العدالة الانتقاليّة في ليبيا : مسارات مُتعثِّرة مع غياب الرُؤية المُجتمعية والإرادة السياسية

مروان الطشاني
مروان الطشانيخبير حقوقي وباحث قانوني
Read More

تمهيد

من الصعب الحديث عن العدالة الانتقاليّة ومساراتها في بلد مثل ليبيا مر بعدة نزاعات مسلحة وعلى فترات مختلفة وتتعدد فيه الحكومات والسلطات التشريعية والمجموعات المسلحة، بالرغم أن ليبيا لم تعرف النزاع المسلح الداخلي ولا الحرب الأهلية في تاريخها الحديث منذ استقلالها سنة 1951م، ورغم الطابع المُسلح الذي صاحب عملية التغيير والثورة في ليبيا سنة 2011م وما بعدها، إلا أن هذا لم يمنع في البداية أن تكون هناك عملية تحول ديمقراطي مبشرة، ففي سنة 2012 أقيمت أول انتخابات ديمقراطية في ليبيا أسست سلطة تشريعية وتنفيذية وبدأت الأمور تتجه نحو الاستقرار، إلا أن المسار الديمقراطي تعثر لمصلحة المسار العسكري مما نتج عنه أزمة دستورية في البلاد وازدواجية السلطة التشريعية والتنفيذية فيها.

ومن الطبيعي أن أي مرحلة تحول ديمقراطي أو تغيير في النظام السياسي يستلزم بالضرورة أن يكون هناك مسارًا تشريعيًا ومجتمعيًا وسياسيًا للعدالة الانتقاليّة، التي تساهم في دعم التحول الديمقراطي من خلال الكشف عن الحقيقة وجبر الضرر والمحاسبة والإصلاح المؤسسي وصولًا إلى مصالحة وطنية حقيقية تساهم في معالجة التصدع المجتمعي وتدفع البلاد باتجاه الاستقرار والتنمية.

لكن في ليبيا عجزت السلطات المتعاقبة عن تبني مشروع حقيقي للعدالة الانتقاليّة قائم على ركائز ثابتة وإن برزت بعض المحاولات الخجولة التي لم تنجح في وضع العجلة على السكة وكانت العشوائية والتخبط وغياب الإرادة السياسية من أبرز مزايا مسار العدالة الانتقاليّة.

تشريعات المجلس الانتقالي المؤقت “بداية مُتعثرة”

كانت البداية مع المجلس الوطني الانتقالي المؤقت وهو أول سلطة سياسية توافقية بعد الثورة وإن كانت غير منتخبة لكن كان لها سبق المبادرة وفي مرحلة مبكرة جدًا في إصدار أول تشريع للعدالة الانتقاليّة بتاريخ 2/26/2011م وهو القانون رقم 17 لسنة 2012م في شأن إرساء قواعد المصالحة الوطنية والعدالة الانتقاليّة والذي جاء في 18 مادة، وكان عبارة عن مقترح من وزارة العدل عبر لجنة خبراء، ولم يُعرض للمناقشة على المجتمع المدني ولا الضحايا، وحقيقة كان قانونًا عاجزًا غير قادر على مواجهة التركة الثقيلة من الانتهاكات التي أورثها النظام السابق وأيضًا لم يتمكن من معالجة الانتهاكات الحديثة التي عاصرت مرحلة الثورة والتغيير، إضافة لتجاوزه مسألة الإصلاح المؤسسي وعدم النص عليها مطلقًا.

وكان مُهمًا في هذا القانون إنشاء هيئة تقصي الحقائق والمصالحة إلا أن تشكليها الذي جاء قضائيًا خالصًا ولم تُمثل فيه المرأة ولا الشباب ولا الأقليات ولا الضحايا مما جعل الهيئة تولد عاجزة ومكبلة وغير قادرة على التعاطي مع واقع معقد.
وبالفعل لم يكن للقانون تأثير حقيقي ولم يساهم في الدفع نحو استقرار الدولة ودعم التحول الديمقراطي ومعالجة الشرخ المجتمعي، كونه لم يكن قانونًا شاملًا ومتكاملًا وجاء بصفة استعجالية ولم يخضع لاستشارات مجتمعية أو نقاشات مفتوحة.
بل إن السلطة التشريعية نفسها التي أصدرته قامت بإصدار تشريعات لاحقة بعده منها ما جاء لمعالجة أحداث محددة لم يتمكن هذا القانون من معالجتها منها العفو عن بعض الجرائم ومسألة الإفراج عن السجناء التي تمت بشكل عشوائي أثناء وبعد النزاع المسلح سنة 2011م مما تطلب معالجة تشريعية خاصة فصدر القانون رقم 35 لسنة 2011م بشأن العفو.

أصدر المجلس الوطني الانتقالي تشريعًا جديدًا يحمل رقم 38 لسنة 2012 بشأن بعض الإجراءات الخاصة بالمرحلة الانتقاليّة يُعزز مفهوم الإفلات من العقاب، ويُعطي الفرصة لمن ارتكب انتهاكات الإفلات من دائرة المحاسبة حيث ورد في نص المادة الرابعة من هذا القانون: “لا عقاب على ما استلزمت ثورة السابع عشر من فبراير من عمليات عسكرية أو أمنية أو مدنية قام بها الثوار بهدف إنجاح الثورة وحمايتها”

وبالتزامن معه أصدر المجلس الوطني الانتقالي تشريعًا جديدًا يحمل رقم 38 لسنة 2012 بشأن بعض الإجراءات الخاصة بالمرحلة الانتقاليّة يُعزز مفهوم الإفلات من العقاب، ويُعطي الفرصة لمن ارتكب انتهاكات الإفلات من دائرة المحاسبة حيث ورد في نص المادة الرابعة من هذا القانون: “لا عقاب على ما استلزمت ثورة السابع عشر من فبراير من عمليات عسكرية أو أمنية أو مدنية قام بها الثوار بهدف إنجاح الثورة وحمايتها”. فمثل هذا النص يفتح الباب على مصراعيه أمام الإفلات من العقاب ويعطي غطاءً قانونيًا لفئة محددة من المجتمع يسمح لها بارتكاب الانتهاكات من دون محاسبة، خاصة أن معايير تطبيق النص القانوني بهكذا صياغة تعد مرنة وفضفاضة وتخضع للتفسيرات والتأويلات المختلفة مما يسهل استغلالها.
وقد اعتبر د. وحيد الفرشيشي أن الاعتراف بشرعية الثوار في عمليات التتبع الجنائي يمثل تهديدًا لمسار العدالة الانتقاليّة قد ينحرف بها نحو عدالة انتقامية.

واستمرار لسياسة العبث التشريعي وغياب استراتيجية محددة تُبين غاية المُشرع منها أصدر المجلس الانتقالي قانونًا جديدًا أفرغ قانون العدالة الانتقاليّة من محتواه ورسَّخ مفهومًا جديدًا وهو التمييز بين الضحايا إذ خص السجناء السياسيين يتشريع خاص بهم رغم أن قانون العدالة الانتقاليّة يشملهم فصدر قانون رقم 50 لسنة 2012م بشأن السجناء السياسيين، حيث خص القانون من حجزت حريتهم في السجون والمعتقلات الخاصة بسبب معارضتهم للنظام السابق سواء عسكريين أو مدنيين من تاريخ 1.9.1969 وحتى 15.2.2011م وقد رسخ هذا القانون صدور تشريعات لحالات انتهاك محددة .

تشريعات المؤتمر الوطني العام «استمرار الفوضى»

وحتى مع تغيُّر السلطة التشريعية وانتخاب المؤتمر الوطني العام في 2012.7.7م استمرت ذات السياسة التشريعية المرتبكة فكانت البداية مع القانون رقم 29 لسنة 2013 بشأن العدالة الانتقاليّة والمصالحة الوطنية.
وقد وضع هذا النص أن مفهوم العدالة الانتقاليّة يشمل بعض آثار ثورة السابع عشر من فبراير وهي تحديدًا (مواقف وأعمال أدت إلى شرخ في النسيج الاجتماعي وأعمال كانت ضرورية لتحصين الثورة وشابتها بعض السلوكيات غير الملتزمة بمبادئها). وقد وسع هذا النص تعريف مفهوم العدالة الانتقاليّة في الحالة الليبية، فجعله يشمل الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها الثوّار أو المقاتلون تحت راية المجلس الوطني الانتقالي أو غيره من السلطات الأخرى. وبذلك، لم يقتصر القانون على معالجة انتهاكات النظام السابق، ولكن بقيت مفاعيله معدومة نسبيًا.
فلم تنشر نتائج التحقيقات رغم تشكيل هيئة تقصي الحقائق هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى عمدت السلطة التشريعية لتفريغه من محتواه من خلال إصدار تشريعات موازية يفترض أن تكون في صلب عمل العدالة الانتقاليّة سواء كانت هذه القوانين قبل صدوره ومهدت لإفشاله أو بعد صدوره فأفرغته من محتواه.

فمثلا تمّ إصدار قانون رقم 13 لسنة 2013 بشأن العزل السياسي والإداري والذي أقصى كثيرًا ممن شغل في ظل نظام القذافي مناصب سياسية وسيادية. وقد أحدث هذا القانون انقسامًا عميقًا في المجتمع وكان المفترض أن يُترك هذا الشأن لبند الإصلاح المؤسسي وهو ركيزة أساسية في العدالة الانتقاليّة الذي من خلاله يتم إبعاد الفاسدين ومن أضروا بالمال العام كما أنه جاء بصورة انتقائية ولم يستند على معايير موضوعية وفشل في وضع آلية لتطبيقه وانتهك حقوق الأفراد المدنية والسياسية وكرَّس التمييز بين المواطنين بمعايير فضفاضة.
ولم يخالف المؤتمر الوطني العام عادات سابقه التشريعية في التمييز بين الضحايا وإصدار التشريعات لحالات انتهاك محددة دون غيرها، فقد أصدر القرار رقم 59 لسنة 2013 م بشأن واقعة مذبحة بوسليم وحيث ميَّز هذه الجريمة عن غيرها من الجرائم واعتبرها جريمة بقرار وليس بقانون، وأعطى اختصاص التحقيق للجنة خاصة ومنحها وصف جريمة الإبادة الجماعية وركز القرار على التعويضات والمزايا المالية.
ولم يكتف المؤتمر الوطني بتمييز هذه الجريمة بقرار صادر منه بل عزز ذلك بالقانون رقم 31 لسنة 2013م في شأن تقرير بعض الأحكام الخاصة بمذبحة بوسليم حيث ألغى القرار السابق واعتبرها جريمة ضد الإنسانية وركز على المزايا والتعويضات.

تشريعات مجلس النواب «تشريعات في ظل الانقسام السياسي»

وحتى مجلس النواب المنتخب في 2014.6.25 ولم يكن مختلفًا عن سابقيه في انعدام السياسة التشريعية وغياب الرؤية والتي تجسدت بصدور القانون رقم 6 لسنة 2015 بشأن العفو الذي نص على عفو مشروط عن جميع الليبيين الذين ارتكبوا جرائم معينة خلال الفترة من 15 فبراير 2011 وحتى صدور القانون، معلنا انقضاء الدعاوى الجنائية بشأنها وسقوط العقوبات المحكوم بها والآثار المترتبة عليها.
ومن أبرز الشروط التي وضعها القانون للاستفادة من العفو، التعهد المكتوب بالتوبة ورد المال محل الجريمة والتصالح مع المجني عليه وتسليم الأسلحة والأدوات التي استعملت في ارتكاب الجريمة، وإعادة الشيء الى أصله في جرائم الاعتداء على العقارات والممتلكات المنقولة.

كما أن القانون لا يسري على كل الجرائم. فقد استثنى من انطباق العفو جرائم الإرهاب وجرائم جلب المخدرات والاتجار فيها، وجرائم المواقعة وهتك العرض وجرائم القتل على الهوية والاختطاف والتعذيب، وجرائم الحدود والفساد (المادة الثالثة منه).
وما زاد هذا القانون قابلية للنقد هو أنه جاء في وقت انقسام سياسي ونزاع عسكري وأنه كان من الحري في فترة كهذه البحث عن إعادة صياغة وتفعيل مشروع العدالة الانتقاليّة بالكامل، لا أن يصدر قانون عفو يعتريه جدل كبير حول مدى نجاعته وتوقيت صدوره.

العدالة الانتقاليّة في مشروع الدستور

وقد حاولت الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور التعاطي مع مسألة العدالة الانتقاليّة والمصالحة الوطنية في باب التدابير الانتقاليّة في المواد من 197 إلى 200، ويتضح من هذه النصوص أن هذه التدابير غير مرتبطة بحقبة زمنية معينة، وأنها وردت بشكل عام لتشمل كل انتهاكات حقوق الإنسان والتعويض عنها، ونظمت آلية رد الحقوق لعقارية والمنقولة لكنها لم تلزم السلطة التشريعية بإصدار قانون للعدالة الانتقاليّة.

العدالة الانتقاليّة في الاتفاق السياسي الليبي

وحتى الاتفاق السياسي الموقع في 17 ديسمبر2015م في الصخيرات لم يجيد التعامل مع ملف العدالة الانتقاليّة وتعاطى معها بطريقة غير سوية، فالملاحظ عمومًا تقليص جوهر «العدالة الانتقاليّة» الذي هو «جبر الضرر» لصالح فكرة «التسوية بأي ثمن» والتي جرى تضخيمها في الاتفاق على الرغم من أنه لا مصالحة بلا عدالة.
ومنها غياب التعويضات، وغياب جلسات استماع للوقوف على الحقائق، كما اقتصر الاتفاق على المطالبة بتفعيل قانون العدالة الانتقاليّة رقم 29 لسنة 2013م ولم يتحدث عن صياغة مشروع جديد نظرًا لعيوب القانون، ولتغير الظروف وتطور الأحداث المصاحبة له

واستحدث الاتفاق هيئات من دون تعريف دقيق لاختصاصاتها كهيئة لكشف الحقائق، وهيئة لحقوق الإنسان، وهيئة لرصد الانتهاك، ومن شأن هذا الأمر أن يُسبب دون شك إرباكًا في أداء هذه الهيئات والتداخل غير المنضبط، وغياب التنسيق وقد افتقر الاتفاق السياسي لتحديد آلية تفعيل العدالة الانتقاليّة والمصالحة وتقصي الحقائق وتوثيقها، كما أهمل الاتفاق تحديد الخطوات والآليات الأساسية والعملية في ملفات حيوية، من أبرز تلك الملفات ملف المحتجزين والمفقودين والسجناء والنازحين والمهجرين.

مستقبل العدالة الانتقاليّة في ليبيا

كما اتضح من رصد مسار العدالة الانتقاليّة في ليبيا ومتابعة تفاصيله، يتجلى بوضوح أنه لا يكفي أن تكون السلطة منتخبة لضمان نجاح قانون العدالة الانتقاليّة دون عقد مشاورات واسعة مع المجتمع المدني وممثلي الضحايا لخلق إرادة مجتمعية، وأن إغفال الطبيعة التشاركية للعدالة الانتقاليّة يؤدي بالنهاية إلى فشل المسار أو على أقل تقدير تعثره.
كما أن مسار العدالة الانتقاليّة لن ينجح في ظل استغلال السلطات التشريعية الأوضاع والظروف في تبني تشريعات لخدمة اتجاهات سياسية بعينها، مما سينحرف بها عن أهدافها الحقيقية ويؤدي بالضرورة لتحول هذه القانون لآليات للثأر والانتقام وتصفية الحسابات.
يضاف لكل ما سبق العمل الأساسي وهو ضعف مؤسسات الدولة وهشاشتها وعدم قدرتها على العمل بانتظام، إضافة لتردي الخدمات وحالة عدم الاستقرار الاقتصادي والانفلات الأمني وتكرار الاشتباكات العسكرية من حين لآخر يساهم في عرقلة المسار ويؤدي لفشل الإرادة السياسية أو لعجزها على أقل تقدير.

وختامًا رغم تعدد السلطات وتنوعت الخلفيات السياسية وتعاقبت الحكومات لكنها اتفقت جميعها في انعدام الإرادة السياسية لديها في تبني مشروع متكامل للعدالة الانتقاليّة، فالسياسات التشريعية عشوائية ومُرتبكة ومبنية على ردود أفعال سياسية، وكل السلطات الانتقاليّة لا تملك إرادة سياسية حقيقية وحاسمة لتبني المشروع وفي ظل تغييب رأي وإرادة المجتمع والضحايا وعدم إشراكهم في المشاورات العامة وفتح حوار مجتمعي حقيقي يخلق إرادة مجتمعية قوية تساهم في بناء مشروع متكامل ومتوازن للعدالة الانتقاليّة وقابل للتطبيق.

اترك تعليقاً

Skip to content