غير مصنف

المسار التشريعي لمُكافحة الفساد بتونس بعد الثورة .. المقاربات والنتائج

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

كثير بوعلاق
كثير بوعلاقمحامي وحقوقي تونسي الأمين العام السابق للهيئة الوطنية لمُكافحة الفساد
Read More

مقدمة:

ليس ثمة أدنى شك في كون الفساد مثل أحد أهم أسباب الثورة التونسية بعد أن أصبح القاصي والداني لا حديث له سوى عن مافيات العائلة الحاكمة والعائلات المتصاهرة في ظل النظام السابق ومن لف لفها من المؤلفة جيوبهم من كبار المسؤولين سواء في الحزب الحاكم أو في الدولة.

وليس من الصُدفة إذن أن تستبطن شعارات الثورة التي رددها المتظاهرون في كل أنحاء البلاد تذمرًا واضحًا من هذه الآفة التي نخرت الاقتصاد الوطني وجعلت من مُقدرات البلاد حكرًا على مجموعة من المتنفذين والمتملقين فكان شعار «خبز حرية عدالة اجتماعية» أو «خبز حرية كرامة وطنية» وأيضًا «التشغيل استحقاق يا عصابة السراق» مكتنزًا لمعنى التبرم من الفساد والفاسدين بحيث أصبح مطلب مُكافحة الفساد مطلبًا وطنيًا وشعبيا بامتياز.

ولعل الرد السياسي لم يتأخر كثيرًا للاستجابة طوعًا أو كرهًا لهذا المطلب الشعبي، فتم بالفعل بعد الثورة وفي أجل لم يتجاوز شهرًا ونيف عن سقوط النظام وبطلب من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمُقراطي ]التي كانت تُمثل المرجعية السياسية التوافقية الوحيدة للحكم في تلك الفترة[ إصدار المرسوم عدد 07 لسنة 2011 المؤرخ في 18 فيفري/يناير 2011 والمتعلق بـ»اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرِشّْوة والفساد» والتي أوكل لها في مرحلة أولى البحث والتقصي في شبهات الفساد التي تخص فترة حكم النظام السابق.

على أن التوجه نحو الإسراع في تكوين هذه اللجنة لم يكن ليحجُب نية الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمُقراطي في توخي سياسة طويلة المدى مبنية بالأساس على إعادة التفكير في صياغة النظام السياسي برمته، ذلك أن إجماعًا واضحًا حصل صُلب الهيئة على نقطة جوهرية تُمثل نقطة ضعف كبيرة في النظام السياسي التونسي قبل الثورة، ألا وهي تغول الجهاز التنفيذي وسيطرته الكاملة على مختلف أوجه الحياة السياسية وجميع مفاصل الدولة في اختلال تام لتوزيع السلطات، ولم تكن بالتالي السلطة التشريعية ولا السلطة القضائية تتمتع ولو بقدر من الاستقلالية.

وهذا التغول للجهاز التنفيذي على حساب بقية مكونات السلط العمومية كان الأساس للتفرد بالحكم ومن ثم الاستبداد وبالتالي كان لابد من التفكير بكيفية عميقة في خلق الضمانات الكفيلة بعدم تكرار ما سبق حصوله، ومن هنا بدأت تتمخض فكرة الهيئات المستقلة بوصفها هيئات تعديلية يُقتطع لها جزء من السلطة التي كان يحتكرها الجهاز التنفيذي ولكن أيضًا هيئات تتمتع بصلاحيات عامة تمارسها بمعزل عن مباركة الجهاز التنفيذي وإن تخلفت.

الأصل إذن على مستوى مُكافحة الفساد أن هذه المهمة كانت من علائق الجهاز التنفيذي الذي يُمارسها عن طريق مجموعة من الآليات الرقابية والزجرية، والتي تتمثل أساسًا فيما يلي:

أولًا: الهيئات الرقابية ذات الصِبْغَة الإدارية:

التفقديات العامة بالوزارات:

 هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية.
أُحدثت بموجب الفصل 86 من القانون عدد 100 لسنة 1981، المؤرخ في 31 ديسمبر 1981، المُتعلق بقانون المالية لسنة 1982، الذي صدر تطبيقًا له الأمر عدد 6 لسنة 1982، المؤرخ في 5 جانفي/يناير 1982، المُتعلق بالقانون الأساسي الخاص بأعضاء الرقابة العامة للمصالح العمومية والذي ألغى التفقدية العامة للمصالح الإدارية.
هيئة مُراقبي الدولة.
أُحدثت هذه الهيئة بموجب الأمر بمقتضى الأمر عدد 2131 لسنة 2002، المؤرخ في 30 سبتمبر 2002، المتعلّق بإحداث هياكل بالوزارة الأولى.
هيئة الرقابة العامة للمالية (CGF بوزارة المالية).
أُحدثت هذه الهيئة بموجب الأمر عدد 7 لسنة 1982 المؤرخ في 5 جانفي/يناير 1982، الذي وقِعَت مراجعته بموجب الأمر عدد 2886 لسنة 2000، المؤرخ في 7 ديسمبر 2000، المُتعلق بتنظيم هيئة الرقابة العامة للمالية وطُرق تسييرها.
هيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة والشؤون العقارية (بوزارة أملاك الدولة).
أُحدثت هيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة والشؤون العقارية بموجب أحكام الفصل 6 من الأمر عدد 1070 لسنة 1990، المؤرخ في 18 جوان/يونيو 1990، المُتعلق بتنظيم وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية.
الهيئة العُليا للرقابة الإدارية والمالية.
أُحدثت الهيئة العُليا للرقابة الإدارية والمالية لدى رئيس الجمهورية بمقتضى الأمر عدد 906 لسنة 1993 المؤرخ في 19 أفريل/أبريل 1993، قبل أن يتم بمقتضى القانون عدد 50 لسنة 1993، المؤرخ في 3 ماي/مايو 1993.

ثانيًا: الهيئات ذات الصيغة القضائية:

 دائرة المحاسبات:
أُنشئت دائرة المحاسبات عملًا بأحكام دستور الجمهورية الأولى الصادر سنة 1959، الذي نص بفصله 69 كما نُقح بالقانون الدستوري عدد 65 لسنة 1997، المؤرّخ في 27 أكتوبر 1997، على أن: «يتركب مجلس الدولة من هيئتين:

1 – المحكمة الإدارية.
2 – دائرة المحاسبات.

يضبط القانون تنظيم مجلس الدولة وهيئتيه، كما يُحدد مشمولات أنظارها والإجراءات المتبعة لديها”.
وقد أُحدثت دائرة المحاسبات فعليًا بموجب القانون عدد 8 لسنة 1968، المؤرخ في 8 مارس 1968، والمُتعلق بتنظيم دائرة المحاسبات والمُنقح والمُتمم بالقانون عدد 7 لسنة 1970، المؤرخ في 20 أفريل/أبريل 1970، وبالقانون الأساسي عدد 82 لسنة 1990، المؤرخ في 29 أكتوبر 1990، وبالقانون الأساسي عدد 75 لسنة 2001، المؤرخ في 17 جويلية/يوليو 2001، وبالقانون الأساسي عدد 3 لسنة 2008، المؤرخ في 29 جانفي/يناير 2008، وهي تتخذ شكل هيئة عليا للرّقابة تسهر على حُسن التصرّف في الأموال العمومية من خلال مهمة قضائية وأخرى تقويمية كما تتولى تجميع التصاريح على الشرف بالمكاسب لبعض أصناف الموظفين.

دائرة الزجر المالي:
أُحدثت هذه الدائرة بموجب القانون عدد 74 لسنة 1985، المؤرخ في 20 جويلية/يوليو 1085، المتعلق بتحديد أخطاء التصرف التي تُرتكب في حق الدولة والمؤسسات العمومية الإدارية والجماعات العمومية المحلية والمشاريع العمومية وضبط العقوبات المنطبقة عليها وبإحداث دائرة الزجر المالي. ورغمًا عن أهمية الأدوار النظرية لهذه الهيئات على اختلاف طبيعتها إلا أن نتائجها في مُكافحة الفساد في القطاع العام بقيت محدودة إلى أبعد الحدود، كما بقيت أسيرة للنظام السياسي الحاكم ولم تكن سوى آداة لضرب المناوئين من الموظفين غير المنضبطين للتعليمات السامية، فضلًا على كون الإمكانيات المادية والبشرية لهذه الهيئات لم تكن تسمح لها بآدء دورها الرقابي بالشكل المطلوب، وبات عملها أقرب للإخبار ونقل المعلومة للمسؤولين منه للتصدي لظواهر الفساد داخل أروقة الإدارة العمومية، خصوصًا أنها لم تكن مُلزَمة بنشر تقاريرها للعموم، فعلى سبيل المثال تم نشر أول تقرير لدائرة المحاسبات التي تأسست سنة 1968 خلال سنة 2013.

الفساد: كل تصرف مُخالف للقانون والتراتيب الجاري بها العمل يُضر أو من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة، وسوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية، ويشمل جرائم الرِشّْوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية، أو سوء التصرف فيها، أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة، أو سوء استعمالها، وجميع حالات الإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال وتضارب المصالح واستغلال المعلومة الممتازة والتهرب الجبائي وتعطيل قرارات السلطة القضائية، وكل الأفعال التي تُهدد الصحة العامة أو السلامة أو البيئة.

القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017

واعتبارًا لذلك قرر منتسبو «الهيئة العُليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمُقراطي» إيلاء مُكافحة الفساد المكانة التي تستحقها وذلك بإفرادها بهيئة مُستقلة على النحو الذي التزمت به الدولة التونسية من خلال مصادقتها سنة 2008 على الاتفاقية الأممية لمُكافحة الفساد وهو ما ضَمِنَ صُلب مهام اللجنة الوطنية للتقصي حول الرِشّْوة والفساد والتي أخذت على عاتقها تفعيل هذا المنحى عبر اقتراح مشروع قانون تكوين الهيئة المستقلة لمُكافحة الفساد والذي تم فعلًا سَنُّه إثر ذلك بموجب المرسوم عدد 120 المؤرخ في 14 نوفمبر 2011.

المبدأ إذن ولُب الموضوع في تأسيس هيئة مُستقلة لمُكافحة الفساد هو الخروج بهذه المُهمة عن دوائر الجهاز التنفيذي وإسنادها لمؤسسة مُستقلة تمامًا عنه لتتكفل بهذه المهمة الوطنية وتكون مسؤولة عن النظر في مقتضياتها وتحديد أهدافها واستراتيجياتها، الأمر إذن ليس بالسهولة التي من الممكن أن نتصورها إذ طالما لم يَعُد للجهاز التنفيذي السطوة والآليات القانونية للتعهد بمُكافحة ظاهرة الفساد ولكن ليس هذا فقط فقد أصبح الجهاز التنفيذي واقعًا تحت سلطة الهيئة في الرقابة والبحث والتقصي وعليه الالتزام بما قرره القانون.

غير أنه وكما سوف نحاول تبيانه من خلال هذه الدراسة فإن الجهاز التنفيذي وإدارته العميقة لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا السيل الجارف من القوانين والتدابير التشريعية التي تحاول الكشف عن مواطن الفساد ومكافحته، والتي وجدت في المد الثوري خير سند لها وإنما سوف يكون لها صولات وجولات في تفخيخ القوانين وعدم تفعيلها أو التمرد في تطبيقها بل وحتى الدفع لسن قوانين ضد التمشي المبدئي في مُكافحة الفساد.

كل ذلك طبعًا لا يجب أن يحجُب من ناحية أولى التعاطي المواطني مع إشكالية مُكافحة الفساد ولا كذلك تعاطي السلطة القضائية مع ذات الملف.
ولكن قبل كل هذا دعونا نتوقف قليلًا عند تحديد مفهوم الفساد في القانون التونسي لنقول إن تعريف الفساد تطور منذ 2011، حيثُ أمدنا المرسوم عدد 120 لسنة 2011، بتعريف أول تضمنه الفصل الثاني الذي جاء به: «الفساد: سوء استخدام السُلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية. ويشمل الفساد خاصة جرائم الرِشّْوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص، والاستيلاء على الأموال العمومية، أو سوء التصرف فيها أو تبديدها، أو استغلال النفوذ وتجاوز السلطة، أو سوء استعمالها والإثراء غير المشروع، وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية، وغسل الأموال».

في حين نجد تعريفًا آخر تضمنه القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017، المؤرخ في 07 مارس 2017، والخاص بالتبليغ عن الفساد وحماية المُبلغين وتحديدًا في فصله الثاني حين أقر ما يلي: «الفساد: كل تصرف مُخالف للقانون والتراتيب الجاري بها العمل يُضر أو من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة، وسوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية، ويشمل جرائم الرِشّْوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية، أو سوء التصرف فيها، أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة، أو سوء استعمالها، وجميع حالات الإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال وتضارب المصالح واستغلال المعلومة الممتازة والتهرب الجبائي وتعطيل قرارات السلطة القضائية، وكل الأفعال التي تُهدد الصحة العامة أو السلامة أو البيئة».

من دون شك التعريف الثاني ورد أشمل وأكثر دقة من التعريف الأول مدار المرسوم 120 فضلًا عن كونه أنزل ضمن نص قانوني أعلى قيمة من نص المرسوم، ولكنه مع ذلك يستوجب إبداء الملحوظات التالية:

  1. مسألة الفساد في القطاع الخاص لاتزال مسألة ضبابية، خصوصًا أنه من المعلوم أن جريمة الإرشاء والارتشاء لا تنطبق إلا في القطاع العام وهي لا تُعتبر جريمة أصلًا إذا تعلق الأمر بذوات خاصة.
  2. الأفعال التي قد تُمثل فسادًا وفقًا لمقتضيات التعريف الوارد أعلاه قد لا تكون جرائم أو قد تخرج عن دائرة التجريم ومن هذا المُنطلق قد تجد الهيئة المكلفة بمُكافحة الفساد صعوبة في التعامل معها خارج إطار مقترحات التعديل الموجهة للإدارة.
  3. لم يتطرق المُشرِّع إلى مسألة تمويل الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية مع أنها تُمثل أحد أكثر الإشكاليات الخاصة بالفساد السياسي تعقيدًا.

لنحاول إذن الانكباب على عملية استنطاق لأهم النصوص التشريعية المُتعلقة بمُكافحة الفساد، والتي يمكن تلخيصها وفقًا لتسلسلها الزمني كالآتي:

  • المرسوم عدد 120 لسنة 2011 والمؤرخ في 14 نوفمبر 2011.
  • أمر عدد 1425 لسنة 2012 مؤرخ في 31 أوت/أغسطس 2012، يتعلق بتنقيح وإتمام الأمر عدد 3080 لسنة 2010، المؤرخ في 1 ديسمبر 2010، المُتعلق بإحداث مجالس عليا استشارية.
  • دستور 27 جانفي 2014.
  • القانون الأساسي عدد 77 المؤرخ في 06 ديسمبر 2016 والمُتعلق بالقُطب القضائي الاقتصادي والمالي.
  • القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017، المؤرخ في 07 مارس 2017، والمُتعلق بالتبليغ عن الفساد وحماية المُبلغين.
  • القانون الأساسي عدد 59 لسنة 2017 المؤرخ في 24 أوت/أغسطس 2017، والمُتعلق بالهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومُكافحة الفساد.
  • القانون الأساسي عدد 62 المؤرخ في 24 أكتوبر 2017، والمُتعلق بالمصالحة في المجال الإداري.
  • القانون عدد 46 لسنة 2018، المؤرخ في 01 أوت/أغسطس 2018، المُتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمُكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.
  • قانون أساسي عدد 47 لسنة 2018، مؤرخ في 07 أوت/أغسطس 2018، يتعلق بالأحكام المشتركة بين الهيئات الدستورية المستقلة.

هذا وسوف يكون تناولنا للقوانين المشار إليها أعلاه في سياق جملة من التساؤلات الجوهرية التي سوف تكون محددة في علاقة بالاستراتيجيات التشريعية لمُكافحة الفساد ولذلك سوف نتولى بالدرس تباعًا وعلى ضوء تلك النصوص جملة من المسائل المفصلية التالية:

  1. المبادرة التشريعية فيما يهم مُكافحة الفساد
  2. المسألة المالية
  3. حدود التحقيق والتقصي في شبهات الفساد
  4. مُعضلة عدم تفعيل القوانين
  5. سن قوانين متناقضة مع فلسفة مُكافحة الفساد

المبادرات التشريعية لمُكافحة الفساد:

أكد الدستور التونسي الصادر في 27 جانفي 2014، أن المبادرات التشريعية تصدر حسب صريح الفصل 62 عن ثلاث جهات وهي (رئيس الحكومة، ورئيس الجمهورية، ومجموعة من نواب الشعب لا تقل عن 10 نواب) غير أن المبادرة التشريعية لا تقف عند المعطيات التقنية والإجرائية في تقديمها لمجلس نواب الشعب بل تخضع بالضرورة كذلك إلى منطق لا محيص عنه، ألا وهو تطبيق السياسات التي تبناها واضعوا الدستور نفسه والذين أرادوا قطعًا تمكين الهيئات الدستورية ومنها الهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومُكافحة الفساد من الاستقلالية اللازمة والآليات الضرورية لإجراء مراقبة على الإدارة عمومًا والجهاز التنفيذي على وجه الخصوص.

ولعل أكبر دليل على ذلك ما جاء بالقانون الأساسي للتبليغ عن الفساد وحماية المُبلغين والذي نص صُلب فصله الثاني ضمن تعريفه للمفاهيم على مفهوم الهيكل العمومي الذي يخضع لسلطة رقابية تتولاها هيئة مُكافحة الفساد والذي تضمن تعدادًا للهياكل العمومية تشمل فيما تشمل رئاسة الجمهورية والمؤسسات التابعة لها ورئاسة الحكومة ومختلف الهياكل الخاضعة لها بالداخل والخارج.

المسألة إذن تتعلق بتحديد نطاق تدخُّل هيئة مُكافحة الفساد في مُراقبة حُسن سير الجهاز التنفيذي ومتابعة ما قد يطرأ في دواليبه من شبهات فساد بمعنى أن الجهاز التنفيذي للدولة والذي كان المسؤول الأول عن مُكافحة الفساد أصبح بعد سن دستور 2014، وبعد تدخُل المُشرع الصريح في إطار قانون التبليغ عن الفساد معنيًا بالمراقبة والمتابعة والتقصي الذي بات من علائق الهيئة المستقلة.

طبقًا لهذا التمشي المنطقي والذي يقتضي إحالة صلاحيات من الجهاز التنفيذي إلى الهيئة المستقلة فإنه لا يمكننا أن نتخيل مبدئيًا أن تكون الجهة المبادرة بسن القوانين لتحقيق تلك النتيجة هي ذات الجهة المتضررة نظريًا من سحب صلاحيات كانت بين يديها.

معلوم كذلك أن صاحب المبادرة أو المشروع ينطلق بحظوظ وافرة لتمرير رؤيته بما يحفظ مصالحه وسطوته بما أنه هو الذي يضع الإطار ويرسم حدوده وفلسفته.

الغريب أن ذاك هو بالضبط ما حصل إذ أن جميع المبادرات التشريعية المتعلقة بمُكافحة الفساد على بَكرة أبيها كان مُنطلقها الجهاز التنفيذي ومن ثمة وبطبيعة الحال يفتح الباب على مصراعيه لمحاولة تفخيخ النصوص القانونية المقترحة وزرع الألغام في أهم ما تتناوله حتى تحافظ جهة المبادرة على اليد الطولى في تحريك الخيوط الأساسية في مُكافحة الفساد وما فقدته باليسرى تسترجعه باليمنى.

المسألة المالية:

معلوم أن المال قوام الأعمال، وبالتالي فلا يمكن أن نتخيل هيكلًا مستقلًا يُعنى بمُكافحة الفساد بجميع تفرعاته وأبعاده وهو لا يحتكم على مقدرات مالية تجعل من ميزانيته قادرة على توفير الموارد البشرية اللازمة وتُمكنه من تطبيق استراتيجياته وأهدافه.

ولعل مجرد الإعلان بإقرار مبدأ الاستقلالية الإدارية والمالية للهيئة المكلفة بمُكافحة الفساد لا يكفي لوحده لتحقيق تلك الاستقلالية ضرورة أن الاستقلال المالي حسبما أوردته الاتفاقية الأُممية لمُكافحة الفساد وعززته مجموعة من التجارب المقارنة يقتضي أولًا أن تكون مناقشة بنود ميزانية الهيئة نفسه بمعزل عن تأثير الجهاز التنفيذي بما أنه من العبث أن يتولى هذا الجهاز عن طريق وزير المالية تحديد ميزانية الهيئة، وقد أحدثت هذه المسألة جدلًا واسعًا بمناسبة مناقشة قانون الأحكام المشتركة للهيئات الدستورية أمام مجلس نواب الشعب بعد أن تمسك ممثلو الهيئة لدى سماعهم من قبل اللجنة البرلمانية المختصة بخيارين:

  • إما أن يتم التفكير في إسناد موارد قارة للهيئة تَقْتطع نسبة من مجموع الأموال التي تساهم في استرجاعها لفائدة المجموعة الوطنية أو أي موارد قارة أخرى على غرار اقتطاع نسبة من الصفقات العمومية مثلما هو معمول به في إيطاليا.
  • أو مناقشة الميزانية رأسًا مع اللجنة البرلمانية المختصة ثم تنزيلها بميزانية الدولة دون تدخل الجهاز التنفيذي.

طبعًا واجه موقف الهيئة آنذاك صدًا كبيرًا من الجهة الحكومية التي تمسكت بما اعتبرته ضرورات مراعاة إمكانيات البلاد ومبدأ وحدة الميزانية وتوصلت بالتالي إلى فرض ما ورد بمبادرتها التشريعية من كون ميزانية الهيئة تُناقَش أمام السيد وزير المالية بعد عرض يتلقاه من الهيئة يتضمن مشروعًا للميزانية وبرنامجًا مفصلًا لصرفها ثم تتم إحالتها لمجلس نواب الشعب للمصادقة عليها وإدراجها في الميزانية.

الثابت إذن من خلال ما تقدم هو أن الجهاز التنفيذي لا يستفرد فحسب بالمبادرة التشريعية في علاقة بالنصوص الخاصة بمُكافحة الفساد، بل ويتحكم كذلك في تحديد الميزانية الخاصة بالهيئة المستقلة وأوجه صرفها، بقي أن نُشير في نفس السياق وأن صرف الميزانية بصفة فعلية يبقى خاضعًا لإرادة الطرف الحكومي الذي بإمكانه التقسيط والتلدد إلى ما لا نهاية.

وقد أشار تقرير عن مجلس أوروبا بتاريخ 14 جوان 2017 إلى هذه المعضلة:

En Europe, les agences de lutte contre la corruption sont en général rattachées à un autre organisme (le ministère de la justice ou le ministère de l’économie, des finances et du budget) et ont ainsi des ressources financière provenant du budget de l’Etat. Ceci peut parfois poser des problèmes en matière d’indépendance budgétaire puisque certains hommes politiques craignant les investigations de ces agences contre leur personne peuvent être tentés de limiter leur budget pour limiter leurs possibilités d’action.

حدود آليات التحقيق والتقصِّي في شُبهات الفساد:

لا يختلف اثنان حول أهمية أعمال التقصي والتحقيق في شبهات الفساد باعتبارها آلية ناجعة لمُكافحة الفساد وضمان عدم الإفلات من العقاب يتولاها الهيكل المُستقل المُحدث للغرض، وقد عرف المسار التشريعي التونسي إثر الثورة مرحلتين الأولى أطرها المرسوم 120 المُنظم لعمل الهيئة الوطنية لمُكافحة الفساد، والثانية مدارها القانون الأساسي عدد 59 المُنظم لعمل الهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومُكافحة الفساد.

المرحلة الأولى: التقصِّي في ظل المرسوم 120

مَكَّن المرسوم المُحدَّث للهيئة الوطنية لمُكافحة الفساد هذه الأخيرة من جهاز خاص يُسمى جهاز الوقاية والتقصِّي والذي تناولته الفصول من 22 إلى 33 وتتمثل مهمة هذا الجهاز خصوصًا فيما أقره صراحة الفصل 31 الذي نص على ما يلي: «يتعهد جهاز الوقاية والتقصِّي بالبحث في جرائم الفساد. ويتولى في هذا الإطار تجميع المعلومات والوثائق والشهادات التي من شأنها أن تمكن من تقصِّي الحقيقة بخصوص شُبهة ارتكاب جرائم فساد من قبل أي شخص مادي أو معنوي عام أو خاص أو أي تنظيم أو جمعية أو هيئة، مهما كانت طبيعتها والتثبت في المعلومات والوثائق المُجمعة ومدى صحتها قبل إحالتها على السلط القضائية المختصة قصد تتبع مرتكبي هذه الجرائم. ولها أن تقوم بأعمال التفتيش وحجز الوثائق والمنقولات بكل المحلات المهنية والخاصة التي ترى ضرورة تفتيشها وذلك دون إجراء آخر. وتعتمد المحاضر والتقارير التي يُحررها جهاز الوقاية والتقصي عند مباشرة أعمال التقصي في جرائم الفساد حُججًا لا يمكن الطعن فيها إلا بالزور”.

المُثّلج للصدر على هذا المستوى هو أن المرسوم 120 كان واضحًا في تمكين جهاز التقصي التابع للهيئة من جميع آليات الضابطة العدلية التي تُمكنه من الاضطلاع بمهامه في التقصِّي وتكوين الملفات، كما أعطى لمحاضره قوة ثبوتية تجعل منها حُججًا لا يُطعن فيها إلا بالزور فضلًا على كونه، وهو الأهم حسب تقديري، أخرجه من الخضوع وظيفيًا إلى وكيل الجمهورية بعد أن مكَّنه من ضابطة عدلية أصلية يتسنى له بممارستها إتمام جميع الأعمال التي تقتضيها الأبحاث المنشورة لديه، بما في ذلك عمليات الحجز والتفتيش ومن ثمة إحالة الملف جاهزًا للسيد وكيل الجمهورية للقيام بما يراه صالحًا في علاقة بإحالة الملف على جهة قضائية أو حفظه.

ولكن المُحزن في الوقت نفسه أن هذا الجهاز الذي من المفروض أن يتم إحداثه بمقتضى أمر حكومي حسب صريح الفصل 22 من المرسوم لم يتم سنُّه إلى حين كتابة هذه الأسطر رغم مرور أكثر من 7 حكومات ورغم توسل الهيئة الوطنية لمُكافحة الفساد في الكثير من المناسبات.

المرحلة الثانية: التقصِّي في ظل أحكام القانون الأساسي عدد 59 المُتعلق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومُكافحة الفساد

شهد هذا القانون تراجعًا خطيرًا عن النص الأول إذ أنه نسف كل استقلالية ممكنة للهيئة تجاه الجهاز التنفيذي بأن جعل أعوان قسم مُكافحة الفساد أصحاب ضابطة عدلية فرعية وتحت إشراف مباشر لوكيل الجمهورية الذي ليس سوى مأمور لدي السيد وزير العدل عضو الحكومة المعنية بالمراقبة.

الوضعية بالفعل سريالية فقد نص الفصل 19 في إطار ممارسة أعوان قسم مُكافحة الفساد لمهامهم، يكون لهم الاضطلاع بوظائف الضابطة العدلية طِبقًا لمجلّة الإجراءات الجزائية ولأحكام هذا القانون، ويتولون بصفتهم مأموري ضابطة عدلية وتحت إشراف السلطة القضائية المختصة تلقّي الشهادات وجمع المعلومات والأدلة، كما يمكنهم القيام بعمليات التفتيش وحجز الوثائق والمنقولات والمعدات وتحرير المحاضر والتقارير، مع إمكانية الاستعانة بالقوة العامة، يمكن لأعوان هذا القسم إذا ثبت لديهم بمناسبة مباشرتهم لمهمّة التقصِّي في ملف، وجود شبهة فساد في ملف آخر، القيام بالحجز بإذن من السلطة القضائية.

الأمر أصبح واضحًا ذلك أن صلاحيات التقصِّي المُستقلة التي كانت لدى الهيئة ولو نظريًا تلاشت بموجب النص القانوني الجديد والذي بالرغم من الطعن فيه بعدم الدستورية لضربه الواضح لمبدأ الاستقلالية فقد قدرت الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين أن ذلك النص لا تثريب عليه واعتبرت أن القضاء هو الوحيد الحامي للحقوق والحريات وبالتالي فلا مجال لخروج الأبحاث أيًا كانت عن رقابة القضاء، المُحصلة إذن أن أعوان قسم التنفيذ بالهيئة سوف يقومون بوظائفهم تمامًا مثلما يتولاها مأمورو الضابطة العدلية المنصوص عليهم بالفصل 9 من مجلة الإجراءات الجزائية.

نسف القانون الأساسي عدد 59 المتعلق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد كل استقلالية ممكنة للهيئة تجاه الجهاز التنفيذي بأن جعل أعوان قسم مُكافحة الفساد أصحاب ضابطة عدلية فرعية وتحت إشراف مباشر لوكيل الجمهورية الذي ليس سوى مأمور لدي السيد وزير العدل عضو الحكومة المعنية بالمراقبة.

المسألة كارثية خصوصًا أن مؤسسة وكالة الجمهورية تشكو حسب النظام الإجرائي الجزائي التونسي من معضلات كبيرة يمكن تلخيصها فيما يلي:

حالة الفصل 20 م إ ج

إنَّ كشف حقيقة الفساد والجرائم المحيطة به يدخل في إطار إثارة الدعوى العمومية وممارستها وهو اختصاص حصري ومُطلق للنيابة العمومية في هذا المجال إذ أنّه من المعلوم أنّ وكيل الجمهورية يُثير الدعوى العمومية ويمارسها (الفصل 20) فهو صاحب تلك السلطة سواء كانت مسبوقة بشكاية أو تمت في إطار جرائم التلبس. وهي سلطة لا يحدّها إلا ما أقرّه المشرّع للمتضرّر في القيام على المسؤولية عند اتخاذ قرار في الحفظ، بمعنى أنّ وكيل الجمهورية بصفته صاحب السلطة الأصلية في التتبع يحق له اتخاذ قرار في الإحالة على قلم التحقيق أو على الدوائر الجناحية كما يحق له اتخاذ قرار في الحفظ.

ففي الحالة الأولى أي الإحالة يُصبح من حق المُتضرر القيام بالحق الشخصي حفاظًا على حقوقه المدنية أمام الدوائر المختصة. أمّا في الحالة الثانية أي الحفظ، فإن المُتضرر يُمارس حقّه في القيام بالحق الشخصي عن طريق القيام على المسؤولية الخاصّة. ففي هذه الحالة، ورغم اتخاذ قرار في الحفظ من طرف وكيل الجمهورية، فإنه يتمّ مواصلة النظر في القضية بقطع النظر عن قراره.

لكن السؤال يُثار عندما تختار النيابة العمومية إزاء شكاية اتخاذ موقف سلبي بالامتناع عن اتخاذ أي موقف، ففي هذه الحالة، لا يتم التتبع ولا يُتخذ قرار في الحفظ يسمح بالقيام على المسؤولية الخاصة.
لم تُحدد مجلة الإجراءات الجزائية التونسية طريقة التعامل مع امتناع النيابة العمومية عن البتّ، ذلك أنّها لم تُقيّد قرارها بأيّ أجل، ولم تجعل من سبيل للطعن فيه لا بالاعتراض ولا بالاستئناف ولا بإعادة النظر ولا بأي طريقة أخرى.
إنّ وكيل الجمهورية صاحب السلطة الأصلية في التتبع يملك إزاء مشتكى به صاحب نفوذ أو سلطة مخرجًا تشريعيًا في عدم إثارة التتبعات ضده، فاتحًا له الطريق للإفلات من العقاب بالنظر إلى الآجال القانونية لسقوط حق التتبع حتى أثناء نشر الشكاية (الفصل 6 إ ج)
ولقد انتبهت بعض التشريعات الجزائية المقارنة لهذا الخلل في الإجراءات بأن قيّدت سلطة إثارة التتبعات أو الحفظ التي يملكها وكيل الجمهورية بأجل ستة أشهر أو عام من تاريخ تقديم الشكاية فإذا لم يتخذ وكيل الجمهورية قراره بالتتبع أو الحفظ في الأجل المذكور فإنّ ذلك يفتح للمتضرر باب القيام على المسؤولية الخاصة مُنهيًا بذلك مسار الإفلات التشريعي من العقاب.

حالة الفصل 31:

اختار النظام الإجرائي الجزائي التونسي أن يُمكّن وكيل الجمهورية عند تعهده بشكاية غامضة غير محددة الأطراف والوقائع أن يُباشر أبحاثًا بواسطة أحد حُكّام التحقيق دون أن يكون هنالك بحث قانوني بالمعنى الإجرائي للكلمة. إذ اعتبر الفصل 31 أنّه «لوكيل الجمهورية إزاء شكاية لم تبلغ حد الكفاية من التعليل أو التبرير أن يطلب إجراء بحث مؤقت ضد مجهول بواسطة حاكم التحقيق إلى أن توجه تهم أو تصدر عند الاقتضاء طلبات ضد شخص معين».

ففي الحالات العادية، يفتح وكيل الجمهورية بحثًا تحقيقًا يعهد به إلى أحد حُكام التحقيق الراجعين له بالنظر الذي يُصبح بداية من تلك اللحظة حرًا في اتخاذ القرارات سواء في السماع أو في الأبحاث أو في الحجز أو التفتيش أو الإحالة أو الحفظ وهو ما اقتضاه الفصل 51 م إ ج ونصه «تعهد القضية بصفة لا رجوع فيها لحاكم التحقيق بمقتضى قرار في إجراء بحث» فالفرق بين حالة الفصل 31 وحالة الفصل 51 أنّ حاكم التحقيق في الحالة الأولى محدود السلطة مُقيد اليد خاضع في كلّ أعماله لوكيل الجمهورية وسلطته في حين أنّه في الحالة الثانية المنصوص عليها بالفصل 51 سيد القرار وصاحب السلطة بعد إحالة الملف إليه بطريقة لا رجوع فيها.

ويمكن اعتبار الفصل 31 م إ ج مدخلًا للإفلات التشريعي من العقاب للأسباب التالية:

أنَّ البحث فيه مؤقت وضد مجهول، أي أنَّ حاكم التحقيق لا حقَّ له في تحديد المتهمين ولا سلطة له في اختيار التُهم، إذ أنّه يتصرف تحت إمرة وكيل الجمهورية كأنّه أحد مساعديه.
أنَّ قرار فتح البحث لا يتضمّن تهمًا بعينها ضدّ متّهمين بعينهم وهو ما ينسف مجلة الإجراءات الجزائية خاصة من حيث المراكز القانونية إذ لا وجود لمُتّهم ولا مُتضرّر ولا لدعوى عموميّة. بمعنى أنّ الشكاية التي انطلقت من أشخاص معيّنين ضدّ متهمين بعينهم انتفت وغابت وانتهى أثرها القانوني وتحوّلت إلى مجرّد ورقة من أوراق القضية. بمعنى أنّها لا تسمح لأصحابها ولو بالاطّلاع على الأبحاث ولا تقديم الشهود والمؤيدات.
أنَّ الفصل 31 يحمي المشتكى بهم بأن يحوّلهم إلى شهود عند سماعهم من طرف حاكم التحقيق الذي لا يحق له وفق هذا النصّ الإجرائي سماعهم كمتهمين.
أنَّ حاكم التحقيق غير مُقيَّد بأجل لإنهاء مهامّه وإعادة عرض الملف على النيابة العمومية إذ يمكن لهذه الأبحاث الأولية أن تمتدّ لسنوات دون أن تصل إلى نتيجة. وطالما أنّ أطراف الدعوى العموميّة لا يحقّ لهم تقديم أي وثائق أو شهود أو طلبات، فأغلب تلك الأبحاث تؤول إلى الحفظ.

حالة الفصل 49:

يملك وكيل الجمهورية بموجب الفصل (49 م إ ج) سلطة لا رقابة عليها في اختيار أحد حكام التحقيق المنتصبين بدائرته ليعهد له بالأبحاث. وهذه الحرية في الاختيار لا تقبل الطعن فيها إلا وفق قاعدتين:
إذا كانت الجريمة من أنظار محكمة استثنائية، فإنّ حاكم التحقيق يجري ما كان متأكّدًا من الأعمال ثم يتخذ قرارًا في التخلي (فق 2 ف 52)
إذا تمّ الطعن بخروج القضية عن أنظار حاكم التحقيق وهي حالة نادرة نصّ عليها الفصل 75 من نفس المجلة.

فالقاعدة إذا أنّ وكيل الجمهورية حُرّ في اختيار حاكم التحقيق الذي يراه. فإذا كانت هناك قضية تعهَّد بها حاكم تحقيق بعينه، لها علاقة بقضايا أخرى أُحيلت إلى غيره من حُكّام التحقيق، فإنّ أعماله في القضية التي تعهَّد بها ستظلّ ناقصة طالما أن الحقيقة تمّت تجزئتها على عدد من حُكّام التحقيق. وليست هناك قاعدة إجرائية تنظِّم الاطّلاع الآلي لأعمال حكّام التحقيق بينهم حتى يكونوا على علم بالقضايا المنظورة. ولذلك يُمكن اعتبار أنّ الحُرية المطلقة المُسندة لوكيل الجمهورية في اختيار حُكَّام التحقيق يمكن اعتبارها مدخلًا للإفلات التشريعي من العقاب.

مُعضلة عدم تفعيل القوانين:

سبق أن أشرنا أعلاه إلى مُعضلة المُعضلات والتي تتمثل في إحجام الحكومات المتعاقبة إثر الثورة عن إصدار أمر تعيين لأعضاء جهاز التقصِّي الوارد في الفصل 22 من المرسوم عدد 120 المُنظم لعمل الهيئة والساري المفعول إلى حد الآن والذي رفع يد الهيئة فعليًا عن كل عمل تقصِّي جدِّي وفعَّال يرمي إلى الكشف عن مواطن الفساد وإعداد ملفات مؤيدة بالقرائن والبراهين والحجج الرسمية كانت ستُفضي حتمًا إلى إجبار النيابة العمومية على إحالتها على جهة قضائية (تحقيق أو محاكمة بحسب تكييف الأفعال المنسوبة للمشتبه فيهم)، ولكن وبمفعول ذلك الإحجام أصبحت الهيئة تكتفي بالتقصي بما تسمح به إمكانياتها الإجرائية أي في نهاية المطاف صارت الهيئة تتحرك تحت سقف الفصل 30 من مجلة الإجراءات الجزائية. الذي ينص على ما يلي «وكيل الجمهورية يجتهد في تقرير مآل الشكايات والإعلامات التي يتلقاها أو التي تنهي إليه». وصارت قانونًا في نفس مرتبة أي شخص طبيعي بلغ إلى علمه ارتكاب جرم فقام بالتبليغ عنه لتبقى كل الإمكانيات الإجرائية متاحة للنيابة العمومية لإثارة الدعوى ومباشرتها على النحو الذي تراه.

غير أن مسألة عدم تفعيل القوانين ليست مجرد حادثة معزولة ذلك أن أمثلة أخرى يُمكن أن تقودنا إلى الجزم بأن الأمر يتعلق بسياسة ممنهجة في تقليم الأظافر والتحكم في النسق والمآلات.

أمر عدد 1425 لسنة 2012، مؤرخ في 31 أوت/أغسطس 2012، يتعلق بتنقيح وإتمام الأمر عدد 3080 لسنة 2010، المؤرخ في 1 ديسمبر 2010، المُتعلق بإحداث مجالس عليا استشارية.
أحدث هذا الأمر الحكومي مجلسًا استشاريًا يُسمى «المجلس الأعلى للتصدِّي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرف فيها» ذو تركيبة رفيقة المستوى مُشتركة بين الحكومة (7 وزراء) والهيئات واللجان المعنية مع إمكانية انفتاحها على المجتمع المدني مثلما أقره الفصل 25 ثالثًا، الذي حدد تركيبة المجلس على النحو التالي:
«يتركّب المجلس الأعلى للتصدي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرف فيها من الأعضاء الآتي ذكرهم:

أحدث هذا الأمر الحكومي مجلسًا استشاريًا يُسمى «المجلس الأعلى للتصدِّي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرف فيها» ذو تركيبة رفيقة المستوى مُشتركة بين الحكومة (7 وزراء) والهيئات واللجان المعنية مع إمكانية انفتاحها على المجتمع المدني مثلما أقره الفصل 25 ثالثًا، الذي حدد تركيبة المجلس على النحو التالي:
«يتركّب المجلس الأعلى للتصدي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرف فيها من الأعضاء الآتي ذكرهم:

الوزير لدى رئيس الحكومة المُكلف بالحوكمة ومقاومة الفساد.

  • وزير العدل.
  • وزير الداخلية.
  • وزير الشؤون الخارجية.
  • الوزير المُكلف بحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية.
  • الوزير المُكلف بأملاك الدولة والشؤون العقارية.
  • وزير المالية.
  • رئيس الهيئة الوطنية لمُكافحة الفساد.
  • رئيس اللجنة الوطنية لاسترجاع الأموال الموجودة بالخارج والمُكتَسبة بصورة غير شرعية.
  • رئيس اللجنة الوطنية لمصادرة أموال وممتلكات منقولة وعقارية.
  • رئيس اللجنة الوطنية للتصرف في الأموال والممتلكات المعنية بالمُصادرة أو الاسترجاع لفائدة الدولة.
  • خمسة نواب عن المجلس المُكلف بالسلطة التشريعية يتم تعيينهم باقتراح منه.

ويمكن لرئيس المجلس أن يدعو عند الحاجة كل شخص يرى فائدة في حضوره الأشغال وكذلك كل هيئة أو منظمة أو جمعية معنية، باقتراح من الوزير المُكلف بقطاع نشاطها.
أسندت لها جملة من المهام عدَّدها الفصل 25 مكرر من الأمر والذي نص على ما يلي:

«يُكلف المجلس الأعلى للتصدي للفساد واسترداد أموال وممتلكات الدولة والتصرّف فيها، خاصة بما يلي:

  • متابعة وتنسيق أعمال مُختلف اللجان والهياكل الوطنية المُكلّفة بمصادرة واسترجاع والتصرّف في الأموال والممتلكات المنقولة والعقارية المكتسبة بطرق غير شرعية الراجعة للدولة، سواء منها تلك الموجودة داخل البلاد أو خارجها.
  • مُتابعة نتائج أعمال الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد.
  • اقتراح الآليات القانونية الكفيلة بتيسير مهامّ تلك اللجان والهياكل وتقديم الدعم اللاّزم لاستحثاث نُسق عملها في إطار من الفعالية والنجاعة.
  • تقديم التوجيهات والتوصيات اللازمة قصد تطوير أدائها في نطاق المهام الموكولة لكلّ واحدة منها.
  • اقتراح الحلول الكفيلة بحُسن التصرّف في الأموال والممتلكات التي تمّت مُصادرتها، من حيث التفويت فيها واستغلالها أو تنمية استثمارها

هذا المجلس الذي أُوكلت له مهمة تنسيق جهود كافة المتدخلين في هذا الملف الحارق بقي للأسف الشديد حبرًا على ورق ولم يجتمع سوى في مناسبتين ترجع آخرهما إلى سنة 2013، كما أنه لم ينشر ولو تقرير واحد ولم تصدر عنه حتى توصية يتيمة، الأمر الذي يعني بداهة عدم رغبة الجهاز التنفيذي في تفعيل هذا المجلس أصلًا.

القانون الأساسي عدد 77 المؤرخ في 06 ديسمبر 2016 والمُتعلق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي:

يُعتبر هذا القانون مطلبًا ملحًا لجميع المتدخلين في مجال مُكافحة الفساد نظرًا لأن جرائم الفساد المالي على سبيل التحديد جرائم مُتشعِّبة وعابرة للحدود وتحتاج تبعًا لذلك كفاءات مُتعددة وتخصص في أكثر من مجال حتى يتم تفكيك شفرتها وإعداد الملفات القضائية الخاصة بها هذا بالإضافة إلى المردودية المالية لهذا النوع من الملفات.

وقد نص القانون الأساسي الخاص بالقُطب القضائي الاقتصادي والمالي صراحة على هذا التمشي بالفصل الأول الذي أقر ما يلي: «يحدث لدى محكمة الاستئناف بتونس قطب قضائي اقتصادي ومالي يختص بالبحث والتتبع والتحقيق والحكم في الجرائم الاقتصادية والمالية المتشعبة على معنى هذا القانون وفي الجرائم المرتبطة بها وذلك بالطورين الابتدائي والاستئنافي».

المهم في هذا القانون هو تجميع القضايا الخطيرة الخاصة بالفساد المالي في قطب قضائي وحصر التعهد بها دون غيرها بالنسبة للسادة قضاة التحقيق ولكن الأهم من كل ذلك هو ما جاء بفصله السابع وهو التالي:

الفصل 7 يشمل القطب القضائي الاقتصادي والمالي قسمًا فنيًا يضُم مساعدين فنيين مُختصين. وتضبط الاختصاصات الفنية للمُساعدين المُختصين وشروط وإجراءات انتدابهم وتأجيرهم بمُقتضى أمر حكومي.

هذا التكريس التشريعي للحل الأنجع في التصدي للجرائم الاقتصادية في ظل اقتصاد أكثر من نصفه اقتصاد موازي ومبني على التهريب والتهرب الضريبي حاز على رضا واسع في كل الأوساط الحقوقية، فالسادة القضاة سوف يكون على ذمتهم قسم فني متفرغ في الاختصاصات المطلوبة كالجباية والمحاسبة والديوانة والتجارة الدولية. وسوف يتم بالضرورة تسريع وتيرة البت في الملفات والتحقيق فيها إلا أنه وإلى حد الآن لم يصدر الأمر الحكومي الضروري للانطلاق في تكوين القسم الفني الذي بدونه لن يتغير شيء في تعهد القضاء بملفات فساد الحيتان الكبيرة.

القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 المؤرخ في 07 مارس 2017 والمُتعلق بالتبليغ عن الفساد وحماية المُبلغين:
بالإضافة إلى عدم صدور أي من الأمرين الحكوميين الواردين في نص القانون وتحديدًا:
الفصل 3: الخاص بالأمر المحدد للشروط والحوافز التي تُمنح للهيكل العمومي الذي يستجيب للممارسات الفضلى المُتعارف عليها وطنيًا ودوليًا في مجال التوقي من الفساد ومنع حدوثه.
الفصل 29: الخاص بالأمر الحكومي الذي يحدد أليات وصيَّغ ومعايير إسناد المكافأة للمبلغ وهو ما يقوم دليلًا على أن الجهاز التنفيذي لا رغبة له في التشجيع الفعلي على مُكافحة الفساد.
فإن هذا القانون لا يُمكن أن تكون له أي فاعلية مرجوة إلا بالتزام الإدارة أي مجمل الهياكل العمومية المتداخلة والتي أشار إليها حصرًا الفصل الثاني منه بالتعامل مع الهيئة المستقلة لمُكافحة الفساد وتطبيق مقتضيات الفصل 7 من القانون الذي ينص على ما يلي: يتعيّن على كل هيكل عمومي خاضع لأحكام هذا القانون، تحديد الهيكل الإداري المُختص داخله، بتلقي الإبلاغ عن شبهات الفساد المُحالة إليه من قبل الهيئة والبحث فيها. ويشار إليه فيما يلي بـ»الهيكل الإداري المختص».
كما يتعين على كل هيكل عمومي خاضع لأحكام هذا القانون أن يوجِه إلى الهيئة في ظرف شهرين من تاريخ نشر هذا القانون بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية أرقام الهاتف والفاكس والبريد الإلكتروني الخاص بالهيكل الإداري المختص ونشرها على الموقع الإلكتروني الخاص به.
ويُعتبر الفصل 7 المشار إليه القلب النابض لهذا القانون بحيث أن تعاطي الهيئة مع التباليغ التي تتلقاها يمرُ حتمًا عبر مرحلة تمكين الإدارة أو الهيكل العمومي المعني من البحث والتقصي حول شُبهة الفساد المُثارة ووفقًا للإجراءات والآجال الواردة بالقانون غير أن التجربة والتطبيق الميداني أظهرا من دون أدنى شك تمردًا من قبل الهياكل العمومية في الالتزام بمقتضيات الفصل 7 ذلك أنه ومن جملة أكثر من 1200 هيكل عمومي معني لم تتوصل الهيئة الوطنية لمُكافحة الفساد سوى بـ78 مراسلة تتضمن تحديدًا للهيكل الإداري المختص المعني بتلقي التباليغ والبحث فيها.
ولعله من الغريب أن نلاحظ سكوت وإهمال الجهاز التنفيذي وتحديدًا مصالح رئاسة الحكومة التعاطي بجدية مع هذه المعضلة التي يتوقف عليها تنفيذ القانون وعدم حثها لمرؤوسيها من الهياكل العمومية على تطبيق القانون وذلك رغم مطالبة الهيئة مرارًا وتكرارًا باتخاذ الإجراءات الكفيلة بتفعيل الفصل 7 المذكور خصوصًا وقد نص الفصل 15 من دستور جانفي/يناير 2014، صراحة على ما يلي: «الإدارة العمومية في خدمة المواطن والصالح العام، تُنظِّم وتعمل وفق مبادئ الحياد والمساواة واستمرارية المرفق العام ووفق قواعد الشفافية والنزاهة والنجاعة والمساءلة»
بقي أن نلاحظ كذلك وعلى مستوى آخر ما أثاره القانون من نقص فادح في إجراءات الحماية الخاصة بقطع العلاقات الشغلية للمبلغين وذلك لعدم وجود أي تناسق بين قانون حماية المُبلغين ومجلة الشغل من ناحية وقانون الوظيفة العمومية من ناحية أخرى، كما أن الآجال التي يفرضها القانون قصيرة جدًا وبالتالي تُثقِّل كاهل الهيئة خاصة مع كسرة المهام الموكولة لها.
المحصلة إذن أن حماية المبلغ عن أفعال تكون شبهات فساد مازالت هشَّة ولا تفي بالغرض.
القانون عدد 46 لسنة 2018 المؤرخ في 01 أوت 2018 المُتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمُكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح:
سبق أن خصصتُ مقالًا نُشِرَ على الموقع الإلكتروني لمركز دعم حول هذا القانون تحديدًا والذي تضمن بدوره جملة من الأوامر الحكومية التي من المفروض أن تصدُر في آجال معقولة إثر نشر هذا القانون بالرائد الرسمي.
وحتى لا نرجم بالغيب لننتظر ما تيسر حتى نتمكن من الحكم في خصوص تفعيل هذا القانون غير أنه من الثابت قطعًا وأن الهيكلة المنصوص عليها بقانون الهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومُكافحة الفساد سوف تجد صعوبات كبيرة في تطبيق مُقتضيات هذا النص نظرًا لحجم المهام المنوطة بعهدتها وتشعبها خاصة أمام العدد الهائل للمطالبين بالتصريح بالمكاسب والمصالح، يرجى الاطلاع على المقال المنشور بموقع دعم تحت عنوان «قانون من أين لك هذا .. بين الإنجاز والإعجاز»

المُتأمل للوضع التونسي فيما يهم ملف مُكافحة الفساد يُمكنه أن يتفهم دون عناء إحجام الجهاز التنفيذي عن إصدار قوانين تؤطر المنظومة الاقتصادية وتتصدى للتهريب والتهرب الجبائي والاقتصاد الموازي

سنْ قوانين مُتناقِضة مع فلسفة مُكافحة الفساد

المُتأمل‭ ‬للوضع‭ ‬التونسي‭ ‬فيما‭ ‬يهم‭ ‬ملف‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬يُمكنه‭ ‬أن‭ ‬يتفهم‭ ‬دون‭ ‬عناء‭ ‬إحجام‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفيذي‭ ‬عن‭ ‬إصدار‭ ‬قوانين‭ ‬تؤطر‭ ‬المنظومة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتتصدى‭ ‬للتهريب‭ ‬والتهرب‭ ‬الجبائي‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الموازي‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬قانون‭ ‬يقضي‭ ‬باعتماد‭ ‬الحوكمة‭ ‬المفتوحة‭ ‬والحكومة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬تجميع‭ ‬قواعد‭ ‬البيانات‭ ‬لدعم‭ ‬شفافية‭ ‬المرفق‭ ‬العام‭ ‬وتطوير‭ ‬طرق‭ ‬المراقبة‭ ‬أو‭ ‬قانون‭ ‬يقضي‭ ‬بتغيير‭ ‬العُملة‭ ‬المتداولة‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬التعاملات‭ ‬المالية‭ ‬النقدية‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬والتشريعات‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬غالبية‭ ‬الديمُقراطيات‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬ظاهرة‭ ‬الفساد،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يستعصى‭ ‬على‭ ‬الإدراك‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬يتبجح‭ ‬به‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفيذي‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬على‭ ‬الفساد‭ ‬هو‭ ‬إقدامُه‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬قانون‭ ‬أساسي‭ ‬أُطلق‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬المُصالحة‭ ‬الإدارية‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬القانون‭ ‬الأساسي‭ ‬عدد‭ ‬62‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬أكتوبر‭ ‬2017‭ ‬والمُتعلق‭ ‬بالمُصالحة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الإداري‭ ‬وهو‭ ‬نص‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬عفو‭ ‬تشريعي‭ ‬عام‭ ‬خصَّ‭ ‬الموظفين‭ ‬العموميين‭ ‬وشبَّههُم‭ ‬ممن‭ ‬تورطوا‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬الفصول‭ ‬82‭ ‬إلى‭ ‬96‭ ‬من‭ ‬المجلة‭ ‬الجزائية‭ ‬ويشمل‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬محل‭ ‬تتبع‭ ‬كما‭ ‬يشمل‭ ‬من‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬حقه‭ ‬حُكم‭ ‬جزائي‭ ‬بات‭.‬

وقد‭ ‬برر‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬ضرورة‭ ‬سنِّه‭ ‬بالقول‭ ‬إنه‭ ‬سوف‭ ‬يُعيد‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬ويُحرر‭ ‬مبادرتها‭ ‬وينهض‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬ويُحقق‭ ‬المصالحة،‭ ‬والحال‭ ‬أنه‭ ‬سوف‭ ‬ينسف‭ ‬مسار‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬نص‭ ‬عليها‭ ‬الدستور‭ ‬وسوف‭ ‬يُكرس‭ ‬تشريعيًا‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬ويُعتبر‭ ‬تدخلًا‭ ‬في‭ ‬سير‭ ‬القضاء‭.‬

ورغمًا‭ ‬عن‭ ‬طعن‭ ‬40‭ ‬نائبًا‭ ‬في‭ ‬دستورية‭ ‬ذلك‭ ‬القانون‭ ‬وتبريرهم‭ ‬لذلك‭ ‬بمخالفة‭ ‬13‭ ‬نصًا‭ ‬دستوريًا‭ ‬فإن‭ ‬الهيئة‭ ‬الوقتية‭ ‬لمراقبة‭ ‬دستورية‭ ‬القوانين‭ ‬أحجمت‭ ‬عن‭ ‬البت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الطعن‭ ‬متحججة‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يتوفر‭ ‬لديها‭ ‬الأغلبية‭ ‬المطلوبة‭ ‬لإصدار‭ ‬قرارها‭ ‬في‭ ‬الغرض‭ ‬وقامت‭ ‬بإحالة‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬الذي‭ ‬تولى‭ ‬ختمه‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬أثاره‭ ‬ذلك‭ ‬القانون‭ ‬من‭ ‬استنكار‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭.‬

الخُلاصة‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬بسطه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفيذي‭ ‬برأسيه‭ ‬سواء‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬تضمنته‭ ‬خطاباتهم‭ ‬العامة‭ ‬من‭ ‬اعتبار‭ ‬التصدي‭ ‬للفساد‭ ‬ومكافحته‭ ‬أحد‭ ‬أوكد‭ ‬الأولويات‭ ‬فإن‭ ‬التدقيق‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬التشريعي‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬والولوج‭ ‬إلى‭ ‬تفاصيله‭ ‬أين‭ ‬تكمن‭ ‬الشياطين،‭ ‬يجعلنا‭ ‬وبكامل‭ ‬الموضوعية‭ ‬نتخلص‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفيذي‭ ‬كان‭ ‬دائم‭ ‬السعي‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬باليد‭ ‬الطولى‭ ‬في‭ ‬خصوص‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬سنها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬معفية‭ ‬من‭ ‬تفخيخها‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬إعلانات‭ ‬للتسويق‭ ‬الإعلامي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬قوانين‭ ‬فعالة‭ ‬وناجزة‭ ‬في‭ ‬مُكافحة‭ ‬الفساد‭.‬

الطريق‭ ‬إذن‭ ‬مازالت‭ ‬طويلة‭ ‬ومليئة‭ ‬بالمطبات‭ ‬حتى‭ ‬تصير‭ ‬المنظومة‭ ‬التشريعية‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الحرب‭ ‬المعلنة‭ ‬على‭ ‬الفساد‭.‬

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
Skip to content