعسفي هي شخص واحد إلا أنه في الواقع عقاب جماعي يمتد أثره إلى أفراد أسرة الموقوف التي تعيش حالة الخوف والقلق على مصير ابنها أوابنتها. توفي والد الشاب المصري شادي أبو زيد وهو في الحجز فيما تصارع والدته المرض دون أن تقدر على زيارته. تواصل احتجاز شادي لمدة 21 شهرًا على ذمة القضية رقم 621. وقد تم الحكم بإخلاء سبيله بتدابير احترازية إلا أن النيابة العامة سارعت إلى ضمه في قضية أخرى تحت رقم 1956 لسنة 2019، أي على ذمة قضية تكونت وهو في الحجز.

تبدأ بإيقاف الشخص من قبل القوة العامة سلسلة الإجراءات القانونية التي من المفترض أن تضمن توازن حق الفرد في علاقته بحق المجتمع في السلم والأمن. وأداة هذا التوازن هو القانون أساسا، عبر تطبيق السلطات له على الجميع. إلا أن الإشكال الجدي يبدأ عندما لا تحترم السلطة نفسها القانون. يمكن القول، أن محاولة القانون تقدير التعسف في أدق مراحل تطبيقه، يعبر عن حساسية المعادلة لارتباطها بوجود المجتمع والعقد الذي يحكمه. وهو ما سيتم عرضه عبر جملة من قواعد ومبادئ القانون الدولي، كما فسر جزء منها الفريق العامل على الاعتقال التعسفي في الأمم المتحدة، وقبل الدخول في تفاصيل القانون المصري، والانتهاكات المتكررة له ولحقوق الإنسان.

ينبني تقدير التعسُف على ما يُهدر من حرية الفرد في التفكير والتعبير والحركة ومجمل حقوقه. أما أول مداخل تقدير التعسف هو النظر في الآلة القانونية للإعتقال التعسفي في مصر. لعلها من المفارقة أن تكون الآلة قانونية إلا أن العبارة المذكورة آنفا تستقيم إذا كانت أدوات القمع تمر عبر النصوص القانونية وتوظيفها. وهو ما جعل الفريق العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي في الأمم المتحدة يجعل كل الضوابط والقواعد المرتبطة بمنظومة العدالة ككل جزء من تقييمه لحالة التعسف في الإعتقال. حسب هذا الفريق، يصبح الحد من الحرية تعسفيا في حالات ثلاث. وهي كالتالي:

  • إذا كان واضحا من المستحيل التذرع بأي أساس قانوني لتبرير الحرمان من الحرية، كأن يبقى الشخص قيد الإحتجاز بعد انتهاء مدة العقوبة المحكوم عليه بها أو على الرغم من صدور قانون عفو ينطبق عليه. وهي الفئة الأولى.
  • إذا كان الحرمان من الحرية ناجما عن ممارسة الحقوق والحريات التي يضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وهي الفئة الثانية من حالات الإحتجاز التعسفي.
  • إذا كان عدم الإحترام التام أو الجزئي للقواعد المتصلة بالحق في محاكمة عادلة، المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية ذات الصلة، من الخطورة بحيث تضفي على الحرمان من الحرية طابعا تعسفيا. وهنا يضع الفريق معيارا للفئة الثالثة من حالات التعسف في الحجز.

التقرير‭ ‬النصف‭ ‬سنوي‭ ‬لمراقبة‭ ‬مراكز‭ ‬الاحتجاز‭ ‬بمصر

لمنظمة Committee for Justice

0
انتهاك
0
اخفاء قسري
0
اعتقال تعسفي

عرفت مصر 638 حالة اعتقال تعسفي خلال نصف السنة الأول فقط من 2019، من جملة 4820 انتهاكًا، كما ورد في التقرير نصف السنوي لمشروع مراقبة مراكز الإحتجاز ل Committee for Justice. والأرقام تصبح أكبر عندما نتتبع تفاصيل المبادئ القانونية التي بخرقها يصبح كل توقيف تعسفا وضربا للحرية.

أصبحت نيابة أمن الدولة “أداة شريرة للقمع”، كما أوردت ذلك منظمة HRW، حيث لا توفر في جميع مراحل التقاضي ضمانات المحاكمة العادلة التي يفرضها القانون الدولي. وهي تنظر في قضايا ناتجة عن ممارسة الحقوق والحريات المكفولة قانونيا. تمت إحالة عدة ناشطين على محاكمات بسبب مواقفهم السياسية ومعارضتهم لسياسات الحكم القائمة. الأمر الذي يجعل كل مسار التقاضي منذ الإعتقال وصلا إلى الحكم واقعا تحت تقدير التعسُف من حيث الأصل.

يفترض في قرار الحبس على سبيل المثال أن يكون مستندا إلى أدلة تبرر الحد من حرية الفرد، أي إلى كل ما يقوم كدليل على قانونية الإحتجاز. تعمد قوات الأمن في مصر إلى احتجاز الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان استنادا إلى تهم ملفقة، وهو ما حصل في حالة الناشطة إسراء عبد الفتاح، التي خضعت للتحقيق وتعرضت خلاله للتعذيب دون أن تواجه أية دليل على التهم. ولا تزال إسراء في السجن منذ 12 أكتوبر 2019. وأورد تقرير الفريق العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي في الأمم المتحدة لسنة 2014 حالات محمد محمد مرسي وعيسى العياط، وأحمد عبد العاطي، وعصام الحداد، وخالد القزاز، وعبد المجيد مشالي، وأسعد الشيخة، وأيمن علي، كحالات إحتجاز تعسفي من الدرجة الثالثة. تغيب في هذه الحالات الأخيرة شروط المحاكمة العادلة، كما يفترضها القانون الدولي، خاصة مع ما تحمله المحاكمات ذات الطابع السياسي من توظيف داخل المحاكم وخارجها، تُبرر به السلطة سلوكها.

يترافق الإعتقال التعسفي مع انتهاك لقرينة البراءة المضمونة دوليًا، حيث تسمح قوات الأمن لنفسها بارتكاب كل أنواع العنف والإهانة ضد الموقوفين. تصدر قوات الأمن حكمها على المعتقلين منذ البداية، فهم متهمون إلى أن يأتي خلاف ذلك، خاصة أن عدة حالات توقيف تتم بدون إذن النيابة. لاحقا، يتعرض الموقوفون إلى التعذيب بصورة ممنهجة لانتزاع الأقوال منهم، ثم تتم إحالتهم للمحاكمة. وتعمد قوات الأمن إلى تزوير تواريخ الإعتقال قصد محو تاريخ الإعتقال التعسفي وما يرافقه من تعذيب واختفاء قسري المجرَمان في القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

"كتب دعم"

بعد انتهاء مدة التوقيف على ذمة قضية أولى، يتم ضم الموقوف الى قضية أخرى، أو يحال على الدائرة المختصة في القضايا الإرهابية. واجه الموقوفون في القضية المعروفة باسم مظاليم وسط البلد هذه الوضعية، حيث بعد أن تم إطلاق سراح الموقوفين وانتهاء مدة الإيقاف التحفظي، تمت إحالة قضيتهم أمام الدائرة 21 إرهاب. الأمر الذي يطيل مدة ايقافهم أكثر. يؤكد تقرير الفريق المذكور آنفًا، أن كل إطالة غير مبررة تجعل إجراء التوقيف باطلا ويقع تحت تقدير التعسُف مباشرة رغم ان الإجراءات قانونية شكلا إلا أن استغلالها تعسفيا في قضايا ملفقة أو اتهامات باطلة او تمديدها عمدا يجعل من حالة التعسف قائمة، تبعا لتقييم فريق الأمم المتحدة.

يتجدد الإعتقال التعسفي سواء بالطريقة المذكورة آنفًا، أي بإخلاء سبيل الموقوفين لأسابيع أو شهور، ثم اعتقالهم مجددًا في قضايا جديدة بنفس الاتهامات القديمة، وقد تعرضت المحامية الحقوقية ماهينور المصري، والمحامي محمد حمدون لهذه الوضعية. أو من خلال صدور قرارات بإخلاء سبيل المعتقلين، ولكن دون أن يعقبها تنفيذ، فيختفي المتهم لفترة ثم يظهر مجددًا في قضية جديدة. يمكن الإشارة في هذه الحالة إلى قضية معتقلي مسيرة الإتحادية حيث استمر حبسهم رغم انتهاء مدة الإيقاف التحفظي، كما أن منهم من حكم لصالحه بالإفراج مقابل كفالة لكن لم يفرج عنهم فعليًا. من الجدير التذكير أن هذا المعطى يتعارض مع المعايير الدولية لاستقلال القضاء. والأخير ذاته يعبر عن عنصرين أساسيين في الديمقراطية الحديثة، وهما سيادة القانون والفصل بين السلطات. تؤكد المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على استقلالية القضاء، الذي يعني تطبيقيًا، وفي جانب منه، عدم تسييس القضاء واستغلاله لصالح طرف ما.

خلقت ممارسات السلطة في مصر “بابا دوارا”، كما اشارت الى ذلك منظمة العفو الدولية، في منظومة الإعتقال التعسفي في القضاء المدني لكن القضاء العسكري قد ساهم فيها بدوره. أشار الفريق العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي في الأمم المتحدة إلى الدور السلبي للقضاء العسكري، حيث يدخل دوره في الفئة الثالثة من الإيقاف التعسفي. من حيث المبدأ، يرى هذا الفريق وجود تضارب في القيم لا يمكن تصحيحه في تركيبة المحاكم العسكرية. وهو تضارب لا يفضي بالدرجة الأولى إلى إنكار العدالة بل يفضي إلى ظلم مباشر. بينما يُفترض في القاضي المدني استقلاليته، يعمل القضاء العسكري ضمن تراتبية خاصة تفرضها مهنته مع إعلاءها كقيمة مبدئية. عُرض أكثر من 12000 مدني أمام القضاء العسكري في عهد حسني مبارك. ويزداد العدد في عهد الرئيس السيسي الذي أصدر القانون 136 لعام 2014 الذي فوّض إلى الجيش سلطة حماية المنشآت العامة والحكومية لمدّة عامَين. بسبب هذا التوسع، عُرض أكثر من 7000 مدني خلال عامين من إصدار القانون. تدخل هذه الأرقام من حيث المبدأ في الفئة الثالثة بالنظر إلى غياب شروط المحاكمة العادلة التي تفترض محاكمة المدنيين أمام القضاء العادي فقط. وللإشارة فقد مدد البلمان المصري العمل بالقانون 136 لعام 2014 خمس سنوات إضافية حتى العام 2021.

يتعارض ما سبق ذكره مع الديمقراطية الدستورية وشروطها التي تتخلل عدة نصوص دولية. تحقق هذه الشروط توجه المجتمع الدولي منذ الحربين العالميتين إلى تكريس المبادئ الإنسانية في المجتمعات والدول كأداة لتجنب الحروب. يلتقي ذلك مع هاجس تحقيق السلم الداخلي لكل دولة على حدة. وهو ما يتعلق مباشرة بنظام الحكم والعقد الاجتماعي القائم فيها.

تفترض نظرية العقد الاجتماعى “Social Contract” نشأة الدولة على أساس عقد سواء كان هذا التعاقد بين الحكام والمحكومين، كما هو الحال عند جون لوك، أو بين المحكومين وبعضهم البعض عند توماس هوبز، فيما العقد الاجتماعى عند جان جاك روسو هو ميثاق يتنازل بموجبه الأفراد كلٌ عن نفسه للجماعة، والفرد جزء من هذه الجماعة، وبذلك ينهى العقد حالة الطبيعة، ويعمل على إنشاء المجتمع، حيث تصبح السيادة والسلطان من حق المجموع ككل لا من حق فرد واحد.

يوافق هوبز، ولوك، وروسو على أنّه إذا فشلت الدولة في أداء دورها، يتم فسخ العقد. وبالتالي يعود الفرد إلى حالة الطبيعة التي يضطر فيها إلى الاعتماد على نفسه، ومن ثمَّ فهو مُخوَّل لاستخدام أي وسيلة يراها ضرورية ومفيدة لضمان بقائه على قيد الحياة، وهو الحَكَم الوحيد الذي يقرر ما هو ضروري ومفيد.

 

يتناقش الخبراء طوال الوقت هل الأخطر على الدولة المصرية هي الأزمة الأمنية، أم الإقتصادية، أم هي أزمة الحريات، إلا أن الجريمة الأكبر التي تحدث في السنوات الأخيرة هي إنعدام هيبة القانون والتي بدأتها السلطات بعدم إحترامه في أغلب تصرفاتها، سواء بإتخاذ إجراءات غير قانونية، أو ليَ عنق القانون والدستور، أو في إصدار قوانين غير دستورية معولة على إستمرارها لسنوات قبل أن تنظر فيها المحكمة الدستورية العليا، وقد رأينا ذلك في إصدار قوانين للتظاهر والعمل الأهلي وتنظيم السلطة القضائية. وتم الإلتفاف حول القوانين في مسألة بيع جزيرتي تيران وصنافير التي شهدت مهازل قانونية بكل ما للكلمة من معنى. بين سلطة تنفيذية متوحشة، وتشريعية متواطئة، وقضائية مسالمة، لم يعد يمكن للمواطن أن يلجأ للقانون في أي من أمور حياته.

وربما كانت الخطوة الأسوء في فقدان الثقة بالقانون قد تجسدت في تورط السلطة القضائية في المعركة السياسية بين النظام والمواطنين، فبعد أن إستمرت حالة الطوارئ 30 سنة في حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، تحولت الأنظمة المختلفة من استخدام الإعتقال السياسي إلى تلفيق القضايا للمعارضين كنوع من تقنين للقمع. في فترة المجلس العسكري حوكم الآلاف من المدنيين أمام المحاكم العسكرية، ثم في عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي عاد المعتقلون للمثول أمام القضاء العادي والذي كانت له بعض المواقف المشرفة لنصرة المعتقلين، إلا إنها كانت بداية حبس المتهمين إحتياطياً لفترات طويلة، والتي إستمر فيها نظام 3 يوليو بتوسع مهول.

يتناقش الخبراء طوال الوقت هل الأخطر على الدولة المصرية هي الأزمة الأمنية، أم الإقتصادية، أم هي أزمة الحريات، إلا أن الجريمة الأكبر التي تحدث في السنوات الأخيرة هي إنعدام هيبة القانون والتي بدأتها السلطات بعدم إحترامه في أغلب تصرفاتها

يتناقش الخبراء طوال الوقت هل الأخطر على الدولة المصرية هي الأزمة الأمنية، أم الإقتصادية، أم هي أزمة الحريات، إلا أن الجريمة الأكبر التي تحدث في السنوات الأخيرة هي إنعدام هيبة القانون والتي بدأتها السلطات بعدم إحترامه في أغلب تصرفاتها، سواء بإتخاذ إجراءات غير قانونية، أو ليَ عنق القانون والدستور، أو في إصدار قوانين غير دستورية معولة على إستمرارها لسنوات قبل أن تنظر فيها المحكمة الدستورية العليا، وقد رأينا ذلك في إصدار قوانين للتظاهر والعمل الأهلي وتنظيم السلطة القضائية. وتم الإلتفاف حول القوانين في مسألة بيع جزيرتي تيران وصنافير التي شهدت مهازل قانونية بكل ما للكلمة من معنى. بين سلطة تنفيذية متوحشة، وتشريعية متواطئة، وقضائية مسالمة، لم يعد يمكن للمواطن أن يلجأ للقانون في أي من أمور حياته.

وربما كانت الخطوة الأسوء في فقدان الثقة بالقانون قد تجسدت في تورط السلطة القضائية في المعركة السياسية بين النظام والمواطنين، فبعد أن إستمرت حالة الطوارئ 30 سنة في حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، تحولت الأنظمة المختلفة من استخدام الإعتقال السياسي إلى تلفيق القضايا للمعارضين كنوع من تقنين للقمع. في فترة المجلس العسكري حوكم الآلاف من المدنيين أمام المحاكم العسكرية، ثم في عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي عاد المعتقلون للمثول أمام القضاء العادي والذي كانت له العديد من المواقف المشرفة لنصرة المعتقلين، إلا إنها كانت بداية حبس المتهمين إحتياطياً لفترات طويلة، والتي إستمر فيها نظام 3 يوليو بتوسع مهول.

كانت البداية مع إصدار الرئيس السابق عدلي منصور تعديل لقانون الإجراءات الجنائية يطيل من مدد الحبس الإحتياطي، وصدور قانون التظاهر وتشكيل دوائر خاصة للنظر في القضايا التي أطلق عليها دوائر الإرهاب.  وكانت النيابة العامة قد بدأت في استمراء قرارات الحبس الإحتياطي وإصدارها دون تمييز أو مراجعة مما أدى لإستمرار حبس المتهمين لشهور وسنين دون حساب.

هذا التوريط للسلطة القضائية في الصراع السياسي وما يترتب عنه من فقدان هيبة المنظومة القضائية ككل وتحولها لأداة في يد السلطة التنفيذية والقائمين عليها كان أكبر أدلته التحول الذي حدث في نيابة أمن الدولة من نيابة متخصص في القضايا المتعلقة بالأمن القومي، تتعامل مع قضايا الإرهاب والتجسس وقلب نظام الحكم، إلى جهة تحاسب المواطنين على أرائهم السياسية ويُعرض عليها نشطاء بسبب منشوراتهم علي مواقع التواصل الإجتماعي، بل أن إتهام مثل “الإنضمام لتنظيم إرهابي” أصبح مدعاة للسخرية بعد أن أصبح يوجه لأي شخص دون دليل حقيقي أو سبب واضح، وتحول لمجرد “إكليشية” تصبغ به القضايا ليتحول إختصاصها لنيابة أمن الدولة.

في الأصل تعد نيابة أمن الدولة العليا واحدة من النيابات المتخصصة وقد أُنشئت وحدد اختصاصها بمقتضى قرار وزير العدل المنشور بالعدد 22 من الوقائع المصرية والصادر فى 12 مارس 1953 وتختص بنظر القضايا الشائكة. وهي النيابة التي تحقق في القضايا المتعلقة بأمن البلاد الداخلي والخارجي، والقضايا السياسية، والتجسس، ويحق لها أن تصدر قرارا بحظر النشر في أي قضية تراها.

كما تختص نيابة أمن الدولة العليا بالتصرف في الجنايات والجنح المضرة بأمن الحكومة من الخارج والداخل وجرائم المفرقعات والرشوة والجنح المتعلقة بالأديان والجنح التي تقع بواسطة الصحف، أو غيرها من طرق النشر إذا كان المجني عليه موظفا عاما أو شخصا ذو صفة نيابة عامة أو مكلفا بخدمة عامة، وجرائم الإضراب عن العمل والتحريض عليه وتجنيده والاعتداء على حق العمل وحريته والتوقف عنه بالمصالح ذات المنفعة العامة، والتجمهر، والاجتماعات العامة والمظاهرات في الطرق العمومية، وجرائم حفظ النظام بمعاهد التعليم.

كما شملت اختصاصات نيابة أمن الدولة النظر في جرائم حماية الوحدة الوطنية، وجرائم حماية حرية الوطن والمواطنين، وجرائم نظام الأحزاب السياسية المعدل بالقانون رقم 36 لسنة 1979، وجرائم شؤون التموين الخاصة بالتسعير الجبرى وتحديد الأرباح والقرارات المنفذة لهما.

وتمتاز نيابة أمن الدولة عن النيابة العامة العادية بمزايا عديدة أهمها سلطتها في الحبس الإحتياطي، حيث أن الإختصاص العام للنيابة في الحبس الإحتياطي هي حبسه 4 أيام قبل عرضه على قاضي المعارضات للنظر في تجديد حبسه من عدمه، إلا أن المادة 206 مكرر،   من قانون الإجراءات الجنائية يسمح لها بحبس المتهم إحتياطياً دون عرضه على قاضي التجديد حتى 150 يوم ثم يعرض بعدها للنظر في تجديد حبسه من عدمه أمام دائرة جنايات.

سبق لمركز “دعم” أن أصدر ورقتين بحثيتين عن إنتهاكات نيابة أمن الدولة، إلا أنه ومع الإستمرار في الإنتهاكات وزيادتها، وجدنا من المهم أن نقوم برصد الخطايا القانونية التي ترتكبها النيابة بشكل يومي دون أدنى إدراك أو إهتمام لما تتسبب فيه من تكريس لدولة اللا قانون.

تخالف نيابة أمن الدولة باستمرار أحد أهم المبادئ القانونية التي كرستها محكمة النقض المصرية بخصوص ضرورة صحة إجراءات التحقيقات حين قررت ما يلي:

“إن الشرعية الإجرائية سواء ما اتصل منها بحيدة المحقق أو بكفالة الحرية الشخصية والكرامة البشرية للمتهم ومراعاة حقوق الدفاع جميعها ثوابت قانونية أعلاها الدستور والقانون وحرص على حمايتها القضاء ليس فقط لمصلحة خاصة بالمتهم وإنما بحسبانها فى المقام الأول تستهدف مصلحة عامة تتمثل فى حماية قرينة البراءة وتوفير إطمئنان الناس إلى عدالة القضاء.”

طعن رقم 18753 لسنة 65 ق جلسة 1998/12/15 س 49 ص 1456

الخطايا العشر

منع المحامين من دخول النيابة والحضور مع المتهم

تنص المادة 54 من الدستور المصري على أن:​

“الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق. 
ويجب أن يُبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويمكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فوراً، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته. 
ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محام، ندب له محام، مع توفير المساعدة اللازمة لذوي الإعاقة، وفقاً للإجراءات المقررة في القانون…..”.

وتنص المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه:

لا يجوز للمحقق في الجنايات وفي الجنح المعاقب عليها بالحبس وجوباً أن يستجوب المتهم أو يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود إلا بعد دعوة محاميه للحضور عدا حالة التلبس وحالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة على النحو الذي يثبته المحقق في المحضر. وعلى المتهم أن يعلن اسم محاميه بتقرير لدى قلم كتاب المحكمة أو إلى مأمور السجن، أو يخطر به المحقق، كما يجوز لمحاميه أن يتولى هذا الإعلان أو الإخطار. وإذا لم يكن للمتهم محام، أو لم يحضر محاميه بعد دعوته، وجب على المحقق، من تلقاء نفسه، أن يندب له محامياً….”.

وتنص المادة 139 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه:

“يبلغ فوراً كل من يقبض عليه أو يحبس احتياطياً بأسباب القبض عليه أو حبسه، ويكون له حق الاتصال بمن يرى إبلاغه بما وقع والاستعانة بمحام. ويجب إعلانه على وجه السرعة بالتهم الموجهة إليه”

بدأت المأساة في نيابة أمن الدولة عام 2015 حين فوجئ المحامون أثناء دخولهم إلي مبنى نيابة أمن الدولة بمجمع محاكم التجمع الخامس لمزاولة أعمالهم، بأن قوات الأمن مع بعض الموظفين في مبنى النيابة الذين يرتدون الملابس المدنية يمنعونهم من الدخول إلى مبنى النيابة، وألزموهم بالوقوف فى الشارع وتسليم طلباتهم من خارج السور الحديدي الذي يحيط بالمبنى، ثم العودة بعد الساعة الرابعة عصراً لتسلم الرد من نفس المكان، دون أن يتمكنوا من الدخول لمقر النيابة أو الإلتقاء بأعضاء النيابة أو رؤسائها أو الموظفين الإداريين العاملين فيها، بل ويضطر المحامون إلى الوقوف في الشارع والإنتظار لساعات بجوار السور الحديدي للمبنى حتى يستجيب أحد إلى طلباتهم وأسئلتهم.

بدأ المنع بالتضييق الشديد على الدخول إلى النيابة وعدم تمكن المحامين من الدخول إليها بحرية وإنعدام أية معلومة عن أي تحقيق جديد لشخص مقبوض عليه، أو معرفة مواعيد جلسات المتهمين بدقة ليصبح من المعتاد أن تحضر النيابة المتهمين لتجديد حبسهم في مواعيد عشوائية ولا يتمكن محاموهم من الحضور معهم. طعن مجموعة من المحامين في هذا المنع من دخول النيابة أمام القضاء الإداري وقضت المحكمة الإدارية العليا بالسماح للمحامين بدخول مبنى المحكمة إلا إن الحكم لم يطبق حتى الأن.

وبعد عبور المحامي العقبة الأولى والدخول إلى النيابة للسؤال عن موكله المقبوض عليه والذي غالباً ما يكون قد تم إحتجازة لأكثر من ال24 ساعة التي نص عليها القانون، وبعضهم يكون قد اختفى قسرياً لأسابيع أو لأشهر، يواجه المحامي إنكارا طوال الوقت حول الموقوف. ثم إذا أراد عضو النيابة التحقيق مع المتهم – وهنا يقصد التحقيق الأول – تنتظر النيابة نهاية اليوم، أي بعد انصراف المحامين، أو ما هو أسوء مثل أن يرى المحام موكله يدخل غرفة التحقيق لكن المحقق يرفض ببساطة دخول المحامي وحضوره التحقيق لكي يتمكن من الإنفراد بالمتهم وتجريده من كل حقوقه القانونية.

الحيثيات الكاملة لحكم الإدارية العليا بتأييد حكم تمكين المحامين من دخول مبني نيابة أمن الدولة”، المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 10 / 9 / 2017. 

يعتبر ما سبق مخالفة صريحة للتعديلات التي أدخلها القانون 145 لسنة 2006 على الأحكام الخاصة بالاستجواب، المنصوص عليها فى المادة 124 إجراءات والتي أكدها دستور 2014 في المادة 54 والتى تتمثل فى:

  • استحداث وجوب دعوة محامي المتهم فى الجنح المعاقب عليها بالحبس وجوباً، وذلك قبل استجوابه أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود، وقد كانت هذه الضمانة مقصورة قبل التعديل على الجنايات.
  • استحداث إلزام المحقق، من تلقاء نفسه، بندب محام للحضور مع المتهم فى أثناء الاستجواب أو المواجهة، إذا لم يكن له محام أو لم يحضر محاميه بعد دعوته، وذلك فى مواد الجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس وجوباً، وتتحمل الخزانة العامة أتعاب المحامى المنتدب، وهذه الضمانة لم تكن متوافرة إلا فى مرحلة المحاكمة فى الجنايات.
  • النص فى الفقرة الأخيرة من المادة 124 المستبدلة على حق المحامى الحاضر مع المتهم فى أن يثبت فى المحضر ما يعن له من دفوع أو طلبات أو ملاحظات.

قضت محكمة النقض بأن “الدفع ببطلان استجواب المتهم في جناية واعترافه المستمد منه لعدم دعوة محاميه للحضور رغم عدم تنازله عن هذه الدعوي صراحة هو دفع جوهري لتعلقه بحرية الدفاع وبالضمانات الأصلية التي كفلها القانون صيانة لحقوق هذا المتهم مما يقتضي من المحكمة أن تعني بالرد عليه بما يفنده فإن هي أغفلت ذلك فإن حكمها يكون معيبا بالقصور في التسبيب”. (1968/10/29 – أحكام النقض – سـ19 – ق 176-صـ891)

ولا شك أنه بعد تعديل قانون الإجراءات الجنائية فإن مدلول هذا الحكم وغيره يصبح أقوى من ذي قبل وذلك لتعلقه بحرية الدفاع وبالضمانات الأصلية التي كفلها القانون صيانة لحقوق المتهم، فضلاً عن أنه بصدور

قضت محكمة النقض بأن “الدفع ببطلان استجواب المتهم في جناية واعترافه المستمد منه لعدم دعوة محاميه للحضور رغم عدم تنازله عن هذه الدعوي صراحة هو دفع جوهري لتعلقه بحرية الدفاع وبالضمانات الأصلية التي كفلها القانون صيانة لحقوق هذا المتهم مما يقتضي من المحكمة أن تعني بالرد عليه بما يفنده فإن هي أغفلت ذلك فإن حكمها يكون معيبا بالقصور في التسبيب”. (1968/10/29 – أحكام النقض – سـ19 – ق 176-صـ891)

ولا شك أنه بعد تعديل قانون الإجراءات الجنائية فإن مدلول هذا الحكم وغيره يصبح أقوى من ذي قبل وذلك لتعلقه بحرية الدفاع وبالضمانات الأصلية التي كفلها القانون صيانة لحقوق المتهم، فضلاً عن أنه بصدور دستور 2014 والذي أوجب في مادته 54 حضور محام قبل بدء التحقيق مع المتهم فقد نسخ المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية فيما يخص هذا الإستثناء تماما ليصبح عدم جواز التحقيق مع المتهم في غياب محاميه قائما في جميع الأحوال.

دستور 2014 والذي أوجب في مادته 54 حضور محام قبل بدء التحقيق مع المتهم فقد نسخ المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية فيما يخص هذا الإستثناء تماما ليصبح عدم جواز التحقيق مع المتهم في غياب محاميه قائما في جميع الأحوال.

إتهامات جوفاء دون تحقيق جدي

جاء القانون 145 لسنة 2006 بتعديل :

قانون الإجراءات الجنائية ليعيد التناسب بين حماية الحرية الشخصية وحماية المجتمع، ولهذا يذهب الدكتور فتحى سرور إلى (أن هذا التناسب لم يعد تحت رحمة التطبيق القضائى، بل سجلته إرادة الشعب من خلال تعديل قانون الإجراءات الجنائية).

الدكتور أحمد فتحى سرور، تقديم كتاب القاضى سرى محمود صيام عن الحبس الاحتياطى فى التشريع المصرى فى ظل الضمانات المستحدثة بالقانون 145 لسنة 2006، ص 9.

وأحد أهم الضمانات الواردة فى هذا التعديل، هو عدم جواز الحبس الاحتياطى دون استجواب:

أفصحت عن هذه الضمانة المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية والمعمول بها فى تحقيق النيابة العامة بمقتضى الإحالة المنصوص عليها فى المادة 199 من القانون ذاته، بما قررته من أن حبس المتهم احتياطياً لا يجوز إلا بعد استجوابه.

ويؤكد القاضى سرى محمود صيام نائب رئيس محكمة النقض الأسبق أن الاستجواب يعنى:

مناقشة المتهم تفصيلياً ومواجهته بالتهمة.كما شدد على أن هذه الضمانة ضمانة مهمة من ضمانات ممارسة سلطة الحبس الاحتياطى، يترتب على إغفالها بطلان هذا الحبس، وما ترتب عليه من إجراءات، وما أسفر عنه من أدلة. الأمر الذي يُضاعف من أهمية هذه الضمانة.

إذا كان الاستجواب المسبق شرطاً لصحة إصدار الأمر بالحبس الاحتياطى، فإنه يجب لصحة الأمر بمد الحبس الاحتياطى سماع أقوال المتهم وذلك امتثالاً لأحكام المواد 142، 143، 202، 203 من قانون الاجراءات الجنائية، وهو إجراء يترتب على إغفاله بطلان الأمر الصادر بمد الحبس الاحتياطى.

[1] القاضى سرى محمود صيام- الحبس الاحتياطى فى التشريع المصرى فى ظل الضمانات المستحدثة بالقانون 145 لسنة 2006-دار الشروق- صفحة 55

ويؤكد الدكتور عبد الرؤوف مهدى على ضرورة استجواب المتهم قبل حبسه احتياطيا باعتباره من أهم ضمانات التحقيق لأن هذا الاستجواب هو الذي يتيح الفرصة للمتهم بتفنيد الأدلة القائمة ضده والرد عليها.

وضرورة معرفة المتهم بحقيقة وتفصيلات التهمة الموجهة إليه هو جوهر عملية التحقيق الابتدائى الذي تجريه النيابة، وهذا التحقيق هو إجراء بالغ الحساسية فى تمهيد الطريق نحو الوصول إلى الحقيقة وعدم التضحية بحرية المتهم وحقوق الدفاع، حيث أن هذه المرحلة هى التى تقع فيها مشكلة التوفيق بين حماية حقوق المتهم وحرياته وبين الدفاع عن مصالح المجتمع. يعمد المحقق فى كثير من الأحوال إلى تطبيق بعض النصوص التى تسمح له بالمساس بحرية المتهم وحقوقه سواء بالحبس الاحتياطى أو تفتيش مسكنه أو الاطلاع على مراسلاته، ويجب ألا يتحقق هذا المساس بحرية المتهم وحقوقه إلا بعد استجوابه حول حقيقة التهم الموجهة إليه على نحو تفصيلى دون انتقاص أو تجهيل ليتمكن المتهم من تقديم دفاعه، وإذا عمد المحقق إلى عدم احاطة المتهم علماً بتفصيلات اتهامه يفقد بذلك شرط الحياد المفترض فيه، حيث يجب أن يتوافر فى المحقق أثناء مباشرته لسلطة التحقيق شرط الحياد التام، وهو الشرط الذى لا يتوافر فيه أثناء مباشرته سلطة الاتهام لأنه يصبح فى تلك المرحلة خصماً فى الدعوى الجنائية. ومن ثمة فإنه طوال مرحلة التحقيق الابتدائى على المحقق ألا يتخلى عن هذا الحياد شكلاً وجوهراً، مما يعنى أن عليه عبء إبعاد سلطة التحقيق عن المواقف التى قد تعرضها لخطر التحكم أو الخطأ الجسيم أو الانحراف عن المصلحة العامة، أو التعسف فى استخدام السلطة مع المتهم ودفاعه.

كما يؤكد الدكتور فتحى سرور إلى أنه "يجب أن يُحاط استجواب المتهم بضمانات تؤكد طبيعته كوسيلة من وسائل الدفاع، ونبين هذه الضمانات فيما يأتي:

الإحاطة بالتهمة: يجب إخطار الشخص بالتهمة المسندة إليه حتى يمكنه الدفاع عن نفسه، وإثبات براءته، وفى هذا الصدد فإن طبيعة المعلومات التى يُخطر بها عن الجريمة المنسوبة إليه وتوقيت هذا الإخطار، يعدان عنصرين مهمين لإعداد دفاعه.

ويعرف الدكتور رؤوف عبيد الاستجواب بأنه :

استجواب المتهم غير سؤاله، لأنه يتطلب فضلا عن توجيه التهمة إليه مجابهته بالأدلة المختلفة القائمة قبله، ومناقشته فيها مناقشة تفصيلية، كى يفندها إن كان منكراً للتهمة، أو يعترف بها إذا شاء الاعتراف

وبتطبيق تلك القواعد القانونية والفقهية على الإتهامات الحالية بنيابة أمن الدولة فهناك إتهام جاهز لكل من يدخل النيابة وهو (الإنضمام إلى جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها الإرهابية). وعندما يسأل المتهم النيابة عن ماهية هذه الجماعة يأتي رد النيابة دون تحديد لاسم هذه الجماعة، ولا ماهية أغراضها الإرهابية، ولا كيفية مشاركة لمتهم فيها، ولا ماهية الأقوال أو الأفعال التى قام بها وتُشكل مشاركة منه في أغراض هذه الجماعة، ولا كيفية علم المتهم بها، ولا كيفية اتجاه إرادته لمشاركتها فى هذه الأغراض، مما يدفع المتهم للتمسك بالحق فى الصمت.

تكون التهمة الثانية التى توجهتها النيابة للمتهم هى :

أذاع عمداَ وبث ونشر أخبار واشاعات وبيانات كاذبة تؤدى إلى تكدير الأمن العام وتلقى الرعب بين الناس

التهمة الثالثة التى توجهها النيابة للمتهم هي :

إساءة استخدام إحدى وسائل التواصل الاجتماعى بإذاعة وبث ونشر أخبار وإشاعات وبيانات كاذبة

وفي حال تمسك المتهم بتجهيل الاتهام :

تمتنع النيابة عن ذلك.

يؤكد ما سبق أن استجواب المتهم مخالف للقانون على النحو السالف بيانه، حيث يكون على نحو مُجهل فى بعض عناصره، وقاصراً عن كفاية علم المتهم بحقيقة التهم المنسوبة إليه، وماهية الأقوال أو الافعال التى ارتكبها وتحققت بها الأركان المادية والمعنوية للجرائم المنسوبة إليه.

الإعتماد على أدلة واهية

لم يكتف المشرع في إجازة الحبس الإحتياطي بأن تصل الجريمة المسندة إلى المتهم إلى درجة معينة من الجسامة، بل اشترط أن تكون ثمة دلائل كافية على إرتكابه لها. صرحت بذلك المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية، وتكون الدلائل في درجة أقل من الأدلة، وتقديرها متروك للمحقق الذي في يده سلطة مد الحبس الإحتياطي، ويتجه الفقه إلى أنه إذا تبينت محكمة الموضوع عدم توافر الدلائل الكافية على الإتهام لتبرير الأمر بحبس المتهم إحتياطيا، كان هذا الأمر باطلا ويتعين بطلان ما ترتب عليه من إجراءات واستبعاد الدليل المستمد منها

لما كانت النيابة لا توجه إتهامات حقيقية للمتهمين بل مجرد أقوال مرسلة دون تحديد واضح، فمن الطبيعي أن تلك الإتهامات تكون مبنية على مجرد تحريات لا قيمة قانونية لها. يكون الدليل الوحيد على إدانة أغلب المقبوض عليهم في قضايا أمن الدولة هو أن أحد ضباط الأمن الوطني قد قام بكتابة محضر تحريات مكرر ومنقول من عشرات القضايا السابقة يصفة بالإشتراك في تنظيم غير محدد لنشر إشاعات غير محددة عبر وسائل تواصل غير معلومة، ثم يدرج مجموعة من الأسماء ويكون ذلك كافيا للنيابة لتقوم بحبسه إحتياطياً لشهور وسنوات دون إجراء أية تحقيقات حقيقية في المنسوب إليه. وإذا كان الضابط القائم بالضبط قد قرر أن يبذل بعض الجهد فسيشير إلى حرز مع المتهم، الذي هو عبارة عن هاتفه المحمول وجهاز الحاسب الآلي الخاص به، ويتم إرسالهم للفحص الفني الذي غالبا لا يرد التقرير.

إن نهج أمن الدولة في الإطمئنان التام للتحريات هو عكس ما ذهبت إليه محكمة النقض المصرية إلى أن “التحريات لا تعدو أن تكون مجرد رأي لصاحبها يخضع لاحتمالات الصحة والبطلان والصدق والكذب إلى أن يعرف مصدره ويتحدد كنهه ويتحقق القاضي منه بنفسه حتى يستطيع أن يبسط رقابته على الدليل ويقدر قيمته من حيث صحته أو فساده وإنتاجه في الدعوى أو عدم إنتاجه، فالأصل أن للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على التحريات باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة طالما أنها كانت مطروحة على بساط البحث، إلا أنها لا تصلح وحدها لأن تكون دليلا أساسيا على ثبوت التهمة”.

الطعن رقم 17759 – لسنة 64 ق-جلسة 20/3/2000 مكتب فني 51 رقم الصفحة 320

وقضت محكمة النقض بأن:

التحريات…. لا تصلح بذاتها دليلاَ… أو قرينة…. وإنما يجوز التعويل عليها كمعزز لغيرها من الأدلة

نقض 30/ 1/1977 س 18 ص138

كما قضت محكمة أمن الدولة العليا نفسها بأنه:

 “وتلاحظ المحكمة على تلك المحاضر ابتداء أنها قد أعدت وقدمت للنيابة العامة التى قدمتها بدورها إلى المحكمة على أساس أن ضباط مباحث أمن الدولة قد استقوها من مصادرهم التى لم يفصحوا عنها فهى إذن معلومات وتحريات ذات مصدر مجهول وهذا التجهيل الذي أحاط بالمصدر تثور معه الظنون حول سلامة وجدية المعلومات التى قدمها إلى رجال المباحث فقد تكون تلك المعلومات قد اتسمت بالمبالغة أو التهويل أو التجسيد أو استغلال المواقف. ثم إن هؤلاء الضباط عندما تلقوا هذه المعلومات التى أحاطت السرية بمصادرها قد أضافوا إليها معلومات سابقة ليقدموا جماع ذلك إلى النيابة العامة فى صورة محاضر بالمعلومات والتحريات. ومن هذا الخليط من المعلومات التى اعتمدت على مصادر مجهولة ومعارف وآراء تقوم على الاستنتاج والاستنباط كان هذا الحصاد من المحاضر والتحريات وهو ما لا يمكن التعويل عليه فى مجال تعزيز الدليل المثبت للفعل المؤثم.”

(فى القضية 1844 لسنة 1977  برقم كلى وسط قسم عابدين)

ونصت المادة 24/2 من قانون الإجراءات الجنائية على ما يلي:

” ويجب أن تثبت جميع الإجراءات التي يقوم بها مأمورو الضبط القضائي في محاضر موقع عليها منهم يبين بها وقت اتخاذ الإجراءات ومكان حصوله ويجب أن تشتمل تلك المحاضر زيادة على ما تقدم توقيع الشهود والخبراء الذين سمعوا، وترسل المحاضر إلى النيابة العامة مع الأوراق والأشياء المضبوطة.”

رفض فحص أدلة البراءة وعدم تطور التحقيقات

حسب المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية :

مبررات الحبس الإحتياطي هي: الخشية من هروب المتهم، خشية الإضرار بمصلحة التحقيق سواء بالتأثير على المجني عليه أو الشهود، أو بالعبث في الأدلة أو القرائن المادية، أو بإجراء اتفاقات مع باقي الجناة لتغيير الحقيقة أو طمس معالمها.

كما أوضحت المادة 381 من التعليمات العامة للنيابات أن:

الحبس الإحتياطي إجراء من إجراءات التحقيق غايته ضمان سلامة التخقيق من خلال وضع المتهم تحت تصرف المحقق وتيسير استجوابه أو مواجهته كلما استدعي التحقيق ذلك، والحيلولة دون تمكينه من الهرب والعبث بأدلة الدعوى أو التأثير على الشهود أو تهديد المجني عليه، وكذلك وقاية المتهم من احتمالات الانتقام منه وتهدئة الشعور العام الثائر بسبب جسامة الجريمة.

على جانب آخر، كثيرا ما يتقدم المتهمون ومحاموهم بأدلة براءة من الإتهامات المنسوبة إليهم، كدليل على القبض على المتهم بأيام وأشهر قبل كتابة محضر التحريات، أو إنعدام الصلة تماما بينه وبين الجماعات المتهم بالإنضمام إليها “كأتهام شيوعيين بالإنضمام لجماعة الإخوان المسلمين”، إلا أن النيابة تغض بصرها عن تلك الأدلة بل ترفض الإستماع لشهود النفي الذين يطلب المتهمون سماع أقوالهم، في حالة من الإنتهاك الكامل لحقوق وضمانات حسن سير التحقيقات.

في حقيقة الأمر، لا تحقيقات تتم في نيابة أمن الدولة، بل تحولت إلى تبرير لإنتهاك القانون والإستمرار في طمس المنطق القانوني وتشويه السلطة القضائية.

عدم توفير حماية للمتهم

من أهم أركان دور النيابة العامة في التحقيقات :

هي حماية المتهم من أية إنتهاكات قد يتعرض لها، خاصة من جهة الشرطة وذلك بإعتبارها “الخصم العادل” في الأمور الجنائية. وهي في الأصل مدافع عن المجتمع والقانون ويهمها حماية الجميع.

لا يحدث ما سبق ذكره في نيابة أمن الدولة التي كثيراً ما تكون هي صاحبة الإنتهاك الأكبر في حق المتهمين. أكدت شهادات متفرقة من متهمين أمام نيابة أمن الدولة قيام المحققين بالتعدي عليهم بدنيا وجسدياً. ومن الإنتهاكات المتعددة للقوانين، يتكرر إجراء عدم الإستجابة لاستغاثة المتهمين الذين عادة ما يكونون في حالة سيئة أمام النيابة بعد تعذيبهم بالأمن الوطني الذي يهددهم قصد عدم إثبات أثار التعذيب عليهم بمحضر التحقيق. أما إذا أثبت المتهم تلك التعديات فلا يهتم بها المحقق، وكثيرا ما يتعرض المتهم للمزيد من الإنتهاكات بعد رجوعه إلى مقر احتجازه دون أن تقوم النيابة بأي إجراءات بديلة بسيطة، كنقله من مقر الإحتجاز أو السجن الذي تعرض فيه للإعتداء إلى سجن آخر.

ومن آخر تلك التعديات ما حدث مع الناشطة السياسية إسراء عبد الفتاح التي عُرضت على نيابة :

أمن الدولة كمتهمة في القضية رقم 488، وقد وصلت إلى النيابة بإصابات متعددة في جسدها تتضمن كدمات في وجهها ويديها وكتفها وأماكن متفرقة في جسدها.

أثبتت إسراء في محضر التحقيقات أمام النيابة أنها تعرضت لتعذيب مبرح لمدة 24 ساعة في مقر إحتجازها. وذلك لمحاولة إنتزاع كلمة سر هاتفها المحمول والذي ما أن صرحت به حتى توقف التعذيب. تضمنت الإعتداءات على إسراء تغمية عينيها وتوجيه ضربات متعددة لها في يديها ووجهها وجسدها، وخنقها بملابسها، وتعليقها من يديها وقدميها علي إرتفاع من الأرض، وقد أثبتت في محضر التحقيقات أيضا اضرابها عن الطعام.

والغريب أن النيابة، على الرغم من إثباتها لأقوال إسراء وإثبات أثار التعذيب الواضحة على جسدها، لم تقم بفتح تحقيق في الواقعة أو سؤالها كمجني عليها أو عرضها على الطب الشرعي. وقامت بإصدار أمر بحبسها 15 يوما قيد الحبس الإحتياطي وإرجاعها لعهدة السلطة التي قامت بتعذيبها قبل عرضها النيابة. وقد كانت قد هُددت قبل الوصول إلى النيابة بإنها إذا تحدثت عن التعذيب ستلقي المزيد منه عند عودتها، لكن نيابة أمن الدولة غضت بصرها عن كل الإنتهاكات التي تعرضت لها إسراء ولم تلق بالاً بالخطر الذي يواجهها حال عودتها مرة أخرى إلى مقر الإحتجاز. بادرت إسراء لذلك بالإضراب عن الطعام إحتجاجاً على عدم التحقيق في واقعة تعذيبها وعدم سؤالها كمجني عليها، إلا إن النيابة حتى الآن، منذ 14 أكتوبر 2019، ترفض فتح تحقيق في الواقعة رغم سوء حالتها في كل جلسة تجديد حبس تأتي فيها إلى مقر النيابة، في واقعة فظة وغير مبررة.

حدث ما سبق ذكره بعد أيام قليلة من إقرار كل من الناشط علاء الفتاح والمحامي الحقوقي محمد الباقر في جلسة تجديد حبسهم أمام نيابة أمن الدولة أيضا بتعرضهم للتعذيب حال وصولهم لسجن طرة شديد الحراسة ٢ بعد قرار النيابة بحبسهم 15 يوما إحتياطياً. كالعادة، ورغم تلك الإقرارات، لم تفتح النيابة تحقيقا في شأنها ولم تتخذ أي إجراء حقيقي.

تتجاهل النيابة وقائع تعذيب المتهمين بما يخالف المادة 52 من الدستور المصري التي أقرت أن :

” التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم.” كما جرمت المادة 126 من قانون العقوبات تعذيب المتهم لحمله على الاعتراف فنصت على ان “كل موظف أو مستخدم عمومي أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحمله على الاعتراف يعاقب بالإشغال الشاقة أو السجن من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات وإذا مات المجني عليه يحاكم بالعقوبة المقررة للقتل العمد.”

 تضمنت نصوص الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية واتفاقية مناهضة التعذيب العديد من النصوص التي اهتمت بجريمة التعذيب والحد منها وتجريمها ومن هذه النصوص جاءت المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتؤكد أن “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه”، وكذلك المادة الخامسة التي تنص على أنه: “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاانسانية و الحاطه بالكرامة “. أما المادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فتؤكد بأنه: “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للعقوبة القاسية أو اللانسانية أو المعاملة الحاطه بالكرامة”. و “يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة في الشخص الإنساني” حسب المادة العاشرة منه. كما نصت الماده الأولى من اتفاقيه مناهضة التعذيب بتعريف التعذيب بأنه “أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد ،جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف ، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في انه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أوتخويفه أو ارغامه هو أو أى شخص ثالث – أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأى سبب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها”.

رفض الإطلاع والإستئناف

من أولى مبادئ حماية حق الدفاع أن :

يتمكن المحامي من الإطلاع على كامل أوراق الدعوى التي يباشرها، وكافة الأدلة والقرائن الموجهة إلى المتهم الذي يدافع عنه، وهو ما أكدت عليه المادة 125 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه: “يجب السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الاستجواب أو المواجهة ما لم يقرر القاضي غير ذلك، وفي جميع الأحوال لا يجوز الفصل بين المتهم ومحاميه الحاضر معه أثناء التحقيق”.

كما جاء في المادة 52 من قانون المحاماة بأنه:

“للمحامي حق الاطلاع على الدعاوى والأوراق القضائية والحصول على البيانات المتعلقة بالدعاوى التى يباشرها، ويجب على جميع المحاكم والنيابات ودوائر الشرطة ومأموريات الشهر العقارى وغيرها من الجهات التى يمارس المحامى مهمته أمامها أن تقدم له التسهيلات التى يقتضيها القيام بواجبه وتمكينه من الاطلاع على الأوراق والحصول على البيانات وحضور التحقيق مع موكله والحصول على البيانات وحضور التحقيق مع موكله وفقاً لأحكام القانون، ولا يجوز رفض طلباته دون مسوغ قانونى، ويجب اثبات جميع ما يدور فى الجلسة فى محضرها”.

وهو الأمر الذي لا يحدث إطلاقاً في نيابة أمن الدولة، فسواء تمكن المحامي من حضور التحقيقات مع المتهم أو تم منعه وتوجه بطلب لتصوير أو الإطلاع على أوراق القضية فطلبه يقابل بالرفض التام من جهة النيابة، في مخالفة صريحة لكل القوانين والأعراف القضائية. بل يخالف منطق فكرة دفاع المحامي عن موكله، فكيف له أن يتولي دوره كمدافع دون أن يعلم كنه الإتهامات والأدلة التي ضد موكله. ومن الممكن أن تستمر هذه الوضعية لسنوات أثناء سير التحقيقات حيث يذهب المحامي إلى جلسات التحقيق ليترافع في القضية بناء على خبرته فقط دون التفرقة بين قضية وأخرى.

تعتبر إمكانية استئناف أمر الحبس الإحتياطي الصادر ضده ضمانة أخرى ممنوحة للمتهم وفقاً لنص المواد رقم 164، 166، 167، 168 من قانون الإجراءات الجنائية الذي يتيح للمتهم أن يُنظر تجديد حبسه أمام الجهة القضائية الأعلى من تلك التي أصدرت الأمر بحبسه إحتياطياً. والأصل القانوني أن يفصل في الإستئناف خلال 48 ساعة من رفعه وإلا أصبح الإفراج عن المتهمين وجوبياً، إلا أن نيابة أمن الدولة كعادتها في أي إجراء قانوني آخر ترفض تلقي طلبات الإستئناف من الأصل لتصبح أوامر الحبس الصادرة منها بمثابة الأحكام النهائية الباتة التي لا سبيل للطعن فيها.

تخطي مدد الحبس الإحتياطي

يحد قانون الإجراءات الجنائية تقدير :

النيابة لمدد الحبس الإحتياطي، بل حددها بمدد واضحة في المادة 143 والتي قررت أنه: “وفي جميع الأحوال لا يجوز أن تجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا يتجاوز ستة أشهر في الجنح وثمانية عشر شهراً في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام.

ومع ذلك فلمحكمة النقض ولمحكمة الإحالة إذا كان الحكم صادرا بالإعدام أو بالسجن المؤبد أن تأمر بحبس المتهم احتياطيا لمدة خمسة وأربعين يوما قابلة للتجديد دون التقيد بالمدد المنصوص عليها في الفقرة السابقة. 

وبما إن نيابة أمن الدولة دائما ما تضيف اتهام الإنضمام لتنظيم إرهابي إلى قائمة الإتهامات لتصبح العقوبة المتوقعة للمتهم تصل إلى الأعدام، فإن أقصى مدة حبس إحتياطي وفقا للقانون تكون سنتين، إلا أن تلك القاعدة يتم كسرها كثيراً دون التقيد بالحد الأقصى الذي حدده القانون. وهو ما حدث على سبيل المثال للصحفي هشام جعفر الذي تخطي حاجز الثلاث سنوات حبس إحتياطي قبل أن يخلي سبيله. 

تجميع متهمين بشكل عشوائي

من المبادئ المترسخة قضائيا أن :

يعاقب المتهمون في قضية على فعل واحد أو أفعال متصلة ببعضها البعض، إلا أنه في قضايا الرأي التي يُنظر فيها مؤخرا أمام نيابة أمن الدولة، أصبحت القضية مجرد رقم يضاف إليه أية مجموعة متنافرة من المتهمين دون وجود أدنى علاقة بينهم، حتى أن تلك التجميعات العشوائية كثيراً ما تضم أفرادا من تيارات سياسية متنافرة وتجمعهم عداوات تاريخية.

ومن أكبر الأمثلة على ما سبق :

القضية 488 حصر أمن دولة التي بدأت بعد حادثة حريق محطة مصر، حين خرجت بعدها دعوات للتظاهر من أفراد جماعة الإخوان المسلمين المقيمين بالخارج عن طريق الإعلامي معتز مطر، فتم القبض على عدد من المواطنين على خلفية تلك الدعوة. إلا أن القضية سرعان ما ضمت مجموعة من نشطاء مختلفي الأيدولجيات السياسية مثل الناشط اليساري الكبير كمال خليل، والرئيس السابق لقسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والمحسوب على النظام حسن نافعة، والدكتور حازم حسني القيادي السابق بحملة أحمد شفيق، ورئيس حزب الدستور المعارض خالد داود، حتى وصل الأمر إلى ضم محامين عملوا لشهور على القضية مثل عمرو إمام وماهينور المصري. يؤكد التجميع العشوائي لتلك التيارات السياسية في جماعة واحدة وبينهم ما بينهم من عداوات، عدم صحة تحريات الأمن الوطني فكيف إذا تم إضافة محامين يعملون بشكل يومي في نيابة أمن الدولة ومعروفين من الأمن وأعضاء النيابة جيدا ثم بعد شهور يجدون أنفسهم مشتركين مع المتهمين في نفس الجرائم.

التحايل على إخلاء السبيل بتلفيق قضية جديدة

بعد الخمسة أشهر الأولى للمتهم في الحبس الإحتياطي :

والتي يكون نظر تجديد الحبس الإحتياطي فيهم أمام نيابة أمن الدولة كل 15 يوم، يصبح نظر تجديد أمر الحبس أمام دائرة الجنايات التي في بعض الأحيان تخلي سبيل المتهمين أو تستبدل الحبس بتدابير إحترازية كالمراقبة. في الحالات القليلة التي يصدر فيها إخلاء سبيل من النيابة، تقوم النيابة بإستدعاء أساليب الإعتقالات في ظل قانون الطوارئ قبل الثورة وتقوم بإدراج المتهم في قضية ثانية بذات الإتهامات لا فرق بينهما إلا رقم القضية، ليبدأ إحتساب مواعيد الحبس الإحتياطي من البداية ويدخل دوامة التجديدات من أولها.

 

يمكن الإشارة هنا إلى حالة المدون الساخر إسلام رفاعي والشهير بـ(خرم) والبعيد كل البعد عن العمل السياسي. كان قد قُبض على إسلام الرفاعي في 16 نوفمبر 2017 وحُقق معه بعد 3 أيام من اختفائه 12 يوما، وبعد 9 أشهر أخلي سبيله من تلك القضية بكفالة 2000 جنيه أمام قاضي الجنايات في 15 أغسطس/أوت، ورغم استئناف نيابة أمن الدولة ورفض الاستئناف، لم يخل سبيله وإنما استمر حبسه بإدراجه ضمن المتهمين في قضية جديدة رقم 441، حيث وجهت له إتهامات شبه مطابقة للتي وجهت له في القضية السابقة ولا يزال قيد الحبس الإحتياطي حتى الأن.

 

ويعد من أشهر من تم تدويرهم هو دكتور عبد المنعم أبو الفتوح  المرشح الرئاسي السابق في إنتخابات 2012 ورئيس حزب مصر القوية والذي قبض عليه في فبراير 2018 وحبس إحتياطيًا علي ذمة القضية 440 وقبل إنتهاء أقصي مُدة للحبس الاحتياطي تم التحقيق معه في القضية رقم 1781 لسنة 2019 والذي إتهم فيها بإدارة تنظيم من داخل محبسه مع محبوسين أخرين مع العلم بإنه كان محبوس إنفراديا كل تلك المدة ولا يوجد أي إختلاط بينه وبين باقي المحتجزين، وكذلك محمد القصاص نائب رئيس حزب مصر القوية، بعد قضائه لعامين من الحبس الاحتياطي وقررت النيابة إخلاء سبيله تم تدويره علي ذمة القضية 1781 لسنة 2019 وحبسه مرة أخري علي ذمة التحقيقات.

 

وهناك العديد من الحالات الأخرى مثل المدون محمد أكسجين وعبير الصفتي وإبراهيم متولي حسام الدين وزوجته علا القرضاوي  والذي أخلى سبيلهم لكن إخلاء السبيل لم يتطبق وتم التحقيق معهم في قضايا جديدة بذات الإتهامات وحبسه من جديد،

وهناك نوع أخر من التدوير كالذي حدث مع الناشط علاء عبد الفتاح وعبد الرحمن طارق، واللذات قد كان قد قضوا عقوبة الحبس  5 سنوات علي ذمة قضية مجلس الشوري الشهيرة وتم إحتجازهم في القسم أثناء فترة المراقبة الشرطية وتدويرهم لقضية أمن دولة، ومثلهم حدث للناشط بحركة 6 إبريل محمد عادل والذي كان قد حكم عليه بالسجن 3 سنوات ومثلهم مراقبة، وبعد أن أنهي فترة الحبس قبض عليه أثناء المراقبة الشرطية ليصبح متهم أمام نيابة أمن الدولة ويحبس من جديد.

قضايا لا تنتهي

مما لا شك فيه أن كل القوانين والأراء الفقهية التي تناولت الحبس الإحتياطي قد نظرت له بصفته إجراء إستثنائيا مؤقتا إلى حين الإنتهاء من التحقيقات في الإتهامات، وحذر الفقهاء مرارا من أن يتحول الحبس الإحتياطي لعقوبة في حد ذاته تستخدم كأداه للتنكيل بالمتهمين.

إلا أن هذا عين ما يحدث في نيابة أمن الدولة والتي أصبح لا هدف لها من الحبس الإحتياطي إلا الحبس ذاته، فبعد كل الإنتهاكات السابق ذكرها لا تتم إحالة الأغلبية العظمى من القضايا ذات الطابع السياسي إلى محاكمة في نهاية الأمر، فالقضايا إما تظل ملفا مفتوحا إلى ما لا نهاية وإتهامات معلقة على رقاب المدرجين بها، أو تحفظ بعد سنوات من وضعها بالأدراج دون اتخاذ إجراءات حقيقة.

خلال السنوات الأخيرة :

، لم يتم إحالة كل قضايا الرأي تقريبا التي بدأت فيها النيابة التحقيقات إلى المحاكمة الفعلية أمام المحكمة المختصة أو إتخاذ إجراءات حقيقة فيها، ليصبح ذلك تأكيدا على الصورة العبثية التي وضعت النيابة نفسها فيها. وينسحب ذلك على السلطة القضائية ككل التي أصبحت مجرد أداة في يد السلطة التنفيذية للتنكيل بالمعارضين.

الخاتمة

تهدد وضعية اللا قانون السائدة اليوم في مصر، هيكلة الدولة، حيث يغيب التصور المبدئي عن السلطات الثلاث ودورها الرقابي المتبادل. تهيمن السلطة التنفيذية على بقية السلط، خاصة منها القضائية التي تعتبر الملجأ الأخير للأفراد أمام كل أنواع الإنتهاكات. والحال هذه، يمكن تصور تفسخ العقد الاجتماعي الذي يشد بنوده إلى بعضها البعض، فكرة علوية القانون واحترامه من الجميع. لا غرابة أن يؤدي ذلك إلى المس من نسيج المجتمع المصري عندما يسود منطق القوة والمصلحة الخاصة على حساب منطق القانون التوحيدي حول المصلحة العامة.

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
Skip to content