دورية دعم 3: مكافحة الفساد وآثارها على عملية التحول الديمقراطي

الاطار العام

الانتقال‭ ‬الديمقراطي‭ ‬هو‭ ‬جُملة‭ ‬التفاعلات‭ ‬والعمليات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالانتقال‭ ‬أو‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬صيغة‭ ‬نظام‭ ‬حُكم‭ ‬غير‭ ‬ديمُقراطي‭ ‬إلى‭ ‬صيغة‭ ‬نظام‭ ‬حكم‭ ‬ديمُقراطي،‭ ‬وهي‭ ‬مرحلة‭ ‬المخاطر‭ ‬بامتياز،‭ ‬ففيها‭ ‬يحاول‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الأوضاع‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬بشتى‭ ‬الوسائل،‭ ‬فيما‭ ‬تحاول‭ ‬القوى‭ ‬الديمُقراطية‭ ‬والوطنية‭ ‬المرور‭ ‬بالبلاد‭ ‬إلى‭ ‬بر‭ ‬الأمان‭. ‬وثقة‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬تُعتبر‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬الضمانات‭ ‬المساعدة‭ ‬على‭ ‬المرور‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬بسلام‭.‬

ويُعتبر‭ ‬الفساد‭ ‬قوة‭ ‬مُزعزعة‭ ‬لهذا‭ ‬الاستقرار‭ ‬المطلوب،‭ ‬تُلقي‭ ‬بظلالِها‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والأمن‭ ‬والنظام‭ ‬السياسي‭. ‬بل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬الفساد‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أسباب‭ ‬التغيُرات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬ثورات‭ ‬شعبية‭. ‬فتفشي‭ ‬ظاهرة‭ ‬الفساد‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أسباب‭ ‬هذه‭ ‬التحركات‭. ‬كيف‭ ‬لا‭ ‬وهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تُفقِد‭ ‬المواطن‭ ‬ثقتَهُ‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬ومن‭ ‬يُمثلها‭ ‬بل‭ ‬تُفقده‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬شعوره‭ ‬بالانتماء‭ ‬إلى‭ ‬وطنه‭. ‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬الأسس‭ ‬التي‭ ‬يرتكز‭ ‬عليها‭ ‬النظام‭ ‬والمؤسسات‭ ‬لتحقيق‭ ‬الانتقال‭ ‬الديمُقراطي،‭ ‬وفي‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭ ‬يسترجع‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬المواطن‭ ‬العادي‭ ‬ثقته‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬ويشعر‭ ‬بوجود‭ ‬تغيير‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭. ‬وينخرط‭ ‬بدوره‭ ‬في‭ ‬مُكافحة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬ودعم‭ ‬مسار‭ ‬التغيير‭.‬

وقد‭ ‬اخترنا‭ ‬لهذا‭ ‬العدد‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬وآثارُها‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬التحوُّل‭ ‬الديمُقراطي‮»‬‭ ‬لنحاول‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬إبراز‭ ‬دور‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬انتقالًا‭ ‬نحو‭ ‬نظام‭ ‬ديمُقراطي،‭ ‬ولنرصد‭ ‬التطورات‭ ‬الحاصلة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭.‬

‮«‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬وآثارُها‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬التحوُّل‭ ‬الديمُقراطي‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬هو‭ ‬الموضوع‭ ‬الذي‭ ‬اخترناه‭ ‬لافتتاحية‭ ‬هذا‭ ‬التقرير‭ ‬لتبسيط‭ ‬المفاهيم‭ ‬للقارئ‭ ‬وإدخاله‭ ‬في‭ ‬صُلب‭ ‬الموضوع‭. ‬عمل‭ ‬من‭ ‬إعداد‭ ‬المحامي‭ ‬الحقوقي،‭ ‬والسياسي‭ ‬المصري‭ ‬خالد‭ ‬علي‭.‬

لننتقل‭ ‬بكُم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬لإحدى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬فترة‭ ‬انتقال‭ ‬ديمُقراطي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬طرح‭ ‬موضوعين‭ ‬أولهما‭ ‬يتعلق‭ ‬بـ«المسار‭ ‬التشريعي‭ ‬لمُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬بتونس‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭: ‬المُقاربات‭ ‬والنتائج‮»‬‭ ‬قدم‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الأستاذ‭ ‬كثير‭ ‬بو‭ ‬علاق،‭ ‬المحامي‭ ‬والحقوقي‭ ‬والأمين‭ ‬العام‭ ‬السابق‭ ‬للهيئة‭ ‬الوطنية‭ ‬لمُكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬الإطار‭ ‬التشريعي‭ ‬التونسي‭ ‬المتعلق‭ ‬بمُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نظرة‭ ‬نقدية‭ ‬طرح‭ ‬على‭ ‬إثرها‭ ‬البدائل‭ ‬المُمكنة‭ ‬لسد‭ ‬الثغرات‭ ‬والنقائص‭ ‬المُتعلقة‭ ‬بالتشريع‭ ‬التونسي‭. ‬وثانيهما‭ ‬قدمه‭ ‬لنا‭ ‬المحامي‭ ‬والحقوقي‭ ‬شرف‭ ‬الدين‭ ‬القليل‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬“آثار‭ ‬قانون‭ ‬المُصالحة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الإداري‭ ‬على‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬تونس”‭ ‬أبرز‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الأستاذ‭ ‬آثار‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬السلبي‭ ‬على‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬مازالت‭ ‬تتلمس‭ ‬الطريق‭ ‬الصحيح‭ ‬لمُكافحة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭.‬

بعد‭ ‬ذلك‭ ‬سننتقل‭ ‬بكم‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬تعيش‭ ‬مرحلة‭ ‬التحوُّل‭ ‬الديمُقراطي‭ ‬وهي‭ ‬ليبيا،‭ ‬كذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬موضوعين‭ ‬أولهما‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬“السياسة‭ ‬التشريعية‭ ‬الليبية‭ ‬لمُكافحة‭ ‬الفساد”‭ ‬من‭ ‬إعداد‭ ‬الأستاذة‭ ‬جازية‭ ‬جبريل،‭ ‬وثانيهما‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬“فساد‭ ‬جنوني‭ ‬مُمنهج‭ ‬وعجز‭ ‬عن‭ ‬المحاسبة‭: ‬تقرير‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬الليبي‭ ‬لسنة‭ ‬2017”‭ ‬قدمه‭ ‬لنا‭ ‬الأستاذ‭ ‬مروان‭ ‬الطشاني‭.‬

بعد‭ ‬هذه‭ ‬الفسيفساء‭ ‬من‭ ‬المقالات‭ ‬المتنوعة‭ ‬خيرنا‭ ‬تناول‭ ‬موضوع‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬وآثارها‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬الانتقال‭ ‬الديمُقراطي‭ ‬بأسلوب‭ ‬مختلف‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إجراء‭ ‬حوار‭ ‬مع‭ ‬الآنسة‭ ‬منال‭ ‬بن‭ ‬عاشور‭ ‬وهي‭ ‬منسقة‭ ‬مشاريع‭ ‬مُنظَّمة‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬يقظ‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬مُنظَّمة‭ ‬تونسية‭ ‬تعمل‭ ‬أساسًا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭.‬

يرجو‭ ‬مركز‭ ‬دعم‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬موفَّقًا‭ ‬في‭ ‬اختياراته،‭ ‬وأن‭ ‬يُمثِّل‭ ‬هذا‭ ‬التقرير‭ ‬إضافة‭ ‬حقيقية‭ ‬للكتابات‭ ‬حول‭ ‬موضوع‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬وآثارها‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬التحول‭ ‬الديمُقراطي‭.‬

قراءة‭ ‬ممتعة‭! ‬

بقلم خالد علي
بقلم خالد عليمحامي حقوقي وسياسي مصري
Read More

الفساد لُغةً: هو إساءة المعاملة، وأيّ شيءٍ ضدّ الصّلاح، فيُقال فَسَدَ الشيء، (يفسٌد) بضم السين (فسادًا) فهو (فاسِد)، و(فَسُدَ) بضم السين أيضًا فهو (فسِيد)، و(أفسده ففسد). والمفْسدة ضد المصْلحة، وفساد الشيء يعني التلف أو العطب وعدم صلاحيته. وهو أيضا البُطلان فيُقال فسد الشيء أي بطل واضمحل، ويأتي التعبير على معاني عِدة بحسب موقعه.

أمّا اصطلاحًا: فهو الاستخدام السّيئ من السُّلطة الرّسمية الممنوحة للموظفين العموميين أو المسؤلين الحكوميين، سواءً في مجال المال العام، أو النّفوذ، أو التّهاون في تطبيق القوانين والأنظمة، أي تعظيم المصلحة الشخصيّة على حساب المصلحة العامّة أو من أجل الإضرار بها. وبالطبع ليس هناك تعريف جامع مانع للفساد، وهناك العديد من التعريفات له فهو إساءة استعمال أو استغلال الوظيفة العامة من أجل المصلحة الخاصة، ويُمكن القول إنه سوء استعمال القوة العمومية للمنفعة الخاصة سواء عن طريق الرِشّْوة أو الابتزاز أو سلطة استغلال النفوذ، أو المحسوبية أو الغش أو تقديم إكراميات للتعجيل بالخدمات أو عن طريق الاختلاس.
وقد عرَّفهُ «البنك الدولي» بأنه «استغلال الوظيفة العامة للكسب الشخصي».

وكما أن الفساد مُتجذِّر بالأساس في القطاع الحكومى فإنه يتفشى أيضًا في القطاع الخاص، بل غالبًا ما يكون القطاع الخاص هو القناة لتوريط الموظفين الحكوميين أو المسئولين السياسيين والتنفيذيين في معظم حالات الفساد الحكومي التي تنطوي على إساءة استعمال المال العام أو إهداره أو التربح منه أو تسهيل العدوان عليه أو التماس خدمات للكسب الشخصي، أو إساءة استعمال السُلطة الرسمية أو النفوذ مقابل مال أو خدمات، أو إخلال بالمصلحة العامة لاكتساب امتيازات شخصية خاصة.

وللفساد صور عدة في كافة مناحى الحياة، فهو مُصلطلح ذو مفهوم مُركب له أبعاد متعددة تختلف باختلاف الزاوية التي يُنظَّر من خلالها إليه، وقد تركت اتفاقية الأمم المتحدة لمُكافحة الفساد، للدول إمكانية معالجة أشكال مختلفة منه قد تظهر مستقبلًا، وخاصة أن مصطلح الفساد فيه من المرونة ما يجعله قابلًا للتكيف بين مجتمع وآخر. لصعوبة هذا التعريف ولتشعُّب مظاهر الفساد وتغلغله في كافة مناحي الحياة اقتصرت الاتفاقية على تناول عدة صور منه مثل: [جرائم الرِشّْوة، المتاجرة بالنفوذ، اختلاس الموظف العمومي لأي أموال أو ممتلكات عُهد بها إليه بحُكم منصبه، إساءة استغلال الموظف العمومي لمهام منصبه، إثراء الموظف العمومي غير المشروع، الرِشّْوة في مجال القطاع الخاص، غسل العائدات الإجرامية ليصبح ذلك بمثابة تعريف واقعي للفساد].

فالفساد هو وباء ينهش مُقدرات الأمم، ومُستقبل الشعوب، وحقها في تنمية مستدامة وعادلة، فهو مُعوِّق لتقدم الدول في كافة الجوانب السياسية والثقافية والاجتماعية واللقتصادية.

لقد أيقن العالم مخاطر الفساد، ووقر في عقيدته بأنه آفة على اختلاف مظاهرها تُعد المُعوِّق الأكبر لكافة محاولات التقدم، والمُقوِّض الرئيسي لكافة دعائم التنمية، مما يجعل آثار الفساد ومخاطره أشد فتكًا وتأثيرًا من أي خلل آخر، فإنه لا يقتصر دوره المُخرب على بعض نواحي الحياة دون البعض الآخر، بل يمتد إلى شتى نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

فعلى الصعيد الاقتصادي يؤدي الفساد إلى:

  • إعاقة النمو الاقتصادي مما يُقوِّض كل مُستهدفات خطط التنمية طويلة وقصيرة الأجل.
  • إهدار موارد الدولة أو على أقل تقدير سوء استغلالها بما يعدم الفائدة المرجوه من الاستغلال الأمثل.
  • هروب الاستثمارات سواء الوطنية أو الأجنبية لغياب حوافزها.
  • الإخلال بالعدالة التوزيعية للدخول والموارد وإضعاف الفعالية الاقتصادية، وازدياد الهوة بين الفئات الغنية والفقيرة.
  • إضعاف الإيرادات العامة للدولة نتيجة التهرب من دفع الجمارك والضرائب والرسوم باستخدام الوسائل الاحتيالية والالتفاف على القوانين النافذة.
  • التأثير السلبي لسوء الإنفاق العام لموارد الدولة عن طريق إهدارها في المشاريع الكبرى بما يحرم قطاعات مهمة مثل الصحة والتعليم والخدمات من الاستفادة من هذه الموارد.
  • تدني كفاءة الاستثمارات العامة وإضعاف مستوى الجودة في البنية التحتية العامة بفعل الرشاوى التي تُدفع للتغاضي عن المواصفات القياسية المطلوبة.

وعلى الصعيد السياسي يؤدي الفساد إلى:

  • تشويه الدور المطلوب من الحكومة بشأن تنفيذ السياسة العامة للدولة وتحقيق مُستهدفات خطط التنمية.
  • انهيار وضياع هيبة دولة القانون والمؤسسات بما يعدم ثقة الأفراد فيها.
  • إضعاف كل جهود الإصلاح المعزِزَة للديمُقراطية بما يتزعزع معه الاستقرار السياسي.
  • إقصاء الشرفاء والأكفاء عن الوصول للمناصب القيادية بما يُزيد من حالة السخط بين الأفراد ونفورهم من التعاون مع مؤسسات الدولة.
  • إعاقة وتقويض كافة الجهود الرقابية على أعمال الحكومة والقطاع الخاص.

وعلى الصعيد الاجتماعي يؤدي الفساد إلى:

  • انهيار النسيج الاجتماعي وإشاعة روح الكراهية بين طبقات وفئات المجتمع نتيجة عدم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
  • التأثير المباشر وغير المباشر لتداعيات الفساد الاقتصادية والسياسية على استقرار الأوضاع الأمنية والسلم الاجتماعي.

غالبًا ما يكون القطاع الخاص هو القناة لتوريط الموظفين الحكوميين أو المسئولين السياسيين والتنفيذيين في معظم حالات الفساد الحكومي التي تنطوي على إساءة استعمال المال العام أو إهداره أو التربح منه أو تسهيل العدوان عليه أو التماس خدمات للكسب الشخصي، أو إساءة استعمال السُلطة الرسمية أو النفوذ مقابل مال أو خدمات، أو إخلال بالمصلحة العامة لاكتساب امتيازات شخصية خاصة.

ولا يوجد مجتمع خالي من الفساد بل يمكن الجزم بأنه ظاهرة عالمية، مما دفع الأمم المتحدة لإصدار اتفاقيتها لمُكافحة الفساد في أكتوبر 2003، وهو ما يُعد إقرارًا دوليًا بخطورة هذه الظاهرة، وبمدى انتشارها، وخطورة تأثيرها، للحد الذى دفع الأمم المتحدة للتحرك في سبيل التعاون الدولي بغية مكافحته، وقد سبق اتفاقية الأمم المتحدة وتلاها العديد من الاتفاقيات التي تسعى لذات الغرض، مثل:

  • اتفاقية البلدان الأمريكية لمُكافحة الفساد (عام 1996م).
  • اتفاقية مُكافحة رِشّوة الموظفين العموميين الأجانب في المعاملات التجارية الدولية (لعام 1997م).
  • اتفاقية القانون الجنائي الدولي بشأن الفساد (مجلس أوروبا عام 1999م).
  • اتفاقية الاتحاد الأفريقي لمنع الفساد ومحاربته (يوليو 2003م).
  • الاتفاقية العربية لمُكافحة الفساد (ديسمبر 2010).

ومن الجدير بالذكر أن اتفاقية الأمم المتحدة لمُكافحة الفساد، والتي نُشرت، وأُقرَّت في نهاية عام 2003م، ووقعت عليها 124 دولة من بينها 13 دولة عربية، كما صدقت عليها 25 دولة عربية منها: مصر (فبراير 2005)، الجزائر، الأردن، جيبوتي، تونس (فبراير 2008).

ورغم أن الفساد ظاهرة عالمية، ولا يوجد مجتمع يخلو منه إلا أن الفارق الجوهري بين كل هذه المجتمعات هو توافر الإرادة لمواجهته، وإدراك مخاطره، والرغبة الحقيقية في حصاره والحد من انتشاره، فهناك دول تسعى لهذه المواجهة، ودول أخرى تخلق بيئة خِصّبة لنمو الفساد وانتشاره حتى أضحى إحدى أدوات وركائز الحكم بها.

ومُكافحة الفساد يُقصد بها كافة العمليات والإجراءات والسياسات التشريعية والإدارية والأمنية والإجرائية والقضائية التي تتبناها الدولة للكشف عن الفساد، وجمع الأدلة، وتعقب المتورطين والتحقيق معهم، وتقديمهم للمحاكمة، وتنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم دون تسهيل إفلاتهم من العقاب، وحماية المال العام واسترداد ما تم الاستيلاء عليه منه.

والمُكافحة الحقيقية للفساد لا تنطلق بعد وقوع هذه الجرائم بل يسبقها دوما التحصين والوقاية، فـ«التحصين» يعني اتخاذ السُبل لجعل المجتمع والأفراد غير مُستعدين أصلًا لمقارفة الفعل المحظور، أما «الوقاية» فهي الحماية من الأذى، ومنع حدوث الجريمة قبل وقوعها، ولن يتحقق كلا الأمرين إلا بتوفير مرتكزات (المحاسبة، المساءلة، الشفافية، النزاهة).

فـ«المُحاسبة» تعني خضوع الكافة للقانون، وبخاصة الأشخاص الذين يتولون المناصب العامة مهما علت، وألا يُحصَّن أي منهم من هذه المحاسبة تحت أي زعم.

أما «المُساءلة» فهي تمكين كافة الأجهزة الرقابية سواء كانت قضائية أو تشريعية أو إدارية أو شعبية من إنفاذ القانون على كافة المسؤولين عن الوظائف العامة، وبخاصة من يشغلون قمة هذا الهرم سواء كانوا مُنتخبين أو مُعينين، حتى يتم التأكد من أن عمل هؤلاء يتفق مع القيم الديمُقراطية، ومع تعريف القانون لوظائفهم ومهامهم، وهو ما يُشكل أساسًا لاستمرار اكتسابهم للشرعية والدعم من الشعب.

و«الشفافية» تعني تهيئة وإنفاذ بيئة تشريعية تسمح من خلال الحق في المعرفة وحُرية تداول المعلومات تبيان ما تقوم به الأجهزة الحكومية، ووضوح علاقتها مع الموظفين (المنتفعين من الخدمة أو مموليها) وعلنية الإجراءات والغايات والأهداف، وهو ما ينطبق على أعمال الحكومة كما ينطبق على أعمال المؤسسات الأخرى غير الحكومية.

أما «النزاهة» فهي منظومة القيم المتعلقة بالصدق والأمانة والإخلاص والمهنية في العمل.

مُكافحة الفساد يُقصد بها كافة العمليات والإجراءات والسياسات التشريعية والإدارية والأمنية والإجرائية والقضائية التي تتبناها الدولة للكشف عن الفساد، وجمع الأدلة، وتعقب المتورطين والتحقيق معهم، وتقديمهم للمحاكمة، وتنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم دون تسهيل إفلاتهم من العقاب، وحماية المال العام واسترداد ما تم الاستيلاء عليه منه.

وبالرغم من التقارب بين مفهومي الشفافية والنزاهة إلا أن الثاني يتصل بقيم أخلاقية معنوية، بينما يتصل الأول بنظُم وإجراءات عملية. وكلا الأمرين يحتاج لبيئة مؤسسية تساعد على توافرهما.

وتكمن إحدى أهم إشكاليات مُكافحة الفساد في كيفية تحقيق الموازنة بين الحقوق الفردية من ناحية والمصلحة العامة للمجتمع من ناحية أخرى، وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ظل مجتمع دولي مفتوح تُهيمن عليه العولمة واقتصاديات السوق الحر والشركات متعددة الجنسيات، والعابرة للدول، فكما يوجد الفساد المحلي يوجد الفساد العابر للدول، وكما توجد جرائم الفساد العشوائية والمحدودة، توجد أيضًا جرائم الفساد المنظمة والعابرة للحدود والتي قد تُهدد اقتصاديات دول ومصائر شعوب.

والفساد لا يتوقف أثره على بعض الجوانب الاقتصادية فقط، ولكن خطورته تُهدد أيضًا استقرار المجتمعات، وأمنها، مما يقوِّض مؤسسات الديمُقراطية والقيم الأخلاقية والعدالة، ويُعرِّض التنمية وسيادة القانون للخطر، ويُعوِّق كل مسارات التحول الديمُقراطي التي تسعى إليه الشعوب.

ولعل بلادنا العربية هي خير شاهد على ذلك، فعالمنا العربى يمتلك ثروات هائلة، ولكنه أقل الدول نموًا اقتصاديًا، وهو أكبر مستورد للسلاح في العالم، وقوى الاستعمار تُسيطر على أجزاء من أرضه، وتستنزف ثرواته، وتتحكم في قرارته المصيرية، ويقتتل وطننا العربي مع نفسه دون أن يواجه عدوه، فالجرائم ضد الإنسانية والمجاعة تُحاصر اليمن، والشعب السوري يُعاني واحدة من أقبح موجات اللجوء التي شهدها العالم، والسودان تم تقسيمه لدولتين، والعراق وليبيا مهددين بنفس هذا الشبح، والإرهاب والقمع والفقر يطحن الشعب المصري بين شقي الرحى، ولبنان على فوهة بركان، والسعودية والإمارات وقطر يستنزفوا مقدراتهم في صراعهم من أجل الهيمنة على النفوذ والمصالح في العالم العربي، ويتنافسوا مع سلطنة عمان بغية الهرولة نحو التطبيع العلني مع إسرائيل، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تسحق بلا رحمة شعوب الأردن وتونس والمغرب وموريتانيا والجزائر والصومال وجيبوتي.

تكمن إحدى أهم إشكاليات مُكافحة الفساد في كيفية تحقيق الموازنة بين الحقوق الفردية من ناحية والمصلحة العامة للمجتمع من ناحية أخرى، وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ظل مجتمع دولي مفتوح

لم يكن كل هذا وليد الصُدفة لكنه في حقيقته انعكاس لمنظومة الفساد الحاكمة لوطننا العربي، حيث يتعامل العديد من الحكام مع ثروات البلاد باعتبارها غنيمة لهم ولشلتهم الحاكمة.
يرى بعض الباحثين، أن للفساد أسباب تتراوح ما بين الأسباب الشخصية والأسباب العامة الداخلية وأسباب أخري خارجية.

وعلى الصعيد الاجتماعي يؤدي الفساد إلى:

  • سَطوة رأس المال في ظل العولمة وسياسات السوق.
  • انتشار الفقر والظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة والتي تؤدي إلى شُح المصادر اللازمة لخلق فرص عمل، ولأداء الخدمات العامة الموكلة إلى الدولة الأمر الذي يؤدي إلى زيادة التنافس على فرص العمل والخدمات المحدودة فضلًا عن لجوء البعض إلى الوساطة للفوز بفرص العمل أو الخدمات المتاحة.
  • بل إن هذه الظروف الاجتماعية والاقتصادية الخانقة تؤدي في بعض الأحيان إلى قيام البعض في الاتجار بالنفوذ أو استغلال الوظيفة العامة في تقديم هذه الخدمات بمقابل مادي كبير.
  • تدني رواتب العاملين في القطاع العام والحكومي هو من الأسباب التي تؤدي إلى الفساد، واتفق كثيرٌ من الباحثين على ذلك فحيث تتدني الرواتب نجد أن هناك ارتفاعًا متواصلًا في الأسعار وتكاليف المعيشة، مما يُشكل بيئة مواتية لقيام بعض العاملين الحكوميين بالبحث عن مصادر مالية أخرى، ومن بين هذه المصادر بلا شك الرِشّْوة وهي إحدى جرائم ظاهرة الفساد.
  • انتشار الجهل ونقص المعرفة بالحقوق الفردية وسيادة القيم التقليدية والروابط القائمة على النسب والقرابة وتحقيق المنفعة من خلالها.
  • عدم الالتزام بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث في الدولة، وتغوُّل السلطة التنفيذية وفقًا لأحكام الدستور على كل من السلطتين التشريعية والقضائية الأمر الذي يؤدي إلى الإخلال بمبدأ الرقابة المتبادلة بين السلطات.
  • ضعف دور مؤسسات المجتمع المدني وهامشية هذا الدور ومحدوديته في الرقابة على الآداء الحكومي وعدم تمتعها بعضها بالحيادية في أداء عملها، أو سعى السلطة لإفقداها استقلاليتها.
  • هناك أسباب خارجية للفساد وهي التي تَنتُج عن وجود مصالح وعلاقات تجارية مع الشركاء أو منتجين من دول أخرى واستخدام وسائل غير قانونية من قِبَل الشركات للحصول على امتيازات واحتكارات داخل الدولة أو القيام عبر هذه الشبكة من المصالح والعلاقات بتصريف البضائع الفاسدة.
  • المؤسسات الاقتصادية الدولية والإقليمية التي تفرض على الشعوب منوالًا للتنمية يستنزف ثرواتها ويُعمق من دوائر الفقر والظلم الاجتماعي، فحصيلة خصخصة شركات القطاع العام التي طُبقت في مصر منذ 1996 حتى 2015 بلغت 28 مليار جنيه فقط، في حين أن حُكم التحكيم الذي صدر ضد مصر لامتناعها عن تصدير حصة غاز بلغت 2 مليار دولار أي ما يعادل 36 مليار جنيه مصري.
  • اتفاقيات التجارة الدولية والثُنائية المُجحِفة والتي تفرض التحكيم التجاري الدولي نظامًا لحل منازعات الاستثمار، وهو ما يُهدر سيادة الدول، ويُسهِّل من صدور الأحكام الباهظة ضد الدول النامية.

فالفساد مُعوِّق أساسي أيضًا للتنمية الاقتصادية لأنه يُزيد كُلفة المشاريع والصفقات ويحِدْ من دوافع الاستثمار، كما يحِدْ من دخل الدولة في التحصيل الضريبي، ويُمكِّن مقدمي الخدمة ومنفذي المشاريع من تجاهل معايير الجودة والمهنية بما يُضر بالدول واقتصادياتها، ويُسهل إجراء معاملات وعقود غير مبررة اقتصاديًا، كأن تتم بتكلفة مغالى فيها، أو دون مناقصات أو تنافسية حقيقية أو من خلال تنافسية صورية فتذهب المشاريع والأراضي ليس لمن يُقدم خدمة أفضل بتكلفة أقل ولكن لمن يدفع رشاوى وعمولات أفضل لمتخذي القرار.

من الصعب أن نجد في دولة عربية حاكمًا يمثّل طُموحات ومصالح شعبه، ويستمد شرعية حُكمه من إرادة شعبية تجلّت من خلال مؤسسات دستورية تتوافر فيها ضمانات الحرية والنزاهة

إن السبب الرئيسي في انتشار الفساد بعالمنا العربي هو غياب حُكم القانون وغياب ثقافته سواء على الصعيد الشعبي أو الرسمي، فالعلاقة بين حُكم القانون والفساد علاقة عكسية، فكلما كان القانون أداة عادلة وموضوعية في تنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الحاكم والمحكوم، وطُبِّق على الكافة دون تمييز أو تحيز كلما تم حصار الفساد والحد منه، والعكس صحيح.
لذلك فالصراع بين حُكم القانون والفساد صراع أبدي وحاسم في حياة كل منهما، لكونه صراع وجود بينهما، فحُكم القانون وسيادته يخلق بيئة مواتية لمحاربة الفساد والحد منه، أما الفساد فيمتنع عن تبني تشريعات تحد من انتشاره ويعمل على إضعاف المؤسسات والسيطرة عليها لخدمة مصالحه وأهدافه.

وغنى عن البيان أن الفساد يحُول دون بناء النُظم الديمُقراطية، فحُرية تداول المعلومات والشفافية والنزاهة والمساءلة، واستقلال الجهات الرقابية والقضائية من أهم مرتكزات النظم الديمُقراطية وهي ذاتها مرتكزات لا غنى عنها في محاربة الفساد أو مواجهته.

فالنظر لمؤشر منظمة الشفافية العالمية يرصد ويوثِّق لعلاقة الدول بين الشفافية وقلة الفساد في أغلب الدول الديمُقراطية، والعكس صحيح مع أنظمة الحُكم الشمولية والمستبدة التي ينتشر فيها الفساد.

والمراقب للعالم العربي وأنظمة الحكم فيه يرى هوة بين الحاكم والمحكوم لا تنفك تزيد عمقًا واتساعًا. فمن الصعب أن نجد في دولة عربية حاكمًا يمثّل طُموحات ومصالح شعبه، ويستمد شرعية حُكمه من إرادة شعبية تجلّت من خلال مؤسسات دستورية تتوافر فيها ضمانات الحرية والنزاهة. كما يرى المراقب فوضى أمنية ودمارًا في العديد من الأقطار العربية هي نتيجة تخبط سياسي وغياب لمقوّمات ومؤسسات الدولة التي تضمن أمن الوطن، وتخلق وتُسهّل ظروف نموه وتطوره. ويُلاحظ أن مفهوم الحرية لم يتخذ له جذور، وأن العقل العلمي والثقة بقدرة الإنسان، ليس فقط على فهم مجتمعه وإنما على تطويره، قد تراجعا عما كانا عليه منذ عقود. ويلاحظ المراقب بدقة عالمًا تتوافر فيه إمكانيات اقتصادية هائلة ولكنه من أقل الدول نموًا اقتصاديًا.

إن هذا المشهد العربي للتخبط السياسي، والفوضى الأمنية، والتخلف العلمي، والركود الاقتصادي، لا يمكن أن يُشكل مناخًا للتطور والنمو، وهو انعكاس لمعوقات كثيرة أبرزها هو الفساد.

إن التطور سواء كان اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا يقترن تاريخيًا بتطور مفهوم الحُرية ووعي الإنسان لقدراته العقلية على فهم مجتمعه والعمل على تطويره لما فيه مصلحته. ويقيني أن أي تطور يمكن توقعه في العالم العربي لن يكون سوى انعكاس لتطور في مفهوم الحُرية المنبثقة عن ثقة بالنفس والقدرات العقلية للإنسان العربي ورغبة في مواكبة عصره في مجالات الحياة كافة.

فالديمُقراطية هي جملةٌ من الآليات والوسائل التي تُمكِّن الناس من التعبير عن إراداتهم والمشاركة في الشأن العام. كما أنها من جهة أخرى، ثقافة يكتسبها المواطنون بالممارسة ومراكمة الخبرات والتجارب. ولأن الديمُقراطية تنطوي، بطبيعتها، على البعدين المادي والمعنوي أو الرمزي، فهي تتطلب ردَحًا طويلًا من الزمن لتوافُر التربةَ القادرة على احتضانها، ورعاية تطورها واستمرارها، قبل أن تُصبح قيمةً مشتركةً بين الناس، بغض النظر عن لونهم، أو جنسهم، أو معتقداتهم، أو خلفياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

إلا أن التجارب الواقعية للديمُقراطية مع ما تحتويه من ثقافة يكتسبها أفراد المجتمع من خلال الممارسة وتراكم التجارب والخبرات، وانطلاقًا من القراءات النقدية الكثيرة للمؤشرات العالمية لقياس الديمُقراطية، ومن الترابط القائم بين البعد المعرفي والفهم والتطبيق الديمُقراطي، تؤكد بأن مسألة قياس الديمُقراطية بمفهومها الشامل وأبعادها ومؤشراتها الكمية والنوعية هي جدٌ معقدة وتتغير وفقًا لظروف البلدان المختلفة، كما أنه لا يمكن فصل نماذج التطبيقات الديمُقراطية عن الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية لأي مجتمع التي تتحكم بشكل أساسي في تركيب المؤشرات الديمُقراطية وتقييماتها لهذا المجتمع في أي بلد من البلدان.

إن التخلص من شبكات الفساد يحتاج إلى رؤية متكاملة تهدف لتفكيك مرتكزاته سواء من الناحية التشريعية أو المالية والإدارية أو من الناحية الثقافية. ووجود ديمُقراطية حقيقية تسمح بالرقابة المباشرة على الأجهزة المحلية بدءًا من أصغر موظف في المحليات وحتى المحافظ سيمنع تفشي جرائم الفساد في أجهزة الحكم المحلي بشكل خاص وأجهزة الدولة بشكل عام. كما أن التداول السلمي للسلطة لن يسمح لأي طرف بإبقاء جرائم الفساد مخفية، لأنه سيكون اليوم في الحكم وغدًا خصمه مكانه.

إن أي استراتيجية لمحاربة الفساد تتطلب استخدام وسائل شاملة تدعمها الإرادة الحقيقة للدولة في مكافحته، ومنها على النحو التالي:

  • تبني نظام ديمُقراطي يقوم على الديمُقراطية، وحقوق المواطنة، واحترام الدستور، ومبدأ الفصل المرن بين السلطات، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وخضوع الجميع للقانون واحترامه، والمساواة أمامه، وتنفيذ أحكامه من جميع الأطراف، نظام يقوم على المحاسبة الشفافية والمساءلة والنزاهة.
  • بناء جهاز قضائي مُستقل وقوي ونزيه، وتحريره من كل المؤثرات التي يمكن أن تُضعف عمله، والالتزام من قِبَل السلطة التنفيذية على احترام أحكامه.
  • تفعيل القوانين المتعلقة بمُكافحة الفساد على جميع المستويات، كقانون الإفصاح عن الذمم المالية لذوي المناصب العليا، وقانون الكسب غير المشروع، وقانون حرية الوصول إلى المعلومات، وتشديد الأحكام المتعلقة بمُكافحة الرِشّْوة والمحسوبية واستغلال الوظيفة العامة في قانون العقوبات.
    تطوير دور الرقابة والمساءلة للهيئات التشريعية من خلال الأدوات البرلمانية المختلفة في هذا المجال مثل الأسئلة الموجهة للوزراء وطرح المواضيع للنقاش العلني، وإجراءات التحقيق والاستجواب وطرح الثقة بالحكومات.
  • تعزيز دور هيئات الرقابة العامة كمراقب الدولة أو دواوين الرقابة المالية والإدارية أو دواوين المظالم، التي تتابع حالات سوء الإدارة في مؤسسات الدولة والتعسف في استخدام السلطة، وعدم الالتزام المالي والإداري، وغياب الشفافية في الإجراءات المتعلقة بممارسة الوظيفة العامة.
  • التركيز على البُعد الأخلاقي وبناء الإنسان في محاربة الفساد في قطاعات العمل العام والخاص، وذلك من خلال التركيز على دعوة كل الأديان إلى محاربة الفساد بأشكاله المختلفة، وكذلك من خلال قوانين الخدمة المدنية أو الأنظمة والمواثيق المتعلقة بشرف ممارسة الوظيفة [مدونات السلوك].
  • إعطاء الحرية للصحافة، وتمكينها من الوصول إلى المعلومات، ومنح الحصانة للصحفيين للقيام بدورهم في نشر المعلومات وعمل التحقيقات التي تكشف عن قضايا الفساد ومرتكبيها.
  • تنمية الدور الجماهيري في مُكافحة الفساد من خلال برامج التوعية بهذه الآفة ومخاطرها وتكلفتها الباهظة على الوطن والمواطن، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني والجامعات والمعاهد التعليمية والمثقفين في محاربة الفساد والقيام بدور التوعية القطاعية والجماهيرية.
  • وقف العمل بكافة سياسات وتشريعات الإفلات من العقاب.
  • مراجعة كافة اتفاقيات التجارة الدولية، وتبني نماذج جديدة من اتفاقيات تُعيد التوازن بين جذب الاستثمارات وحماية حقوق الدول النامية وسيادتها على مواردها.
  • وقف العمل بقوانين الطوارئ وكافة النظم الاستثنائية أو العسكرية.
  • التعامل مع الفساد باعتباره انتهاك لحقوق الإنسان سوف يفتح آفاقًا جديدة لمكافحته والحد منه.
كثير بوعلاق
كثير بوعلاقمحامي وحقوقي تونسي الأمين العام السابق للهيئة الوطنية لمُكافحة الفساد
Read More

مقدمة:

ليس ثمة أدنى شك في كون الفساد مثل أحد أهم أسباب الثورة التونسية بعد أن أصبح القاصي والداني لا حديث له سوى عن مافيات العائلة الحاكمة والعائلات المتصاهرة في ظل النظام السابق ومن لف لفها من المؤلفة جيوبهم من كبار المسؤولين سواء في الحزب الحاكم أو في الدولة.

وليس من الصُدفة إذن أن تستبطن شعارات الثورة التي رددها المتظاهرون في كل أنحاء البلاد تذمرًا واضحًا من هذه الآفة التي نخرت الاقتصاد الوطني وجعلت من مُقدرات البلاد حكرًا على مجموعة من المتنفذين والمتملقين فكان شعار «خبز حرية عدالة اجتماعية» أو «خبز حرية كرامة وطنية» وأيضًا «التشغيل استحقاق يا عصابة السراق» مكتنزًا لمعنى التبرم من الفساد والفاسدين بحيث أصبح مطلب مُكافحة الفساد مطلبًا وطنيًا وشعبيا بامتياز.

ولعل الرد السياسي لم يتأخر كثيرًا للاستجابة طوعًا أو كرهًا لهذا المطلب الشعبي، فتم بالفعل بعد الثورة وفي أجل لم يتجاوز شهرًا ونيف عن سقوط النظام وبطلب من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمُقراطي ]التي كانت تُمثل المرجعية السياسية التوافقية الوحيدة للحكم في تلك الفترة[ إصدار المرسوم عدد 07 لسنة 2011 المؤرخ في 18 فيفري/يناير 2011 والمتعلق بـ»اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرِشّْوة والفساد» والتي أوكل لها في مرحلة أولى البحث والتقصي في شبهات الفساد التي تخص فترة حكم النظام السابق.

على أن التوجه نحو الإسراع في تكوين هذه اللجنة لم يكن ليحجُب نية الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمُقراطي في توخي سياسة طويلة المدى مبنية بالأساس على إعادة التفكير في صياغة النظام السياسي برمته، ذلك أن إجماعًا واضحًا حصل صُلب الهيئة على نقطة جوهرية تُمثل نقطة ضعف كبيرة في النظام السياسي التونسي قبل الثورة، ألا وهي تغول الجهاز التنفيذي وسيطرته الكاملة على مختلف أوجه الحياة السياسية وجميع مفاصل الدولة في اختلال تام لتوزيع السلطات، ولم تكن بالتالي السلطة التشريعية ولا السلطة القضائية تتمتع ولو بقدر من الاستقلالية.

وهذا التغول للجهاز التنفيذي على حساب بقية مكونات السلط العمومية كان الأساس للتفرد بالحكم ومن ثم الاستبداد وبالتالي كان لابد من التفكير بكيفية عميقة في خلق الضمانات الكفيلة بعدم تكرار ما سبق حصوله، ومن هنا بدأت تتمخض فكرة الهيئات المستقلة بوصفها هيئات تعديلية يُقتطع لها جزء من السلطة التي كان يحتكرها الجهاز التنفيذي ولكن أيضًا هيئات تتمتع بصلاحيات عامة تمارسها بمعزل عن مباركة الجهاز التنفيذي وإن تخلفت.

الأصل إذن على مستوى مُكافحة الفساد أن هذه المهمة كانت من علائق الجهاز التنفيذي الذي يُمارسها عن طريق مجموعة من الآليات الرقابية والزجرية، والتي تتمثل أساسًا فيما يلي:

أولًا: الهيئات الرقابية ذات الصِبْغَة الإدارية:

التفقديات العامة بالوزارات:

 هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية.
أُحدثت بموجب الفصل 86 من القانون عدد 100 لسنة 1981، المؤرخ في 31 ديسمبر 1981، المُتعلق بقانون المالية لسنة 1982، الذي صدر تطبيقًا له الأمر عدد 6 لسنة 1982، المؤرخ في 5 جانفي/يناير 1982، المُتعلق بالقانون الأساسي الخاص بأعضاء الرقابة العامة للمصالح العمومية والذي ألغى التفقدية العامة للمصالح الإدارية.
هيئة مُراقبي الدولة.
أُحدثت هذه الهيئة بموجب الأمر بمقتضى الأمر عدد 2131 لسنة 2002، المؤرخ في 30 سبتمبر 2002، المتعلّق بإحداث هياكل بالوزارة الأولى.
هيئة الرقابة العامة للمالية (CGF بوزارة المالية).
أُحدثت هذه الهيئة بموجب الأمر عدد 7 لسنة 1982 المؤرخ في 5 جانفي/يناير 1982، الذي وقِعَت مراجعته بموجب الأمر عدد 2886 لسنة 2000، المؤرخ في 7 ديسمبر 2000، المُتعلق بتنظيم هيئة الرقابة العامة للمالية وطُرق تسييرها.
هيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة والشؤون العقارية (بوزارة أملاك الدولة).
أُحدثت هيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة والشؤون العقارية بموجب أحكام الفصل 6 من الأمر عدد 1070 لسنة 1990، المؤرخ في 18 جوان/يونيو 1990، المُتعلق بتنظيم وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية.
الهيئة العُليا للرقابة الإدارية والمالية.
أُحدثت الهيئة العُليا للرقابة الإدارية والمالية لدى رئيس الجمهورية بمقتضى الأمر عدد 906 لسنة 1993 المؤرخ في 19 أفريل/أبريل 1993، قبل أن يتم بمقتضى القانون عدد 50 لسنة 1993، المؤرخ في 3 ماي/مايو 1993.

ثانيًا: الهيئات ذات الصيغة القضائية:

 دائرة المحاسبات:
أُنشئت دائرة المحاسبات عملًا بأحكام دستور الجمهورية الأولى الصادر سنة 1959، الذي نص بفصله 69 كما نُقح بالقانون الدستوري عدد 65 لسنة 1997، المؤرّخ في 27 أكتوبر 1997، على أن: «يتركب مجلس الدولة من هيئتين:

1 – المحكمة الإدارية.
2 – دائرة المحاسبات.

يضبط القانون تنظيم مجلس الدولة وهيئتيه، كما يُحدد مشمولات أنظارها والإجراءات المتبعة لديها”.
وقد أُحدثت دائرة المحاسبات فعليًا بموجب القانون عدد 8 لسنة 1968، المؤرخ في 8 مارس 1968، والمُتعلق بتنظيم دائرة المحاسبات والمُنقح والمُتمم بالقانون عدد 7 لسنة 1970، المؤرخ في 20 أفريل/أبريل 1970، وبالقانون الأساسي عدد 82 لسنة 1990، المؤرخ في 29 أكتوبر 1990، وبالقانون الأساسي عدد 75 لسنة 2001، المؤرخ في 17 جويلية/يوليو 2001، وبالقانون الأساسي عدد 3 لسنة 2008، المؤرخ في 29 جانفي/يناير 2008، وهي تتخذ شكل هيئة عليا للرّقابة تسهر على حُسن التصرّف في الأموال العمومية من خلال مهمة قضائية وأخرى تقويمية كما تتولى تجميع التصاريح على الشرف بالمكاسب لبعض أصناف الموظفين.

دائرة الزجر المالي:
أُحدثت هذه الدائرة بموجب القانون عدد 74 لسنة 1985، المؤرخ في 20 جويلية/يوليو 1085، المتعلق بتحديد أخطاء التصرف التي تُرتكب في حق الدولة والمؤسسات العمومية الإدارية والجماعات العمومية المحلية والمشاريع العمومية وضبط العقوبات المنطبقة عليها وبإحداث دائرة الزجر المالي. ورغمًا عن أهمية الأدوار النظرية لهذه الهيئات على اختلاف طبيعتها إلا أن نتائجها في مُكافحة الفساد في القطاع العام بقيت محدودة إلى أبعد الحدود، كما بقيت أسيرة للنظام السياسي الحاكم ولم تكن سوى آداة لضرب المناوئين من الموظفين غير المنضبطين للتعليمات السامية، فضلًا على كون الإمكانيات المادية والبشرية لهذه الهيئات لم تكن تسمح لها بآدء دورها الرقابي بالشكل المطلوب، وبات عملها أقرب للإخبار ونقل المعلومة للمسؤولين منه للتصدي لظواهر الفساد داخل أروقة الإدارة العمومية، خصوصًا أنها لم تكن مُلزَمة بنشر تقاريرها للعموم، فعلى سبيل المثال تم نشر أول تقرير لدائرة المحاسبات التي تأسست سنة 1968 خلال سنة 2013.

الفساد: كل تصرف مُخالف للقانون والتراتيب الجاري بها العمل يُضر أو من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة، وسوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية، ويشمل جرائم الرِشّْوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية، أو سوء التصرف فيها، أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة، أو سوء استعمالها، وجميع حالات الإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال وتضارب المصالح واستغلال المعلومة الممتازة والتهرب الجبائي وتعطيل قرارات السلطة القضائية، وكل الأفعال التي تُهدد الصحة العامة أو السلامة أو البيئة.

القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017

واعتبارًا لذلك قرر منتسبو «الهيئة العُليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمُقراطي» إيلاء مُكافحة الفساد المكانة التي تستحقها وذلك بإفرادها بهيئة مُستقلة على النحو الذي التزمت به الدولة التونسية من خلال مصادقتها سنة 2008 على الاتفاقية الأممية لمُكافحة الفساد وهو ما ضَمِنَ صُلب مهام اللجنة الوطنية للتقصي حول الرِشّْوة والفساد والتي أخذت على عاتقها تفعيل هذا المنحى عبر اقتراح مشروع قانون تكوين الهيئة المستقلة لمُكافحة الفساد والذي تم فعلًا سَنُّه إثر ذلك بموجب المرسوم عدد 120 المؤرخ في 14 نوفمبر 2011.

المبدأ إذن ولُب الموضوع في تأسيس هيئة مُستقلة لمُكافحة الفساد هو الخروج بهذه المُهمة عن دوائر الجهاز التنفيذي وإسنادها لمؤسسة مُستقلة تمامًا عنه لتتكفل بهذه المهمة الوطنية وتكون مسؤولة عن النظر في مقتضياتها وتحديد أهدافها واستراتيجياتها، الأمر إذن ليس بالسهولة التي من الممكن أن نتصورها إذ طالما لم يَعُد للجهاز التنفيذي السطوة والآليات القانونية للتعهد بمُكافحة ظاهرة الفساد ولكن ليس هذا فقط فقد أصبح الجهاز التنفيذي واقعًا تحت سلطة الهيئة في الرقابة والبحث والتقصي وعليه الالتزام بما قرره القانون.

غير أنه وكما سوف نحاول تبيانه من خلال هذه الدراسة فإن الجهاز التنفيذي وإدارته العميقة لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا السيل الجارف من القوانين والتدابير التشريعية التي تحاول الكشف عن مواطن الفساد ومكافحته، والتي وجدت في المد الثوري خير سند لها وإنما سوف يكون لها صولات وجولات في تفخيخ القوانين وعدم تفعيلها أو التمرد في تطبيقها بل وحتى الدفع لسن قوانين ضد التمشي المبدئي في مُكافحة الفساد.

كل ذلك طبعًا لا يجب أن يحجُب من ناحية أولى التعاطي المواطني مع إشكالية مُكافحة الفساد ولا كذلك تعاطي السلطة القضائية مع ذات الملف.
ولكن قبل كل هذا دعونا نتوقف قليلًا عند تحديد مفهوم الفساد في القانون التونسي لنقول إن تعريف الفساد تطور منذ 2011، حيثُ أمدنا المرسوم عدد 120 لسنة 2011، بتعريف أول تضمنه الفصل الثاني الذي جاء به: «الفساد: سوء استخدام السُلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية. ويشمل الفساد خاصة جرائم الرِشّْوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص، والاستيلاء على الأموال العمومية، أو سوء التصرف فيها أو تبديدها، أو استغلال النفوذ وتجاوز السلطة، أو سوء استعمالها والإثراء غير المشروع، وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية، وغسل الأموال».

في حين نجد تعريفًا آخر تضمنه القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017، المؤرخ في 07 مارس 2017، والخاص بالتبليغ عن الفساد وحماية المُبلغين وتحديدًا في فصله الثاني حين أقر ما يلي: «الفساد: كل تصرف مُخالف للقانون والتراتيب الجاري بها العمل يُضر أو من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة، وسوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية، ويشمل جرائم الرِشّْوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية، أو سوء التصرف فيها، أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة، أو سوء استعمالها، وجميع حالات الإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال وتضارب المصالح واستغلال المعلومة الممتازة والتهرب الجبائي وتعطيل قرارات السلطة القضائية، وكل الأفعال التي تُهدد الصحة العامة أو السلامة أو البيئة».

من دون شك التعريف الثاني ورد أشمل وأكثر دقة من التعريف الأول مدار المرسوم 120 فضلًا عن كونه أنزل ضمن نص قانوني أعلى قيمة من نص المرسوم، ولكنه مع ذلك يستوجب إبداء الملحوظات التالية:

  1. مسألة الفساد في القطاع الخاص لاتزال مسألة ضبابية، خصوصًا أنه من المعلوم أن جريمة الإرشاء والارتشاء لا تنطبق إلا في القطاع العام وهي لا تُعتبر جريمة أصلًا إذا تعلق الأمر بذوات خاصة.
  2. الأفعال التي قد تُمثل فسادًا وفقًا لمقتضيات التعريف الوارد أعلاه قد لا تكون جرائم أو قد تخرج عن دائرة التجريم ومن هذا المُنطلق قد تجد الهيئة المكلفة بمُكافحة الفساد صعوبة في التعامل معها خارج إطار مقترحات التعديل الموجهة للإدارة.
  3. لم يتطرق المُشرِّع إلى مسألة تمويل الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية مع أنها تُمثل أحد أكثر الإشكاليات الخاصة بالفساد السياسي تعقيدًا.

لنحاول إذن الانكباب على عملية استنطاق لأهم النصوص التشريعية المُتعلقة بمُكافحة الفساد، والتي يمكن تلخيصها وفقًا لتسلسلها الزمني كالآتي:

  • المرسوم عدد 120 لسنة 2011 والمؤرخ في 14 نوفمبر 2011.
  • أمر عدد 1425 لسنة 2012 مؤرخ في 31 أوت/أغسطس 2012، يتعلق بتنقيح وإتمام الأمر عدد 3080 لسنة 2010، المؤرخ في 1 ديسمبر 2010، المُتعلق بإحداث مجالس عليا استشارية.
  • دستور 27 جانفي 2014.
  • القانون الأساسي عدد 77 المؤرخ في 06 ديسمبر 2016 والمُتعلق بالقُطب القضائي الاقتصادي والمالي.
  • القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017، المؤرخ في 07 مارس 2017، والمُتعلق بالتبليغ عن الفساد وحماية المُبلغين.
  • القانون الأساسي عدد 59 لسنة 2017 المؤرخ في 24 أوت/أغسطس 2017، والمُتعلق بالهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومُكافحة الفساد.
  • القانون الأساسي عدد 62 المؤرخ في 24 أكتوبر 2017، والمُتعلق بالمصالحة في المجال الإداري.
  • القانون عدد 46 لسنة 2018، المؤرخ في 01 أوت/أغسطس 2018، المُتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمُكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.
  • قانون أساسي عدد 47 لسنة 2018، مؤرخ في 07 أوت/أغسطس 2018، يتعلق بالأحكام المشتركة بين الهيئات الدستورية المستقلة.

هذا وسوف يكون تناولنا للقوانين المشار إليها أعلاه في سياق جملة من التساؤلات الجوهرية التي سوف تكون محددة في علاقة بالاستراتيجيات التشريعية لمُكافحة الفساد ولذلك سوف نتولى بالدرس تباعًا وعلى ضوء تلك النصوص جملة من المسائل المفصلية التالية:

  1. المبادرة التشريعية فيما يهم مُكافحة الفساد
  2. المسألة المالية
  3. حدود التحقيق والتقصي في شبهات الفساد
  4. مُعضلة عدم تفعيل القوانين
  5. سن قوانين متناقضة مع فلسفة مُكافحة الفساد

المبادرات التشريعية لمُكافحة الفساد:

أكد الدستور التونسي الصادر في 27 جانفي 2014، أن المبادرات التشريعية تصدر حسب صريح الفصل 62 عن ثلاث جهات وهي (رئيس الحكومة، ورئيس الجمهورية، ومجموعة من نواب الشعب لا تقل عن 10 نواب) غير أن المبادرة التشريعية لا تقف عند المعطيات التقنية والإجرائية في تقديمها لمجلس نواب الشعب بل تخضع بالضرورة كذلك إلى منطق لا محيص عنه، ألا وهو تطبيق السياسات التي تبناها واضعوا الدستور نفسه والذين أرادوا قطعًا تمكين الهيئات الدستورية ومنها الهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومُكافحة الفساد من الاستقلالية اللازمة والآليات الضرورية لإجراء مراقبة على الإدارة عمومًا والجهاز التنفيذي على وجه الخصوص.

ولعل أكبر دليل على ذلك ما جاء بالقانون الأساسي للتبليغ عن الفساد وحماية المُبلغين والذي نص صُلب فصله الثاني ضمن تعريفه للمفاهيم على مفهوم الهيكل العمومي الذي يخضع لسلطة رقابية تتولاها هيئة مُكافحة الفساد والذي تضمن تعدادًا للهياكل العمومية تشمل فيما تشمل رئاسة الجمهورية والمؤسسات التابعة لها ورئاسة الحكومة ومختلف الهياكل الخاضعة لها بالداخل والخارج.

المسألة إذن تتعلق بتحديد نطاق تدخُّل هيئة مُكافحة الفساد في مُراقبة حُسن سير الجهاز التنفيذي ومتابعة ما قد يطرأ في دواليبه من شبهات فساد بمعنى أن الجهاز التنفيذي للدولة والذي كان المسؤول الأول عن مُكافحة الفساد أصبح بعد سن دستور 2014، وبعد تدخُل المُشرع الصريح في إطار قانون التبليغ عن الفساد معنيًا بالمراقبة والمتابعة والتقصي الذي بات من علائق الهيئة المستقلة.

طبقًا لهذا التمشي المنطقي والذي يقتضي إحالة صلاحيات من الجهاز التنفيذي إلى الهيئة المستقلة فإنه لا يمكننا أن نتخيل مبدئيًا أن تكون الجهة المبادرة بسن القوانين لتحقيق تلك النتيجة هي ذات الجهة المتضررة نظريًا من سحب صلاحيات كانت بين يديها.

معلوم كذلك أن صاحب المبادرة أو المشروع ينطلق بحظوظ وافرة لتمرير رؤيته بما يحفظ مصالحه وسطوته بما أنه هو الذي يضع الإطار ويرسم حدوده وفلسفته.

الغريب أن ذاك هو بالضبط ما حصل إذ أن جميع المبادرات التشريعية المتعلقة بمُكافحة الفساد على بَكرة أبيها كان مُنطلقها الجهاز التنفيذي ومن ثمة وبطبيعة الحال يفتح الباب على مصراعيه لمحاولة تفخيخ النصوص القانونية المقترحة وزرع الألغام في أهم ما تتناوله حتى تحافظ جهة المبادرة على اليد الطولى في تحريك الخيوط الأساسية في مُكافحة الفساد وما فقدته باليسرى تسترجعه باليمنى.

المسألة المالية:

معلوم أن المال قوام الأعمال، وبالتالي فلا يمكن أن نتخيل هيكلًا مستقلًا يُعنى بمُكافحة الفساد بجميع تفرعاته وأبعاده وهو لا يحتكم على مقدرات مالية تجعل من ميزانيته قادرة على توفير الموارد البشرية اللازمة وتُمكنه من تطبيق استراتيجياته وأهدافه.

ولعل مجرد الإعلان بإقرار مبدأ الاستقلالية الإدارية والمالية للهيئة المكلفة بمُكافحة الفساد لا يكفي لوحده لتحقيق تلك الاستقلالية ضرورة أن الاستقلال المالي حسبما أوردته الاتفاقية الأُممية لمُكافحة الفساد وعززته مجموعة من التجارب المقارنة يقتضي أولًا أن تكون مناقشة بنود ميزانية الهيئة نفسه بمعزل عن تأثير الجهاز التنفيذي بما أنه من العبث أن يتولى هذا الجهاز عن طريق وزير المالية تحديد ميزانية الهيئة، وقد أحدثت هذه المسألة جدلًا واسعًا بمناسبة مناقشة قانون الأحكام المشتركة للهيئات الدستورية أمام مجلس نواب الشعب بعد أن تمسك ممثلو الهيئة لدى سماعهم من قبل اللجنة البرلمانية المختصة بخيارين:

  • إما أن يتم التفكير في إسناد موارد قارة للهيئة تَقْتطع نسبة من مجموع الأموال التي تساهم في استرجاعها لفائدة المجموعة الوطنية أو أي موارد قارة أخرى على غرار اقتطاع نسبة من الصفقات العمومية مثلما هو معمول به في إيطاليا.
  • أو مناقشة الميزانية رأسًا مع اللجنة البرلمانية المختصة ثم تنزيلها بميزانية الدولة دون تدخل الجهاز التنفيذي.

طبعًا واجه موقف الهيئة آنذاك صدًا كبيرًا من الجهة الحكومية التي تمسكت بما اعتبرته ضرورات مراعاة إمكانيات البلاد ومبدأ وحدة الميزانية وتوصلت بالتالي إلى فرض ما ورد بمبادرتها التشريعية من كون ميزانية الهيئة تُناقَش أمام السيد وزير المالية بعد عرض يتلقاه من الهيئة يتضمن مشروعًا للميزانية وبرنامجًا مفصلًا لصرفها ثم تتم إحالتها لمجلس نواب الشعب للمصادقة عليها وإدراجها في الميزانية.

الثابت إذن من خلال ما تقدم هو أن الجهاز التنفيذي لا يستفرد فحسب بالمبادرة التشريعية في علاقة بالنصوص الخاصة بمُكافحة الفساد، بل ويتحكم كذلك في تحديد الميزانية الخاصة بالهيئة المستقلة وأوجه صرفها، بقي أن نُشير في نفس السياق وأن صرف الميزانية بصفة فعلية يبقى خاضعًا لإرادة الطرف الحكومي الذي بإمكانه التقسيط والتلدد إلى ما لا نهاية.

وقد أشار تقرير عن مجلس أوروبا بتاريخ 14 جوان 2017 إلى هذه المعضلة:

En Europe, les agences de lutte contre la corruption sont en général rattachées à un autre organisme (le ministère de la justice ou le ministère de l’économie, des finances et du budget) et ont ainsi des ressources financière provenant du budget de l’Etat. Ceci peut parfois poser des problèmes en matière d’indépendance budgétaire puisque certains hommes politiques craignant les investigations de ces agences contre leur personne peuvent être tentés de limiter leur budget pour limiter leurs possibilités d’action.

حدود آليات التحقيق والتقصِّي في شُبهات الفساد:

لا يختلف اثنان حول أهمية أعمال التقصي والتحقيق في شبهات الفساد باعتبارها آلية ناجعة لمُكافحة الفساد وضمان عدم الإفلات من العقاب يتولاها الهيكل المُستقل المُحدث للغرض، وقد عرف المسار التشريعي التونسي إثر الثورة مرحلتين الأولى أطرها المرسوم 120 المُنظم لعمل الهيئة الوطنية لمُكافحة الفساد، والثانية مدارها القانون الأساسي عدد 59 المُنظم لعمل الهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومُكافحة الفساد.

المرحلة الأولى: التقصِّي في ظل المرسوم 120

مَكَّن المرسوم المُحدَّث للهيئة الوطنية لمُكافحة الفساد هذه الأخيرة من جهاز خاص يُسمى جهاز الوقاية والتقصِّي والذي تناولته الفصول من 22 إلى 33 وتتمثل مهمة هذا الجهاز خصوصًا فيما أقره صراحة الفصل 31 الذي نص على ما يلي: «يتعهد جهاز الوقاية والتقصِّي بالبحث في جرائم الفساد. ويتولى في هذا الإطار تجميع المعلومات والوثائق والشهادات التي من شأنها أن تمكن من تقصِّي الحقيقة بخصوص شُبهة ارتكاب جرائم فساد من قبل أي شخص مادي أو معنوي عام أو خاص أو أي تنظيم أو جمعية أو هيئة، مهما كانت طبيعتها والتثبت في المعلومات والوثائق المُجمعة ومدى صحتها قبل إحالتها على السلط القضائية المختصة قصد تتبع مرتكبي هذه الجرائم. ولها أن تقوم بأعمال التفتيش وحجز الوثائق والمنقولات بكل المحلات المهنية والخاصة التي ترى ضرورة تفتيشها وذلك دون إجراء آخر. وتعتمد المحاضر والتقارير التي يُحررها جهاز الوقاية والتقصي عند مباشرة أعمال التقصي في جرائم الفساد حُججًا لا يمكن الطعن فيها إلا بالزور”.

المُثّلج للصدر على هذا المستوى هو أن المرسوم 120 كان واضحًا في تمكين جهاز التقصي التابع للهيئة من جميع آليات الضابطة العدلية التي تُمكنه من الاضطلاع بمهامه في التقصِّي وتكوين الملفات، كما أعطى لمحاضره قوة ثبوتية تجعل منها حُججًا لا يُطعن فيها إلا بالزور فضلًا على كونه، وهو الأهم حسب تقديري، أخرجه من الخضوع وظيفيًا إلى وكيل الجمهورية بعد أن مكَّنه من ضابطة عدلية أصلية يتسنى له بممارستها إتمام جميع الأعمال التي تقتضيها الأبحاث المنشورة لديه، بما في ذلك عمليات الحجز والتفتيش ومن ثمة إحالة الملف جاهزًا للسيد وكيل الجمهورية للقيام بما يراه صالحًا في علاقة بإحالة الملف على جهة قضائية أو حفظه.

ولكن المُحزن في الوقت نفسه أن هذا الجهاز الذي من المفروض أن يتم إحداثه بمقتضى أمر حكومي حسب صريح الفصل 22 من المرسوم لم يتم سنُّه إلى حين كتابة هذه الأسطر رغم مرور أكثر من 7 حكومات ورغم توسل الهيئة الوطنية لمُكافحة الفساد في الكثير من المناسبات.

المرحلة الثانية: التقصِّي في ظل أحكام القانون الأساسي عدد 59 المُتعلق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومُكافحة الفساد

شهد هذا القانون تراجعًا خطيرًا عن النص الأول إذ أنه نسف كل استقلالية ممكنة للهيئة تجاه الجهاز التنفيذي بأن جعل أعوان قسم مُكافحة الفساد أصحاب ضابطة عدلية فرعية وتحت إشراف مباشر لوكيل الجمهورية الذي ليس سوى مأمور لدي السيد وزير العدل عضو الحكومة المعنية بالمراقبة.

الوضعية بالفعل سريالية فقد نص الفصل 19 في إطار ممارسة أعوان قسم مُكافحة الفساد لمهامهم، يكون لهم الاضطلاع بوظائف الضابطة العدلية طِبقًا لمجلّة الإجراءات الجزائية ولأحكام هذا القانون، ويتولون بصفتهم مأموري ضابطة عدلية وتحت إشراف السلطة القضائية المختصة تلقّي الشهادات وجمع المعلومات والأدلة، كما يمكنهم القيام بعمليات التفتيش وحجز الوثائق والمنقولات والمعدات وتحرير المحاضر والتقارير، مع إمكانية الاستعانة بالقوة العامة، يمكن لأعوان هذا القسم إذا ثبت لديهم بمناسبة مباشرتهم لمهمّة التقصِّي في ملف، وجود شبهة فساد في ملف آخر، القيام بالحجز بإذن من السلطة القضائية.

الأمر أصبح واضحًا ذلك أن صلاحيات التقصِّي المُستقلة التي كانت لدى الهيئة ولو نظريًا تلاشت بموجب النص القانوني الجديد والذي بالرغم من الطعن فيه بعدم الدستورية لضربه الواضح لمبدأ الاستقلالية فقد قدرت الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين أن ذلك النص لا تثريب عليه واعتبرت أن القضاء هو الوحيد الحامي للحقوق والحريات وبالتالي فلا مجال لخروج الأبحاث أيًا كانت عن رقابة القضاء، المُحصلة إذن أن أعوان قسم التنفيذ بالهيئة سوف يقومون بوظائفهم تمامًا مثلما يتولاها مأمورو الضابطة العدلية المنصوص عليهم بالفصل 9 من مجلة الإجراءات الجزائية.

نسف القانون الأساسي عدد 59 المتعلق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد كل استقلالية ممكنة للهيئة تجاه الجهاز التنفيذي بأن جعل أعوان قسم مُكافحة الفساد أصحاب ضابطة عدلية فرعية وتحت إشراف مباشر لوكيل الجمهورية الذي ليس سوى مأمور لدي السيد وزير العدل عضو الحكومة المعنية بالمراقبة.

المسألة كارثية خصوصًا أن مؤسسة وكالة الجمهورية تشكو حسب النظام الإجرائي الجزائي التونسي من معضلات كبيرة يمكن تلخيصها فيما يلي:

حالة الفصل 20 م إ ج

إنَّ كشف حقيقة الفساد والجرائم المحيطة به يدخل في إطار إثارة الدعوى العمومية وممارستها وهو اختصاص حصري ومُطلق للنيابة العمومية في هذا المجال إذ أنّه من المعلوم أنّ وكيل الجمهورية يُثير الدعوى العمومية ويمارسها (الفصل 20) فهو صاحب تلك السلطة سواء كانت مسبوقة بشكاية أو تمت في إطار جرائم التلبس. وهي سلطة لا يحدّها إلا ما أقرّه المشرّع للمتضرّر في القيام على المسؤولية عند اتخاذ قرار في الحفظ، بمعنى أنّ وكيل الجمهورية بصفته صاحب السلطة الأصلية في التتبع يحق له اتخاذ قرار في الإحالة على قلم التحقيق أو على الدوائر الجناحية كما يحق له اتخاذ قرار في الحفظ.

ففي الحالة الأولى أي الإحالة يُصبح من حق المُتضرر القيام بالحق الشخصي حفاظًا على حقوقه المدنية أمام الدوائر المختصة. أمّا في الحالة الثانية أي الحفظ، فإن المُتضرر يُمارس حقّه في القيام بالحق الشخصي عن طريق القيام على المسؤولية الخاصّة. ففي هذه الحالة، ورغم اتخاذ قرار في الحفظ من طرف وكيل الجمهورية، فإنه يتمّ مواصلة النظر في القضية بقطع النظر عن قراره.

لكن السؤال يُثار عندما تختار النيابة العمومية إزاء شكاية اتخاذ موقف سلبي بالامتناع عن اتخاذ أي موقف، ففي هذه الحالة، لا يتم التتبع ولا يُتخذ قرار في الحفظ يسمح بالقيام على المسؤولية الخاصة.
لم تُحدد مجلة الإجراءات الجزائية التونسية طريقة التعامل مع امتناع النيابة العمومية عن البتّ، ذلك أنّها لم تُقيّد قرارها بأيّ أجل، ولم تجعل من سبيل للطعن فيه لا بالاعتراض ولا بالاستئناف ولا بإعادة النظر ولا بأي طريقة أخرى.
إنّ وكيل الجمهورية صاحب السلطة الأصلية في التتبع يملك إزاء مشتكى به صاحب نفوذ أو سلطة مخرجًا تشريعيًا في عدم إثارة التتبعات ضده، فاتحًا له الطريق للإفلات من العقاب بالنظر إلى الآجال القانونية لسقوط حق التتبع حتى أثناء نشر الشكاية (الفصل 6 إ ج)
ولقد انتبهت بعض التشريعات الجزائية المقارنة لهذا الخلل في الإجراءات بأن قيّدت سلطة إثارة التتبعات أو الحفظ التي يملكها وكيل الجمهورية بأجل ستة أشهر أو عام من تاريخ تقديم الشكاية فإذا لم يتخذ وكيل الجمهورية قراره بالتتبع أو الحفظ في الأجل المذكور فإنّ ذلك يفتح للمتضرر باب القيام على المسؤولية الخاصة مُنهيًا بذلك مسار الإفلات التشريعي من العقاب.

حالة الفصل 31:

اختار النظام الإجرائي الجزائي التونسي أن يُمكّن وكيل الجمهورية عند تعهده بشكاية غامضة غير محددة الأطراف والوقائع أن يُباشر أبحاثًا بواسطة أحد حُكّام التحقيق دون أن يكون هنالك بحث قانوني بالمعنى الإجرائي للكلمة. إذ اعتبر الفصل 31 أنّه «لوكيل الجمهورية إزاء شكاية لم تبلغ حد الكفاية من التعليل أو التبرير أن يطلب إجراء بحث مؤقت ضد مجهول بواسطة حاكم التحقيق إلى أن توجه تهم أو تصدر عند الاقتضاء طلبات ضد شخص معين».

ففي الحالات العادية، يفتح وكيل الجمهورية بحثًا تحقيقًا يعهد به إلى أحد حُكام التحقيق الراجعين له بالنظر الذي يُصبح بداية من تلك اللحظة حرًا في اتخاذ القرارات سواء في السماع أو في الأبحاث أو في الحجز أو التفتيش أو الإحالة أو الحفظ وهو ما اقتضاه الفصل 51 م إ ج ونصه «تعهد القضية بصفة لا رجوع فيها لحاكم التحقيق بمقتضى قرار في إجراء بحث» فالفرق بين حالة الفصل 31 وحالة الفصل 51 أنّ حاكم التحقيق في الحالة الأولى محدود السلطة مُقيد اليد خاضع في كلّ أعماله لوكيل الجمهورية وسلطته في حين أنّه في الحالة الثانية المنصوص عليها بالفصل 51 سيد القرار وصاحب السلطة بعد إحالة الملف إليه بطريقة لا رجوع فيها.

ويمكن اعتبار الفصل 31 م إ ج مدخلًا للإفلات التشريعي من العقاب للأسباب التالية:

أنَّ البحث فيه مؤقت وضد مجهول، أي أنَّ حاكم التحقيق لا حقَّ له في تحديد المتهمين ولا سلطة له في اختيار التُهم، إذ أنّه يتصرف تحت إمرة وكيل الجمهورية كأنّه أحد مساعديه.
أنَّ قرار فتح البحث لا يتضمّن تهمًا بعينها ضدّ متّهمين بعينهم وهو ما ينسف مجلة الإجراءات الجزائية خاصة من حيث المراكز القانونية إذ لا وجود لمُتّهم ولا مُتضرّر ولا لدعوى عموميّة. بمعنى أنّ الشكاية التي انطلقت من أشخاص معيّنين ضدّ متهمين بعينهم انتفت وغابت وانتهى أثرها القانوني وتحوّلت إلى مجرّد ورقة من أوراق القضية. بمعنى أنّها لا تسمح لأصحابها ولو بالاطّلاع على الأبحاث ولا تقديم الشهود والمؤيدات.
أنَّ الفصل 31 يحمي المشتكى بهم بأن يحوّلهم إلى شهود عند سماعهم من طرف حاكم التحقيق الذي لا يحق له وفق هذا النصّ الإجرائي سماعهم كمتهمين.
أنَّ حاكم التحقيق غير مُقيَّد بأجل لإنهاء مهامّه وإعادة عرض الملف على النيابة العمومية إذ يمكن لهذه الأبحاث الأولية أن تمتدّ لسنوات دون أن تصل إلى نتيجة. وطالما أنّ أطراف الدعوى العموميّة لا يحقّ لهم تقديم أي وثائق أو شهود أو طلبات، فأغلب تلك الأبحاث تؤول إلى الحفظ.

حالة الفصل 49:

يملك وكيل الجمهورية بموجب الفصل (49 م إ ج) سلطة لا رقابة عليها في اختيار أحد حكام التحقيق المنتصبين بدائرته ليعهد له بالأبحاث. وهذه الحرية في الاختيار لا تقبل الطعن فيها إلا وفق قاعدتين:
إذا كانت الجريمة من أنظار محكمة استثنائية، فإنّ حاكم التحقيق يجري ما كان متأكّدًا من الأعمال ثم يتخذ قرارًا في التخلي (فق 2 ف 52)
إذا تمّ الطعن بخروج القضية عن أنظار حاكم التحقيق وهي حالة نادرة نصّ عليها الفصل 75 من نفس المجلة.

فالقاعدة إذا أنّ وكيل الجمهورية حُرّ في اختيار حاكم التحقيق الذي يراه. فإذا كانت هناك قضية تعهَّد بها حاكم تحقيق بعينه، لها علاقة بقضايا أخرى أُحيلت إلى غيره من حُكّام التحقيق، فإنّ أعماله في القضية التي تعهَّد بها ستظلّ ناقصة طالما أن الحقيقة تمّت تجزئتها على عدد من حُكّام التحقيق. وليست هناك قاعدة إجرائية تنظِّم الاطّلاع الآلي لأعمال حكّام التحقيق بينهم حتى يكونوا على علم بالقضايا المنظورة. ولذلك يُمكن اعتبار أنّ الحُرية المطلقة المُسندة لوكيل الجمهورية في اختيار حُكَّام التحقيق يمكن اعتبارها مدخلًا للإفلات التشريعي من العقاب.

مُعضلة عدم تفعيل القوانين:

سبق أن أشرنا أعلاه إلى مُعضلة المُعضلات والتي تتمثل في إحجام الحكومات المتعاقبة إثر الثورة عن إصدار أمر تعيين لأعضاء جهاز التقصِّي الوارد في الفصل 22 من المرسوم عدد 120 المُنظم لعمل الهيئة والساري المفعول إلى حد الآن والذي رفع يد الهيئة فعليًا عن كل عمل تقصِّي جدِّي وفعَّال يرمي إلى الكشف عن مواطن الفساد وإعداد ملفات مؤيدة بالقرائن والبراهين والحجج الرسمية كانت ستُفضي حتمًا إلى إجبار النيابة العمومية على إحالتها على جهة قضائية (تحقيق أو محاكمة بحسب تكييف الأفعال المنسوبة للمشتبه فيهم)، ولكن وبمفعول ذلك الإحجام أصبحت الهيئة تكتفي بالتقصي بما تسمح به إمكانياتها الإجرائية أي في نهاية المطاف صارت الهيئة تتحرك تحت سقف الفصل 30 من مجلة الإجراءات الجزائية. الذي ينص على ما يلي «وكيل الجمهورية يجتهد في تقرير مآل الشكايات والإعلامات التي يتلقاها أو التي تنهي إليه». وصارت قانونًا في نفس مرتبة أي شخص طبيعي بلغ إلى علمه ارتكاب جرم فقام بالتبليغ عنه لتبقى كل الإمكانيات الإجرائية متاحة للنيابة العمومية لإثارة الدعوى ومباشرتها على النحو الذي تراه.

غير أن مسألة عدم تفعيل القوانين ليست مجرد حادثة معزولة ذلك أن أمثلة أخرى يُمكن أن تقودنا إلى الجزم بأن الأمر يتعلق بسياسة ممنهجة في تقليم الأظافر والتحكم في النسق والمآلات.

أمر عدد 1425 لسنة 2012، مؤرخ في 31 أوت/أغسطس 2012، يتعلق بتنقيح وإتمام الأمر عدد 3080 لسنة 2010، المؤرخ في 1 ديسمبر 2010، المُتعلق بإحداث مجالس عليا استشارية.
أحدث هذا الأمر الحكومي مجلسًا استشاريًا يُسمى «المجلس الأعلى للتصدِّي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرف فيها» ذو تركيبة رفيقة المستوى مُشتركة بين الحكومة (7 وزراء) والهيئات واللجان المعنية مع إمكانية انفتاحها على المجتمع المدني مثلما أقره الفصل 25 ثالثًا، الذي حدد تركيبة المجلس على النحو التالي:
«يتركّب المجلس الأعلى للتصدي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرف فيها من الأعضاء الآتي ذكرهم:

أحدث هذا الأمر الحكومي مجلسًا استشاريًا يُسمى «المجلس الأعلى للتصدِّي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرف فيها» ذو تركيبة رفيقة المستوى مُشتركة بين الحكومة (7 وزراء) والهيئات واللجان المعنية مع إمكانية انفتاحها على المجتمع المدني مثلما أقره الفصل 25 ثالثًا، الذي حدد تركيبة المجلس على النحو التالي:
«يتركّب المجلس الأعلى للتصدي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرف فيها من الأعضاء الآتي ذكرهم:

الوزير لدى رئيس الحكومة المُكلف بالحوكمة ومقاومة الفساد.

  • وزير العدل.
  • وزير الداخلية.
  • وزير الشؤون الخارجية.
  • الوزير المُكلف بحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية.
  • الوزير المُكلف بأملاك الدولة والشؤون العقارية.
  • وزير المالية.
  • رئيس الهيئة الوطنية لمُكافحة الفساد.
  • رئيس اللجنة الوطنية لاسترجاع الأموال الموجودة بالخارج والمُكتَسبة بصورة غير شرعية.
  • رئيس اللجنة الوطنية لمصادرة أموال وممتلكات منقولة وعقارية.
  • رئيس اللجنة الوطنية للتصرف في الأموال والممتلكات المعنية بالمُصادرة أو الاسترجاع لفائدة الدولة.
  • خمسة نواب عن المجلس المُكلف بالسلطة التشريعية يتم تعيينهم باقتراح منه.

ويمكن لرئيس المجلس أن يدعو عند الحاجة كل شخص يرى فائدة في حضوره الأشغال وكذلك كل هيئة أو منظمة أو جمعية معنية، باقتراح من الوزير المُكلف بقطاع نشاطها.
أسندت لها جملة من المهام عدَّدها الفصل 25 مكرر من الأمر والذي نص على ما يلي:

«يُكلف المجلس الأعلى للتصدي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرّف فيها، خاصة بما يلي:

  • متابعة وتنسيق أعمال مُختلف اللجان والهياكل الوطنية المُكلّفة بمصادرة واسترجاع والتصرّف في الأموال والممتلكات المنقولة والعقارية المكتسبة بطرق غير شرعية الراجعة للدولة، سواء منها تلك الموجودة داخل البلاد أو خارجها.
  • مُتابعة نتائج أعمال الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد.
  • اقتراح الآليات القانونية الكفيلة بتيسير مهامّ تلك اللجان والهياكل وتقديم الدعم اللاّزم لاستحثاث نُسق عملها في إطار من الفعالية والنجاعة.
  • تقديم التوجيهات والتوصيات اللازمة قصد تطوير أدائها في نطاق المهام الموكولة لكلّ واحدة منها.
  • اقتراح الحلول الكفيلة بحُسن التصرّف في الأموال والممتلكات التي تمّت مُصادرتها، من حيث التفويت فيها واستغلالها أو تنمية استثمارها

هذا المجلس الذي أُوكلت له مهمة تنسيق جهود كافة المتدخلين في هذا الملف الحارق بقي للأسف الشديد حبرًا على ورق ولم يجتمع سوى في مناسبتين ترجع آخرهما إلى سنة 2013، كما أنه لم ينشر ولو تقرير واحد ولم تصدر عنه حتى توصية يتيمة، الأمر الذي يعني بداهة عدم رغبة الجهاز التنفيذي في تفعيل هذا المجلس أصلًا.

القانون الأساسي عدد 77 المؤرخ في 06 ديسمبر 2016 والمُتعلق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي:

يُعتبر هذا القانون مطلبًا ملحًا لجميع المتدخلين في مجال مُكافحة الفساد نظرًا لأن جرائم الفساد المالي على سبيل التحديد جرائم مُتشعِّبة وعابرة للحدود وتحتاج تبعًا لذلك كفاءات مُتعددة وتخصص في أكثر من مجال حتى يتم تفكيك شفرتها وإعداد الملفات القضائية الخاصة بها هذا بالإضافة إلى المردودية المالية لهذا النوع من الملفات.

وقد نص القانون الأساسي الخاص بالقُطب القضائي الاقتصادي والمالي صراحة على هذا التمشي بالفصل الأول الذي أقر ما يلي: «يحدث لدى محكمة الاستئناف بتونس قطب قضائي اقتصادي ومالي يختص بالبحث والتتبع والتحقيق والحكم في الجرائم الاقتصادية والمالية المتشعبة على معنى هذا القانون وفي الجرائم المرتبطة بها وذلك بالطورين الابتدائي والاستئنافي».

المهم في هذا القانون هو تجميع القضايا الخطيرة الخاصة بالفساد المالي في قطب قضائي وحصر التعهد بها دون غيرها بالنسبة للسادة قضاة التحقيق ولكن الأهم من كل ذلك هو ما جاء بفصله السابع وهو التالي:

الفصل 7 يشمل القطب القضائي الاقتصادي والمالي قسمًا فنيًا يضُم مساعدين فنيين مُختصين. وتضبط الاختصاصات الفنية للمُساعدين المُختصين وشروط وإجراءات انتدابهم وتأجيرهم بمُقتضى أمر حكومي.

هذا التكريس التشريعي للحل الأنجع في التصدي للجرائم الاقتصادية في ظل اقتصاد أكثر من نصفه اقتصاد موازي ومبني على التهريب والتهرب الضريبي حاز على رضا واسع في كل الأوساط الحقوقية، فالسادة القضاة سوف يكون على ذمتهم قسم فني متفرغ في الاختصاصات المطلوبة كالجباية والمحاسبة والديوانة والتجارة الدولية. وسوف يتم بالضرورة تسريع وتيرة البت في الملفات والتحقيق فيها إلا أنه وإلى حد الآن لم يصدر الأمر الحكومي الضروري للانطلاق في تكوين القسم الفني الذي بدونه لن يتغير شيء في تعهد القضاء بملفات فساد الحيتان الكبيرة.

القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 المؤرخ في 07 مارس 2017 والمُتعلق بالتبليغ عن الفساد وحماية المُبلغين:
بالإضافة إلى عدم صدور أي من الأمرين الحكوميين الواردين في نص القانون وتحديدًا:
الفصل 3: الخاص بالأمر المحدد للشروط والحوافز التي تُمنح للهيكل العمومي الذي يستجيب للممارسات الفضلى المُتعارف عليها وطنيًا ودوليًا في مجال التوقي من الفساد ومنع حدوثه.
الفصل 29: الخاص بالأمر الحكومي الذي يحدد أليات وصيَّغ ومعايير إسناد المكافأة للمبلغ وهو ما يقوم دليلًا على أن الجهاز التنفيذي لا رغبة له في التشجيع الفعلي على مُكافحة الفساد.
فإن هذا القانون لا يُمكن أن تكون له أي فاعلية مرجوة إلا بالتزام الإدارة أي مجمل الهياكل العمومية المتداخلة والتي أشار إليها حصرًا الفصل الثاني منه بالتعامل مع الهيئة المستقلة لمُكافحة الفساد وتطبيق مقتضيات الفصل 7 من القانون الذي ينص على ما يلي: يتعيّن على كل هيكل عمومي خاضع لأحكام هذا القانون، تحديد الهيكل الإداري المُختص داخله، بتلقي الإبلاغ عن شبهات الفساد المُحالة إليه من قبل الهيئة والبحث فيها. ويشار إليه فيما يلي بـ»الهيكل الإداري المختص».
كما يتعين على كل هيكل عمومي خاضع لأحكام هذا القانون أن يوجِه إلى الهيئة في ظرف شهرين من تاريخ نشر هذا القانون بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية أرقام الهاتف والفاكس والبريد الإلكتروني الخاص بالهيكل الإداري المختص ونشرها على الموقع الإلكتروني الخاص به.
ويُعتبر الفصل 7 المشار إليه القلب النابض لهذا القانون بحيث أن تعاطي الهيئة مع التباليغ التي تتلقاها يمرُ حتمًا عبر مرحلة تمكين الإدارة أو الهيكل العمومي المعني من البحث والتقصي حول شُبهة الفساد المُثارة ووفقًا للإجراءات والآجال الواردة بالقانون غير أن التجربة والتطبيق الميداني أظهرا من دون أدنى شك تمردًا من قبل الهياكل العمومية في الالتزام بمقتضيات الفصل 7 ذلك أنه ومن جملة أكثر من 1200 هيكل عمومي معني لم تتوصل الهيئة الوطنية لمُكافحة الفساد سوى بـ78 مراسلة تتضمن تحديدًا للهيكل الإداري المختص المعني بتلقي التباليغ والبحث فيها.
ولعله من الغريب أن نلاحظ سكوت وإهمال الجهاز التنفيذي وتحديدًا مصالح رئاسة الحكومة التعاطي بجدية مع هذه المعضلة التي يتوقف عليها تنفيذ القانون وعدم حثها لمرؤوسيها من الهياكل العمومية على تطبيق القانون وذلك رغم مطالبة الهيئة مرارًا وتكرارًا باتخاذ الإجراءات الكفيلة بتفعيل الفصل 7 المذكور خصوصًا وقد نص الفصل 15 من دستور جانفي/يناير 2014، صراحة على ما يلي: «الإدارة العمومية في خدمة المواطن والصالح العام، تُنظِّم وتعمل وفق مبادئ الحياد والمساواة واستمرارية المرفق العام ووفق قواعد الشفافية والنزاهة والنجاعة والمساءلة»
بقي أن نلاحظ كذلك وعلى مستوى آخر ما أثاره القانون من نقص فادح في إجراءات الحماية الخاصة بقطع العلاقات الشغلية للمبلغين وذلك لعدم وجود أي تناسق بين قانون حماية المُبلغين ومجلة الشغل من ناحية وقانون الوظيفة العمومية من ناحية أخرى، كما أن الآجال التي يفرضها القانون قصيرة جدًا وبالتالي تُثقِّل كاهل الهيئة خاصة مع كسرة المهام الموكولة لها.
المحصلة إذن أن حماية المبلغ عن أفعال تكون شبهات فساد مازالت هشَّة ولا تفي بالغرض.
القانون عدد 46 لسنة 2018 المؤرخ في 01 أوت 2018 المُتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمُكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح:
سبق أن خصصتُ مقالًا نُشِرَ على الموقع الإلكتروني لمركز دعم حول هذا القانون تحديدًا والذي تضمن بدوره جملة من الأوامر الحكومية التي من المفروض أن تصدُر في آجال معقولة إثر نشر هذا القانون بالرائد الرسمي.
وحتى لا نرجم بالغيب لننتظر ما تيسر حتى نتمكن من الحكم في خصوص تفعيل هذا القانون غير أنه من الثابت قطعًا وأن الهيكلة المنصوص عليها بقانون الهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومُكافحة الفساد سوف تجد صعوبات كبيرة في تطبيق مُقتضيات هذا النص نظرًا لحجم المهام المنوطة بعهدتها وتشعبها خاصة أمام العدد الهائل للمطالبين بالتصريح بالمكاسب والمصالح، يرجى الاطلاع على المقال المنشور بموقع دعم تحت عنوان «قانون من أين لك هذا .. بين الإنجاز والإعجاز»

المُتأمل للوضع التونسي فيما يهم ملف مُكافحة الفساد يُمكنه أن يتفهم دون عناء إحجام الجهاز التنفيذي عن إصدار قوانين تؤطر المنظومة الاقتصادية وتتصدى للتهريب والتهرب الجبائي والاقتصاد الموازي

سنْ قوانين مُتناقِضة مع فلسفة مُكافحة الفساد

المُتأمل‭ ‬للوضع‭ ‬التونسي‭ ‬فيما‭ ‬يهم‭ ‬ملف‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬يُمكنه‭ ‬أن‭ ‬يتفهم‭ ‬دون‭ ‬عناء‭ ‬إحجام‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفيذي‭ ‬عن‭ ‬إصدار‭ ‬قوانين‭ ‬تؤطر‭ ‬المنظومة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتتصدى‭ ‬للتهريب‭ ‬والتهرب‭ ‬الجبائي‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الموازي‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬قانون‭ ‬يقضي‭ ‬باعتماد‭ ‬الحوكمة‭ ‬المفتوحة‭ ‬والحكومة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬تجميع‭ ‬قواعد‭ ‬البيانات‭ ‬لدعم‭ ‬شفافية‭ ‬المرفق‭ ‬العام‭ ‬وتطوير‭ ‬طرق‭ ‬المراقبة‭ ‬أو‭ ‬قانون‭ ‬يقضي‭ ‬بتغيير‭ ‬العُملة‭ ‬المتداولة‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬التعاملات‭ ‬المالية‭ ‬النقدية‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬والتشريعات‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬غالبية‭ ‬الديمُقراطيات‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬ظاهرة‭ ‬الفساد،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يستعصى‭ ‬على‭ ‬الإدراك‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬يتبجح‭ ‬به‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفيذي‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬على‭ ‬الفساد‭ ‬هو‭ ‬إقدامُه‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬قانون‭ ‬أساسي‭ ‬أُطلق‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬المُصالحة‭ ‬الإدارية‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬القانون‭ ‬الأساسي‭ ‬عدد‭ ‬62‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬أكتوبر‭ ‬2017‭ ‬والمُتعلق‭ ‬بالمُصالحة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الإداري‭ ‬وهو‭ ‬نص‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬عفو‭ ‬تشريعي‭ ‬عام‭ ‬خصَّ‭ ‬الموظفين‭ ‬العموميين‭ ‬وشبَّههُم‭ ‬ممن‭ ‬تورطوا‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬الفصول‭ ‬82‭ ‬إلى‭ ‬96‭ ‬من‭ ‬المجلة‭ ‬الجزائية‭ ‬ويشمل‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬محل‭ ‬تتبع‭ ‬كما‭ ‬يشمل‭ ‬من‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬حقه‭ ‬حُكم‭ ‬جزائي‭ ‬بات‭.‬

وقد‭ ‬برر‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬ضرورة‭ ‬سنِّه‭ ‬بالقول‭ ‬إنه‭ ‬سوف‭ ‬يُعيد‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬ويُحرر‭ ‬مبادرتها‭ ‬وينهض‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬ويُحقق‭ ‬المصالحة،‭ ‬والحال‭ ‬أنه‭ ‬سوف‭ ‬ينسف‭ ‬مسار‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬نص‭ ‬عليها‭ ‬الدستور‭ ‬وسوف‭ ‬يُكرس‭ ‬تشريعيًا‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬ويُعتبر‭ ‬تدخلًا‭ ‬في‭ ‬سير‭ ‬القضاء‭.‬

ورغمًا‭ ‬عن‭ ‬طعن‭ ‬40‭ ‬نائبًا‭ ‬في‭ ‬دستورية‭ ‬ذلك‭ ‬القانون‭ ‬وتبريرهم‭ ‬لذلك‭ ‬بمخالفة‭ ‬13‭ ‬نصًا‭ ‬دستوريًا‭ ‬فإن‭ ‬الهيئة‭ ‬الوقتية‭ ‬لمراقبة‭ ‬دستورية‭ ‬القوانين‭ ‬أحجمت‭ ‬عن‭ ‬البت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الطعن‭ ‬متحججة‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يتوفر‭ ‬لديها‭ ‬الأغلبية‭ ‬المطلوبة‭ ‬لإصدار‭ ‬قرارها‭ ‬في‭ ‬الغرض‭ ‬وقامت‭ ‬بإحالة‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬الذي‭ ‬تولى‭ ‬ختمه‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬أثاره‭ ‬ذلك‭ ‬القانون‭ ‬من‭ ‬استنكار‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭.‬

الخُلاصة‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬بسطه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفيذي‭ ‬برأسيه‭ ‬سواء‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬تضمنته‭ ‬خطاباتهم‭ ‬العامة‭ ‬من‭ ‬اعتبار‭ ‬التصدي‭ ‬للفساد‭ ‬ومكافحته‭ ‬أحد‭ ‬أوكد‭ ‬الأولويات‭ ‬فإن‭ ‬التدقيق‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬التشريعي‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬والولوج‭ ‬إلى‭ ‬تفاصيله‭ ‬أين‭ ‬تكمن‭ ‬الشياطين،‭ ‬يجعلنا‭ ‬وبكامل‭ ‬الموضوعية‭ ‬نتخلص‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفيذي‭ ‬كان‭ ‬دائم‭ ‬السعي‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬باليد‭ ‬الطولى‭ ‬في‭ ‬خصوص‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬سنها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬معفية‭ ‬من‭ ‬تفخيخها‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬إعلانات‭ ‬للتسويق‭ ‬الإعلامي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬قوانين‭ ‬فعالة‭ ‬وناجزة‭ ‬في‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭.‬

الطريق‭ ‬إذن‭ ‬مازالت‭ ‬طويلة‭ ‬ومليئة‭ ‬بالمطبات‭ ‬حتى‭ ‬تصير‭ ‬المنظومة‭ ‬التشريعية‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الحرب‭ ‬المعلنة‭ ‬على‭ ‬الفساد‭.‬

 الأستاذ شرف الدين القليل
الأستاذ شرف الدين القليل محامي وناشط حقوقي تونسي
Read More

تمهيد عام

تتنزل‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬ضمن‭ ‬سلسلة‭ ‬المقاربات‭ ‬القانونية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬دأبت‭ ‬‮«‬دورية‭ ‬دعم‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يشرف‭ ‬عليها‭ ‬مركز‭ ‬دعم‭ ‬للتحوُّل‭ ‬الديمُقراطي‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬“دعم”،‭ ‬على‭ ‬عرضها‭ ‬وتتناول‭ ‬بالدرس‭ ‬والتحليل‭ ‬استحقاق‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬وعلاقته‭ ‬بسياسات‭ ‬التحوُّل‭ ‬الديمُقراطي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬وليبيا،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬بصفة‭ ‬شبه‭ ‬مُطلقة‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬قانون‭ ‬المصالحة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الإداري‭ {‬القانون‭ ‬الأساسي‭ ‬عدد‭ ‬62‭ ‬لسنه‭ ‬2017،‭ ‬مؤرخ‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬أكتوبر‭ ‬2017،‭ ‬منشور‭ ‬بالرائد‭ ‬الرسمي‭ ‬للجمهورية‭ ‬التونسية‭ ‬عدد‭ ‬85‭ ‬بتاريخ‭ ‬24‭ ‬أكتوبر‭ ‬2017،‭ ‬الصفحة‭ ‬3625‭}‬،‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬الذي‭ ‬أسال‭ ‬من‭ ‬الحبر‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير،‭ ‬وتفاعل‭ ‬معه‭ ‬السواد‭ ‬الأعظم‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬المدنيين‭ ‬والسياسيين‭ ‬والقانونيين،‭ ‬ومثل‭ ‬طيلة‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬السنتين‭ ‬المحور‭ ‬الرئيسي‭ ‬لمختلف‭ ‬السجالات‭ ‬والملفات‭ ‬والمُقاربات‭ ‬التي‭ ‬تهتم‭ ‬بملف‭ ‬مُكافحه‭ ‬الفساد‭.‬

واحترامًا‭ ‬لأهمية‭ ‬الأمانة‭ ‬التي‭ ‬أناطها‭ ‬الساهرون‭ ‬على‭ ‬‮«‬دورية‭ ‬دعم‮»‬‭ ‬بعُهدة‭ ‬كاتب‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة،‭ ‬وتقيُدًا‭ ‬منه‭ ‬بضوابط‭ ‬وأدوات‭ ‬التحليل‭ ‬العلمي‭ ‬والمنهجي،‭ ‬فإنه‭ ‬يرى‭ ‬لزامًا‭ ‬عليه‭ ‬مصارحة‭ ‬السيدات‭ ‬والساده‭ ‬القراء‭ ‬بالصعوبة‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬اعترضته‭ ‬خلال‭ ‬كافة‭ ‬ردهات‭ ‬إنجاز‭ ‬هذا‭ ‬العمل،‭ ‬والمتمثلة‭ ‬أساسًا‭ ‬في‭ ‬واجب‭ ‬التقيُّد‭ ‬بالحياد‭ ‬العلمي‭ ‬عند‭ ‬تحليل‭ ‬قانون‭ ‬لطالما‭ ‬اعتبرته،‭ ‬أنا‭ ‬ورفيقاتي‭ ‬ورفاقي‭ ‬في‭ ‬حراك‭ ‬‮«‬ما‭ ‬نيش‭ ‬مسامح‮»‬،‭ ‬قانونًا‭ ‬‮«‬لتبييض‭ ‬الفساد‭ ‬ورسكلة‭ ‬الفاسدين”،‭ ‬ولطالما‭ ‬ناضلنا‭ ‬جميعا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الشرائح‭ ‬العمرية‭ ‬والمهنية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والمدنية‭ ‬والسياسية‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬التونسي،‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬إسقاطه‭.‬

ولكن،‭ ‬ورغم‭ ‬جسامة‭ ‬هذه‭ ‬الصعوبة،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬حاولت‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭ ‬احترام‭ ‬الأمانة‭ ‬العلمية‭ ‬وإنجاز‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬يظل،‭ ‬شأنه‭ ‬شأن‭ ‬جميع‭ ‬الأعمال‭ ‬البشرية،‭ ‬مشوبًا‭ ‬بالنقصان‭ ‬الذي‭ ‬أعتذر‭ ‬عنه‭ ‬مسبقًا،‭ ‬ومعرضًا‭ ‬للنقد‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أتمناه‭ ‬عند‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬التفاعل‭ ‬والنقاش‭.‬

مقدمة

لطالما‭ ‬مثَّل‭ ‬استحقاق‭ ‬القطع‭ ‬مع‭ ‬ماضي‭ ‬الفساد‭ ‬والاستبداد‭ ‬الذي‭ ‬رفعته‭ ‬ثورة‭ ‬الحُرية‭ ‬والكرامة‭ ‬هدفًا‭ ‬مشتركًا‭ ‬ومعلنًا‭ ‬لكافة‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ،‭ ‬ولطالما‭ ‬اعتبره‭ ‬الخبراء‭ ‬والنشطاء‭ ‬المدنيون‭ ‬والسياسيون‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬كشرط‭ ‬أساسي‭ ‬لا‭ ‬مندوحة‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الانتقال‭ ‬الديمُقراطي‭ ‬السليم‭ ‬والشروع‭ ‬المسؤول‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الديمُقراطية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬والمؤسسات‭ ‬وعلى‭ ‬احترام‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والمواطن‭.‬

وفي‭ ‬سبيل‭ ‬تحقيق‭ ‬تلك‭ ‬الغاية‭ ‬السامية‭ ‬تعددت‭ ‬المبادرات‭ ‬الرسمية‭ ‬وغير‭ ‬الرسمية،‭ ‬التشريعية‭ ‬والمؤسساتية،‭ ‬السياسية‭ ‬والمواطنية‭ ‬المدنية،‭ ‬التي‭ ‬انكبَّت‭ ‬جميعها‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬سبل‭ ‬وآليات‭ ‬القطع‭ ‬السليم‭ ‬والناجع‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬الماضي‭ ‬المتخن‭ ‬بشتى‭ ‬أنواع‭ ‬الانتهاكات‭ ‬الجسيمة‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وبمختلف‭ ‬أنواع‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬الأملاك‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة‭ ‬وأهدرت‭ ‬مُقدَّرات‭ ‬المجموعة‭ ‬الوطنية‭ ‬دون‭ ‬وجه‭ ‬شرعي‭.‬

ورغم‭ ‬تعدد‭ ‬تلك‭ ‬المبادرات،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬اتفقت‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الوجه‭ ‬الأمثل‭ ‬لمعالجة‭ ‬ذلك‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬عادل،‭ ‬ديمُقراطي‭ ‬وقاطع‭ ‬مع‭ ‬كافة‭ ‬ضروب‭ ‬التشفي‭ ‬والانتقام‭ ‬أو‭ ‬الإقصاء‭ ‬والانتقاء‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬منظومة‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬كذلك‭ ‬من‭ ‬عديد‭ ‬التحفظات‭ ‬والاحترازات‭ ‬والتجاذبات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬شابت‭ ‬أعمال‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬التأسيسي‭ ‬عند‭ ‬تناوله‭ ‬لمشروع‭ ‬قانون‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬والتي‭ ‬طغى‭ ‬عليها،‭ ‬بشهادة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬التونسيين‭ ‬والدوليين‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬الوطني‭ ‬والدولي،‭ ‬منطق‭ ‬المحاصصة‭ ‬الحزبية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬توِّجت‭ ‬بالمصادقة‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬الأساسي‭ ‬عدد‭ ‬53‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬ديسمبر‭ ‬2013‭ ‬والمُتعلق‭ ‬بإنشاء‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬وتنظيمها،‭ ‬ثم‭ ‬بانتخاب‭ ‬أعضاء‭ ‬الهيئة‭ ‬العمومية‭ ‬المُشرفة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬التنظيم‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬هيئة‭ ‬الحقيقة‭ ‬والكرامة‮»‬،‭ ‬وتسميتهم‭ ‬بمقتضى‭ ‬الأمر‭ ‬عدد‭ ‬1872‭ ‬لسنة‭ ‬2014،‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬30‭ ‬ماي‭/‬مايو‭ ‬2014‭.‬

وانطلقت‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬ولاية‭ ‬‮«‬هيئة‭ ‬الحقيقة‭ ‬والكرامة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أناط‭ ‬القانون‭ ‬بعهدتها‭ ‬معالجة‭ ‬الانتهاكات‭ ‬الجسيمة‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬منذ‭ ‬شهر‭ ‬جويلية‭/‬يوليو‭ ‬1955،‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬صدور‭ ‬القانون‭ ‬عدد‭ ‬53،‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬يستثن‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الانتهاكات‭ ‬الجرائم‭ ‬المتعلقة‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬تزوير‭ ‬الانتخابات‭ ‬وبالفساد‭ ‬المالي‭ ‬والاعتداء‭ ‬على‭ ‬المال‭ ‬العام‮»‬‭ (‬الفصل‭ ‬8‭) ‬

ولكن‭ ‬وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الآداء‭ ‬المهزوز‭ ‬لهيئة‭ ‬‮«‬الحقيقة‭ ‬والكرامة‮»‬‭ ‬وتراكم‭ ‬الخلافات‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬أعضائها،‭ ‬وبينهم‭ ‬وبين‭ ‬بعض‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬مؤسسة‭ ‬‮«‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‮»‬،‭ ‬و»المحكمة‭ ‬الإدارية‮»‬‭ ‬و»إدارة‭ ‬القضاء‭ ‬العسكري‮»‬‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬التغير‭ ‬الجسيم‭ ‬الذي‭ ‬وصَمَ‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الحاكم‭ ‬إبان‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬والرئاسية‭ ‬لسنة‭ ‬2014،‭ ‬والتي‭ ‬أفرزت‭ ‬عودة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬السياسية‭ ‬المحسوبة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬القديم‭ ‬والمدعومة‭ ‬بنفود‭ ‬وأموال‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬وموظفي‭ ‬الدولة‭ ‬الساميين‭ ‬الذين‭ ‬تعلقت‭ ‬بهم‭ ‬تتبعات‭ ‬قضائية‭ ‬وتدابير‭ ‬احترازية‭ ‬مُختلفة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬تحجير‭ ‬السفر‭ ‬عنهم‭ ‬أو‭ ‬تجميد‭ ‬أو‭ ‬مصادرة‭ ‬أموالهم‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية،‭ ‬فقد‭ ‬تعالت‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬وبرزت‭ ‬بعض‭ ‬المبادرات‭ ‬التي‭ ‬روَّجت‭ ‬لها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬المرئية‭ ‬والمسموعة‭ ‬والإلكترونية‭ ‬الخاصة‭ ‬والمحسوبة‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬المذكورين،‭ ‬ونادت‭ ‬بضرورة‭ ‬التعجيل‭ ‬بوجود‭ ‬حل‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحريرهم‭ ‬وتحرير‭ ‬أموالهم‭ ‬‮«‬لما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬جدوى‭ ‬إيجابية‭ ‬على‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬للبلاد‮»‬‭. ‬وبلغ‭ ‬الأمر‭ ‬ببعض‭ ‬الأصوات‭ ‬بالمطالبة‭ ‬الصريحة‭ ‬بتشريع‭ ‬عفو‭ ‬عام‭ ‬لفائدتهم،‭ ‬فكان‭ ‬أن‭ ‬أصدر‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬أولى‭ ‬مبادراته‭ ‬التشريعية‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يخوِّله‭ ‬له‭ ‬الدستور‭ (‬وهي‭ ‬الوحيدة‭ ‬بعد‭ ‬قرابة‭ ‬السنوات‭ ‬الأربع‭ ‬من‭ ‬ولايته‭) ‬والمتعلقة‭ ‬بـ«مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المُصالحة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬صادق‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬يوم‭ ‬14‭ ‬جويلية‭ ‬2013،‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬المشروع‭ ‬وأحاله‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب‭ ‬للتداول‭ ‬والمصادقة‭ ‬ولكن،‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬أيضًا‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الفئات‭ ‬الشعبية‭ ‬متنوعة‭ ‬المشارب‭ ‬والانتماء‭ ‬والاهتمام،‭ ‬وللعديد‭ ‬من‭ ‬فعاليات‭ ‬وحساسيات‭ ‬وتنظيمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والسياسي‭ ‬أن‭ ‬نزلت‭ ‬للشارع‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬تحركات‭ ‬مركزية‭ ‬وجهوية‭ ‬متعددة،‭ ‬يتقدمها‭ ‬ممثلات‭ ‬وممثلو‭ ‬حراك‭ ‬‮«‬ما‭ ‬نيش‭ ‬مسامح‮»‬‭ ‬رافعين‭ ‬لشعار‭ ‬مركزي‭ ‬لجميع‭ ‬تحركاتهم‭ ‬عنوانه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬مُصالحه‭ ‬قبل‭ ‬المُحاسبة‮»‬،‭ ‬ومنددين‭ ‬بتلك‭ ‬المبادرة‭ ‬الرئاسية‭ ‬معتبرين‭ ‬إياها‭ ‬‮«‬عفوًا‭ ‬رئاسيًا‮»‬‭ ‬عن‭ ‬الفاسدين‭ ‬وتطبيعًا‭ ‬صريحًا‭ ‬مع‭ ‬ماضي‭ ‬الفساد‭ ‬وتبييضًا‭ ‬لمختلف‭ ‬مظاهره‭ ‬وممارساته،‭ ‬مستندين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والأطروحات‭ ‬القانونية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والدستورية‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المنظمات‭ ‬والخبراء‭ ‬والباحثين‭ ‬المجتمعيين‭ ‬حول‭ ‬اعتبارها‭ ‬مبادرة‭ ‬غير‭ ‬دستورية‭ ‬خارقة‭ ‬للقوانين‭ ‬الوضعية‭ ‬السارية‭ ‬وعديمة‭ ‬الجدوى‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬ومطالبين‭ ‬جميعهم‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬السحب‭ ‬الفوري‭ ‬لتلك‭ ‬المبادرة‭.‬

إلا‭ ‬أنه‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬قرابة‭ ‬السنتين‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬جرت‭ ‬الرياح‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬تشتهيه‭ ‬سُفن‭ ‬الرافضين‭ ‬لقانون‭ ‬المصالحة‭. ‬فمع‭ ‬تصاعد‭ ‬وتيرة‭ ‬الضغوطات‭ ‬المسلطة‭ ‬على‭ ‬صاحب‭ ‬المبادرة‭ ‬التشريعية،‭ ‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬اقتصادي‭ ‬واجتماعي‭ ‬مأزوم‭ ‬ومنذر‭ ‬بالانفجار،‭ ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الانتخابات‭ ‬البلدية‭ ‬وما‭ ‬تتطلبه‭ ‬من‭ ‬اعتمادات‭ ‬مالية‭ ‬مهمة،‭ ‬عادت‭ ‬مبادرة‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬لتطفو‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬مجددًا،‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬الأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاحترازات‭ ‬وطلبات‭ ‬التنقيح‭ ‬المتمثلة‭ ‬أساسًا‭ ‬في‭:‬

  • ‭ ‬المبادرة‭ ‬أصبحت‭ ‬تشمل‭ ‬الموظفين‭ ‬العموميين‭ ‬وأشباههم‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬المادة‭ ‬82‭ ‬والمادة‭ ‬92‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الجزائي،‭ ‬ولم‭ ‬تعُد‭ ‬تنسحب‭ ‬على‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬وغيرهم‭.‬
  • ‭ ‬المبادرة‭ ‬أصبحت‭ ‬لا‭ ‬تشمل‭ ‬جرائم‭ ‬الرِشّْوة‭ ‬والاستيلاء‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬عمومية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬مرتكبوها‭ ‬موظفون‭ ‬عموميون‭ ‬أو‭ ‬شبههم‭.‬

‭ ‬الهيئة‭ ‬المُشرفة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬أحكام‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مختلطة‭ ‬وخاضعة‭ ‬إلى‭ ‬إشراف‭ ‬رئيسة‭ ‬الحكومة،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبحت‭ ‬قضائية‭ ‬صرفة‭ ‬يُشرف‭ ‬عليها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأول‭ ‬لمحكمة‭ ‬التعقيب‭ ‬ويُشارك‭ ‬في‭ ‬مداولاتها‭ ‬ممثل‭ ‬النيابة‭ ‬العمومية‭. ‬

ورغم‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬الظاهر‭ ‬للسلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬في‭ ‬مضمون‭ ‬مبادرتها‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تُسمى‭ ‬‮«‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المُصالحة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الإداري‮»‬،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يشفع‭ ‬لها‭ ‬عند‭ ‬معارضيها‭ ‬الذين‭ ‬واصلوا‭ ‬احتجاجاتهم‭ ‬المُختلفة‭ ‬ميدانيًا‭ ‬وإعلاميًا‭ ‬ولكن‭ ‬أيضًا‭ ‬قضائيًا‭ ‬أمام‭ ‬الهيئة‭ ‬الوقتية‭ ‬لمراقبة‭ ‬دستورية‭ ‬مشاريع‭ ‬القوانين،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صادقت‭ ‬الجلسة‭ ‬العامة‭ ‬لمجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬الجديد‭ ‬المرفوع‭ ‬إليها‭ ‬بواقع‭ ‬115‭ ‬صوتًا،‭ ‬فيما‭ ‬رفض‭ ‬أغلب‭ ‬النواب‭ ‬حضور‭ ‬عملية‭ ‬التصويت‭ ‬خلال‭ ‬جلسة‭ ‬13‭ ‬سبتمبر‭ ‬2017‬.

وبالفعل،‭ ‬فقد‭ ‬توجَّه‭ ‬38‭ ‬نائبًا‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الهيئة‭ ‬التي‭ ‬أناط‭ ‬الدستور‭ ‬بعهدتها‭ ‬مراقبة‭ ‬دستورية‭ ‬مشاريع‭ ‬القوانين‭ (‬ريثما‭ ‬يقع‭ ‬تركيز‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية‭ ‬طبق‭ ‬الفصل‭ ‬115‭ ‬من‭ ‬الدستور‭). ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الهيئة،‭ ‬وفي‭ ‬سابقة‭ ‬خطيرة‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬قررت‭ ‬صلب‭ ‬قرارها‭ ‬عدد‭ ‬8‭/‬2017‭ ‬بتاريخ‭ ‬17‭ ‬أكتوبر‭ ‬2017،‭ ‬‮«‬إحالة‭ ‬مشروع‭ ‬القانون‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬وذلك‭ ‬لعدم‭ ‬حصول‭ ‬الأغلبية‭ ‬المطلقة‭ ‬لاتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬الغرض‭ ‬طبق‭ ‬ما‭ ‬يقتضيه‭ ‬القانون‭ ‬الأساسي‭ ‬عدد‭ ‬14‭ ‬لسنة‭ ‬2014،‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬18‭ ‬أفريل‭/‬أبريل‭ ‬2014‮»‬‭ ‬وأحيل‭ ‬بالتالي‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬صاحب‭ ‬المبادرة‭ ‬بسنه‭!! ‬لإمضائه‭ ‬يوم‭ ‬24‭ ‬أكتوبر‭ ‬2017،‭ ‬وهو‭ ‬نفس‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬فيه‭ ‬ونُشر‭ ‬بالرائد‭ ‬الرسمي‭ ‬للجمهورية‭ ‬التونسية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬التصميم‭ ‬الموصوف‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حسم‭ ‬الجدل‭ ‬وتمرير‭ ‬القانون‭.‬

واليوم،‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬قُرابة‭ ‬السنة‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬الأساسي‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬يحق‭ ‬لنا‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬صدقية‭ ‬ما‭ ‬تضمنته‭ ‬وثيقة‭ ‬شرح‭ ‬الأسباب‭ ‬المرافقة‭ ‬له‭ ‬والتي‭ ‬جاء‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬يهدُف‭ ‬إلى‭ ‬القطع‭ ‬مع‭ ‬ماضي‭ ‬الفساد‭ ‬واستشراء‭ ‬مظاهر‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬والمحسوبية‭ ‬وتخريب‭ ‬الإدارة‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يحق‭ ‬لنا‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬المردودية‭ ‬التطبيقية‭ ‬التي‭ ‬تتمثل‭ ‬حسب‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬منه‭ ‬في‮»‬تهيئة‭ ‬مناخ‭ ‬ملائم‭ ‬يُشجع‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬روح‭ ‬المبادرة‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬وينهض‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬ويُعزز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬تحقيقًا‭ ‬للمُصالحة‭ ‬الوطنية‮»‬‭. ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬يحق‭ ‬لنا‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬نجاعة‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬المالي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬ومدى‭ ‬مساهمته‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬عجلة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتيسير‭ ‬دواليب‭ ‬الإدارة‭ ‬التونسية‭ ‬مثلما‭ ‬زعم‭ ‬مناصرو‭ ‬هذا‭ ‬القانون؟

وهي‭ ‬كلها‭ ‬أسئلة‭ ‬مشروعة‭ ‬أرى‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الباحث‭ ‬التطرق‭ ‬إليها‭  ‬للإجابة‭ ‬على‭ ‬الإشكال‭ ‬المركزي‭ ‬التالي‭: ‬

  • ‭ ‬هل‭ ‬ساهم‭ ‬قانون‭ ‬المُصالحة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الإداري‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬ظاهرة‭ ‬الفساد‭ ‬وكبح‭ ‬جماحها‭ ‬والتصدي‭ ‬لمختلف‭ ‬أشكالها‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬زاد‭ ‬في‭ ‬تفشِّيها‭ ‬وفي‭ ‬تحصين‭ ‬المسؤولين‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬التتبع‭ ‬والعقاب؟
  • ‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬قانون‭ ‬المُصالحة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الإداري‭ ‬آلية‭ ‬من‭ ‬آليات‭ ‬القطع‭ ‬مع‭ ‬ماضي‭ ‬الفساد‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬مُطية‭ ‬لاستنساخ‭ ‬ذلك‭ ‬الماضي؟

 

وللإجابة‭ ‬منهجيًا‭ ‬عن‭ ‬جملة‭ ‬تلك‭ ‬التساؤلات‭ ‬والإشكالات،‭ ‬وبعيدًا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬التشنج‭ ‬وإسقاط‭ ‬الأحكام‭ ‬المُسبقة،‭ ‬يجدر‭ ‬بنا‭ ‬استهلال‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬باستعراض‭ ‬أهم‭ ‬المؤاخذات‭ ‬والمطاعن‭ ‬المُتعلقة‭ ‬باستحقاق‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ )‬المبحث‭ ‬الأول)‭ ‬قبل‭ ‬التطرق،‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬سطحي،‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬دخول‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬رغم‭ ‬أهمية‭ ‬وحجم‭ ‬المعارضة‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭)  ‬المبحث‭ ‬الثاني)‭‬،‭ ‬والتفرغ‭ ‬ختامًا‭ ‬إلى‭ ‬سبر‭ ‬نجاعة‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬المستويات ‭)‬المبحث‭ ‬الثالث‭(

تضمن القانون في فلسفته العامة وفي الإجراءات التي استحدثها ما يُمثل ضربًا صريحًا لقواعد الشفافية والنزاهة والمساءلة المنصوص عليها صلب الفصل 15 من الدستور الذي جاء به، ذلك أن العفو الذي متَّع به الموظفين العموميين الضالعين في ارتكاب جرائم استغلال النفوذ والوظيفة وعدم احترام التراتيب والإضرار بالإدارة من شأنه أن يُساهم في المحافظة على الممارسات غير القانونية التي كانت مُتفشِّية صُلب الإدارة التونسية في ظل النظام السابق

المبحث الأول: قانون المُصالحة في المجال الإداري: مؤاخذات بالجملة ومطاعن قضائية بالتفصيل

‮«‬أمر‭ ‬دُبِّر‭ ‬بليل‮»‬‭ ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬العبارة‭ ‬التي‭ ‬وصف‭ ‬بها‭ ‬أحد‭ ‬النواب‭ ‬الرافضين‭ ‬للقانون‭ ‬في‭ ‬تعليقه‭ ‬على‭ ‬واقعة‭ ‬ختمه‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬ودخوله‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭. ‬

وفي‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التوصيف‭ ‬مبالغًا‭ ‬فيه‭ ‬ولا‭ ‬مجانبًا‭ ‬لواقع‭ ‬الأمور‭. ‬فالمُتأمل‭ ‬في‭ ‬نسق‭ ‬حياة‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬مشروعًا‭ ‬يلاحظ‭ ‬انضوائه‭ ‬على‭ ‬مخالفات‭ ‬جوهرية‭ ‬للدستور‭. ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬ضربه‭ ‬عرض‭ ‬الحائط‭ ‬لمبدأ‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬المواطنين،‭ ‬بأن‭ ‬خص‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬ما‭ ‬يقدر‭ ‬بـ0‭.‬05‭ ‬٪‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬التونسي‭ ‬بقانون‭ ‬يعفيهم‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬وقع‭ ‬ارتكابها‭ ‬من‭ ‬طرفهم‭ ‬ضد‭ ‬سائر‭ ‬المجموعة‭ ‬الوطنية،‭ ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬5.2‭ ‬٪‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬التونسي‭ ‬البالغ‭ ‬سن‭ ‬الرشد‭ ‬هو‭ ‬محل‭ ‬تتبع‭ ‬جزائي،‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬الكثيرة‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬أقل‭ ‬خطورة‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬المال‭ ‬العام‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬أيضًا‭ ‬تجاهله‭ ‬لما‭ ‬ورد‭ ‬بتوطئة‭ ‬الدستور‭ ‬وبالفصل‭ ‬العاشر‭ ‬منه‭ ‬‮«‬بالتزام‭ ‬الدولة‭ ‬بحُسن‭ ‬التصرف‭ ‬في‭ ‬المال‭ ‬العمومي‭ ‬وباتخاذها‭ ‬التدابير‭ ‬اللازمة‭ ‬لصرفه‭ ‬حسب‭ ‬أولويات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬الفساد‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬المس‭ ‬بالسيادة‭ ‬الوطنية‮»‬،‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬إقرار‭ ‬عدم‭ ‬المؤاخذة‭ ‬الجزائية‭ ‬والعفو‭ ‬على‭ ‬الموظفين‭ ‬العموميين‭ ‬وأشباههم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يتنزّل‭ ‬تحت‭ ‬خانة‭ ‬تبييض‭ ‬هؤلاء‭ ‬الموظفين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬إخلال‭ ‬صريح‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬الدولة‭ ‬بواجبها‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬للفساد‭ ‬ومكافحته‭.‬

وفي‭ ‬ذات‭ ‬السياق،‭ ‬تضمن‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬فلسفته‭ ‬العامة‭ ‬وفي‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬استحدثها‭ ‬ما‭ ‬يُمثل‭ ‬ضربًا‭ ‬صريحًا‭ ‬لقواعد‭ ‬الشفافية‭ ‬والنزاهة‭ ‬والمساءلة‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬صلب‭ ‬الفصل‭ ‬15‭ ‬من‭ ‬الدستور‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬به‭ ‬أن‭: ‬‮«‬الإدارة‭ ‬العمومية‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬المواطن‭ ‬والصالح‭ ‬العام،‭ ‬تُنظم‭ ‬وتعمل‭ ‬وفق‭ ‬مبادئ‭ ‬الحياد‭ ‬والمساواة‭ ‬واستمرارية‭ ‬المرفق‭ ‬العام‭ ‬ووفق‭ ‬قواعد‭ ‬الشفافية‭ ‬والنزاهة‭ ‬والنجاعة‭ ‬والمساءلة‮»‬،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬العفو‭ ‬الذي‭ ‬متَّع‭ ‬به‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬الموظفين‭ ‬العموميين‭ ‬الضالعين‭ ‬في‭ ‬ارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬استغلال‭ ‬النفوذ‭ ‬والوظيفة‭ ‬وعدم‭ ‬احترام‭ ‬التراتيب‭ ‬والإضرار‭ ‬بالإدارة‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يُساهم‭ ‬في‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الممارسات‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مُتفشِّية‭ ‬صُلب‭ ‬الإدارة‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬النظام‭ ‬السابق،‭ ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يُساهم‭ ‬في‭ ‬التستر‭ ‬على‭ ‬مآل‭ ‬الأموال‭ ‬العمومية‭ ‬المنهوبة‭ ‬وعلى‭ ‬طرق‭ ‬ووسائل‭ ‬نهبها‭.‬

إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬وفضلًا‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬العيوب‭ ‬الدستورية‭ ‬الواضحة‭ ‬التي‭ ‬اعترت‭ ‬مختلف‭ ‬فصول‭ ‬قانون‭ ‬المصالحة‭ ‬الإدارية،‭ ‬فإن‭ ‬طريقة‭ ‬المُصادقة‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المجلس‭ ‬النيابي‭ ‬كانت‭ ‬بدورها‭ ‬مُخالفة‭ ‬للدستور‭ ‬واعترتها‭ ‬شوائب‭ ‬دفعت‭ ‬بالبعض‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الفساد‭ ‬التشريعي‮»‬‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التلاعب‭ ‬بمفهوم‭ ‬النص‭ ‬القانوني‭ ‬الواضح،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬تجاهله‭ ‬تمامًا،‭ ‬أو‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬تحميله‭ ‬قراءة‭ ‬لا‭ ‬يحتملُها‭. ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تعمد‭ ‬الجلسة‭ ‬العامة‭ ‬لمجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب‭ ‬تجاوز‭ ‬الشرط‭ ‬الدستوري‭ ‬الذي‭ ‬فرضه‭ ‬الفصل‭ ‬114‭ ‬من‭ ‬الدستور‭ ‬والفصل‭ ‬42‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الأساسي‭ ‬عدد‭ ‬34‭ ‬لسنة‭ ‬2016‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬أفريل‭ ‬2016‭ ‬والمُتعلق‭ ‬بالمجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للقضاء،‭ ‬والذي‭ ‬يقتضي‭ ‬واجب‭ ‬عرض‭ ‬مشاريع‭ ‬القوانين‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتنظيم‭ ‬العدالة‭ ‬وإدارة‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الجلسة‭ ‬العامة‭ ‬للمجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للقضاء،‭ ‬لإبداء‭ ‬رأيها‭ ‬في‭ ‬شأنها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تعمد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬تجاوزه‭ ‬لأسباب‭ ‬بقيت‭ ‬مُبهمة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الساعة‭. ‬

ولم‭ ‬يقف‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬كان‭ ‬أيضًا‭ ‬مخالفًا‭ ‬لروح‭ ‬ولصريح‭ ‬مقتضيات‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الدولية‭ ‬لمُكافحه‭ ‬الفساد‭ ‬المؤرخة‭ ‬في‭ ‬31‭ ‬أكتوبر‭ ‬2003،‭ ‬والمُصادق‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الدولة‭ ‬التونسية‭ ‬بمقتضى‭ ‬القانون‭ ‬عدد‭ ‬16‭ ‬لسنة‭ ‬2008‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬فيفري‭/ ‬فبراير‭ ‬2008،‭ ‬وكذلك‭ ‬بواسطة‭ ‬الأمر‭ ‬الرئاسي‭ ‬عدد‭ ‬762‭ ‬لسنة‭ ‬2008‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬مارس‭ ‬2008،‭ ‬علمًا‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬شأنها‭ ‬شأن‭ ‬كافة‭ ‬المعاهدات‭ ‬المُصادق‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المجلس‭ ‬النيابي‭ ‬تحتل‭ ‬مرتبة‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬حسب‭ ‬صريح‭ ‬الفصل‭ ‬20‭ ‬من‭ ‬الدستور‭.‬

فالاتفاقية‭ ‬الدولية‭ ‬لمُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬تضمنت‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الالتزامات‭ ‬المحمولة‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬مادة‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬ومنها‭ ‬خاصة‭ ‬ما‭ ‬تضمنته‭ ‬المادة‭ ‬1‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬واجب‭ ‬تدعيم‭ ‬التدابير‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬وما‭ ‬تضمنته‭ ‬المادة‭ ‬5‭ ‬من‭ ‬واجب‭ ‬‮«‬سعي‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬إجراء‭ ‬تقييم‭ ‬دوري‭ ‬للصكوك‭ ‬القانونية‭ ‬والتدابير‭ ‬الإدارية‭ ‬بغيَّة‭ ‬تقرير‭ ‬مدى‭ ‬كفايتها‭ ‬لمنع‭ ‬الفساد‭ ‬ومكافحته‮»‬‭ ‬وواجب‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬إرساء‭ ‬وترويج‭ ‬ممارسات‭ ‬فعالة‭ ‬تستهدف‭ ‬منع‭ ‬الفساد،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬واجب‭ ‬سن‭ ‬التدابير‭ ‬التشريعية‭ ‬والإدارية‭ ‬المُجرمة‭ ‬لفعل‭ ‬تعمد‭ ‬موظف‭ ‬عمومي‭ ‬استغلال‭ ‬وظيفته‭ ‬أو‭ ‬موقعه‭ ‬بغرض‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مزية‭ ‬غير‭ ‬مستحقة‭ ‬لصالحه‭ ‬أو‭ ‬لصالح‭ ‬شخص‭ ‬أو‭ ‬كيان‭ ‬آخر‭.‬

وتأسيسًا‭ ‬عليه،‭ ‬فمن‭ ‬البديهي‭ ‬اعتبار‭ ‬قانون‭ ‬المصالحة‭ ‬الإدارية‭ ‬غير‭ ‬دستوري‭ ‬وغير‭ ‬متطابق‭ ‬مع‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الدولية‭ ‬لمكافحه‭ ‬الفساد،‭ ‬طالما‭ ‬أنه‭ ‬جاء‭ ‬لينزع‭ ‬الصِبغة‭ ‬الإجرامية‭ ‬عن‭ ‬أعمال‭ ‬فساد‭ ‬وليُحصِّن‭ ‬مُرتكبيها‭ ‬من‭ ‬المؤاخذة‭ ‬الجزائية‭.‬

وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬هذين‭ ‬الصعيدين‭ ‬الدستوري‭ ‬والمعاهداتي،‭ ‬فإن‭ ‬قانون‭ ‬المصالحة‭ ‬الإدارية‭ ‬ينضوي‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬خطورة‭ ‬قصوى‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬تكريس‭ ‬الفساد‭ ‬وتبييضه‭ ‬عوض‭ ‬التصدي‭ ‬له‭ ‬ومكافحته‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬القانوني،‭ ‬وخاصه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ضربه‭ ‬الصريح‭ ‬لفلسفة‭ ‬ومقتضيات‭ ‬قانون‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬مثلما‭ ‬سلف‭ ‬ذكره،‭ ‬لتصفية‭ ‬تركة‭ ‬ماضي‭ ‬الفساد‭ ‬والاستبداد،‭ ‬والقطع‭ ‬معه‭ ‬وضمان‭ ‬عدم‭ ‬تكراره‭ ‬توصلًا‭ ‬إلى‭ ‬مصالحة‭ ‬وطنية‭ ‬شاملة‭.‬

تتسم معظم فترات الانتقال الديمُقراطي التي تمر بها الشعوب بالهشاشة التي تنعكس سواء على آداء المؤسسات أو على آداء الفاعلين السياسيين، الأمر الذي يتطلب لتجاوزها وتفادي عودة منظومة الاستبداد السعي إلى إدارة الأمور وفق مبادئ الوفاق والوحدة والإجماع

فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تنصيص‭ ‬الفقرة‭ ‬9‭ ‬من‭ ‬الفصل‭ ‬148‭ ‬من‭ ‬الدستور‭ ‬على‭ ‬‮«‬التزام‭ ‬الدولة‭ ‬بتطبيق‭ ‬منظومة‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مجالاتها‮»‬،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تشديد‭ ‬لجنة‭ ‬البندقية‭ (‬اللجنة‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الديمُقراطية‭ ‬عبر‭ ‬القانون‭) ‬بمناسبة‭ ‬التجاء‭ ‬‮«‬هيئة‭ ‬الحقيقة‭ ‬والكرامة‮»‬‭ ‬لها‭ ‬طلبًا‭ ‬لرأيها‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المُصالحة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬المالي‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬صلب‭ ‬رأيها‭ ‬عدد‭ ‬818‭/‬2015‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬الجلسة‭ ‬عدد‭ ‬104‭ ‬بتاريخ‭ ‬27‭ ‬أكتوبر‭ ‬2013،‭ ‬على‭ ‬واجب‭ ‬ضمان‭ ‬تحقيق‭ ‬قانون‭ ‬المُصالحة‭ ‬للأهداف‭ ‬السامية‭ ‬لمنظومة‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ (‬النقطة‭ ‬36‭).‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬المذكور‭ ‬في‭ ‬صيغته‭ ‬الختامية‭ ‬قد‭ ‬تجاهل‭ ‬تمامًا‭ ‬ذلك‭ ‬التحصين‭ ‬الدستوري‭ ‬لمنظومة‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية،‭ ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬تجاهل‭ ‬ضابط‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭.‬

فالمنوال‭ ‬التونسي‭ ‬للعدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬خمسة‭ ‬محطات‭ ‬متسلسلة‭ ‬ومترابطة‭ ‬بوثوق،‭ ‬وتتمثل‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬حقيقة‭ ‬الانتهاكات،‭ ‬ثم‭ ‬المحاسبة‭ ‬والمساءلة،‭ ‬ثم‭ ‬جبر‭ ‬أضرار‭ ‬الضحايا‭ ‬ورد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لهم،‭ ‬فإصلاح‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬المصالحة‭ ‬كتتويج‭ ‬لذلك‭ ‬المسار‭ ‬المتكامل‭.‬

ولكن‭ ‬وعلى‭ ‬نقيض‭ ‬ذلك‭ ‬تمامًا،‭ ‬فإن‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬أقرها‭ ‬قانون‭ ‬المصالحة‭ ‬غضت‭ ‬الطرف‭ ‬تمامًا‭ ‬عن‭ ‬استحقاق‭ ‬كشف‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬طالب‭ ‬الانتفاع‭ ‬بأحكامه‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬التصريح‭ ‬بجملة‭ ‬المبالغ‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬انتفع‭ ‬بها‭ ‬هو‭ ‬شخصيًا‭ ‬أو‭ ‬غيره،‭ ‬دون‭ ‬لزوم‭ ‬تفصيل‭ ‬سبل‭ ‬الانتفاع‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬كيفية‭ ‬الحصول‭ ‬عليها‭.‬

كما‭ ‬لم‭ ‬يتضمن‭ ‬القانون‭ ‬ولو‭ ‬إشارة‭ ‬ضمنية‭ ‬إلى‭ ‬ضحايا‭ ‬الفساد‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬ومن‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخاصة‭ ‬وكذلك‭ ‬الجهات،‭ ‬ولم‭ ‬يُخصص‭ ‬لهم‭ ‬جميعًا‭ ‬أي‭ ‬آلية‭ ‬لجبر‭ ‬ضررهم‭ ‬ولرد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لهم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المنتفع‭ ‬بهذا‭ ‬القانون‭ ‬بصفة‭ ‬حصرية‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬المتهم‭ ‬بالفساد‭ ‬وليس‭ ‬الضحية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬تجارب‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬تُعتبر‭ ‬الضحية‭ ‬حجر‭ ‬زاويتها‭.‬

ومن‭ ‬ناحية‭ ‬ثالثة،‭ ‬وانطلاقًا‭ ‬مما‭ ‬صادق‭ ‬عليه‭ ‬الخبراء‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬من‭ ‬اعتبار‭ ‬الفساد‭ ‬ظاهرة‭ ‬معقدة،‭ ‬ولا‭ ‬مناص‭ ‬من‭ ‬تفكيكها‭ ‬والتصدي‭ ‬لها‭ ‬دون‭ ‬فهمها‭ ‬وتحليل‭ ‬مختلف‭ ‬العوامل‭ ‬البشرية‭ ‬والإدارية‭ ‬والتشريعية‭ ‬المُساهمة‭ ‬في‭ ‬وجودها‭ ‬وفي‭ ‬ترعرعها‭ ‬وتفشيها،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬يُعتبر‭ ‬تغطية‭ ‬لا‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬ممارسات‭ ‬الفساد،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضًا‭ ‬عائقًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لفهم‭ ‬تلك‭ ‬الممارسات‭ ‬وتفكيكها‭ ‬وتخليص‭ ‬الإدارة‭ ‬العمومية‭ ‬منها‭ ‬ومن‭ ‬أسبابها‭. ‬ويجوز‭ ‬لنا‭ ‬حينئذ‭ ‬الجزم‭ ‬بأنه‭ ‬قانون‭ ‬يضرب‭ ‬عرض‭ ‬الحائط‭ ‬الركن‭ ‬الأهم،‭ ‬في‭ ‬تقديرنا،‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التونسية‭ ‬المعناة‭ ‬رأسًا‭ ‬بمُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬والقطع‭ ‬مع‭ ‬ماضيه‭ ‬وضمان‭ ‬عدم‭ ‬تكراره،‭ ‬والمُتمثل‭ ‬في‭ ‬إصلاح‭ ‬المؤسسات‭. ‬فلقد‭ ‬نص‭ ‬الفصل‭ ‬14‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إصلاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬‮«‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬منظومة‭ ‬الفساد‭ ‬والقمع‭ ‬والاستبداد‭ ‬ومعالجتها‭ ‬بشكل‭ ‬يضمن‭ ‬عدم‭ ‬تكرار‭ ‬الانتهاكات‭ ‬واحترام‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وإرساء‭ ‬دولة‭ ‬القانون‭. ‬ويقتضي‭ ‬لإصلاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬خاصة‭ ‬مراجعة‭ ‬التشريعات‭ ‬وغربلة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬ومرافقها‭ ‬ممن‭ ‬ثبتت‭ ‬مسؤولياتهم‭ ‬في‭ ‬الفساد‭ ‬والانتهاكات‭ ‬وتحديث‭ ‬مناهجها،‭ ‬وإعادة‭ ‬هيكلتها‭ ‬وتأهيل‭ ‬أعوانها‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يتعارض‭ ‬قطريًا‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬به‭ ‬قانون‭ ‬المُصالحة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الإداري‭ ‬الذي‭ ‬عوض‭ ‬أن‭ ‬يفكك‭ ‬ورم‭ ‬الفساد‭ ‬الذي‭ ‬نخر‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬وأجهزتها‭ ‬زاده‭ ‬جرعة‭ ‬إضافية‭ ‬شرعية‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬التفشي،‭ ‬وعوض‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬ميكانيزمات‭ ‬الفساد‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬توقيًا‭ ‬من‭ ‬مزيد‭ ‬تفشيه‭ ‬وتكراره‭ ‬تستر‭ ‬عليه‭ ‬وعلى‭ ‬مرتكبيه‭ ‬وشبكاتهم،‭ ‬وعوض‭ ‬أن‭ ‬يُغربل‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬منهم‭ ‬كرَّمهم‭ ‬وحصَّنهم‭ ‬ضد‭ ‬جميع‭ ‬أشكال‭ ‬التتبع‭ ‬الجزائي‭ ‬والعقاب،‭ ‬وعوض‭ ‬أن‭ ‬يُطهِّر‭ ‬الترسانة‭ ‬التشريعية‭ ‬والترتيبية‭ ‬المُنظمة‭ ‬للإدارة‭ ‬العمومية‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬القوانين‭ ‬المُشرعة‭ ‬للفساد‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬تعزيزها‭ ‬بأحكام‭ ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تُزيد‭ ‬في‭ ‬تفشيه‭ ‬ومن‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تُعسر‭ ‬أكثر‭ ‬عملية‭ ‬مكافحته،‭ ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تُفرغ‭ ‬منظومة‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬في‭ ‬مادة‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مضمون‭ ‬عملي‭ ‬وجدي،‭ ‬وأن‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬استحقاق‭ ‬القطع‭ ‬مع‭ ‬ماضي‭ ‬الفساد‭ ‬وضمان‭ ‬عدم‭ ‬تكراره‭ ‬مجرد‭ ‬شعار‭ ‬لم‭ ‬يُبارح‭ ‬بعد‭ ‬صفحات‭ ‬الدستور‭ ‬وفصول‭ ‬قانون‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التطبيق‭ ‬والممارسة‭. ‬

وهي‭ ‬كلها‭ ‬مؤاخذات‭ ‬ونواقص‭ ‬لم‭ ‬تخلْ‭ ‬منها‭ ‬دراسة‭ ‬واحدة‭ ‬تناولت‭ ‬موضوع‭ ‬قانون‭ ‬المصالحة،‭ ‬ولكنها،‭ ‬وعلى‭ ‬أهميتها‭ ‬وجديتها،‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬آذانًا‭ ‬صاغية‭ ‬في‭ ‬رحاب‭ ‬مجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب‭ ‬ولم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬نواب‭ ‬الأغلبية‭ ‬السياسية‭ ‬داخله‭ ‬بالتخلي‭ ‬عنه‭ ‬رغم‭ ‬المعارضة‭ ‬الشعبية‭ ‬الواسعة‭ ‬التي‭ ‬واجهها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يدفعنا‭ ‬للتساؤل‭ ‬حول‭ ‬الأسباب‭ ‬الحقيقية‭ ‬لمرور‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭.‬

المبحث الثاني: أسباب مرور قانون المُصالحة رغم الإجماع على عجزه في معالجة ماضي الفساد

تتسم‭ ‬معظم‭ ‬فترات‭ ‬الانتقال‭ ‬الديمُقراطي‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬الشعوب‭ ‬بالهشاشة‭ ‬التي‭ ‬تنعكس‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬آداء‭ ‬المؤسسات‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬آداء‭ ‬الفاعلين‭ ‬السياسيين،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬لتجاوزها‭ ‬وتفادي‭ ‬عودة‭ ‬منظومة‭ ‬الاستبداد‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬الأمور‭ ‬وفق‭ ‬مبادئ‭ ‬الوفاق‭ ‬والوحدة‭ ‬والإجماع‭.‬

وهي‭ ‬شروط‭ ‬لم‭ ‬يقع‭ ‬مراعاتها‭ ‬تمامًا‭ ‬منذ‭ ‬انطلاق‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المصالحة‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬صاحب‭ ‬المبادرة‭ ‬التشريعية‭ ‬المتعلقة‭ ‬به‭ ‬لم‭ ‬يُطلق‭ ‬أي‭ ‬حوار‭ ‬وطني‭ ‬هادف‭ ‬إلى‭ ‬قطع‭ ‬سليم‭ ‬مع‭ ‬ماضي‭ ‬الفساد‭ ‬والاستبداد‭ ‬وإلى‭ ‬تأسيس‭ ‬أسلم‭ ‬للدولة‭ ‬الديمُقراطية،‭ ‬ولم‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬مبادرته‭ ‬موضوع‭ ‬استشارة‭ ‬وطنية‭ ‬شاملة‭ ‬تستوعب‭ ‬جميع‭ ‬المتداخلين‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬‮«‬هيئة‭ ‬الحقيقة‭ ‬والكرامة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أناط‭ ‬الدستور‭ ‬بعهدتها‭ ‬إدارة‭ ‬منظومة‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭.‬

وعلى‭ ‬أنقاض‭ ‬ذلك‭ ‬خيرت‭ ‬الجهة‭ ‬المبادرة‭ ‬تجاهل‭ ‬الانتقادات‭ ‬الموضوعية‭ ‬والاحتجاجات‭ ‬الشعبية‭ ‬الموجهة‭ ‬ضد‭ ‬مبادرته‭ ‬وتصدير‭ ‬الجدل‭ ‬القائم‭ ‬حولها‭ ‬إلى‭ ‬رحاب‭ ‬مجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب‭ ‬والاحتكام‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الأغلبيات‭ ‬البرلمانية‭ ‬لاتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬وهي‭ ‬سياسة،‭ ‬ولئن‭ ‬كانت‭ ‬متطابقة‭ ‬تمامًا‭ ‬مع‭ ‬قيم‭ ‬الديمُقراطية‭ ‬وتطبيقاتها،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬الانتقال‭ ‬الديمُقراطي‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬التجارب‭ ‬الديمُقراطية‭ ‬الحديثة‭ ‬والمحدودة‭ ‬مثل‭ ‬تونس‭. ‬و‭ ‬كان،‭ ‬تبعًا‭ ‬لذلك،‭ ‬و‭ ‬لأسباب‭ ‬سياسية‭ ‬ومصلحية‭ ‬صرفة،‭ ‬أن‭ ‬إنتصرت‭ ‬الأغلبية‭ ‬البرلمانية‭ ‬لمبادرة‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬رغم‭ ‬يقينها‭ ‬بأنها‭ ‬تعرقل‭ ‬تنفيذ‭ ‬الإلتزام‭ ‬المحمول‭ ‬دستوريًا‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬بمُكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬ورغم‭ ‬قناعتها‭ ‬بأنه‭ ‬يستحسن‭ ‬أن‭ ‬تحوز‭ ‬هكذا‭ ‬مبادرات‭ ‬على‭ ‬الأغلبية‭ ‬المطلقة‭ ‬من‭ ‬أصوات‭ ‬نواب‭ ‬الشعب،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬مقاطعة‭ ‬التصويت‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬عدد‭ ‬هام‭ ‬منهم‭ ‬رغم‭ ‬تباين‭ ‬إنتماءاتهم‭ ‬الحزبية‭.‬

وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬قرار‭ ‬الهيئة‭ ‬الوقتية‭ ‬لمراقبة‭ ‬دستورية‭ ‬مشاريع‭ ‬القوانين‭ ‬القاضي‭ ‬بإحالة‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬المطعون‭ ‬في‭ ‬دستوريته‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬لإتخاذ‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬صالحًا‭ ‬في‭ ‬شأنه‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬حصول‭ ‬الأغلبية‭ ‬المطلقة‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬بين‭ ‬أعضاء‭ ‬الهيئة،‭ ‬والذي‭ ‬يرتقي‭ ‬حسب‭ ‬بعض‭ ‬المتابعين‭ ‬إلى‭ ‬مرتبة‭ ‬العبث‭ ‬القضائي‭ ‬والتشريعي،‭ ‬وحسب‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬إلى‭ ‬جريمة‭ ‬إنكار‭ ‬العدالة،‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬القرار‭ ‬إختبارًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لإستقلالية‭ ‬السلطة‭ ‬القضائية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ومدى‭ ‬صمودها‭ ‬أمام‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬التوظيف‭ ‬والتأثير‭ ‬السياسي‭.‬

وتبعًا‭ ‬لذلك،‭ ‬اتضح‭ ‬جليًا‭ ‬عقب‭ ‬إمضاء‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬لقانون‭ ‬المصالحة‭ ‬رغم‭ ‬علمه‭ ‬بعدم‭ ‬صدوره‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬برلمانية‭ ‬وشعبية‭ ‬مشتركة‭ ‬وجامعة،‭ ‬حاجة‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أوجه‭ ‬حياتها‭ ‬إلى‭ ‬محكمة‭ ‬دستورية‭ ‬ساهرة‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬الدستور‭ ‬وحُسن‭ ‬تطبيقه‭ ‬والتصدي‭ ‬لكافة‭ ‬أشكال‭ ‬التلاعب‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬القفز‭ ‬على‭ ‬أحكامه‭. ‬واتضح‭ ‬جليًا‭ ‬أيضا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬سبيل‭ ‬لمُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬والتصدي‭ ‬لكافة‭ ‬التشريعات‭ ‬والتراتيب‭ ‬المُكرسة‭ ‬له‭ ‬دون‭ ‬الإسراع‭ ‬باحترام‭ ‬الدستور‭ ‬وانتخاب‭ ‬أعضاء‭ ‬تلك‭ ‬المحكمة‭.‬

ولكن،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬تحقق‭ ‬ذلك‭ ‬الرهان‭ ‬الذي‭ ‬مازال‭ ‬محكومًا‭ ‬بمنطق‭ ‬التجاذبات‭ ‬السياسية‭ ‬والمحاصصات‭ ‬الحزبية،‭ ‬يتجه‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬أهم‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬أسفر‭ ‬عليها‭ ‬قانون‭ ‬المصالحة‭ ‬بعد‭ ‬قُرابة‭ ‬السنة‭ ‬من‭ ‬دخوله‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭.‬

المبحث الثاني: أسباب مرور قانون المُصالحة رغم الإجماع على عجزه في معالجة ماضي الفساد

1 - على المستوى القضائي
  • ‭ ‬صعوبات‭ ‬تطبيقية‭ ‬يواجها‭ ‬حكام‭ ‬التحقيق‭ ‬بالقطب‭ ‬المالي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الملفات‭ ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬موظفين‭ ‬عمومين‭ ‬أو‭ ‬شبههم‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تشمل‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬تتوفر‭ ‬فيهم‭ ‬تلك‭ ‬الصفة‭.‬
  • ‭ ‬تباين‭ ‬القراءات‭ ‬القضائية‭ ‬للفصل‭ ‬2‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬المُصالحة‭ ‬الذي‭ ‬يُحيل‭ ‬إلى‭ ‬الفصل‭ ‬96‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الجزائي،‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يستهدف‭ ‬فقط‭ ‬الموظفين‭ ‬أو‭ ‬شبههم‭ ‬وإنما‭ ‬ينسحب‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬من‭ ‬صدر‭ ‬عنهم‭ ‬فعل‭ ‬مُجرم‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬صفته‭.‬
  • ‭ ‬تراكم‭ ‬طلبات‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬شهادات‭ ‬العفو‭ ‬أمام‭ ‬الوكلاء‭ ‬العامين‭ ‬لمحاكم‭ ‬الاستئناف،‭ ‬والصادرة‭ ‬عن‭ ‬غير‭ ‬الموظفين‭ ‬العموميين‭ ‬وشبههم‭ ‬مستندين‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬المشاركة‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬الفصل‭ ‬32‭ ‬م‭.‬ج،‭ ‬والذي‭ ‬ينسحب‭ ‬عليه‭ ‬نفس‭ ‬الجزاء‭ ‬المقرر‭ ‬للفاعل‭ ‬الأصلي‭.‬
  • ‭ ‬تعدد‭ ‬الملفات‭ ‬المحفوظة‭ ‬لدى‭ ‬مكاتب‭ ‬التحقيق‭ ‬ومحاكم‭ ‬الحق‭ ‬العام‭ ‬قبل‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬أفعال‭ ‬الفساد‭ ‬سند‭ ‬التتبع،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬قبل‭ ‬التوصل‭ ‬بنتائج‭ ‬الاختبارات‭ ‬والأبحاث‭ ‬المُفضية‭ ‬لتلك‭ ‬الحقيقة‭.‬
2 - على المستوى المؤسساتي
  • ‭ ‬عودة‭ ‬عديدي‭ ‬الموظفين‭ ‬السابقين‭ ‬إلى‭ ‬وظائفهم‭ ‬مع‭ ‬تمتعهم‭ ‬بالامتيازات‭ ‬والترقيات‭ ‬التي‭ ‬حُرِموا‭ ‬منها‭ ‬إبان‭ ‬إحالتهم‭ ‬على‭ ‬القضاء‭.‬
  • ‭ ‬تنامي‭ ‬الشعور‭ ‬بالخيبة‭ ‬والإحباط‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الموظفين‭ ‬ناوا‭ ‬بأنفسهم‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬السابق‭ ‬عن‭ ‬التورط‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬فساد‭ ‬رغم‭ ‬حجم‭ ‬الإغراءات‭ ‬التي‭ ‬عُرضت‭ ‬عليهم‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬التهديدات‭ ‬التي‭ ‬استهدفتهم‭.‬
  • ‭ ‬تواصل‭ ‬احتلال‭ ‬الإدارة‭ ‬العمومية‭ ‬للمرتبة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬أكثر‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬تعرضًا‭ ‬للفساد‭ ‬قبل‭ ‬الأمن‭ ‬والإعلام‭ ‬والقضاء‭ ‬حسب‭ ‬مؤشرات‭ ‬منظمة‭ ‬الشفافية‭ ‬العالمية‭.‬
  • ‭ ‬الشلل‭ ‬شبه‭ ‬التام‭ ‬لعمل‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬والمُصالحة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬هيئة‭ ‬الحقيقة‭ ‬والكرامة‭ ‬بسبب‭ ‬إحجام‭ ‬الضالعين‭ ‬في‭ ‬ارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬فساد‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬السابق‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬التعامل‭ ‬والتواصل‭ ‬معها،‭ ‬وبسبب‭ ‬رفض‭ ‬المكلف‭ ‬العام‭ ‬بنزاعات‭ ‬الدولة‭ ‬تمكينها‭ ‬من‭ ‬الملفات‭ ‬الإدارية‭ ‬الخاصة‭ ‬بهم‭.‬
3 - على المستوى الاقتصادي: انعدام الجدوى الاقتصادية
  • ‭ ‬تواصل‭ ‬عجز‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬استرجاع‭ ‬الأموال‭ ‬المنهوبة‭ ‬والمُهربة‭ ‬للخارج‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬وعائلته‭ ‬والمقدرة‭ ‬بحوالي‭ ‬22‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭.‬
  • ‭ ‬تراجع‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬نسب‭ ‬وحجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬بتونس‭.‬
  • ‭ ‬عدم‭ ‬توفر‭ ‬أرقام‭ ‬تُبين‭ ‬قيمة‭ ‬المبالغ‭ ‬المُتحصل‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬المُتحصلين‭ ‬على‭ ‬شهادات‭ ‬العفو،‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬قرابة‭ ‬السنة‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬القانون‭ ‬حيز‭ ‬النفاذ،‭ ‬ورغم‭ ‬حديث‭ ‬مستشار‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬سنة‭ ‬2016،‭ ‬عن‭ ‬توقعات‭ ‬بتحقيق‭ ‬إيرادات‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬500‭ ‬و700‭ ‬مليون‭.‬
5 - على المستوى السياسي

داخليًا

  • ‭ ‬عودة‭ ‬قوية‭ ‬لرموز‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬إلى‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬وإلى‭ ‬تقلُد‭ ‬المسؤوليات‭ ‬السامية‭.‬
  • ‭ ‬غزو‭ ‬المال‭ ‬السياسي‭ ‬الفاسد‭ ‬للحياة‭ ‬السياسية‭ ‬وحتى‭ ‬البرلمانية‭ ‬وتحوله‭ ‬إلى‭ ‬أهم‭ ‬عنصر‭ ‬مُحدد‭ ‬خلال‭ ‬مختلف‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية‭.‬
  • ‭ ‬تحول‭ ‬ملف‭ ‬الفساد‭ ‬إلى‭ ‬ورقة‭ ‬سياسية‭ ‬بيد‭ ‬الحكومة‭ ‬وبعض‭ ‬الفاعلين‭ ‬السياسيين‭ ‬يحكمها‭ ‬منطق‭ ‬المُقايضة‭ ‬وتصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬السياسية‭.‬

خارجيًا

  • ‭ ‬تواصل‭ ‬تراجع‭ ‬ترتيب‭ ‬الدولة‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬حسب‭ ‬مؤشر‭ ‬النزاهة‭ ‬لمنظمة‭ ‬الشفافية‭ ‬الدولية‭.‬
  • ‭ ‬تواصل‭ ‬نفور‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأجانب‭.‬
  • ‭ ‬اهتزاز‭ ‬مصداقية‭ ‬المسار‭ ‬الديمُقراطي‭ ‬التونسي‭ ‬أمام‭ ‬كبريات‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬ذات‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالعدالة‭ ‬الانتقالية،‭ ‬وكذلك‭ ‬أمام‭ ‬لجنة‭ ‬البندقية‭.‬
د. جازية شعيتير
د. جازية شعيتير قسم الجنائي بكلية القانون بنغازي
Read More

المُقدمة:

يُعرف‭ ‬الفساد‭ ‬لغةً‭ ‬ضد‭ ‬الصلاح،‭ ‬والفساد‭ ‬أخذ‭ ‬المال‭ ‬ظُلمًا‭ ‬أو‭ ‬الإتلاف‭ ‬والعطب‭ ‬والجدب‭ ‬والقحط‭ ‬قال‭ ‬تعالي‭: ‬‮«‬ظَهَرَ‭ ‬الْفَسَادُ‭ ‬فِي‭ ‬الْبَرِّ‭ ‬وَالْبَحْرِ‭ ‬بِمَا‭ ‬كَسَبَتْ‭ ‬أَيْدِي‭ ‬النَّاسِ‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬إلحاق‭ ‬الضرر‭ ‬حيث‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وَيَسْعَوْنَ‭ ‬فِي‭ ‬الْأَرْضِ‭ ‬فَسَادًا‮»‬‭.‬

بينما‭ ‬ينصرف‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬الاصطلاح‭ ‬القانوني‭ ‬لعمل‭ ‬مُشين‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬الموظف‭ ‬العمومي،‭ ‬وهناك‭ ‬دعوة‭ ‬حديثة‭ ‬لشمول‭ ‬العمل‭ ‬المُشين‭ ‬للموظف‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬والمقصود‭ ‬بالعمل‭ ‬المُشين‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬الموظف‭ ‬تحديدًا‭ ‬هو‭ ‬استغلال‭ ‬وظيفته‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكسب‭ ‬شخصي‭ ‬مخالف‭ ‬للقانون‭ ‬ومن‭ ‬باب‭ ‬أولى‭ ‬مخالف‭ ‬لمعايير‭ ‬السلوك‭ ‬الأخلاقي‭.‬

ولعل‭ ‬تعريف‭ ‬‮«‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للشفافية‮»‬‭ ‬و»منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬وشمولًا‭ ‬حيث‭ ‬اتفقتا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الفساد‭ ‬هو‭ ‬‮«‬إساءة‭ ‬استعمال‭ ‬السُلطة‭ ‬لمن‭ ‬اؤتمن‭ ‬عليها‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬مكاسب‭ ‬شخصية‭ ‬ويُضير‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‮»‬‭.‬

ولا‭ ‬نُجانب‭ ‬الصواب‭ ‬إذا‭ ‬قلنا‭ ‬إن‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬صار‭ ‬ظاهرة،‭ ‬ويكفي‭ ‬للتدليل‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المقولة‭ ‬الإحالة‭ ‬إلى‭ ‬مرتبة‭ ‬ليبيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬قوائم‭ ‬الدول‭ ‬الأكثر‭ ‬فسادًا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬حسب‭ ‬‮«‬مؤشرات‭ ‬منظمة‭ ‬الشفافية‭ ‬الدولية‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬نُحيل‭ ‬إلى‭ ‬تقارير‭ ‬‮«‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬الليبي‮»‬،‭ ‬ويكفي‭ ‬أيضًا‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬أوضاعها‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬لنتيقن‭ ‬بأن‭ ‬مظاهر‭ ‬الفساد‭ ‬تتجلى‭ ‬للناظر‭.‬

والفساد‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يُصنف‭ ‬صنوفًا‭ ‬كثيرة‭ ‬بحسب‭ ‬الضرر‭ ‬الناجم‭ ‬هو‭ ‬يُقسم‭ ‬إلى‭ ‬فساد‭ ‬جسيم‭ ‬وآخر‭ ‬بسيط،‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬السلوك‭ ‬المُرتكب‭ ‬يُقسم‭ ‬إلى‭ ‬فساد‭ ‬إيجابي‭ ‬وآخر‭ ‬سلبى،‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬مرتكب‭ ‬الفساد‭ ‬يُقسم‭ ‬إلى‭ ‬فساد‭ ‬تشريعي‭ ‬وفساد‭ ‬إداري‭ ‬وفساد‭ ‬قضائي،‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬المجال‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬فيه‭ ‬الفساد‭ ‬نجد‭ ‬الفساد‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والفساد‭ ‬الإعلامي‭ ‬والفساد‭ ‬الاستثماري‭ ‬والفساد‭ ‬المصرفي‭ ‬والفساد‭ ‬البيئي‭ ‬وإلخ،‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬النطاق‭ ‬المكاني‭ ‬للفساد‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نرصد‭ ‬فسادًا‭ ‬محليًا‭ ‬وفسادًا‭ ‬دوليًا،‭ ‬فبعض‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الكيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المؤثرة‭ ‬عالميًا‭ ‬قد‭ ‬امتدت‭ ‬إليها‭ ‬عوامل‭ ‬الفساد‭ ‬ومظاهره‭ ‬بل‭ ‬إننا‭ ‬قد‭ ‬نستعمل‭ ‬وصف‭ ‬الفساد‭ ‬الدولي‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬أفعال‭ ‬الدول‭ ‬والمنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬تجاه‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬وذلك‭ ‬بالتدخل‭ ‬المباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬شؤونها‭ ‬الداخلية‭ ‬وفرض‭ ‬سياسات‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬وضع‭ ‬الأسباب‭ ‬الكفيلة‭ ‬باستغلال‭ ‬مواردها‭ ‬وتعميق‭ ‬تبعيتها‭ ‬وتفتيتها‭!‬

غير أن صور الفساد المُستحدثة والخطيرة في ليبيا هي:

الفساد‭ ‬المُنظَّم‭:‬‭ ‬فقد‭ ‬تنامت‭ ‬العصابات‭ ‬التي‭ ‬تُمارس‭ ‬تنظيم‭ ‬عملية‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬الشرعية،‭ ‬فقد‭ ‬ذُكر‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬الخبراء‭ ‬التابع‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬المُنشئ‭ ‬بقرار‭ ‬1973‭ ‬لعام‭ ‬2011م،‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2018م‭ ‬الموجَّه‭ ‬إلى‭ ‬رئيسة‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬أن‭ ‬الجماعات‭ ‬المُسلحة‭ ‬تستمد‭ ‬فوائد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الاتجار‭ ‬بالأشخاص‭ ‬وتهريب‭ ‬المُهاجرين‭ ‬اللذين‭ ‬يؤججان‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬ويقوضان‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرسمي‭ ‬حيث‭ ‬تُنظم‭ ‬الشبكات‭ ‬الإجرامية‭ ‬قوافل‭ ‬للمهاجرين‭ ‬وتستخدم‭ ‬الاستغلال‭ ‬الجنسي‭ ‬لتوليد‭ ‬إيرادات‭ ‬كبيرة‭.‬

الفساد‭ ‬المُسلح‭:‬‭ ‬فقد‭ ‬كثُرت‭ ‬الوقائع‭ ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬الميليشيات‭ ‬المُسلحة‭ ‬بشأن‭ ‬الفساد‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬التدليل‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬فريق‭ ‬الخبراء‭ ‬التابع‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬المنشئ‭ ‬بقرار‭ ‬1973‭ ‬لعام‭ ‬2011م،‭ ‬قد‭ ‬أفاد‭ ‬في‭ ‬تقريره‭ ‬الأخير‭ ‬عام‭ ‬سبتمبر‭ ‬2018م‭ ‬الموجَّه‭ ‬إلى‭ ‬رئيسة‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬المؤسسة‭ ‬الليبية‭ ‬للاستثمار‮»‬‭ ‬و»المؤسسة‭ ‬الوطنية‭ ‬للنفط‮»‬‭ ‬و»مصرف‭ ‬ليبيا‭ ‬المركزي‮»‬‭ ‬تُعد‭ ‬أهدافًا‭ ‬للتهديدات‭ ‬والهجمات‭ ‬من‭ ‬المجموعات‭ ‬المُسلحة‭ ‬مما‭ ‬أثر‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬القطاعين‭ ‬النفطي‭ ‬والمالي‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬حيث‭ ‬قام‭ ‬أعضاء‭ ‬بعض‭ ‬الجماعات‭ ‬المُسلحة‭ ‬العاملة‭ ‬اسميًا‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬بالوفاق،‭ ‬باختطاف‭ ‬وتعذيب‭ ‬وقتل‭ ‬موظفين‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬سيادية‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬الوطنية‭ ‬للنفط‮»‬‭ ‬و»الليبية‭ ‬للاستثمار‮»‬‭.‬

الفساد‭ ‬المقنن‭:‬‭ ‬وهو‭ ‬صدور‭ ‬قوانين‭ ‬وقرارات‭ ‬تتقدم‭ ‬في‭ ‬صدورها‭ ‬المصلحة‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬العامة‭ ‬ولعل‭ ‬الفساد‭ ‬القانوني‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬الفساد‭ ‬السياسي‭ ‬ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد‭ ‬السياسي‭ ‬تظل‭ ‬عاملًا‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المساعدة‭ ‬على‭ ‬انتشار‭ ‬كافة‭ ‬أنماط‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد‭ ‬الأخرى‭ ‬ولعل‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬يجزمون‭ ‬بالعلاقة‭ ‬الطردية‭ ‬بين‭ ‬النظم‭ ‬السياسية‭ ‬المعتدلة‭ ‬المؤيدة‭ ‬للعدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وانخفاض‭ ‬معدلات‭ ‬الفساد،‭ ‬حيث‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الحرة‭ ‬والمساءلة‭ ‬القانونية‭ ‬يتم‭ ‬تطبيقها‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬متوازن‭ ‬وعادل‭ ‬بين‭ ‬كافة‭ ‬المواطنين،‭ ‬وحيث‭ ‬عدم‭ ‬سيطرة‭ ‬فئة‭ ‬على‭ ‬الثروة‭ ‬نتيجة‭ ‬استغلال‭ ‬السلطة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الكسب‭ ‬المادي‭.‬

ومن‭ ‬الخطير‭ ‬أن‭ ‬نرصد‭ ‬جرائم‭ ‬عديدة‭ ‬لا‭ ‬تَقِل‭ ‬خطوة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬الجرائم‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالفساد‭ ‬ارتباطًا‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬التجزئة‭ ‬ومنها‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭ ‬والتزوير‭ ‬وحرق‭ ‬وإتلاف‭ ‬الوثائق‭ ‬والبيانات‭ ‬والمستندات‭ ‬بل‭ ‬والمقار‭ ‬أيضًا‭.‬

وبالتأكيد‭ ‬لسنا‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬للتدليل‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬ومحاولة‭ ‬القضاء‭ ‬عليه‭ ‬حيث‭ ‬إنه‭ ‬يُمثل‭ ‬حجر‭ ‬عثرة‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬ومُعرقلة‭ ‬لمساعي‭ ‬العدالة‭ ‬ولمساعي‭ ‬المصالحة‭ ‬لأنه‭ ‬يقوِّض‭ ‬مؤسسات‭ ‬الديمُقراطية‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون‭ ‬ويخِل‭ ‬بالقيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬ويعرض‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬للخطر‭ ‬والقضاء‭ ‬عليه‭ ‬هو‭ ‬الوسيلة‭ ‬المُثلى‭ ‬للمضي‭ ‬قدمًا‭ ‬نحو‭ ‬مستقبل‭ ‬واعد‭ ‬بدولة‭ ‬القانون‭ ‬والمؤسسات‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬أسئلة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬والتي‭ ‬استلزمت‭ ‬القيام‭ ‬بتقييم‭ ‬السياسة‭ ‬القانونية‭ ‬الليبية‭ ‬لنعرف‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬بشأنها‭:‬

  • ‭ ‬ما‭ ‬الثغرات‭ ‬الإجرائية‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬أو‭ ‬الإداري‭ ‬التي‭ ‬تُسهِّل‭ ‬الفساد‭ ‬على‭ ‬مرتكبيه؟
  • ‭ ‬ما‭ ‬مدى‭ ‬ملاءمة‭ ‬سلطات‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرقابية‭ ‬مع‭ ‬حجم‭ ‬الفساد‭ ‬المنتشر‭ ‬اليوم‭ ‬وضرورة‭ ‬كبحه،‭ ‬وكيف‭ ‬يؤثر‭ ‬عدم‭ ‬تعاون‭ ‬الجهات‭ ‬المراقبة‭ ‬في‭ ‬فاعلية‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرقابية؟
  • ‭ ‬الملاحقة‭ ‬القضائية‭ ‬للفساد‭ ‬أين‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬اهتمامات‭ ‬وقدرات‭ ‬الجهات‭ ‬القضائية؟
  • ‭ ‬ما‭ ‬دور‭ ‬السلطة‭ ‬التشريعية‭ ‬في‭ ‬ردع‭ ‬الفساد‭ ‬ومحاربته؟‭ ‬

هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الترف‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬بل‭ ‬لأجل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجية‭ ‬مُثلى‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الفساد‭.‬

خطة‭ ‬البحث‭ ‬تتلخص‭ ‬في‭ ‬المطلبين‭ ‬الآتيين‭:‬

  •   ‬المطلب‭ ‬الأول‭:‬‭ ‬تقييم‭ ‬السياسة‭ ‬الموضوعية‭ ‬لمُكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬وفيه‭ ‬نعرض‭ ‬السياسة‭ ‬التجريمية‭ ‬المتبعة‭ ‬من‭ ‬المُشرع‭ ‬الليبي‭ ‬لصور‭ ‬الفساد‭ ‬والمعاملة‭ ‬الجزائية‭ ‬لمرتكب‭ ‬هذه‭ ‬الصور،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نسبقهم‭ ‬بعرض‭ ‬سريع‭ ‬لعوامل‭ ‬انتشار‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭.‬
  • ‭ ‬المطلب‭ ‬الثاني‭:‬‭ ‬تقييم‭ ‬السياسة‭ ‬الإجرائية‭ ‬لمُكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬وفيه‭ ‬نعرض‭ ‬لآليات‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬سواء‭ ‬منها‭: ‬آليات‭ ‬الوقاية‭ ‬أو‭ ‬المساءلة‭ ‬أو‭ ‬الردع‭.‬

المطلب الأول: السياسة الموضوعية لمُكافحة الفساد

الفرع الأول: مواجهة عوامل الفساد

ما‭ ‬العوامل‭ ‬المُحركة‭ ‬والجاذبة‭ ‬للفساد‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬ليبيا؟

‭ ‬عوامل‭ ‬سياسية

عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬وتطوره‭ ‬السيئ‭ ‬إلى‭ ‬انقسام‭ ‬سياسي‭ ‬وتناحر‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬ولعل‭ ‬الصلاح‭ ‬السياسي‭ ‬بما‭ ‬يُفرزه‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬دولة‭ ‬تحترم‭ ‬القانون‭ ‬سيكون‭ ‬كفيلًا‭ ‬بالحد‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬وتحجيم‭ ‬نطاقه‭ ‬ومداه‭.‬

‭ ‬عوامل‭ ‬اقتصادية

الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬كمورد‭ ‬وحيد‭ ‬للدولة‭ ‬الليبية‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬القطاعات‭ ‬الخدمية‭ ‬وصرف‭ ‬رواتب‭ ‬وظيفية‭ ‬لكل‭ ‬الليبيين‭ ‬بما‭ ‬يُشبه‭ ‬الحصة‭ ‬في‭ ‬العائد‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وغياب‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬المحلي‭ ‬والأجنبي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬يُنافس‭ ‬حول‭ ‬الجودة‭ ‬والفاعلية‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬نمو‭ ‬الفساد‭.‬

‭ ‬عوامل‭ ‬اجتماعية

النمط‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬هو‭ ‬نمط‭ ‬مرصود‭ ‬على‭ ‬الأسرة‭ ‬الليبية،‭ ‬وهذا‭ ‬النمط‭ ‬متى‭ ‬تظافر‭ ‬مع‭ ‬عوامل‭ ‬اقتصادية‭ ‬صعبة‭ ‬سيؤدي‭ ‬بعض‭ ‬النفوس‭ ‬لتوسل‭ ‬الفساد‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬معيشي‭ ‬اجتماعي‭ ‬معين،‭ ‬خاصة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬وصم‭ ‬بالعار‭ ‬لمن‭ ‬يُعرف‭ ‬عنه‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الفاسدين‭ ‬بل‭ ‬يتسابقون‭ ‬لمدحه‭ ‬والتجاور‭ ‬معه‭ ‬ويتفاخرون‭ ‬بمصاهرته‭!‬،‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬اجتماعي‭ ‬يكون‭ ‬فيه‭ ‬الذم‭ ‬المجتمعي‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬يُقدم‭ ‬على‭ ‬الوساطة‭ ‬والمحسوبية‭ ‬لقريبه‭ ‬أو‭ ‬صديقه‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الذم‭ ‬لمن‭ ‬يُخالف‭ ‬القواعد‭ ‬القانونية‭ ‬يجعل‭ ‬المواطن‭ ‬الموظف‭ ‬يستمري‭ ‬الفساد‭.‬

‭ ‬عوامل‭ ‬ثقافية

الثقافة‭ ‬الريعية‭ ‬والاتكالية‭ ‬وثقافة‭ ‬مال‭ ‬الحكومة‭ ‬ولعل‭ ‬بعض‭ ‬الشبهات‭ ‬الدينية‭ ‬تُعزز‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬لوجود‭ ‬شُبهة‭ ‬تملك‭ ‬عام‭! ‬كما‭ ‬أن‭ ‬ثقافة‭ ‬الشطارة‭ ‬وثقافة‭ ‬الغنيمة‭ ‬وعديد‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬تُعبر‭ ‬عن‭ ‬اختلال‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬القيمية‭ ‬للمجتمع‭ ‬الليبي‭.‬

ومعلومًا‭ ‬أن‭ ‬الفساد‭ ‬يتنامى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تدني‭ ‬العامل‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬فهو‭ ‬يزدهر‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬العامل‭ ‬الثقافي‭ ‬لدى‭ ‬الموظف‭ ‬والمواطن‭ ‬صاحب‭ ‬الخدمة‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬المراقبة،‭ ‬ولعل‭ ‬المنظومة‭ ‬الإدارية‭ ‬ذات‭ ‬قيم‭ ‬ثقافة‭ ‬سيئة‭ ‬ومنها‭ ‬الروتين‭ ‬والتسويف‭ ‬والاستعلاء‭ ‬والتجهيل،‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬ثقافة‭ ‬إدارية‭ ‬ليبية‭ ‬تقضي‭ ‬بأن‭ ‬الدولة‭ ‬مُلتزمة‭ ‬بأن‭ ‬تؤدي‭ ‬للمواطن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مرافقها‭ ‬العامة‭ ‬خدماته‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الواجب‭ ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬معقول‭ ‬ودونما‭ ‬مقابل‭ ‬باستثناء‭ ‬المفروض‭ ‬قانونًا‭ ‬من‭ ‬ضرائب‭ ‬أو‭ ‬رسوم‭.‬

‭ ‬عوامل‭ ‬قانونية

إلغاء‭ ‬قوانين‭ ‬سابقة‭ ‬دون‭ ‬دراسة‭ ‬واستحداث‭ ‬قوانين‭ ‬حديثة‭ ‬دون‭ ‬فلسفة‭ ‬تشريعية‭ ‬وتباين‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬التشريعية‭ ‬للسلطات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬بما‭ ‬يُشبه‭ ‬الموجات‭ ‬العنيفة‭ ‬والمتضادة‭ ‬في‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬تشريعي‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬مناسبة‭ ‬للفساد،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬فاعلية‭ ‬إنفاذ‭ ‬القانون،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬صدور‭ ‬أحكام‭ ‬قضائية‭ ‬تحت‭ ‬قبضة‭ ‬ميليشيات‭ ‬مُسلحة،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬إقصاء‭ ‬للإكفاء‭ ‬وبالتالي‭ ‬تصدَّر‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬شيئًا‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬وبالتالي‭ ‬استخدم‭ ‬القانون‭ ‬كأداة‭ ‬خطيرة‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يحسن‭ ‬استخدامها‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬خلو‭ ‬القوانين‭ ‬من‭ ‬تجريم‭ ‬لسلوكات‭ ‬تُساعد‭ ‬على‭ ‬الفساد،‭ ‬فمثلًا‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬حظر‭ ‬فعال‭ ‬ودقيق‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬للموظف‭ ‬العام‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬له‭ ‬صلة‭ ‬مباشرة‭ ‬بالوظيفة‭ ‬العمومية،‭ ‬ولا‭ ‬حظر‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الخاص‭ ‬ذو‭ ‬العلاقة‭ ‬لمتقلدي‭ ‬المناصب‭ ‬الكبرى‭ ‬بعد‭ ‬تركهم‭ ‬المنصب‭.‬

معلومًا أن الفساد يتنامى في حالة تدني العامل الثقافي في المجتمع فهو يزدهر في غياب العامل الثقافي لدى الموظف والمواطن صاحب الخدمة بل حتى المسؤول عن المراقبة، ولعل المنظومة الإدارية ذات قيم ثقافة سيئة ومنها الروتين والتسويف والاستعلاء والتجهيل

الفرع الثاني: تجريم صور الفساد

تتعدد‭ ‬القوانين‭ ‬الليبية‭ ‬المعنية‭ ‬بمُكافحة‭ ‬للفساد‭ ‬ومنها‭:‬

  • ‭ ‬قانون‭ ‬العقوبات‭ ‬العام‭ ‬والقوانين‭ ‬الخاصة‭ ‬المُكملة‭ ‬له‭ ‬لعل‭ ‬أهمها
  • ‭ ‬قانون‭ ‬الجرائم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬رقم‭ ‬2‭ ‬لسنة‭ ‬79م‭. ‬
  • ‭ ‬قانون‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭ ‬رقم‭ ‬2‭ ‬لسنة‭ ‬2005م‭.‬
  • ‭ ‬قانون‭ ‬إساءة‭ ‬الوظيفة‭ ‬رقم‭ ‬22‭ ‬لسنة‭ ‬85م‭.‬
  • ‭ ‬قانون‭ ‬الوساطة‭ ‬والمحسوبية‭ ‬رقم‭ ‬5‭ ‬لسنة‭ ‬85م‭.‬‭ ‬
  • ‭ ‬قانون‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬لك‭ ‬هذا‭ ‬رقم‭ ‬3‭ ‬لسنة‭ ‬86م‭.‬
  • ‭ ‬قانون‭ ‬التطهير‭ ‬رقم‭ ‬10‭ ‬لسنة‭ ‬94م‭.‬
  • ‭ ‬قانون‭ ‬5‭ ‬لسنة‭ ‬2010م‭ ‬بشأن‭ ‬المُصادقة‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭.‬
  • ‭ ‬قانون‭ ‬الإرهاب‭ ‬رقم‭ ‬3‭ ‬لسنة‭ ‬2014م‭: ‬فهو‭ ‬ينص‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬الثانية‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬الإرهابية‭ ‬‮«‬السلوك‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬الإضرار‭ ‬بالنظم‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬البنكية‭ ‬أو‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الوطني‭…‬‮»‬

كذلك‭ ‬القوانين‭ ‬المصرفية‭ ‬مثلًا‭:  ‬

  • ‭ ‬قانون‭ ‬رقم‭ ‬1‭ ‬لسنة‭ ‬2005م‭ ‬بشأن‭ ‬المصارف‭.‬
  • ‭ ‬قانون‭ ‬رقم‭ ‬46‭ ‬لسنة‭ ‬2012م‭ ‬المُعدل‭ ‬له‭.‬

 

صور‭ ‬الفساد‭ ‬مُتعددة‭ ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬إجمالها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مساس‭ ‬بالمال‭ ‬العام‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر،‭ ‬بأي‭ ‬وسيلة،‭ ‬وبأي‭ ‬قصد،‭ ‬ومن‭ ‬أي‭ ‬إقليم‭ ‬كان،‭ ‬ومن‭ ‬أي‭ ‬جاني‭.‬

ويمكننا‭ ‬التقيُّد‭ ‬بما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬اختصاصات‭ ‬هيئة‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬حيث‭ ‬تقضي‭ ‬باختصاصها‭ ‬في‭:‬

  1. ‬الجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة‭.‬
  2. الجرائم‭ ‬المُخِلَّة‭ ‬بالثقة‭ ‬العامة‭.‬
  3. ‬جرائم‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭.‬
  4. ‬الجرائم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الرِشوة‭.‬
  5. ‬جرائم‭ ‬إساءة‭ ‬استعمال‭ ‬الوظيفة‭ ‬أو‭ ‬المهنة‭.‬
  6.  ‬قانون‭ ‬الوساطة‭ ‬والمحسوبية‭.‬
  7. قانون‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬لك‭ ‬هذا‭.‬
  8. ‬قانون‭ ‬التطهير‭.‬
  9. مُخالفة‭ ‬قواعد‭ ‬العقود‭ ‬الإدارية‭ ‬والمناقصات‭ ‬والمزايدات‭.‬
  10. ‬المخالفات‭ ‬الإدارية‭ ‬والمالية‭ ‬التي‭ ‬يرتكبها‭ ‬الموظفون‭ ‬العامون‭.‬

وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬التقييم‭ ‬لهذه‭ ‬السياسة‭ ‬الجنائية‭ ‬الليبية‭ ‬نقارنها‭ ‬بصور‭ ‬التجريم‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬‮«‬اتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لمُكافحة‭ ‬الفساد‮»‬،‭ ‬تلك‭ ‬الاتفاقية‭ ‬التي‭ ‬اعتبرت‭ ‬من‭ ‬‮«‬جرائم‭ ‬الفساد‭: ‬الرشوة‮»‬حتى‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬والمتاجرة‭ ‬بالنفوذ‭ ‬والاختلاس‭ ‬والتبديد‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬وإساءة‭ ‬استغلال‭ ‬الموظف‭ ‬العمومي‭ ‬وظائفه‭ ‬أو‭ ‬مهام‭ ‬منصبه،‭ ‬وإثرائه‭ ‬غير‭ ‬المشروع،‭ ‬وغسل‭ ‬العائدات‭ ‬الإجرامية‭.‬

ويتضح‭ ‬أن‭ ‬الاتفاقية‭ ‬توسَّعت‭ ‬في‭ ‬التجريم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الليبي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬التجريم‭ ‬أفعال‭ ‬الموظف‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭.‬

يهمنا‭ ‬التعقيب‭ ‬بشأن‭ ‬جريمة‭ ‬الرشوة،‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬قانون‭ ‬الجرائم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬حيث‭ ‬إنها‭ ‬قد‭ ‬نصت‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬اتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لمُكافحة‭ ‬الجريمة‭ ‬المُنظمة‭ ‬عبر‭ ‬الوطنية‮»‬‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬الثامنة‭ ‬منها‭ ‬والتي‭ ‬دعت‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬إلى‭ ‬تجريم‭ ‬صور‭ ‬السلوك‭ ‬المختلفة‭ ‬للرشوة‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬العموميين‭ ‬والقائمين‭ ‬بالخدمة‭ ‬العامة‭ ‬وشملت‭ ‬تلك‭ ‬الصور‭ ‬الوعد‭ ‬بالرشوة‭ ‬أو‭ ‬عرضها‭ ‬أو‭ ‬منحها‭ ‬لأي‭ ‬من‭ ‬هؤلاء،‭ ‬سواء‭ ‬لصالحه‭ ‬أو‭ ‬لصالح‭ ‬هيئة‭ ‬أو‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭ ‬مقابل‭ ‬قيامه‭ ‬بفعل‭ ‬أو‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬فعل‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬مهامه‭ ‬الرسمية،‭ ‬وشملت‭ ‬أيضًا‭ ‬صورة‭ ‬طلب‭ ‬الرِشّْوة‭ ‬والاشتراك‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬صورها،‭ ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬المميز‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الاتفاقية‭ ‬اهتمامها‭ ‬بدعوة‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تجريم‭ ‬صور‭ ‬الرِشّْوة‭ ‬إذا‭ ‬ارتكبها‭ ‬موظف‭ ‬عمومي‭ ‬أجنبي‭ ‬أو‭ ‬موظف‭ ‬مدني‭ ‬دولي‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعد‭ ‬خطوة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تجريم‭ ‬الرِشّْوة‭ ‬الدولية،‭ ‬ومن‭ ‬المميز‭ ‬أيضًا‭ ‬نص‭ ‬البند‭ ‬2‭ ‬من‭ ‬المادة‭ ‬3‭ ‬من‭ ‬الاتفاقية‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬جريمة‭ ‬الرِشّْوة‭ ‬جريمة‭ ‬عبر‭ ‬وطنية‭ ‬إذا‭ ‬ارتكبت‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬ما‭ ‬وكانت‭ ‬لها‭ ‬آثار‭ ‬شديدة‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭.‬

وللرشوة‭ ‬صور‭ ‬كثيرة‭ ‬عصية‭ ‬عن‭ ‬الحصر،‭ ‬فهي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬بتقديم‭ ‬الهدايا‭ ‬المالية‭ ‬والعينية‭ ‬والمعنوية‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬علاقة‭ ‬جنسية‭ ‬أو‭ ‬وظيفة‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬منفعة‭ ‬تُحقق‭ ‬مصلحة‭ ‬شخصية‭.‬

الفرع الثالث: سَنْ الجزاءات في مواجهة الفساد
  • ‭ ‬جزاءات‭ ‬سالبة‭ ‬للحياة‭: ‬الإعدام‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬خرَّب‭ ‬عمدًا‭ ‬بأي‭ ‬وسيلة‭ ‬المنشآت‭ ‬النفطية‭ ‬أو‭ ‬إحدى‭ ‬ملحقاتها‭ ‬‮«‬مادة‭ ‬4‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬الجرائم‭ ‬الاقتصادية‮»‬‭ ‬
  • ‭ ‬جزاءات‭ ‬سالبة‭ ‬للحُرية‭: ‬المؤبد‭ ‬والسجن‭ ‬والحبس‭ ‬عقوبات‭ ‬مُقررة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬المُتعلقة‭ ‬بالفساد‭.‬
  • ‭ ‬جزاءات‭ ‬سالبة‭ ‬للأموال‭:‬‭ ‬غرامات‭ ‬عادية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬خمسين‭ ‬ألفًا‭ ‬في‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬المصارف‮»‬،‭ ‬وغرامات‭ ‬نسبية،‭ ‬مثلًا‭ ‬غرامة‭ ‬ألف‭ ‬دينار‭ ‬ولا‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬الضرر‭ ‬وبالتعويض‭ ‬عن‭ ‬الأضرار‭ ‬الناجمة‭ ‬بالمال‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭ ‬‮«‬مادة‭ ‬9‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬الجرائم‭ ‬الاقتصادية‮»‬‭. ‬
  • ‭ ‬جزاءات‭ ‬تبعية‭: ‬الحرمان‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية،‭ ‬نشر‭ ‬الحكم،‭ ‬عدم‭ ‬الصلاحية‭ ‬للشهادة‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‭.‬
  • ‭ ‬جزاءات‭ ‬تكميلية‭: ‬الغرامة‭ ‬التي‭ ‬تُعادل‭ ‬ضِعف‭ ‬ما‭ ‬هرب‭ ‬أو‭ ‬أختلس‭ ‬أو‭ ‬طلب‭ ‬أو‭ ‬قبل‭ ‬أو‭ ‬وعد‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬عرض‭ ‬عليه‭ ‬أو‭ ‬حصل‭ ‬عليه‭ ‬أو‭ ‬أٌرغم‭ ‬غيره‭ ‬على‭ ‬إعطائه‭ ‬ومصادرة‭ ‬أو‭ ‬رد‭ ‬المبالغ‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬عليها‭ ‬بسبب‭ ‬ارتكاب‭ ‬بعض‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد‭ ‬‮«‬مادة‭ ‬35‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬الجرائم‭ ‬الاقتصادية‮»‬‭.‬
  • ‭ ‬جزاءات‭ ‬احترازية‭: ‬المصادرة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬المشروطة،‭ ‬التجميد‭ ‬والحجز‭ ‬والتحفظ،‭ ‬قفل‭ ‬المصرف‭ ‬المركزي‭ ‬لحساب‭ ‬المصرف‭ ‬المُخالف،‭ ‬سحب‭ ‬الترخيص‭ ‬وغلق‭ ‬المُنشأة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأشخاص‭ ‬الاعتبارية‭.‬

المطلب الثاني: السياسة الإجرائية لمُكافحة الفساد

الفرع الأول: آليات وقائية

كان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬مُخرجات‭ ‬الجهود‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬أن‭ ‬وضعت‭ ‬يدها‭ ‬على‭ ‬مكامن‭ ‬الخلل‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬للفساد‭ ‬ومنها‭ ‬مثالًا‭: ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬أجهزة‭ ‬حكومية‭ ‬تتولى‭ ‬الرقابة‭ ‬وتتلقى‭ ‬شكاوى‭ ‬المتضررين‭ ‬من‭ ‬الفساد،‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬آليات‭ ‬اجتماعية‭ ‬داخلية‭ ‬تُطبق‭ ‬إدارة‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات،‭ ‬تزايد‭ ‬التعقيدات‭ ‬الإدارية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مستويات‭ ‬الأداء‭ ‬الحكومي،‭ ‬سوء‭ ‬استخدام‭ ‬السلطة‭ ‬التقديرية‭ ‬وعدم‭ ‬الوثوق‭ ‬في‭ ‬سلامة‭ ‬تفسير‭ ‬وتطبيق‭ ‬الأنظمة‭ ‬والقوانين‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬القطاع‭ ‬العام،‭ ‬عدم‭ ‬توفير‭ ‬نُظم‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬تكفل‭ ‬الشفافية‭ ‬والتحكم‭ ‬والمساءلة‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬وتنفيذ‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬ضعف‭ ‬آليات‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬ورقابة‭ ‬المجتمع‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬ضعف‭ ‬تحفيز‭ ‬موظفي‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬فرص‭ ‬لمشاركة‭ ‬الموظفين‭ ‬العموميين‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تنفرد‭ ‬بها‭ ‬القيادات‭ ‬الإدارية‭ ‬العليا‭. ‬ضعف‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬وعدم‭ ‬اهتمامها‭ ‬بتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬الخطيرة،‭ ‬عدم‭ ‬توفير‭ ‬المعلومات‭ ‬الخاصة‭ ‬بمشاريع‭ ‬التنمية‭ ‬ومصادر‭ ‬تمويلها‭ ‬والجهات‭ ‬المُكلفة‭ ‬بالإشراف‭ ‬عليها‭.‬

ولعلنا‭ ‬لا‭ ‬نُجانب‭ ‬الصواب‭ ‬إذا‭ ‬قُلنا‭ ‬إن‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬المظاهر‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬سواء‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬مشاكل‭ ‬الإدارة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬الإعلام‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمشاريع‭ ‬التنمية‭ ‬إضافة‭ ‬لمشاريع‭ ‬الإعمار‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬المُناسب‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬بعض‭ ‬الآليات‭ ‬المُختلفة‭ ‬لعلها‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬الوقاية‭ ‬من‭ ‬الفساد‭:‬

  • ‭ ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬تضع‭ ‬رؤية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬بشأن‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭.‬
  • ‭ ‬إصلاح‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬وإصلاح‭ ‬المنظومة‭ ‬الإدارية‭ ‬والمالية‭ ‬بالكامل‭.‬
  • ‭ ‬توحيد‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية‭ ‬خاصة‭ ‬السيادية‭ ‬والمالية‭.‬
  • ‭ ‬إعمال‭ ‬معايير‭ ‬الجودة‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭.‬
  • ‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬لأن‭ ‬له‭ ‬دور‭ ‬ولو‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭.‬
  • ‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلية‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬لجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬باعتماد‭ ‬استقلالها‭ ‬بزيادة‭ ‬حوافزها‭ ‬بتعيين‭ ‬الأكفاء‭ ‬فيها‭.‬
  • ‭ ‬اعتماد‭ ‬مبدأ‭ ‬الشفافية‭ ‬في‭ ‬جهات‭ ‬العمل‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة‭.‬
  • ‭ ‬تقوية‭ ‬الوازع‭ ‬الديني‭ ‬والاهتمام‭ ‬بالتعليم‭ ‬وبرامج‭ ‬توعية‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬بمراحله‭ ‬كافة‭.‬
  • ‭ ‬تهيئة‭ ‬الوسط‭ ‬المجتمعي‭ ‬لنبذ‭ ‬الفساد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الخُطب‭ ‬والدروس‭ ‬الدينية‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭.‬
الفرع الثاني: آليات مساءلة

تعامل‭ ‬الجهات‭ ‬القضائية‭ ‬مع‭ ‬الصور‭ ‬الإجرامية‭ ‬للفساد‭ ‬محفوف‭ ‬بالمصاعب‭ ‬وذلك‭ ‬يرجع‭ ‬لعوامل‭ ‬كثيرة‭ ‬لعل‭ ‬أهمها‭ ‬ما‭ ‬تتميز‭ ‬به‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد‭ ‬من‭ ‬خصائص‭ ‬تتعلق‭ ‬بجانيها‭ ‬وبضحيتها‭ ‬وبظروف‭ ‬ارتكابها،‭ ‬فالجاني‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد‭ ‬موظف‭ ‬عمومي‭ ‬يرتكبها‭ ‬مستفيدًا‭ ‬من‭ ‬سلطاته‭ ‬الفعلية‭ ‬وامتيازاته‭ ‬القانونية‭ ‬بما‭ ‬يُمكِّنه‭ ‬من‭ ‬توفير‭ ‬غطاء‭ ‬لجريمته،‭ ‬وبالتالي‭ ‬هي‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬الكتمان‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بجرائم‭ ‬الرقم‭ ‬الأسود‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد‭ ‬ضحيتها‭ ‬ليس‭ ‬شخصًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬بل‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬شخص‭ ‬اعتباري‭ ‬مما‭ ‬يُضعف‭ ‬أحيانًا‭ ‬من‭ ‬الحافز‭ ‬الفردي‭ ‬على‭ ‬الملاحقة‭ ‬لغياب‭ ‬الأذى‭ ‬المباشر‭ ‬الناشئ‭ ‬عن‭ ‬الجريمة‭ ‬ويُلقي‭ ‬بالعبء‭ ‬كله‭ ‬على‭ ‬جهات‭ ‬الرقابة‭ ‬والتقصي‭.‬

ولذلك‭ ‬يجب‭ ‬تفعيل‭ ‬النظام‭ ‬الإجرائي‭ ‬للملاحقة‭ ‬القضائية‭ ‬وتحديثه،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بكيفية‭ ‬ضبط‭ ‬ومصادرة‭ ‬عائدات‭ ‬الفساد،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬نسرد‭ ‬بعض‭ ‬صور‭ ‬آليات‭ ‬المساءلة‭ ‬الليبية‭.‬

أولاً‭: ‬التعاون‭ ‬المحلي‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬المُختصة،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭:‬

  • ‭ ‬وحدة‭ ‬المعلومات‭ ‬المالية‭ ‬بالمصرف‭ ‬المركزي‭ ‬ووحداتها‭ ‬الفرعية‭ ‬التابعة‭ ‬لها‭ ‬بالمصارف‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬والمنشأة‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ ‬9‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬2‭ ‬لسنة‭ ‬2005م،‭ ‬بشأن‭ ‬مُكافحة‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭.‬
  • ‭ ‬قانون‭ ‬63‭ ‬لسنة‭ ‬2012م،‭ ‬هيئة‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬تم‭ ‬إلغاؤه‭ ‬بالقانون‭ ‬الذي‭ ‬يليه‭.‬
  • ‭ ‬قانون‭ ‬11‭ ‬لسنة‭ ‬2014م،‭ ‬الهيئة‭ ‬الوطنية‭ ‬لمُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬أوقفت‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬بموجب‭ ‬قرار‭ ‬رئيس‭ ‬هذه‭ ‬الهيئة‭ ‬رقم‭ (‬119‭) ‬لسنة‭ ‬2017م،‭ ‬بشأن‭ ‬إيقاف‭ ‬بعض‭ ‬الموظفين‭ ‬بالهيئة‭ ‬الوطنية‭ ‬لمُكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬احتياطيًا‭ ‬لمصلحة‭ ‬التحقيق‭.‬
  • ‭ ‬هيئة‭ ‬الرقابة‭ ‬الإدارية‭ ‬قانون‭ ‬20‭ ‬لسنة‭ ‬2013م‭.‬
  • ‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬المُعاد‭ ‬تنظيمه‭ ‬بالقانون‭ ‬رقم‭ ‬19‭ ‬لسنة‭ ‬2013م‭ ‬والمُعدل‭ ‬بالقانون‭ ‬رقم‭ ‬24‭ ‬لسنة‭ ‬2013م‭.‬

 

ولعل‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬الثالثة‭ ‬منه،‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬سُلطة‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬تُساهم‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬الشركة‭ ‬بنسبة‭ ‬25‭% ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الشركة‭ ‬قد‭ ‬أخذت‭ ‬قرضًا‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬واشترط‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬القرض‭ ‬إخضاعها‭ ‬لديوان‭ ‬المحاسبة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬لا‭ ‬يُجيز‭ ‬لديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬وذلك‭ ‬حسب‭ ‬بيان‭ ‬رسمي‭ ‬للديوان‭ ‬مدينة‭ ‬البيضاء‭ ‬بتاريخ‭: ‬17‭ ‬أكتوبر‭ ‬2018م،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يسلب‭ ‬منه‭ ‬كل‭ ‬اختصاصات‭ ‬التحقيق،‭ ‬فنص‭ ‬القانون‭ ‬يُلزمه‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬27‭ ‬منه‭ ‬بإحالة‭ ‬الواقعة‭ ‬للرقابة‭ ‬الإدارية‭ ‬أو‭ ‬النيابة‭ ‬العامة،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تبين‭ ‬مُخالفة‭ ‬إدارية‭ ‬أو‭ ‬جنائية،‭ ‬وقد‭ ‬حدث‭ ‬ذلك‭ ‬حيث‭ ‬بلغ‭ ‬إجمالي‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬إحالته‭ ‬لهيئة‭ ‬الرقابة‭ ‬الإدارية‭ (‬239‭) ‬قضية‭ ‬بينما‭ ‬بلغ‭ ‬إجمالي‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬إحالته‭ ‬للنيابة‭ ‬العامة‭ (‬42‭) ‬قضية‭ ‬وهناك‭ ‬عدد‭ (‬25‭) ‬قضية‭ ‬قيد‭ ‬الإحالة‭ ‬لسلطات‭ ‬التحقيق‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬قانون‭ ‬إنشاء‭ ‬هيئة‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬رقم‭ ‬11‭ ‬لسنة‭ ‬2014م،‭ ‬فمن‭ ‬المهم‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬عدة‭ ‬نقاط،‭ ‬إحداها‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬26‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬تساقط‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد‭ ‬بالتقادم،‭ ‬والأخرى‭ ‬بشأن‭ ‬النص‭ ‬م‭ ‬22‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الشهود‭ ‬والخبراء‭ ‬والمُبلغين‭ ‬عن‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد،‭ ‬والأخيرة‭ ‬عن‭ ‬منح‭ ‬موظفي‭ ‬الهيئة‭ ‬صفة‭ ‬مأموري‭ ‬الضبط‭ ‬القضائي‭ ‬ومنحهم‭ ‬بنص‭ ‬المادة‭ ‬5‭ ‬منه‭ ‬صلاحية‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬الدفاتر‭ ‬المشتبه‭ ‬به‭ ‬كما‭ ‬لهم‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬والاستعانة‭ ‬بالخبراء‭ ‬ولهم‭ ‬حق‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬المستندات‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬سرية‭ ‬ولهم‭ ‬حق‭ ‬استدعاء‭ ‬من‭ ‬يرون‭ ‬لزومًا‭ ‬لسماع‭ ‬أقواله‭.‬

وقد‭ ‬أكد‭ ‬قانون‭ ‬العفو‭ ‬رقم‭ ‬6‭ ‬لسنة‭ ‬2015م،‭ ‬في‭ ‬مادته‭ ‬الثالثة‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬جرائم‭ ‬الفساد‭ ‬بكل‭ ‬أنواعه‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬لقانون‭ ‬العفو‭ ‬العام‮»‬‭.‬

ثانياً‭: ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭: ‬

ومن‭ ‬بينها‭ ‬التبادل‭ ‬الدولي‭ ‬للمعلومات‭ ‬والاعتراف‭ ‬بحجية‭ ‬أحكام‭ ‬وأوامر‭ ‬القضاء‭ ‬الأجنبي‭ ‬حسب‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدولية‭ ‬وتبني‭ ‬مفهوم‭ ‬جديد‭ ‬للولاية‭ ‬القضائية‭ ‬يتجاوز‭ ‬مبدأ‭ ‬الإقليمية‭.‬

كما أن جرائم الفساد ضحيتها ليس شخصًا طبيعيًا بل تقع في الغالب على شخص اعتباري مما يُضعف أحيانًا من الحافز الفردي على الملاحقة لغياب الأذى المباشر الناشئ عن الجريمة ويُلقي بالعبء كله على جهات الرقابة والتقصي

الفرع الثالث: آليات الردع

يُقصد‭ ‬بآليات‭ ‬الردع‭ ‬كيفية‭ ‬تنفيذ‭ ‬الجزاءات،‭ ‬ومراقبة‭ ‬تنفيذها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬السلطات‭ ‬القضائية‭ ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬المتابعة‭ ‬الحقيقية‭ ‬الفعالة‭ ‬لجزاء‭ ‬المصادرة،‭ ‬ومن‭ ‬الجيد‭ ‬التوسُّع‭ ‬في‭ ‬العقوبات‭ ‬المالية‭ ‬دون‭ ‬العقوبات‭ ‬السالبة‭ ‬للحرية‭ ‬لأنها‭ ‬أوجع‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬معاملتها‭ ‬للجاني،‭ ‬بعكس‭ ‬المقصود‭ ‬من‭ ‬الجريمة‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬إثراء‭ ‬الذمة‭ ‬المالية‭ ‬له،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬الجزاءات‭ ‬التبعية‭ ‬خاصة‭ ‬نشر‭ ‬الحكم‭ ‬وسيلة‭ ‬رادعة‭ ‬للجاني‭ ‬ولغيره‭ ‬ممن‭ ‬تسُّول‭ ‬له‭ ‬نفسه‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬الأموال‭ ‬العامة‭ ‬للدولة‭.‬

ومن‭ ‬التدابير‭ ‬الردعية‭ ‬أن‭ ‬يعلم‭ ‬الجاني‭ ‬أن‭ ‬جريمته‭ ‬لن‭ ‬تسقط‭ ‬بالتقادم‭ ‬ولذلك‭ ‬نُشيد‭ ‬بموقف‭ ‬قانون‭ ‬العفو‭ ‬6‭ ‬لسنة‭ ‬2015م،‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬النواب‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬استثنى‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد‭ ‬من‭ ‬العفو‭ ‬العام‭.‬

ونؤكد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬رقم‭ ‬29‭ ‬لسنة‭ ‬2013م‮»‬،‭ ‬حين‭ ‬نصَّ‭ ‬على‭ ‬ركيزة‭ ‬الإصلاح‭ ‬المؤسسي‭ ‬كان‭ ‬يجدر‭ ‬به‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭.‬

ونرى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬جدًا‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬الدستور‭ ‬أن‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد‭ ‬لا‭ ‬عفو‭ ‬ولا‭ ‬تقادم،‭ ‬وبهذا‭ ‬الصدد‭ ‬يجب‭ ‬التنويه‭ ‬إلى‭ ‬نص‭ ‬مهم‭ ‬جدًا‭ ‬في‭ ‬مسودة‭ ‬2016م،‭ ‬لمشروع‭ ‬الدستور‭ ‬الليبي‭ ‬وهو‭ ‬مادة‭ ‬207‭ ‬حيث‭ ‬نصت‭ ‬على‭ ‬أنه‭: ‬‮«‬على‭ ‬الجهات‭ ‬بالدولة‭ ‬مراجعة‭ ‬عقود‭ ‬الاستثمار‭ ‬التي‭ ‬تتوافر‭ ‬بشأنها‭ ‬قرائن‭ ‬فساد‭ ‬مالي‭ ‬أو‭ ‬إداري‭ ‬والتي‭ ‬تم‭ ‬إبرامها‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬1980م،‭ ‬على‭ ‬حين‭ ‬نفاذ‭ ‬الدستور‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬حذف‭ ‬النص‭ ‬من‭ ‬المسودة‭ ‬الأخيرة‭ ‬2017م‭!!‬،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المراجعة‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬آلية‭ ‬من‭ ‬آليات‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬فلا‭ ‬يتصور‭ ‬أن‭ ‬تبنى‭ ‬دولة‭ ‬ليبيا‭ ‬جديدة‭ ‬دون‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الفساد‭ ‬بصوره‭ ‬كافة‭.‬

الخاتمة

تُقدم‭ ‬الورقة‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬والمقترحات‭: ‬

النتائج‭:‬

  • ‭ ‬صور‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬حاليًا‭ ‬تفوق‭ ‬الحصر‭ ‬والتعداد‭ ‬بينما‭ ‬صور‭ ‬الفساد‭ ‬المُجرمة‭ ‬قانونًا‭ ‬تقصر‭ ‬عنها‭ ‬كثيرًا‭ ‬مما‭ ‬يلزم‭ ‬التدخل‭ ‬التشريعي‭ ‬السريع‭.‬
  • ‭ ‬علة‭ ‬تجريم‭ ‬الفساد‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬تجلياتها،‭ ‬نزاهة‭ ‬الموظفين‭ ‬العموميين‭ ‬مما‭ ‬يُفصح‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬العلاج‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بالقانون‭ ‬الجنائي‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬يلزم‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة‭ ‬لظاهرة‭ ‬الفساد‭ ‬تبدأ‭ ‬بمعالجة‭ ‬اختلالات‭ ‬المنظومة‭ ‬القيمية‭ ‬للمجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬ولا‭ ‬تنتهي‭ ‬عند‭ ‬الإصلاح‭ ‬المؤسسي‭.‬
  • ‭ ‬ضعف‭ ‬استراتيجية‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬بشتى‭ ‬حلقاتها‭ ‬الوقائية‭ ‬والرقابية‭ ‬والقضائية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬جديدة‭ ‬لتعزيز‭ ‬استراتيجية‭ ‬المُكافحة‭.‬

 

المقترحات‭:‬

  • ‭ ‬يلزم‭ ‬المُشرِّع‭ ‬الليبي‭ ‬تعديلًا‭ ‬يقضي‭ ‬بمد‭ ‬سريان‭ ‬قانون‭ ‬العقوبات‭ ‬الليبي‭ ‬على‭ ‬جرائم‭ ‬الرِشّْوة‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬العموميين‭ ‬الأجانب‭ ‬أو‭ ‬موظفي‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬إضرارًا‭ ‬بمصالح‭ ‬ليبيا‭ ‬أو‭ ‬بمصالح‭ ‬أحد‭ ‬المواطنين‭ ‬الليبيين،‭ ‬ومد‭ ‬الولاية‭ ‬القضائية‭ ‬الليبية‭ ‬لملاحقة‭ ‬مرتكبي‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم‭ ‬عند‭ ‬وقوعها‭ ‬في‭ ‬الخارج‭.‬
  • ‭ ‬يلزم‭ ‬النص‭ ‬صراحة‭ ‬على‭ ‬تجريم‭ ‬رِشوة‭ ‬الشخص‭ ‬الاعتباري‭. ‬
  • ‭ ‬يلزم‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬سريان‭ ‬نص‭ ‬تجريم‭ ‬الرِشّْوة‭ ‬على‭ ‬أفعال‭ ‬التابعين‭ ‬للقطاع‭ ‬الخاص‭.‬
  • ‭ ‬الإصلاح‭ ‬المالي‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬والشركات‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تفعيل‭ ‬دور‭ ‬الجمعيات‭ ‬العمومية‭ ‬ومجالس‭ ‬الإدارة‭ ‬والجهات‭ ‬والمكاتب‭ ‬الرقابية‭.‬
  • ‭ ‬تحسين‭ ‬السياسات‭ ‬الإدارية‭ ‬وتحديث‭ ‬الجهاز‭ ‬الإداري‭ ‬وزيادة‭ ‬دخول‭ ‬الموظفين‭.‬
  • ‭ ‬مكنة‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬بأن‭ ‬تُقدم‭ ‬شكوى‭ ‬وتكون‭ ‬صاحبة‭ ‬مصلحة‭ ‬في‭ ‬التبليغ‭ ‬عن‭ ‬الفساد‭ ‬بعد‭ ‬تقويتها‭ ‬وتوجيهها‭ ‬وتدريبها‭ ‬على‭ ‬رصد‭ ‬حالاته‭ ‬وكيفية‭ ‬التصدي‭ ‬المدني‭ ‬له‭.‬
  • ‭ ‬الاعتراف‭ ‬بحجية‭ ‬الأحكام‭ ‬والأوامر‭ ‬القضائية‭ ‬الصادرة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬بينها‭ ‬اتفاقية‭ ‬تعاون‭ ‬قضائي‭ ‬أو‭ ‬وفقًا‭ ‬لقواعد‭ ‬المعاملة‭ ‬بالمثل‭.‬
  • ‭ ‬النص‭ ‬القانوني‭ ‬على‭ ‬التبادل‭ ‬الدولي‭ ‬للمعلومات‭ ‬بشأن‭ ‬جرائم‭ ‬الفساد‭.‬
  • ‭ ‬خلق‭ ‬وتطوير‭ ‬آليات‭ ‬للإبلاغ‭ ‬عن‭ ‬الفساد‭ ‬ومنها‭ ‬برامج‭ ‬لحماية‭ ‬الشهود‭ ‬والمُبلغين‭ ‬عن‭ ‬الفساد‭ ‬والإعفاء‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬لمن‭ ‬تورط‭ ‬في‭ ‬الفساد‭ ‬ثم‭ ‬بلغ‭ ‬عنه‭ ‬وكذلك‭ ‬توفير‭ ‬مكافآت‭ ‬لبعض‭ ‬الشهود‭.‬
  • ‭ ‬ضرورة‭ ‬تطبيق‭ ‬الأحكام‭ ‬الإجرائية‭ ‬والموضوعية‭ ‬الخاصة‭ ‬بمُكافحة‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭.‬
  • ‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مُصادرة‭ ‬واسترداد‭ ‬متحصلات‭ ‬الفساد‭ ‬التي‭ ‬تهرب‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬مما‭ ‬يتطلب‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬الفعال‭.‬
  • ‭ ‬تطوير‭ ‬مفهوم‭ ‬الولاية‭ ‬القضائية‭ ‬ذات‭ ‬المعيار‭ ‬الإقليمي‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬وتعقد‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصالات‭ ‬الحديثة‭ ‬كالإنترنت‭ ‬وآلية‭ ‬التحويلات‭ ‬المصرفية‭ ‬الفورية‭.‬
مروان الطشاني
مروان الطشانيخبير حقوقي وباحث قانوني
Read More

تمهيد:

تُعد‭ ‬المراحل‭ ‬الانتقالية‭ ‬عادة‭ ‬النموذج‭ ‬المثالي‭ ‬لانتشار‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬أجهزة‭ ‬الدولة‭ ‬نظرًا‭ ‬لحالة‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬والذي‭ ‬ينتُج‭ ‬عنه‭ ‬ضعف‭ ‬أغلب‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬خاصة‭ ‬المعنية‭ ‬بالرقابة‭ ‬والمحاسبة‭ ‬والتي‭ ‬ينعكس‭ ‬عليها‭ ‬هشاشة‭ ‬الوضع‭ ‬السياسي‭ ‬والأمني‭ ‬للبلاد‭.‬

في‭ ‬ليبيا‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬عام‭ ‬2011م‭ ‬وتغيير‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬عانت‭ ‬ليبيا‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬سياسية‭ ‬حادة‭ ‬نتج‭ ‬عنها‭ ‬انقسام‭ ‬مؤسسي‭ ‬وازدواج‭ ‬حكومي‭ ‬وهو‭ ‬سبب‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬وعدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬المحاسبة‭ ‬والرقابة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تنامي‭ ‬نفوذ‭ ‬بعض‭ ‬المجموعات‭ ‬المُسلحة‭ ‬التي‭ ‬تُسيطر‭ ‬على‭ ‬أغلب‭ ‬أجهزة‭ ‬الدولة‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬أخرى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬شكليًا‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬للدولة‭ ‬أي‭ ‬سلطان‭ ‬عليها‭.‬

فمنذ‭ ‬سنة‭ ‬2011م‭ ‬مرت‭ ‬ليبيا‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬حكومة‭ ‬وسُلطة‭ ‬تشريعية،‭ ‬وكان‭ ‬لها‭ ‬أول‭ ‬مجلس‭ ‬تشريعي‭ ‬توافقي‭ ‬وهو‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬الانتقالي‭ ‬والذي‭ ‬أَشرف‭ ‬على‭ ‬أول‭ ‬انتخابات‭ ‬تشريعية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬والتي‭ ‬نتُج‭ ‬عنها‭ ‬انتخابات‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬2012م،‭ ‬الذي‭ ‬شكَّل‭ ‬الحكومة‭ ‬المؤقتة،‭ ‬بعدها‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬جدل‭ ‬حول‭ ‬انتهاء‭ ‬ولاية‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬العام‭ ‬تم‭ ‬انتخاب‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2014م،‭ ‬وبعد‭ ‬انطلاق‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬فجر‭ ‬ليبيا‮»‬‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬البلاد‭ ‬وعملية‭ ‬‮«‬الكرامة‮»‬‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬البلاد‭ ‬انقسمت‭ ‬السلطة‭ ‬فعليًا،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬هناك‭ ‬حكومتين‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬تتبع‭ ‬البرلمان‭ ‬وأخرى‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬تتبع‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬العام‭ ‬وبعد‭ ‬الاتفاق‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2015م،‭ ‬تغيَّر‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬قليلًا‭ ‬حيث‭ ‬ولدت‭ ‬حكومة‭ ‬ثالثة‭ ‬وهي‭ ‬المجلس‭ ‬الرئاسي‭ ‬وحكومة‭ ‬الوفاق‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬وتغير‭ ‬اسم‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬الدولة‭ ‬واستمر‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬وحكومته‭ ‬المؤقتة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬واختفت‭ ‬حكومة‭ ‬الإنقاذ‭ ‬في‭ ‬الغرب‭.‬

ونتج‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬السياسية‭ ‬الحادة‭ ‬والتي‭ ‬تبعتها‭ ‬نزاعات‭ ‬عسكرية‭ ‬حالة‭ ‬فريدة‭ ‬من‭ ‬ازدواجية‭ ‬المؤسسات‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬مثل‭ ‬مصرف‭ ‬ليبيا‭ ‬المركزي‭ ‬والرقابة‭ ‬الإدارية‭ ‬والمؤسسة‭ ‬الوطنية‭ ‬للنفط،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نفوذ‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬وصلاحياتها‭ ‬مُرتبطة‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬بالنطاق‭ ‬الجغرافي‭ ‬والمكاني‭ ‬للحكومة‭ ‬التابعة‭ ‬لها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تتعداه‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬مؤسسات‭ ‬العاصمة‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬ونفوذ‭ ‬باعتبارها‭ ‬الأقدم‭ ‬والأعرق‭.‬

ديوان المُحاسبة الإنشاء والصلاحية والاختصاص:

يُعد‭ ‬ديوان‭ ‬المُحاسبة‭ ‬الجهاز‭ ‬الأعلى‭ ‬للرقابة‭ ‬المالية‭ ‬والمحاسبة‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬وهو‭ ‬هيئة‭ ‬مهنية‭ ‬مُستقلة‭ ‬مُحايدة،‭ ‬تتمتع‭ ‬بالشخصية‭ ‬الاعتبارية‭ ‬والذمة‭ ‬المالية‭ ‬المستقلة،‭ ‬ويتبع‭ ‬السلطة‭ ‬التشريعية‭ ‬مباشرة،‭ ‬وهو‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬والأفريقية‭ ‬والعربية‭ ‬للأجهزة‭ ‬العليا‭ ‬للرقابة‭ ‬المالية‭ ‬والمحاسبة‭.‬

نشأة‭ ‬الديوان‭ ‬والتسلسل‭ ‬التاريخي‭ ‬للتشريعات‭ ‬المُنظمة‭ ‬لعمله‭:‬

بعد‭ ‬استقلال‭ ‬ليبيا‭ ‬سنة‭ ‬1951م،‭ ‬وبداية‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬أُنشئ‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬الليبي‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬31‭ ‬لسنة‭ ‬1955م،‭ ‬وقد‭ ‬مر‭ ‬خلال‭ ‬عُمره‭ ‬بتغييرات‭ ‬تشريعية‭ ‬مختلفة‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬التغييرات‭ ‬الهيكلية‭ ‬وتغير‭ ‬أنظمة‭ ‬الحكم‭ ‬وتوجهاتها‭ ‬نتج‭ ‬عنها‭ ‬تغيير‭ ‬أهدافه‭ ‬واختصاصاته‭ ‬وتبعيته‭ ‬حسب‭ ‬الحالة،‭ ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬هذه‭ ‬التغييرات‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

 

حُقبة‭ ‬فترة‭ ‬حُكم‭ ‬النظام‭ ‬الملكي‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬1952‭ ‬إلى‭ ‬العام‭ ‬1969م

  • ‭ ‬أُنشئ‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬الليبي‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬31‭ ‬لسنة‭ ‬1955م‭.‬
  • ‭ ‬صُدور‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬22‭ ‬لسنة‭ ‬1962م‭ ‬بتعديل‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬31‭ ‬لسنة‭ ‬1955م‭.‬
  • ‭ ‬صُدور‭ ‬مرسوم‭ ‬ملكي‭ ‬بتنظيم‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬بالقانون‭ ‬رقم‭ ‬22‭ ‬لسنة‭ ‬1966م‭.‬

 

حُقبة‭ ‬فترة‭ ‬حُكم‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬1969‭ ‬إلى‭ ‬العام‭ ‬2011م

  • ‭ ‬تم‭ ‬تعديل‭ ‬قانون‭ ‬ديوان‭ ‬المُحاسبة‭ ‬بالقانون‭ ‬رقم‭ ‬79‭ ‬لسنة‭ ‬1975م‭.‬
  • ‭ ‬دمج‭ ‬ديوان‭ ‬المُحاسبة‭ ‬والرقابة‭ ‬الإدارية‭ ‬وجهاز‭ ‬المتابعة‭ ‬في‭ ‬جهاز‭ ‬واحد‭ ‬تحت‭ ‬مُسمى‭ ‬الجهاز‭ ‬الشعبي‭ ‬للمتابعة‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬16‭ ‬لسنة‭ ‬1986م‭.‬
  • ‭ ‬إلغاء‭ ‬الجهاز‭ ‬الشعبي‭ ‬للمتابعة‭ ‬وإنشاء‭ ‬جهاز‭ ‬التفتيش‭ ‬والرقابة‭ ‬الشعبية‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬11‭ ‬لسنة‭ ‬1996م‭.‬
  • ‭ ‬تعديل‭ ‬قانون‭ ‬جهاز‭ ‬التفتيش‭ ‬والرقابة‭ ‬الشعبية‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬30‭ ‬لسنة‭ ‬2000م‭.‬
  • ‭ ‬إلغاء‭ ‬دمج‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرقابية‭ ‬بالقانون‭ ‬رقم‭ ‬13‭ ‬لسنة‭ ‬2003م،‭ ‬بتقرير‭ ‬بعض‭ ‬الأحكام‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬التفتيش‭ ‬والرقابة‭ ‬الشعبية،‭ ‬والذي‭ ‬تم‭ ‬بموجبه‭ ‬توزيع‭ ‬الاختصاصات‭ ‬الرقابية‭ ‬بين‭ ‬جهازي‭ ‬الرقابة‭ ‬المالية‭ ‬والفنية،‭ ‬والتفتيش‭ ‬والرقابة‭ ‬الشعبية‭.‬
  • ‭ ‬إلغاء‭ ‬جهاز‭ ‬الرقابة‭ ‬المالية‭ ‬والفنية‭ ‬وأيلولة‭ ‬اختصاصات‭ ‬مراجعة‭ ‬العقود‭ ‬والدفعات‭ ‬والتحقيق‭ ‬إلى‭ ‬جهاز‭ ‬التفتيش‭ ‬والرقابة‭ ‬الشعبية،‭ ‬وباقي‭ ‬اختصاصاتها‭ ‬لجهاز‭ ‬المُراجعة‭ ‬المالية‭ ‬المُنشأ‭ ‬بموجب‭ ‬قرار‭ ‬مؤتمر‭ ‬الشعب‭ ‬العام‭ ‬رقم‭ ‬5‭ ‬لسنة‭ ‬2006م‭.‬
  • ‭ ‬إصدار‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬2‭ ‬لسنة‭ ‬2007‭ ‬بشأن‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬جهاز‭ ‬التفتيش‭ ‬والرقابة‭ ‬الشعبية‭ ‬لتمارس‭ ‬دور‭ ‬جهاز‭ ‬الرقابة‭ ‬الشعبية‭ ‬السابق‭ ‬متضمنًا‭ ‬اختصاصات‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬الآداء‭ ‬المالي‭ ‬والرقابة‭ ‬السابقة‭ ‬على‭ ‬العقود‭ ‬والتحقيق‭.‬
  • ‭ ‬إصدار‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬3‭ ‬لسنة‭ ‬2007‭ ‬بشأن‭ ‬المراجعة‭ ‬المالية‭ ‬ليُمارس‭ ‬دور‭ ‬جهاز‭ ‬المراجعة‭ ‬المالية‭.‬

 

الفترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬ثورة‭ ‬فبراير‭ ‬2011م

  • ‭ ‬بتاريخ‭ ‬14‭/‬8‭/‬2011‭ ‬أصّدر‭ ‬المجلس‭ ‬الانتقالي‭ ‬المؤقت‭ ‬القرار‭ ‬رقم‭ ‬119‭ ‬لسنة‭ ‬2011م،‭ ‬ويقضي‭ ‬بإنشاء‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬الليبي‭ ‬للمرة‭ ‬الثانية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬دمج‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرقابية‭ ‬المُتمثلة‭ ‬في‭ ‬جهازي‭ ‬التفتيش‭ ‬والرقابة‭ ‬الشعبية‭ ‬والمراجعة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬الديوان،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬إعادة‭ ‬العمل‭ ‬بالقانون‭ ‬رقم‭ ‬11‭ ‬لسنة‭ ‬1996‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وإلغاء‭ ‬قانوني‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرقابية‭ ‬رقمي‭ (‬2،‭ ‬3‭) ‬لسنة‭ ‬2007م‭.‬
  • ‭ ‬بتاريخ‭ ‬1‭ ‬أغسطس‭ ‬2013م‭ ‬أصدر‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬العام‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ (‬19‭) ‬لسنة‭ ‬2013م‭ ‬بإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة،‭ ‬وبموجبه‭ ‬فصلت‭ ‬عنه‭ ‬اختصاصات‭ ‬الرقابة‭ ‬الإدارية‭ ‬والمظالم‭ ‬والتحقيق‭ ‬والتي‭ ‬أُنشئ‭ ‬لها‭ ‬هيئة‭ ‬جديدة‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬20‭ ‬لسنة‭ ‬2013م‭.‬
  • ‭ ‬بتاريخ‭ ‬4‭ ‬أكتوبر‭ ‬2013‭ ‬مصدر‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬24‭ ‬لسنة‭ ‬2013م‭ ‬بتعديل‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬19‭ ‬لسنة‭ ‬2013م،‭ ‬وبموجبه‭ ‬تم‭ ‬سحب‭ ‬اختصاص‭ ‬المراجعة‭ ‬المُسبقة‭ ‬على‭ ‬المستخلصات‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬العقود‭ ‬التي‭ ‬تخضع‭ ‬للرقابة‭ ‬قبل‭ ‬التعاقد‭.‬

في حال ارتقت المُلاحظة المُتكشفة من أعمال الفحص والمراجعة إلى حالة سوء إدارة أو تقصير نتج عنه إهدار للمال العام أو مخالفات مالية أو جرائم جنائية، فيتم إعداد ملفات بها وإحالتها إلى جهات الاختصاص لاستكمال إجراءات التحقيق

الاختصاصات

بموجب‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ (‬19‭) ‬لسنة‭ ‬2013م‭ ‬بإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة،‭ ‬تم‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬الديوان‭ ‬وفصلت‭ ‬عنه‭ ‬اختصاصات‭ ‬الرقابة‭ ‬الإدارية‭ ‬والمظالم‭ ‬والتحقيق‭ ‬والتي‭ ‬أُنشئ‭ ‬لها‭ ‬هيئة‭ ‬جديدة‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬20‭ ‬لسنة‭ ‬2013م‭.‬

وفي‭ ‬محاولة‭ ‬لتنظيم‭ ‬العمل‭ ‬وتوحيد‭ ‬الاختصاص‭ ‬تم‭ ‬إسناد‭ ‬اختصاص‭ ‬الرقابة‭ ‬المالية‭ ‬والمشروعية‭ ‬للديوان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فحص‭ ‬ومراجعة‭ ‬الحسابات‭ ‬والقوائم‭ ‬المالية‭ ‬والعمليات‭ ‬الفنية‭ ‬الأخرى‭ ‬للجهات‭ ‬الخاضعة‭ ‬لرقابته،‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬تطبيق‭ ‬القوانين‭ ‬والقرارات‭ ‬واللوائح‭ ‬المالية‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭ ‬بالوحدة‭ ‬محل‭ ‬الرقابة‭ ‬أو‭ ‬المراجعة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬اختصاصات‭ ‬أخرى‭ ‬احترازية‭ ‬لصون‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬منها‭: (‬تطبيق‭ ‬الضوابط‭ ‬الرقابية‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬تحصيلًا‭ ‬للإيرادات‭ ‬العامة‭ ‬واكتشاف‭ ‬أي‭ ‬قصور‭ ‬أو‭ ‬تراخٍ‭ ‬في‭ ‬تحصيلها،‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬حدوث‭ ‬أي‭ ‬تجاوزات‭ ‬أو‭ ‬مخالفات‭ ‬عنـد‭ ‬الصرف،‭ ‬منع‭ ‬التصرف‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬الجهات‭ ‬الخاضعة‭ ‬لرقابته‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬ثبت‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تصرفات‭ ‬ألحقت‭ ‬ضررًا‭ ‬بالمال‭ ‬العام،‭ ‬ويجوز‭ ‬له‭ ‬وضعها‭ ‬تحت‭ ‬الفحص‭ ‬والمُراجعة‭ ‬المُصاحبة‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬زوال‭ ‬الأسباب‭ ‬ورفع‭ ‬الضرر،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المهام‭ ‬الرقابية‭ ‬الأخرى‭)‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬تطبيقًا‭ ‬للقانون‭ ‬تبنّى‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬الليبي‭ ‬اختصاص‭ ‬رقابة‭ ‬الأداء‭ ‬المالي‭ ‬الذي‭ ‬أوصت‭ ‬به‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الرقابة‭ ‬النظامية‭ ‬ورقابة‭ ‬الالتزام،‭ ‬وهذا‭ ‬الاختصاص‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تشخيص‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬للمؤسسة‭ ‬ومقارنة‭ ‬النتائج‭ ‬بالأهداف‭ ‬والإمكانيات‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬الكفاءة‭ ‬والفاعلية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المؤسسة‭ ‬واستعمال‭ ‬الأموال‭ ‬العامة‭.‬

كما‭ ‬نص‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬الأخذ‭ ‬بملاحظات‭ ‬وتوصيات‭ ‬الديوان‭ ‬في‭ ‬إصلاح‭ ‬أوجه‭ ‬الخلل‭ ‬والقصور‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المال‭ ‬العام،‭ ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬ارتقت‭ ‬المُلاحظة‭ ‬المُتكشفة‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬الفحص‭ ‬والمراجعة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬سوء‭ ‬إدارة‭ ‬أو‭ ‬تقصير‭ ‬نتج‭ ‬عنه‭ ‬إهدار‭ ‬للمال‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬مخالفات‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬جرائم‭ ‬جنائية،‭ ‬فيتم‭ ‬إعداد‭ ‬ملفات‭ ‬بها‭ ‬وإحالتها‭ ‬إلى‭ ‬جهات‭ ‬الاختصاص‭ ‬لاستكمال‭ ‬إجراءات‭ ‬التحقيق‭.‬

تقرير الديوان لسنة 2017م:

ورغم‭ ‬أن‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬تأثر‭ ‬مثله‭ ‬مثل‭ ‬غيره‭ ‬بحالة‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي،‭ ‬حيث‭ ‬أنشأت‭ ‬الحكومة‭ ‬المؤقتة‭ ‬ديوان‭ ‬ثاني‭ ‬للمحاسبة‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬البلاد‭ ‬سنة‭ ‬2015م،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬الرئيسي‭ ‬هو‭ ‬الكائن‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬البلاد‭ ‬باعتباره‭ ‬هو‭ ‬الأساسي‭ ‬والأقدم‭ ‬والأكثر‭ ‬خبرة‭ ‬وكفاءة‭ ‬إضافة‭ ‬لتوفر‭ ‬كل‭ ‬الأرشيف‭ ‬القديم‭ ‬لديه‭ ‬جعل‭ ‬منه‭ ‬أكثر‭ ‬نجاعة‭ ‬وقوة‭ ‬وتأثير‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬بسط‭ ‬نفوذه‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مناطق‭.‬

وكعادته‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬فقد‭ ‬دأب‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬تقاريره‭ ‬السنوية‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2012م،‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬بتقييم‭ ‬عمل‭ ‬مؤسسات‭ ‬وإدارات‭ ‬الدولة‭ ‬ماليًا‭ ‬ويُبدي‭ ‬ملاحظاته‭ ‬على‭ ‬المخالفات‭ ‬ويطالب‭ ‬بتسويتها‭ ‬وفقًا‭ ‬لأحكام‭ ‬القانون‭ ‬19‭ ‬لسنة‭ ‬2013،‭ ‬بشأن‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭.‬

التقرير‭ ‬الأخير‭ ‬لسنة‭ ‬2017م،‭ ‬والصادر‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية‭ ‬لافتًا‭ ‬ومؤثرًا‭ ‬حيث‭ ‬وقع‭ ‬التقرير‭ ‬في‭ ‬1000‭ ‬صفحة‭ ‬وقد‭ ‬وثَّق‭ ‬تجاوزات‭ ‬مالية‭ ‬وعمليات‭ ‬تلاعب‭ ‬وهدر‭ ‬للمال‭ ‬العام‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬لهذا‭ ‬التقرير‭ ‬صدى‭ ‬إعلامي‭ ‬كبير،‭ ‬حيث‭ ‬أفردت‭ ‬له‭ ‬البرامج‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬القنوات‭ ‬التليفزيونية‭ ‬مساحات‭ ‬واسعة‭ ‬للنقاش‭ ‬والتحليل‭ ‬كما‭ ‬تبادل‭ ‬أخباره‭ ‬النشطاء‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬خاصة‭ ‬كونه‭ ‬تناول‭ ‬بعض‭ ‬المصاريف‭ ‬الباهظة‭ ‬لبعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬مثل‭ ‬تكاليف‭ ‬الإقامة‭ ‬في‭ ‬الفنادق‭ ‬وسعر‭ ‬استئجار‭ ‬طائرات‭ ‬خاصة‭ ‬وتغيير‭ ‬أثاث‭ ‬مكتبي‭ ‬وشراء‭ ‬سيارات‭ ‬وهواتف‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المصاريف‭ ‬الكبيرة،‭ ‬التي‭ ‬استفزت‭ ‬الناس‭ ‬وأدت‭ ‬لردة‭ ‬فعل‭ ‬كبيرة‭ ‬وصلت‭ ‬لحد‭ ‬السخرية‭ ‬والاستهزاء‭ ‬منهم‭ ‬وانتشرت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الرسومات‭ ‬الساخرة‭ ‬على‭ ‬المسؤولين‭ ‬الواردة‭ ‬أسماؤهم‭ ‬في‭ ‬التقرير‭.‬

وبالفعل‭ ‬فإن‭ ‬التقرير‭ ‬تناول‭ ‬عدة‭ ‬مسائل‭ ‬مهمة‭ ‬وأوضح‭ ‬بعض‭ ‬النقاط‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬مستوى‭ ‬الفساد‭ ‬والنهب‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬مثل‭ ‬مسألة‭ ‬الاعتمادات‭ ‬المصرفية‭ ‬والتي‭ ‬حدثت‭ ‬فيها‭ ‬تجاوزات‭ ‬عدة‭ ‬وغابت‭ ‬فيها‭ ‬معايير‭ ‬العدالة‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬الموافقات‭ ‬حيث‭ ‬تكررت‭ ‬أسماء‭ ‬شركات‭ ‬بعينها‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬وجود‭ ‬فساد‭ ‬ومحاباة‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬تورط‭ ‬مدير‭ ‬إدارة‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المصارف‭ ‬والنقد‭ ‬بمصرف‭ ‬ليبيا‭ ‬المركزي‭ ‬واستغلال‭ ‬منصبه‭ ‬في‭ ‬القيام‭ ‬بتصرفات‭ ‬تندرج‭ ‬تحت‭ ‬الوساطة‭ ‬والمحسوبية‭ ‬والمحاباة‭ ‬ومخالفة‭ ‬التشريعات‭ ‬والنظم‭ ‬المالية‭ ‬والمصرفية‭ ‬وتجاوزه‭ ‬لصلاحياته‭ ‬وسلطاته‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تعارضها‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬عمله‭ ‬الرقابية‭ ‬وتُفقده‭ ‬الاستقلالية‭ ‬تجاه‭ ‬بعض‭ ‬المصارف‭ ‬التي‭ ‬يطلب‭ ‬منها‭ ‬بموجب‭ ‬مكاتبات‭ ‬رسمية‭ ‬تنفيذ‭ ‬اعتمادات‭ ‬لصالح‭ ‬شركات‭ ‬محددة‭ ‬بالمخالفة‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬فواتير‭ ‬النقل‭ ‬المُرفق‭ ‬بملفاتها‭ ‬مزورة‭ ‬مما‭ ‬يُشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاعتمادات‭ ‬استعملت‭ ‬في‭ ‬تهريب‭ ‬الأموال‭ ‬للخارج‭.‬

وقد‭ ‬شمل‭ ‬التقرير‭ ‬أغلب‭ ‬الأجهزة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬حيث‭ ‬تحدث‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬نقاط‭ ‬منها‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬البعثات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والازدواجية‭ ‬في‭ ‬صرف‭ ‬الرواتب،‭ ‬وانحرافات‭ ‬دعم‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية،‭ ‬وفساد‭ ‬المتابعة‭ ‬المالية‭ ‬لبعض‭ ‬البعثات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬وغيرها‭.‬

ومن‭ ‬أمثلة‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬التقرير‭ ‬قيام‭ ‬المؤسسة‭ ‬الليبية‭ ‬للاستثمار‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬التجاوزات‭ ‬الخطيرة‭ ‬والتي‭ ‬تُخالف‭ ‬القوانين‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬عدم‭ ‬إعدادها‭ ‬لميزانيات‭ ‬مُجمعة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المالية‭ ‬السابقة‭ ‬وحتى‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬قيامها‭ ‬بإجراء‭ ‬أي‭ ‬مصادقات‭ ‬للأرصدة‭ ‬المدينة‭ ‬والدائنة‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬الأرصدة‭ ‬الظاهرة‭ ‬نهاية‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬بأن‭ ‬الأرقام‭ ‬الواردة‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬المؤسسة‭ ‬فحسب‭. ‬وكشف‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬عجزه‭ ‬رصد‭ ‬وفحص‭ ‬حسابات‭ ‬المؤسسة‭ ‬عن‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬نظر‭ ‬القصور‭ ‬مالي‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬بإدخال‭ ‬القيود‭ ‬اليومية‭ ‬المُتعلقة‭ ‬بالسنة‭ ‬المالية‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬وكذلك‭ ‬مذكرات‭ ‬تسوية‭ ‬المصارف‭.‬

وعن‭ ‬الأموال‭ ‬الليبية‭ ‬المُجمدة‭ ‬بالخارج‭ ‬بين‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأموال‭ ‬بلغت‭ ‬قيمتها‭ ‬33‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬ودائع‭ ‬وأسهم‭ ‬وسندات‭ ‬ومحافظ‭ ‬وصناديق‭ ‬استثمارية،‭ ‬فيما‭ ‬بلغت‭ ‬خسائر‭ ‬التجميد‭ ‬مبلغ‭ ‬يتجاوز‭ ‬43‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا‭ ‬نتيجة‭ ‬لدفع‭ ‬الفوائد‭ ‬السالبة‭ ‬للمصارف‭ ‬المودعة‭ ‬فيها‭ ‬أموال‭ ‬المؤسسة‭ ‬الليبية،‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬التقرير‭ ‬بأن‭ ‬رواتب‭ ‬الموظفين‭ ‬والمزايا‭ ‬الأخرى‭ ‬كالتأمين‭ ‬الصحي‭ ‬ومصاريف‭ ‬الدراسة‭ ‬وبدل‭ ‬الهاتف‭ ‬والنقل‭ ‬والسكن‭ ‬إلى‭ ‬موافقة‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬المؤسسة‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬لوائح‭ ‬مُنظمة‭ ‬لنشاط‭ ‬الشركة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تقاضي‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬لرواتبهم‭ ‬دون‭ ‬تواجدهم‭ ‬بالمقر‭ ‬في‭ ‬مالطا‭.‬

وتناول‭ ‬التقرير‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬اتهمها‭ ‬بإبرام‭ ‬اتفاقيات‭ ‬تعويض‭ ‬للمقاولين‭ ‬لا‭ ‬يستحقونها،‭ ‬وتغريم‭ ‬الدولة‭ ‬مبالغ‭ ‬طائلة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬الإدارة‭ ‬لصالح‭ ‬الشريك‭ ‬الأجنبي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التحايل‭ ‬والتلاعب‭ ‬في‭ ‬عقود‭ ‬التأمين‭ ‬الطبي،‭ ‬والتوسع‭ ‬في‭ ‬إبرام‭ ‬العقود‭ ‬وتكليفات‭ ‬العمل‭ ‬المباشرة،‭ ‬دون‭ ‬دراسة‭ ‬جدوى‭ ‬تلك‭ ‬التعاقدات،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬فصل‭ ‬التقرير‭ ‬فيها،‭ ‬هي‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬والاتصال‭ ‬الدولي،‭ ‬وتناول‭ ‬بالتفصيل،‭ ‬بعض‭ ‬السفارات‭ ‬والقنصليات‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬شهدت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬عمليات‭ ‬وصفها‭ ‬التقرير‭ ‬بالتجاوزات‭ ‬والفساد‭.‬

وسجل‭ ‬تقرير‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬عدة‭ ‬ملاحظات‭ ‬على‭ ‬الآداء‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الخارجية،‭ ‬تركزت‭ ‬حول‭ ‬ضعف‭ ‬نظام‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية‭ ‬المُطبَّق‭ ‬بالوزارة،‭ ‬وأبرز‭ ‬عدة‭ ‬نقاط‭ ‬جاءت‭ ‬كالتالي‭:‬

  • ‭ ‬التعاقد‭ ‬بطريقة‭ ‬التكليف‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬الشركات،‭ ‬التي‭ ‬نفذت‭ ‬أعمال‭ ‬مقاولات‭ ‬ودون‭ ‬إجراء‭ ‬مفاضلة‭ ‬ومناقصة‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭.‬
  • ‭ ‬القيام‭ ‬بتسليم‭ ‬بعض‭ ‬الصكوك‭ ‬لأشخاص‭ ‬غير‭ ‬مستفيدين،‭ ‬في‭ ‬مخالفة‭ ‬لنصوص‭ ‬القوانين‭ ‬الحاكمة‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭.‬
  • ‭ ‬تسجيل‭ ‬حالات‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬الخاصة‭ ‬بعلاوات‭ ‬سفر‭ ‬الموظفين‭ ‬وما‭ ‬رافقها،‭ ‬وعدم‭ ‬تحديد‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬المهام‭ ‬الموفدين‭ ‬من‭ ‬أجلها‭.‬

 

كما‭ ‬شمل‭ ‬التقرير‭ ‬تجاوزات‭ ‬في‭ ‬الإجراءات‭ ‬وتطبيق‭ ‬النظم‭ ‬واللوائح‭ ‬في‭ ‬السفارات‭ ‬والقنصليات‭ ‬والبعثات‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬حيث‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الملاحظات‭ ‬من‭ ‬بينها‭:‬

  • ‭ ‬عدم‭ ‬إنهاء‭ ‬فترة‭ ‬إيفاد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬الذين‭ ‬انتهت‭ ‬فترة‭ ‬عملهم‭ ‬بالخارج‭ ‬وفقًا‭ ‬للفترات‭ ‬المحددة‭ ‬قانونيًا،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬قيام‭ ‬الوزارة‭ ‬باتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬اللازمة‭ ‬في‭ ‬الموظفين‭ ‬الذين‭ ‬بلغوا‭ ‬سن‭ ‬التقاعد‭.‬
  • ‭ ‬قصور‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬الحسابات‭ ‬المصرفية‭ ‬التي‭ ‬تُديرها‭ ‬البعثات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬بالخارج‭ ‬والأرصدة‭ ‬الدفترية‭ ‬وتقرير‭ ‬مصروفاتها‭.‬

كما‭ ‬تناول‭ ‬التقرير‭ ‬تزايد‭ ‬أعداد‭ ‬الموظفين‭ ‬والعاملين‭ ‬بالخارج‭ ‬بشكل‭ ‬مبالغ‭ ‬فيه،‭ ‬وما‭ ‬ترتبت‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬مصروفات‭ ‬ومخصصات‭ ‬مالية‭ ‬كبيرة،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬رفع‭ ‬قيمة‭ ‬الرواتب‭ ‬والأجور‭.‬

وخصص‭ ‬تقرير‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬مساحات‭ ‬خاصة‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬السفارات‭ ‬والقنصليات‭ ‬التي‭ ‬سجل‭ ‬ملاحظات‭ ‬على‭ ‬آدائها‭ ‬المالي‭ ‬وأثبت‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬التجاوزات‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬ارتكابها‭ ‬فيها،‭ ‬وتمثلت‭ ‬معظم‭ ‬المخالفات‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬التقيُّد‭ ‬بالنظم‭ ‬واللوائح،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬هدر‭ ‬مبالغ‭ ‬مالية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬أبوابها،‭ ‬ولصالح‭ ‬أشخاص‭ ‬بعضهم‭ ‬مسؤولون‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السفارات،‭ ‬وآخرون‭ ‬لا‭ ‬يمُتون‭ ‬لها‭ ‬بأي‭ ‬صلة،‭ ‬وبلغت‭ ‬تقديرات‭ ‬التقرير‭ ‬لتلك‭ ‬المبالغ‭ ‬بمئات‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات،‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬قائمة‭ ‬السفارات‭ ‬التي‭ ‬أفسح‭ ‬لها‭ ‬التقرير‭ ‬مجالًا‭ ‬تفصيليًا‭ ‬سفارات‭ ‬وقنصليات‭ ‬ليبيا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬ومصر‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭.‬

وبعيدًا‭ ‬عما‭ ‬جاء‭ ‬به‭ ‬التقرير‭ ‬من‭ ‬مخالفات‭ ‬وتجاوزات‭ ‬عديدة‭ ‬تستحق‭ ‬الوقوف‭ ‬عندها،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نشر‭ ‬التقرير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت،‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الإعلامي‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬تفاصيله‭ ‬دون‭ ‬اتخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬قانونية‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خضع‭ ‬التقرير‭ ‬لحملة‭ ‬إعلامية‭ ‬واستغلته‭ ‬عدة‭ ‬أطراف‭ ‬سياسية‭ ‬ووظفته‭ ‬سياسيًا‭ ‬لمصلحتها‭.‬

تقرير الديوان بعيون ناقدة:

بقراءة‭ ‬موضوعية‭ ‬للتقرير‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬الملاحظات‭ ‬المهنية‭ ‬المُتعلقة‭ ‬بالصياغة‭ ‬والأسلوب‭ ‬وأبرزها‭ ‬الملاحظة‭ ‬الرئيسية‭ ‬على‭ ‬التقرير‭ ‬استخدامه‭ ‬لبعض‭ ‬المصطلحات‭ ‬المسيَّسة‭ ‬مثل‭ ‬عبارة‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬طرابلس،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬ألزم‭ ‬الديوان‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬تقريره‭ ‬بلُغة‭ ‬مهنية‭ ‬محايدة‭ ‬موضوعية‭. ‬بل‭ ‬استخدم‭ ‬في‭ ‬الصفحة‭ ‬15‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬حكومات‭ ‬طرابلس‭ ‬والبيضاء‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬مصطلحات‭ ‬لم‭ ‬ترد‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬تشريع‭ ‬يستند‭ ‬عليه‭ ‬الديوان،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الاتفاق‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬أحال‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭.‬

كما‭ ‬لوحظ‭ ‬الإيحاء‭ ‬بأن‭ ‬قيمة‭ ‬الهدر‭ ‬المالي‭ ‬بلغ‭ ‬277‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬خلال‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬دون‭ ‬تفصيل،‭ ‬حيث‭ ‬جمع‭ ‬آداء‭ ‬عدة‭ ‬حكومات‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬2012‭ ‬إلى‭ ‬2017م‭ ‬في‭ ‬رقم‭ ‬واحد‭.‬

بينما‭ ‬قام‭ ‬مُعد‭ ‬التقرير‭ ‬بتفصيل‭ ‬مصاريف‭ ‬الحكومة‭ ‬المؤقتة‭ ‬في‭ ‬البيضاء‭ ‬الذي‭ ‬أكد‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬تقريره‭ ‬أنها‭ ‬خارج‭ ‬نطاقه،‭ ‬إذ‭ ‬ذكر‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬المؤقتة‭ ‬أنفقت‭ ‬21‭.‬148‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬منها‭ ‬13.420‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬رواتب،‭ ‬و1‭.‬539‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬على‭ ‬الدعم،‭ ‬وما‭ ‬تبقى‭ ‬نحو‭ ‬6‭ ‬مليارات‭ ‬دينار‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭.‬

توالت ردود الأفعال الرسمية على التقرير كان أبرزها تدخل المجلس الأعلى للقضاء وإصدار تعليماته للنائب العام وبشكل عاجل دراسة تقرير ديوان المحاسبة بكل عناية ودقة وإحالة من يثبُت تورطه في المخالفات المالية إلى القضاء

تساؤلات قانونية:

السؤال‭ ‬الأبرز‭ ‬عن‭ ‬الصفة‭ ‬الرسمية‭ ‬للسيد‭ ‬‮«‬خالد‭ ‬شكشك‮»‬‭ ‬رئيس‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬والذي‭ ‬تم‭ ‬عزله‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬سنة‭ ‬2014م‭ ‬وصدور‭ ‬حكم‭ ‬قضائي‭ ‬ضده‭ ‬لكن‭ ‬تم‭ ‬التمديد‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬‮«‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬العام‮»‬‭ ‬سنة‭ ‬2014م‭ ‬أثناء‭ ‬ازدواجية‭ ‬السلطة‭ ‬التشريعية‭.‬

ولو‭ ‬تجاوزنا‭ ‬مسألة‭ ‬صفة‭ ‬رئيس‭ ‬الديوان،‭ ‬وانتقلنا‭ ‬لنقاط‭ ‬قانونية‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬دقة،‭ ‬تتعلق‭ ‬بصلاحية‭ ‬الديوان‭ ‬واختصاصاته،‭ ‬وأولها‭ ‬عدم‭ ‬تقديم‭ ‬الديوان‭ ‬للسلطة‭ ‬التشريعية‭ ‬متمثلة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬وفقًا‭ ‬لما‭ ‬نص‭ ‬عليه‭ ‬قانون‭ ‬إنشائه‭ ‬وهو‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬19‭ ‬لسنة‭ ‬2013م،‭ ‬حيث‭ ‬تنص‭ ‬المادة‭ ‬رقم‭ ‬62‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬“يُقدَّم‭ ‬التقرير‭ ‬للسلطة‭ ‬التشريعية‭ ‬ومجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬خلال‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬انتهاء‭ ‬السنة‭ ‬المالية”أي‭ ‬بحلول‭ ‬30‭ ‬مارس‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬فلماذا‭ ‬أخَّر‭ ‬الديوان‭ ‬تقريره‭ ‬ستين‭ ‬يومًا؟

والتساؤل‭ ‬الثاني‭ ‬لماذا‭ ‬وقف‭ ‬الديوان‭ ‬عاجزًا‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬من‭ ‬التجاوزات‭ ‬المالية‭ ‬والمحاسبية‭ ‬ولم‭ ‬يتخذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬قانونًا‭ ‬فمثلًا‭ ‬حددت‭ ‬المادة‭ ‬19‭ ‬وفقًا‭ ‬لأحكام‭ ‬القانون‭ ‬19‭ ‬لسنة‭ ‬2013م‭ ‬إجراءات‭ ‬مصاحبة‭ ‬للإحالة‭ ‬على‭ ‬جهة‭ ‬الاختصاص،‭ ‬إذ‭ ‬يتوجب‭ ‬على‭ ‬الديوان‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬اكتشاف‭ ‬خلل،‭ ‬أن‭ ‬يوصي‭ ‬بإيقاف‭ ‬متقلدي‭ ‬المناصب‭ ‬عن‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬مناصبهم،‭ ‬وتقدير‭ ‬الضرر‭ ‬والأموال‭ ‬المُهدرة‮»‬‭.‬

وأيضًا‭ ‬منحت‭ ‬المواد‭ ‬رقم‭ ‬50‭ ‬ورقم‭ ‬51‭ ‬ورقم‭ ‬56‭ ‬للديوان‭ ‬حق‭ ‬“إيقاف‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ثبُت‭ ‬تورطه‭ ‬في‭ ‬فساد‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬وكذلك‭ ‬تجميد‭ ‬حسابات‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬ثبُت‭ ‬إهدارها‭ ‬للمال‭ ‬العام،‭ ‬وأن‭ ‬يأمر‭ ‬بالحجز‭ ‬الإداري‭ ‬على‭ ‬أمواله‭ ‬لمن‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬إهدار‭ ‬المال‭ ‬العام‮»‬‭.‬

وأخيرًا‭ ‬فإن‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬وفقًا‭ ‬لأحكام‭ ‬القانون‭ ‬19‭ ‬لسنة‭ ‬2013م‭ ‬متى‭ ‬تبين‭ ‬له‭ ‬وجود‭ ‬مخالفات‭ ‬إدارية‭ ‬فإنه‭ ‬يُحيل‭ ‬الأوراق‭ ‬بشأنها‭ ‬لهيئة‭ ‬الرقابة‭ ‬الإدارية‭ ‬ومتى‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬الوقائع‭ ‬تُشكل‭ ‬جريمة‭ ‬جنائية‭ ‬يُحيل‭ ‬بشأنها‭ ‬الأوراق‭ ‬للنائب‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬الادعاء‭ ‬العسكري‭ ‬بحسب‭ ‬الاختصاص،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬للديوان‭ ‬صلاحية‭ ‬الاستدلال‭ ‬والإيقاف‭ ‬المؤقت‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬التنويه‭ ‬أن‭ ‬لعضو‭ ‬الديوان‭ ‬المختص‭ ‬سلطة‭ ‬الاستدلال‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭.‬

وهذه‭ ‬التساؤلات‭ ‬تتكرر‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬ومع‭ ‬صدور‭ ‬كل‭ ‬تقرير،‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يتخذ‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬أي‭ ‬إجراء‭ ‬للمحاسبة‭ ‬والعقاب‭ ‬على‭ ‬ارتكاب‭ ‬هذه‭ ‬التجاوزات‭ ‬والمخالفات‭.‬

ولا‭ ‬يُعد‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬الجهة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬ضبطت‭ ‬حالات‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬تقرير‭ ‬لجنة‭ ‬الخبراء‭ ‬التابع‭ ‬لمجلس‭ ‬الأمن‭ ‬رصد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬المخالفة‭ ‬التي‭ ‬اتخذتها‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬تقريرها‭ ‬الأخير‭.‬

وحتى‭ ‬الصحافة‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬بارز‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬هذه‭ ‬المخالفات‭ ‬والتجاوزات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬مؤشرًا‭ ‬خطيرًا‭ ‬لحالة‭ ‬الفساد‭ ‬المُستشرية‭ ‬حيث‭ ‬نشر‭ ‬موقع‭ ‬‮«‬إنكيفادا‮»‬‭ ‬تقريرًا‭ ‬استقصائيًا‭ ‬بيَّن‭ ‬فيه‭ ‬حالات‭ ‬التلاعب‭ ‬في‭ ‬المستندات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالاعتمادات‭ ‬المستندية‭ ‬وعملية‭ ‬تدوير‭ ‬الأموال‭ ‬بين‭ ‬ليبيا‭ ‬وتونس‭ ‬لتهريبها‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الساحة‭ ‬المالية‭ ‬التونسية‭ ‬شبه‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬التدفّقات‭ ‬المالية‭ ‬المتأتّية‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬عبر‭ ‬اعتمادات‭ ‬مستندية‭ ‬مفتعلة‭ ‬للتغطية‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬مُعقّدة‭ ‬ومُركّبة‭ ‬الهدف‭ ‬منها‭ ‬المضاربة‭ ‬وتبييض‭ ‬الأموال‭.‬

ردود الأفعال الرسمية:

وتوالت‭ ‬ردود‭ ‬الأفعال‭ ‬الرسمية‭ ‬على‭ ‬التقرير‭ ‬كان‭ ‬أبرزها‭ ‬تدخل‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للقضاء‭ ‬وإصدار‭ ‬تعليماته‭ ‬للنائب‭ ‬العام‭ ‬وبشكل‭ ‬عاجل‭ ‬دراسة‭ ‬تقرير‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬بكل‭ ‬عناية‭ ‬ودقة‭ ‬وإحالة‭ ‬من‭ ‬يثبُت‭ ‬تورطه‭ ‬في‭ ‬المخالفات‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬القضاء،‭ ‬حيث‭ ‬طلب‭ ‬المجلس‭ ‬الاتصال‭ ‬الفوري‭ ‬والمباشر‭ ‬بديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬لطلب‭ ‬إرفاق‭ ‬محاضر‭ ‬الاستدلالات‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬الديوان‭ ‬مع‭ ‬كافة‭ ‬الوثائق‭ ‬والمستندات‭ ‬والأدلة‭ ‬المؤيدة‭ ‬لتلك‭ ‬الاتهامات‭ ‬والوقائع‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬أكد‭ ‬المستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬لرئاسة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب،‭ ‬“فتحي‭ ‬المريمي”‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬المجلس‭ ‬المستشار‭ ‬“عقيلة‭ ‬صالح”‭ ‬كلَّف‭ ‬أشرف‭ ‬الدرسي‭ ‬المستشار‭ ‬القانوني‭ ‬لرئاسة‭ ‬المجلس‭ ‬النواب‭ ‬بتقديم‭ ‬بلاغ‭ ‬إلى‭ ‬النائب‭ ‬العام،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فتح‭ ‬التحقيقات‭ ‬القانونية‭ ‬اللازمة‭ ‬حول‭ ‬المخالفات‭ ‬والتجاوزات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬التقرير‭ ‬وضرورة‭ ‬محاسبة‭ ‬كل‭ ‬مخالف‭ ‬ومتجاوز‭ ‬وسارق‭ ‬للمال‭ ‬العام‭ ‬وفق‭ ‬القوانين‭ ‬والتشريعات‭ ‬النافذة‭ ‬بالخصوص‭.‬

وحتى‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬مُمثَّلة‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬المالية‭ ‬بحكومة‭ ‬الوفاق‭ ‬الوطني،‭ ‬شكَّلت‭ ‬لجنة‭ ‬فنيّة‭ ‬تضم‭ ‬وكيلا‭ ‬لوزارة‭ ‬ومديري‭ ‬الإدارات‭ ‬المعنية،‭ ‬لدراسة‭ ‬تقرير‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬للعام‭ ‬المالي‭ ‬2017،‭ ‬والتحقق‭ ‬بما‭ ‬ورد‭ ‬به‭ ‬واستخلاص‭ ‬النتائج‭ ‬الفنية‭.‬

وأشارت‭ ‬الوزارة،‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬لها،‭ ‬إلى‭ ‬أنّها‭ ‬‮«‬ستقوم‭ ‬بمتابعة‭ ‬كافة‭ ‬الملاحظات‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تصحيحها‭ ‬واتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬اللازمة‭ ‬حيال‭ ‬التوصيات‮»‬،‭ ‬مُرحبة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬بقيام‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرقابية‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬‮«‬المتابعة‭ ‬والتصحيح‭ ‬واكتشاف‭ ‬الأخطاء‭ ‬واستدراكها‭ ‬وضمان‭ ‬عدم‭ ‬تكرارها‮»‬‭.‬

ودعت‭ ‬الوزارة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬ضرورة‭ ‬معاقبة‭ ‬المخالفين‭ ‬إن‭ ‬ثبت‭ ‬تورطهم‮»‬،‭ ‬مطالبة‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬بإخطار‭ ‬الجهات‭ ‬الحكومية‭ ‬بملاحظاته‭ ‬ونتائج‭ ‬مراجعته‭ ‬وتلقي‭ ‬الردود‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الجهات،‭ ‬لافتة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬وقوع‭ ‬مخالفات‭ ‬تُمثل‭ ‬جُنحًا‭ ‬أو‭ ‬جنايات‭ ‬وجب‭ ‬عليه‭ ‬إحالة‭ ‬الأشخاص‭ ‬المرتكبين‭ ‬لها‭ ‬للتحقيق‭ ‬وعرض‭ ‬تلك‭ ‬الجرائم‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬نددت‭ ‬عدة‭ ‬أطراف‭ ‬بتقرير‭ ‬الديوان‭ ‬وتخلل‭ ‬ذلك‭ ‬اتهامات‭ ‬ومبررات‭. ‬فالحكومة‭ ‬المؤقتة،‭ ‬اتهمت‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الناطق‭ ‬الرسمي‭ ‬باسمها،‭ ‬‮«‬حاتم‭ ‬العريبي”‭ ‬رئيس‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬‮«‬خالد‭ ‬شكشك‮»‬،‭ ‬بأنه‭ ‬ينتحل‭ ‬صفة‭ ‬رئيس‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬ويُمارس‭ ‬سلطة‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬أعفاه‭ ‬من‭ ‬مهامه‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬رسمية‭ ‬بنصاب‭ ‬قانوني‭. ‬وأكد‭ ‬‮«‬العريبي‮»‬‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬له،‭ ‬أن‭ ‬كُلما‭ ‬ذكر‭ ‬من‭ ‬أرقام‭ ‬قد‭ ‬صرفت‭ ‬وأوردها‭ ‬التقرير‭ ‬المعروض‭ ‬ليس‭ ‬للحكومة‭ ‬المؤقتة‭ ‬أي‭ ‬علاقة‭ ‬بها‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬قريب‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬لافتًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬المؤقتة‭ ‬منذ‭ ‬نيلها‭ ‬ثقة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2014‭ ‬وهي‭ ‬تعمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاقتراض‭ ‬القانوني‭ ‬عبر‭ ‬المصرف‭ ‬المركزي‭ ‬الشرعي‭ ‬بمدينة‭ ‬البيضاء‭.‬

نظرة إيجابية:

وأخيرًا‭ ‬إذا‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬ننظر‭ ‬للجانب‭ ‬الممتلئ‭ ‬من‭ ‬الكأس‭ ‬فإننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نتفاءل‭ ‬بهذا‭ ‬التقرير‭ ‬الذي‭ ‬يعكس‭ ‬جانبًا‭ ‬إيجابيًا‭ ‬مُهمًا‭ ‬وهو‭ ‬قيام‭ ‬مؤسسة‭ ‬ليبية‭ ‬بواجبها‭ ‬الرقابي‭ ‬والوظيفي‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬شاب‭ ‬عملها‭ ‬بعض‭ ‬الخلل‭.‬

حيث‭ ‬إن‭ ‬استمرار‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬بالقيام‭ ‬بواجبها‭ ‬الرقابي‭ ‬رغم‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬والازدواج‭ ‬الحكومي‭ ‬والانفلات‭ ‬الأمني‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬تُشكل‭ ‬عوائق‭ ‬مُعقدة‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬جهات‭ ‬رقابية‭ ‬أو‭ ‬تنفيذية،‭ ‬للقيام‭ ‬بواجباتها‭ ‬الوظيفية‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬انتظام‭ ‬صدور‭ ‬تقرير‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬سنويًا‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬تقع‭ ‬فعليًا‭ ‬إجراءات‭ ‬عقابية‭ ‬للمخالفين‭ ‬فإنه‭ ‬يظل‭ ‬عاملًا‭ ‬توثيقيًا‭ ‬مهمًا‭ ‬للمخالفات‭ ‬والتجاوزات‭ ‬المالية‭ ‬وسيتمكن‭ ‬القضاء‭ ‬الليبي‭ ‬يومًا‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬محاسبة‭ ‬المخالفين‭ ‬استنادًا‭ ‬لهذه‭ ‬التقارير‭ ‬بعد‭ ‬مراجعتها‭ ‬والتأكد‭ ‬مما‭ ‬ورد‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬معلومات‭. ‬

تعتبر‭ ‬منظمة‭ ‬“أنا‭ ‬يقظ”‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أهم‭ ‬المنظمات‭ ‬التونسية‭ ‬التي‭ ‬تشتغل‭ ‬على‭ ‬ملف‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬والحوكمة‭ ‬الرشيدة‭ ‬في‭ ‬الجمهورية‭ ‬التونسية،‭ ‬وهي‭ ‬منظمة‭ ‬رقابية‭ ‬تونسية‭ ‬غير‭ ‬ربحية‭ ‬مستقلة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬المالي‭ ‬والإداري‭ ‬وتدعيم‭ ‬الشفافية‭. ‬أصبحت‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬يقظ‮»‬‭ ‬نقطة‭ ‬الإتصال‭ ‬الرسمية‭ ‬ل»منظمة‭ ‬الشفافية‭ ‬الدولية‮»‬‭ ‬بتونس‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2013،‭ ‬وهي‭ ‬منذ‭ ‬29‭ ‬جانفي‭/‬يناير‭ ‬2017،‭ ‬الفرع‭ ‬تحت‭ ‬التأسيس‭ ‬ل»منظمة‭ ‬الشفافية‭ ‬الدولية‮»‬‭ ‬بتونس،‭ ‬كما‭ ‬توّجت‭ ‬‮«‬منظمة‭ ‬أنا‭ ‬يقظ‮»‬‭ ‬15‭ ‬أكتوبر‭ ‬2017،‭ ‬‮«‬ببرلين‮»‬‭ ‬‮«‬بجائزة‭ ‬Amalia”‭ ‬للنزاهة‭ ‬لسنة‭ ‬2017‭ ‬التي‭ ‬تشرف‭ ‬عليها‭ ‬سنويًا‭ ‬‮«‬منظمة‭ ‬الشفافية‭ ‬الدولية‮»‬‭.‬

وبإعتبار‭ ‬أهمية‭ ‬نشاطاتها‭ ‬ومشاريعها‭ ‬الداعمة‭ ‬لمكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬ارتأى‭ ‬‮«‬مركز‭ ‬دعم‮»‬‭ ‬ضرورة‭ ‬القيام‭ ‬بمقابلة‭ ‬مع‭ ‬احد‭ ‬أعضائها‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬رأيها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬جوانبه‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬أعلنها‭ ‬النظام‭ ‬التونسي‭ ‬ممثلًا‭ ‬في‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬لمكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬و‭ ‬فيما‭ ‬يلي‭ ‬الحوار‭ ‬كاملًا‭ ‬مع‭ ‬منسقة‭ ‬المشاريع‭ ‬في‭ ‬المنظمة‭ ‬‮«‬منال‭ ‬بن‭ ‬عاشور‮»‬‭.‬

في‭ ‬البداية‭ ‬هل‭ ‬يعتبر‭ ‬ملف‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬خيارًا‭ ‬للحكومة،‭ ‬أم‭ ‬انه‭ ‬ضرورة‭ ‬فرضها‭ ‬المانحون‭ ‬الدوليون‭ ‬كشرط‭ ‬لمواصلة‭ ‬تقديم‭ ‬المساعدات‭ ‬له؟‭ ‬أم‭ ‬هي‭ ‬إرادة‭ ‬مجتمعية‭ ‬ظهرت‭ ‬خلال‭ ‬الثورة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مطالبات‭ ‬الأحزاب‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني؟

محاربة‭ ‬الفساد‭ ‬هي‭ ‬موضة‭ ‬ظهرت‭ ‬مؤخرًا‭ ‬في‭ ‬2016‭ ‬وبالنسبة‭ ‬لمحاربة‭ ‬الفساد‭ ‬يستعمل‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الحكومة‭ ‬كسلاح‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬نرى‭ ‬محاربة‭ ‬فعلية‭ ‬للفساد لأن‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة تترجم‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬أرقام‭ ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭. ‬فمثلًا‭ ‬مؤشر‭ ‬مدركات‭ ‬الفساد‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬فيه‭ ‬تحسن‭ ‬في‭ ‬مرتبة‭ ‬تونس‭ ‬مقارنةً‭ ‬بما‭ ‬نسمعه‭ ‬يوميًا‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬الحكومة‭ ‬أنها‭ ‬تشنها‭ ‬لمحاربة‭ ‬الفاسدين‭ ‬ورغم‭ ‬وضع‭ ‬قوانين‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬حرب‭ ‬إنتقائية‭ ‬على‭ ‬الفساد‭ ‬وحسب‭ ‬رأيي‭ ‬هي‭ ‬حرب‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭ ‬خاصةً‭ ‬مع‭ ‬مثل‭ ‬ملف‭ ‬‮«‬توبيك‮»‬‭ ‬إذ‭ ‬تمت‭ ‬إقالة‭ ‬وزير‭ ‬الطاقة‭ ‬وإلحاقها‭ ‬بوزارة‭ ‬الصناعة‭ ‬وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ملف‭ ‬الطاقة‭ ‬من‭ ‬الملفات‭ ‬الحساسة‭ ‬بإعتباره‭ ‬موضوعًا‭ ‬تقنيًا‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالثروة‭ ‬الطبيعية‭. ‬وقد‭ ‬تمت‭ ‬إقالة‭ ‬كامل‭ ‬الوزارة‭ ‬مع‭ ‬عزوف‭ ‬المستثمرين‭ ‬ونزول‭ ‬مستوى‭ ‬الدينار‭ ‬تعتبر‭ ‬هذه‭ ‬الإقالة‭ ‬رسالةً‭ ‬سلبية‭ ‬للعالم‭ ‬فبعد‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬تم‭ ‬إلحاقها‭ ‬بوزارة‭ ‬الصناعة،‮ ‬وأبسط‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬قوله‭ ‬أن‭ ‬وزير‭ ‬الصناعة‭ ‬غير‭ ‬ملم‭ ‬بقطاع‭ ‬الطاقة‭. ‬وفي‭ ‬التحوير‭ ‬الوزاري‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬وضع‭ ‬وزير‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الطاقة‭. ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬أراه‭ ‬فان‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الفساد‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬وكأنها‭ ‬بطاقة‭ ‬يقع‭ ‬إستعمالها‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬وجود‭ ‬تهديدات‭ ‬خارجية‭ ‬أو‭ ‬غضب‭ ‬الشارع‭.‬‮ ‬

كل‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬منذ‭ ‬الثورة‭ ‬إعتبرت‭ ‬مسالة‭ ‬الفساد‭ ‬من‭ ‬أولوياتها‭ ‬و‭ ‬رغم‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تتقدم‭ ‬كثيرًا‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬مكافحة‭ ‬التهريب‭ ‬وتبييض‭ ‬الأموال‭ ‬والجريمة‭ ‬المنظمة،‭ ‬فسنة‭ ‬2018،‭ ‬صنفت‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬74‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬180‭ ‬دولة‭ ‬ضمن‭ ‬مؤشّر‭ ‬مدركات‭ ‬الفساد،‭ ‬وعكس‭ ‬تقدمًا‭ ‬برتبة‭ ‬واحدة‭ ‬مقارنة‭ ‬بمؤشر‭ ‬سنة‭ ‬2016،‭ ‬حسب‭ ‬رأيكم‭ ‬من‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية؟‮ ‬

المسؤول‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬هو‭ ‬تبجيل‭ ‬المصالح‭ ‬والمطامع‭ ‬والطموحات‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬محاربة‭ ‬الفساد‭ ‬وعلى‭ ‬حساب‭ ‬المواطن‭. ‬فبعد‭ ‬مرورنا‭ ‬بعدة‭ ‬محطات‭ ‬إنتخابية‭ ‬كان‭ ‬الشغل‭ ‬الأول‭ ‬لكل‭ ‬السياسيين‭ ‬هو‭ ‬إستقطاب‭ ‬حاضنة‭ ‬شعبية‭ ‬بوعود‭ ‬زائفة‭ ‬ولا‭ ‬يتم‭ ‬تطبيقها‭ ‬فعليًا،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يمنعنا‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬شيء‭ ‬إيجابي‭ ‬هو‭ ‬قانون‭ ‬حماية‭ ‬المبلغين‮ ‬‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬مفعل‭ ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الهيئة‭ ‬الوطنية‭ ‬لمكافحة‭ ‬الفساد‮»‬‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬المبلغين‭. ‬ولا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬لنا‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬النفاذ‭ ‬للمعلومة‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬مكسب‭ ‬مهم‭ ‬وأخيرًا‭ ‬هناك‭ ‬أيضًا‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬التصريح‭ ‬بالممتلكات‭ ‬والمصالح‮» ‬‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬حسب‭ ‬رأيي‭ ‬فإن‮ ‬‭ ‬قانون‭ ‬التصريح‭ ‬بالمكاسب‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬الآن‭ ‬يتسم‭ ‬بالشمولية‭ ‬والتعميم،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬يشمل‭ ‬350000‭ ‬موظف‮ ‬‭ ‬والهيئة‭ ‬هي‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬وإمكانياتها‭ ‬محدودة‭ ‬و‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬عدة‭ ‬موارد‭ ‬مادية‭ ‬وبشرية‭ ‬ولوجستية‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬فئة‭ ‬غير‭ ‬واضحة‭ ‬مثل‭ ‬مسيري‭ ‬الجمعيات،‭ ‬هل‭ ‬المدير‭ ‬التنفيذي‭ ‬نعتبره‭ ‬مسير،‭ ‬أم‭ ‬فقط‭ ‬المجلس‭ ‬الإستشاري‭ ‬أم‭ ‬كل‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الجمعيات؟‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬توجد‭ ‬مرحلة‭ ‬ثانية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬التثبت‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬المعلومات‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬معلومات‭ ‬خاطئة‮ ‬‭ ‬هناك‭ ‬تتبعات‭ ‬وعقوبات‭.‬

القانون‭ ‬جيد‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬نقتل‭ ‬محتوى القانون‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬نطاقه‭ ‬شامل‭ ‬وواسع‭ ‬جدًا‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬هناك‭ ‬غياب‭ ‬للوضوح‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬سيقع‭ ‬إعتماد‭ ‬التصاريح‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تقديمها‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬المحاسبات،‭ ‬أم‭ ‬سيقع‭ ‬إعتماد‭ ‬التصاريح‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الهيئة؟‭.‬

القانون جيد ولكن من الممكن أن نقتل محتوى القانون فقط لأن نطاقه شامل وواسع جدًا كما أنه هناك غياب للوضوح فيما يخص إن كان سيقع إعتماد التصاريح القديمة التي تم تقديمها في دائرة المحاسبات، أم سيقع إعتماد التصاريح التي تمت فقط في الهيئة

ترفع‭ ‬الحكومة‭ ‬التونسية‭ ‬شعار‭ ‬محاربة‭ ‬الفساد‭ ‬ولاحقت‭ ‬بالفعل‭ ‬بعض‭ ‬الفاسدين،‭ ‬ولكن‭ ‬ألا‭ ‬ترون‭ ‬أنها‭ ‬مجرد‭ ‬حملة‭ ‬إنتقائية‭ ‬لغايات‭ ‬إعلامية‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬صراع‭ ‬أجنحة‭ ‬الحكم؟

كما‭ ‬تم‭ ‬الإجابة‭ ‬في‭ ‬الأسئلة‭ ‬السابقة‭ ‬نحن‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الفساد‭ ‬هي‭ ‬حرب‭ ‬إنتقائية‭ ‬إبتدأت‭ ‬ووقفت‭ ‬ولكن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الفساد‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬فهناك‭ ‬عدة‭ ‬أشخاص‭ ‬معروفين‭ ‬مثل‭ ‬المهربين‭ ‬وغيرهم‭ ‬الكثيرين،‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬تتم‭ ‬محاسبتهم‭ ‬كما‭ ‬نرى‭ ‬بعد‭ ‬الحادثة‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬مؤخراً‭ ‬إذ‭ ‬تم‭ ‬رفع‭ ‬التجميد‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬‮«‬مروان‭ ‬المبروك‮»‬‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬قائمة‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬48‭ ‬أسم‭ ‬تمت‭ ‬المطالبة‭ ‬برفع‭ ‬التجميد‭ ‬على‭ ‬أمواله‭ ‬هو‭ ‬فقط،‭ ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬أننا‭ ‬نحارب‭ ‬الفساد‭ ‬بالإضافة‭ ‬ل»قانون‭ ‬المصالحة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬تمريره‭ ‬بتواطؤ‭ ‬وبدعم‮ ‬‭ ‬كل‭ ‬الأطراف‭ ‬السياسية‭ ‬فهو‭ ‬قانون‭ ‬تم‭ ‬صياغته‭ ‬للإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب،‭ ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬أنك‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬تحارب‭ ‬الفساد‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭ ‬تمرر‭ ‬كهذا‭ ‬القانون‭. ‬وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬تورط‭ ‬‮«‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‮»‬‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬فهي‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬كرست‭ ‬مبدأ‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬وأبرز‭ ‬مثال‭ ‬العفو‭ ‬الذي‭ ‬أصدره‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬برهان‭ ‬بسيس‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬محكومًا‭ ‬لمدة‭ ‬سنتين‭ ‬ولم‭ ‬يمر‭ ‬شهران‭ ‬وتم‭ ‬إصدار‭ ‬العفو‭ ‬الخاص،‭ ‬وهذا‮ ‬‭ ‬ما‭ ‬يكرس‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬لمكافحة‮ ‬‭ ‬الفساد‭ ‬هي‭ ‬فقط‭ ‬إرادة‭ ‬صورية‭ ‬للإعلام‭ ‬وللإنتخابات‭ ‬القادمة‭ ‬في‭ ‬2019،‭ ‬ولكنها‭ ‬ليست‭ ‬إرادة‭ ‬حقيقية‭ ‬فلم‭ ‬نرى‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬الفاسدين‭ ‬تحت‭ ‬طائلة‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭.‬

هل‭ ‬تعتبرون‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬التشريعات‭ ‬الكفيلة‭ ‬بتدعيم‭ ‬آليات‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬والوقاية‭ ‬منه‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬يتميز‭ ‬بوجود‭ ‬التشريعات‭ ‬وغياب‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية؟

تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬أولًا‭ ‬كما‭ ‬قلنا‭ ‬إن‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬هي‭ ‬إرادة‭ ‬صورية‭ ‬ولكن‭ ‬الترسانة‭ ‬القانونية‭ ‬موجودة‭ ‬في‮ ‬‭ ‬تونس‭ ‬منخرطة‭ ‬في‭ ‬الإتفاقيات‭ ‬الدولية،‭ ‬مثل‭ ‬الإتفاقية‭ ‬الدولية‭ ‬لمحاربة‭ ‬الفساد‭ ‬وإتفاقية‭ ‬الحوكمة‭ ‬المفتوحة‭ ‬ومختلف‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تمريرها‭ ‬مثل‭ ‬حماية‭ ‬المبلغين‭ ‬والنفاذ‭ ‬إلى‭ ‬المعلومة‭ ‬والتصريح‭ ‬بالممتلكات،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يحيلنا‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬لنا‭ ‬ترسانة‭ ‬قانونية‭ ‬محترمة‭ ‬ولا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬الدستور‭ ‬التونسي‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬فصول‭ ‬كرس‭ ‬مبادئ‭ ‬مثل‭ ‬الشفافية‭ ‬والنزاهة‭ ‬ومحاربة‭ ‬الفساد،‭ ‬إذاً‮ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬القوانين‭ ‬والتشريعات‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬فلازالت‭ ‬الطريق‭ ‬طويلة‭.‬

أين‭ ‬تتموقع‭ ‬اليوم‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬وهيئة‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬وعمليات‮ ‬‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬وكيف‭ ‬ترونها‭ ‬في‭ ‬المستقبل؟‮ ‬

‮«‬منال‭ ‬بن‭ ‬عاشور‮»‬‭: ‬فالبداية‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتساءل‭ ‬أين‭ ‬هي‭ ‬هذه‭ ‬المنظمات إذ‭ ‬أننا‭ ‬نعاني‭ ‬نقصًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬المنظمات‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع،‭ ‬أنا‭ ‬أؤمن‭ ‬بوجود‭ ‬إختلاف‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬والمواضيع‭ ‬ولكن‭ ‬محاربة‭ ‬الفساد‭ ‬هو‭ ‬موضوع‭ ‬مهم‭ ‬جدًا‭ ‬وحتى‭ ‬الثورة‭ ‬قامت‭ ‬أساسًا‭ ‬لتحقيق‭ ‬مطلب‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬والمحاسبة‭ ‬خاصةً‭. ‬أنا‭ ‬أرى‭ ‬غياب‭ ‬تام‭ ‬للجمعيات‭ ‬وللمنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬محاربة‭ ‬الفساد‭ ‬فلا‭ ‬يوجد‭ ‬إلا‭ ‬منظمة‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬يقظ‮»‬،‭ ‬و‮»‬البوصلة‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تشتغل‭ ‬في‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المجلس‭ ‬والبلديات‭ ‬ولكن‭ ‬محاربة‭ ‬الفساد‭ ‬الفعلية‭ ‬فلا‭ ‬يوجد‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬عليها‭.‬

المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬ومكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬الذي‭ ‬يتفشى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الميادين‭ ‬إذ‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬المحروقات،‭ ‬الطاقة،‮ ‬في‭ ‬الصحة،‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬قطاع‭ ‬ونحن‭ ‬كجمعية‭ ‬لوحدنا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نركز‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬ولكننا‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬محاربة‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬القطاعات،‮ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تحاول‭ ‬‮«‬أنا‮ ‬يقظ‮»‬‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برنامج”I‭ ‬Assist”‮ ‬‭ ‬وهو‭ ‬ما‮ ‬‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬محاولات‭ ‬نقل‭ ‬تجربتنا‭ ‬التي‭ ‬إمتدت‭ ‬على‭ ‬7‭ ‬سنوات‭ ‬للجمعيات‭ ‬المحلية‭ ‬للمساهمة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مجتمع‭ ‬مدني‭ ‬محلي‭ ‬ناضج‭ ‬ولتكريس‭ ‬اللامركزية‭.‬

هو‭ ‬برنامج‭ ‬لدعم‭ ‬قدرات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬المحلي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدورات‭ ‬التكوينية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ينقصهم‭ ‬من‭ ‬القدرات‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بدايةً‭ ‬كيف‭ ‬يقع‭ ‬تأسيس‭ ‬الجمعية‭ ‬أولًا‮ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الشروط‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الجمعية‭ ‬شبابية‭ ‬فيها‭ ‬شباب‭ ‬ويريد‭ ‬تغيير‭ ‬الواقع‭.‬

اترك تعليقاً