العدالة الانتقالية في مهب الثورات المُضادة: مساراتٌ مُجهضة وأخرى لم تكتمل بعدُ!

محمد عمران
محمد عمران المؤسس والمدير التنفيذي لمركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان (دعم)
Read More

(عيش حُرية كرامة إنسانية).. (عيش حُرية عدالة اجتماعية).. (الشعب يُريد إسقاط النظام)، هكذا تم استقبال شتاء عام 2010 من قبل بعض شعوب المنطقة العربية، فيما أطلق عليه بعد ذلك الربيع العربي، في كل من تونس، مصر، ليبيا، البحرين، اليمن وسوريا. اختلفت المسارات بعد ذلك وفشل بعضُها كثورة البحرين المغدورة والمنسية، أو انحرفت عن مسارها وذهبت في اتجاه العنف والنزاع الأهلي المُسلح مع تدعيم تدخلات إقليمية ودولية لمختلف أطراف الصراع كليبيا، اليمن، وسوريا. أو وأدت بعد نجاح الثورة المضادة كما في مصر، والتي دخلت نفقًا مظلمًا من انتهاكات حقوق الإنسان تحت حُكم عسكري وبدعم خليجي وتواطئ دولي.

في نفس الوقت الذي تعلو فيه الأصوات الشعبوية ذات النزعة القومية الراديكالية وتحقق نجاحات انتخابية وصارت حاكمة في أهم بقاع وبلدان العالم متجاهلة في سياساتها الخارجية مبادئها وقيمها التي تؤسس عليها علاقتها الدولية، جاء نجاح تلك التيارات بعد أن سئمت شعوبهم من الإدارات السياسية السابقة نظرًا لتدخلاتها الخاطئة وغير المدروسة جيدًا بما أدى لفشل إدارة ملف الربيع العربي كما حدث في ليبيا، اليمن، وسوريا، وبكل تأكيد مصر.

سهام بن سدرين - رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة

ظلت تونس زهرة وحيدة في قلب الربيع صامدة بالرغم من التغيرات والتقلبات السياسية إلا أنها بقيت صامدة في التمسك ببعض أهم مبادئ ثورة الياسمين من حُريات مدنية وسياسية إلا أنها مازالت لم تحقق نجاحات واضحة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كذلك لم تقم بسياسات إصلاح وإعادة هيكلة لأهم قطاعات الدولة التي هي بحاجة لذلك كالأمن والقضاء. ولأنها الزهرة الوحيدة الباقية فبالتالي هي الدولة الوحيدة في دول الربيع العربي التي أقرت ودسترت مسارًا واضحًا للعدالة الانتقالية كان ومازال من الممكن أن يكون تجربة رائدة في الوطن العربي يقتدي بها الجميع لولا سقطات، هيئة الحقيقة والكرامة، وبعض السياسيين وأحزابهم والتي سمحت بتعطيل المسار وضربه بقوانين لم يُحسم في مدى دستوريتها بعد، وذلك نتيجة غياب المحكمة الدستورية وعدم قدرة محكمة القضاء الإداري على التصدي لتلك الرغبات الجامحة لهيئة الحقيقة والكرامة والسياسيين وأحزابهم.

بدأ مسار العدالة الانتقالية بإرادة سياسية قوية وتم دعمها من خلال الهيئة العُليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، في 18 فيفري/فبراير 2011 صدر المرسوم عدد 7 والمرسوم عدد 8 والمتعلقان بإنشاء لجنتين الأولي لجنة وطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد والتي يمتد عملها خلال فترة ما بين 7 نوفمبر 1987 وحتى 14 يناير 201، والثانية هي اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق في التجاوزات المُسجلة خلال الفترة الممتدة من 17 ديسمبر 2010 إلى حين زوال موجبها. وفي اليوم الثاني أصدرت الحكومة المؤقتة الأولى بقيادة محمد الغنوشي المرسوم عدد 1 لسنة 2011 بتاريخ 19 فبراير 2011 يتعلق بالعفو العام، وتم إطلاق المساجين السياسيين من خلال هذا المرسوم المؤقت والذي جاء من وحي قانون تبناه بن علي عام 1988 للإفراج عن المساجين السياسيين وخصوصًا الإسلاميين من عهد بورقيبة، وعلى أرض الواقع معظم المستفيدين من هذا المرسوم هم منتمون إلى حركات الإسلام السياسي.

في أواخر 2011 بدأت في تونس المحاكمات المُتعلقة بعمليات القتل خلال أحداث الثورة أمام محاكم عسكرية. وتتمتع هذه المحاكم بصلاحية النظر في الجرائم التي يرتكبها العسكريون وعناصر قوات الأمن، وقد شرعت ثلاث محاكم ابتدائية عسكرية في التحقيقات، وقامت بتجميع القضايا جغرافيًا. ومن ثم المحاكمات الجماعية في محكمة تونس ومحكمة الكاف

في أواخر 2011 بدأت في تونس المحاكمات المُتعلقة بعمليات القتل خلال أحداث الثورة أمام محاكم عسكرية. وتتمتع هذه المحاكم بصلاحية النظر في الجرائم التي يرتكبها العسكريون وعناصر قوات الأمن، وقد شرعت ثلاث محاكم ابتدائية عسكرية في التحقيقات، وقامت بتجميع القضايا جغرافيًا. ومن ثم المحاكمات الجماعية في محكمة تونس ومحكمة الكاف. ومن بين المتهمين الرئيس الأسبق بن علي، ورئيس الحرس الرئاسي الأسبق، ووزيرا الداخلية السابقان، وخمسة مديرين عامين في الوزارة، وعدة قادة أمنيين من ذوي الرتب العليا والمتوسطة. وأصدرت المحكمة الابتدائية بالكاف أحكامها في 13 يونيو / جويلية 2012، ومحكمة تونس في 19 يوليو / جويلية 2012.

وفي 12 أفريل/أبريل 2014، ثبتت محكمة الاستئناف العسكرية الحكم الصادر عن المحاكم الابتدائية في الكاف وتونس والقاضي غيابيًا بسجن بن علي مدى الحياة بتهمة المشاركة في القتل. ولكنها خففت الأحكام الصادرة في حق المسؤولين السامين الآخرين على إثر إعادة التكييف القانوني للفعل من القتل العمد إلى العنف الشديد الناجم عنه الموت، وهو ما جعل الأحكام حسب المجلة الجزائية لا تتجاوز الـ3 سنوات سجنًا. نجم عن هاته الأحكام خروج المتهمين مباشرة من السجن بما أنهم قضوا الـ3 سنوات من إثر الثورة ليوم التصريح بالحكم.

هذه المستجدات كانت قد دفعت بهيئة الدفاع عن شهداء وجرحى الثورة و “التنسيقية الوطنية للعدالة الانتقالية” والتي كانت تُمثِّل الجسم الديمقراطي خلال الحوار الوطني لقانون العدالة الانتقالية، إلى الحشد والتعبئة والمُطالبة بإعادة المحاكمات من خلال داوئر متخصصة في قضايا شهداء وجرحى الثورة، وهو، على عكس ما يدَّعيه بعض الخبراء الدوليين المتابعين للمسار التونسي للعدالة الانتقالية، بأنه لو فشل مسار العدالة الانتقالية فإن الفشل تتحمله المجموعة الديمقراطية، وهي وجهة نظر بعيدة كل البعد عن الواقع الحقيقي للمسار التونسي. وذلك بالرغم من إحساس الجناح الديمقراطي بتفضيل ضحايا التيار الإسلامي عن ضحاياهم، وحالة الضيق التي انتابتهم من طريقة إقرار والتصديق على قانون العدالة الانتقالية وبعض التعديلات الخاصة بالمحاسبة والإجراءات المتعلقة بتركيبة هيئة الحقيقة والكرامة، وهي كلها انتقادات في موضعها وثبتت صحتها فيما بعد.

فقد صدر في 16 ديسمبر القانون التأسيسي عدد 6 لسنة 2011 يتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية وهو كان بمثابة الدستور المؤقت لتونس والذي نص في الفصل 24 على التزام المجلس بسن قانون أساسي للعدالة الانتقالية، وتم استحداث وزارة لحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والتي بدورها قررت في 14 أبريل 2012 إطلاق عملية تشاورية وطنية حول العدالة الانتقالية بهدف التوصُّل إلى رؤية مُشتركة وتمت صياغة المُسودة الأولى من القانون وتقديمها إلى وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية أواخر شهر أكتوبر 2012 ، والذي تم تعديله من قبل الحكومة وسلمته للمجلس التأسيسي للمناقشة بتاريخ 22 جانفي/يناير 2013، وبقي أسير المجلس والمشاكل السياسية في البلاد إلى أن تم إدراجه في المناقشة للجنة التشريع العام، والتي استمعت إلى اللجنة الفنية المُشرفة على الحوار الوطني، وممثلين للمجتمع المدني، وخبراء دوليين، وأنهت تقريرها في 23 أوت/أغسطس 2013. وتعطل داخل مكتب رئاسة المجلس التأسيسي لتحديد موعد جلسة للنقاش، وذلك بسبب الأزمة السياسية الحادة التي كانت تشهدها البلاد ودخول السياسيين في الحوار الوطني، وقد أخذ علي الرباعي الراعي للحوار عدم وضع قانون العدالة الانتقالية على أولويات الحوار بالرغم من أنه قانون أساسي والمجلس التأسيسي مُلزم بسنَّه حسب القانون المُنظم للسلط العمومية.

وبعد صدور الكتاب الأسود للصحفيين وبعد حشد من قبل مُنظمات المجتمع المدني المحسوبة على الإسلاميين (الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية) قام مصطفى بن جعفر بتمرير القانون إلى الجلسة العامة للمناقشة لتتم مناقشته في 3 أيام ، وفي 24 ديسمبر 2013 تم نشره في الجريدة الرسمية (الرائد الرسمي) القانون الأساسي المُتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها والذي تم تبنيه والمصادقة عليه داخل المجلس التأسيسي في الساعات الأولى من صباح يوم الأحد 15 ديسمبر 2013 بحضور 126 عضوًا فقط منهم 76 تابعين لحركة النهضة و15 عضوًا تابعين لباقي تحالف الترويكا (المؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل) وبحضور 6 أعضاء فقط للجناح الديمقراطي، والذين صوتوا جميعًا بنعم مع تحفظ لعضو واحد من حركة النهضة. ويُعتبر القانون في أغلبه نتيجة لعمل لجنة فنية أنشأتها وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. وكان معظم أعضائها ممثلين للمجتمع المدني، إلا أن القانون الذي تم المصادقة عليه تم تعديله مرتين: مرة من قِبَل حكومة الترويكا والثانية من قِبَل المجلس التأسيسي بأغلبية الترويكا وقيادة النهضة.

بموجب هذا القانون إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة التي تتكون من 15 عضوًا سيعملون لمدة أربع سنوات، مع إمكانية التمديد لهم بسنة واحدة. وأوكلت للهيئة مهمة تحديد مسؤوليات أجهزة الدولة أو أي أطراف أخرى في الانتهاكات الحاصلة بين 1 جويلية/يوليو 1955 و 24 ديسمبر 2014، تاريخ إدراجه بالرائد الرسمي.

تمتعت الهيئة بسلطات واسعة، هذا وقد اعترضت التنسيقية الوطنية للعدالة الانتقالية وتحسب على التيار المدني وجمعية عدالة ورد الاعتبار المحسوبة على التيار الإسلامي على بعض أسماء المرشحين لعضوية الهيئة، وكذلك على عدم جواز الطعن على نتائج لجنة الفرز، الأمر الذي وصل حد التوجه إلى المحكمة الإدارية في إطار ممارسة حق التقاضي وقدما مطلبًا في تأجيل وإيقاف تنفيذ المقرر الإداري المؤرخ في مايو 2014 والمُتعلق بإحالة المترشحين الذين وقع اختيارهم لعضوية هيئة الحقيقة والكرامة على الجلسة العامة للمجلس التأسيسي. وقد رفضت المحكمة الطلبين المقدمين معللة ذلك بأن إرادة المُشَّرع كانت واضحة وصريحة في اتجاه تحصين قرارات اللجنة الخاصة بفرز ملفات الترشح لعضوية هيئة الحقيقة والكرامة بخصوص الاعتراضات على المترشحين من الطعن بأي وجه من الوجوه ولو بدعوى تجاوز السلطة.

بات كل من انتقد آداء الهيئة بالسلب في أي من مراحل عملها يتلقى سيلًا من الاتهامات الملفقة من رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة بأنه ثورة مضادة بل وذهبت لأكثر من ذلك واتهامهم بأنهم ساهموا في تمرير قانون المصالحة الإدارية متجاهلة بذلك مواقف تلك الجمعيات ومساهمتها وموقفها الرافض وبشدة لذلك القانون ومشاركتها في كافة الائتلافات والتحركات التي كانت بغرض وقف عملية التصويت على هذا القانون في المجلس التشريعي

وفي 17 يونيو 2014 اجتمعت الهيئة بكامل أعضائها الـ15 وقد تم انتخاب السيدة سهام بن سدرين رئيسة للجنة والتي كانت قد اعترضت عليها التنسيقية الوطنية للعدالة الانتقالية، واستقال في نفس اليوم أحد أعضاء اللجنة خميس الشماري والذي كان مرشحًا هو الآخر لرئاسة اللجنة، بعد أن واجه اعتراضًا على ترشيحه هو الآخر من قِبَل جمعية عدالة ورد الاعتبار. ونتج عن رئاسة بن سدرين للهيئة ردود فعل متناقضة فالإسلاميون اعتبروه انتصارًا، في حين اعتبره جزء كبير من المحسوبين على التيار المدني الديمقراطي ضربة قاصمة لمسار العدالة الانتقالية في تونس وقرروا مقاطعة اللجنة باعتبار أن بن سدرين ساندت لجان حماية الثورة التابعة لحركة النهضة في وقت سابق، ووجدوا أن التركيبة بشكلها النهائي جاءت نتيجة الاعتماد على التمثيلية النسبية في اختيار أعضاء لجنة فرز الترشيحات لعضوية هيئة الحقيقة والكرامة المنصوص عليها بالفصل 23 من القانون، وسمحت بأن يقع انتخاب أعضاء الحقيقة والكرامة على أساس المحاصصة والموالاة، لا على أساس الكفاءة والاستقلالية والحيادية والنزاهة، وأن التركيبة النهائية للهيئة هي دليل على ضعف المسار.

قامت هيئة الحقيقة والكرامة بتسليم تقريرها النهائي لرئيس الوزراء ونشرت تقريرها النهائي على موقعها الإلكتروني والذي شهد عديدًا من التعديلات بعد نشره وتسليمه وذلك أثناء مدة التصفية لعمل الهيئة، في الواقع أن هيئة الحقيقة والكرامة كانت هي أضعف حلقات مسار العدالة الانتقالية في تونس بسبب صراعات رئيستها وصدامها مع مختلف الأطراف بما في ذلك أعضاء الهيئة نفسها ما أدى إلى استقالات عديدة وضعت الهيئة في مأزق إمكانية عدم اكتمال النصاب القانوني معظم الأوقات. وجاءت تلك الاستقالات بعد أحداث وتصرفات مؤسفة داخل الهيئة، ليتطوّر الأمر إلى صدام مع أجهزة الدولة بدءًا من قصر الرئاسة وصولًا للأرشيف الوطني. وتجاوز الصدام ليطال المجتمع المدني المحلي والدولي. وبات كل من انتقد آداء الهيئة بالسلب في أي من مراحل عملها يتلقى سيلًا من الاتهامات الملفقة من رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة بأنه ثورة مضادة بل وذهبت لأكثر من ذلك واتهامهم بأنهم ساهموا في تمرير قانون المصالحة الإدارية متجاهلة بذلك مواقف تلك الجمعيات ومساهمتها وموقفها الرافض وبشدة لذلك القانون ومشاركتها في كافة الائتلافات والتحركات التي كانت بغرض وقف عملية التصويت على هذا القانون في المجلس التشريعي، ومن ثم كانت الصدامات مع ضحايا الانتهاكات والذي يؤسس المسار ككل لاسترجاع حقوقهم وكرامتهم وتعويضهم عن ما حل بهم طيلة تلك السنوات الطويلة إلا أنهم ومن المؤسف أصبحوا الآن في مهب أن يكونوا ضحايا للمرة الثانية. وهو ما يؤكد وجهة نظر التيار العلماني الديمقراطي بأن التركيبة النهائية للهيئة كانت خير دليل على ضعف المسار.

بقيت بقية دول الربيع العربي تحاول أن تحسم أمر ثوراتها التي لم تنته بعد، ودخل بعضها في عهد جديد من الاستبداد غير المسبوق كمصر وتناحر بقيتهم فيما بينهم وبدعم خارجي كليبيا وسوريا، أو بالتدخل العسكري والأمني المباشر كما فعلت الممكلة العربية السعودية بالبحرين واليمن.

في النهاية لن تصل شعارات وصيحات شعوب الربيع العربي من دون صياغة وترسيخ مسارات قوية للعدالة الانتقالية تؤكد على إسقاط وإصلاح النظام وتُعيد الحقوق والكرامة لضحايا عهود الاستبداد وتضمن مصالحة وطنية شاملة بما يضمن عدم العودة لتلك الانتهاكات مرة أخرى

اترك تعليقاً

Skip to content