مصر : بوادر ثورة موجّهة أم يقظة شعبية أم صراع أجهزة؟

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

تحيين

المفوضية المصرية للحقوق والحريات: موجة اعتقالات تطال أكثر من 606 متظاهرا سلميا بالإضافة إلى 37 متظاهرا رفضت أسرهم النشر عنهم على الحكومة المصرية الإفراج الفوري عن المعتقلين على خلفية مظاهرات 20 سبتمبر 

في ظل الركود القسري للحياة السياسية في مصر واحكام السيطرة التامة على الاعلام المحلي بقطاعيه العام والخاص, فوجئ المصريون خلال الفترة الاخيرة بممثل مصري لا يحتكم على شهرة واسعة, يدعى “محمد علي”, ينشر مقطع فيديو مثير للجدل على موقع فايسبوك, مخاطبا من خلاله الشعب المصري, بصفته يعمل مقاولا متعاقدا في مشاريع القولت المسحلة ليشرع في تقديم سلسلة من الوقائع تدور في فلك تورط رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي وأفراد من عائلته في قضايا فساد واهدار مال عام.

ومع توالي التسجيلات الموسومة بالتشنّج واعتماد لهجة حادّة ومباشرة عند الحديث عن رأس السلطة واعتماده أسلوبا لم يعهده المصريون من قبل، نجح «محمّد علي» في شدّ انتباه الناس واستثارة شتّى طبقات الشارع المصري، ما اضطرّ الحكومة الى عقد «مؤتمر شباب» جديد ليتمكن الرئيس من الرد على تلك الاتهامات.

هذا المؤتمر الاستثنائي المنعقد للغرض حمل بين طيّاته مفاجئات جديدة صادمة عمّقت أزمة الخطاب السياسي الرّسمي وكشفت زيفه وتناقضه الصّارخ، حيث خرج الرئيس ليعترف بوقائع إهدار المال العام المنسوبة اليه بنبرة لا تخلو من فخر واعتزاز بما اعتبرها «خطوات لبناء مصر الحديثة». خطابٌ استفزّ عامّة الناس وأثار حفيظة شرائح واسعة ومختلفة من الشعب وأجّج غضبهم بسبب تعارض هذه التصريحات مع ما صرّح به الرئيس مرارا وتكرارا في إطار السّردية الرسمية للدولة حول ندرة الموارد الأساسية للدولة وضعف الميزان التجاري والوطأة الثقيلة لصندوق الدّعم على الاقتصاد الوطني وضرورة التقشّف ونكران الذّات والصّبر على الدّولة.

محمد علي

 

وفي تطور سريع للأحداث طلب المقاول الهارب لأسبانيا من المواطنين المصريين النزول للشوارع للتظاهر ضد رئيس الجمهورية يوم الخميس 20 سبتمبر. وعلى الرغم من موجات السخرية التي تلقىّ بها كثير من النّاس تلك الدعوة، وخاصة من النشطاء السياسيين من مختلف التيارات والذين يعلمون شبه إستحالة وجود حراك بالشارع في ظل السلطة الحالية، فوجئ الجميع بتظاهر الآلاف من المواطنين في عدة محافظات منها القاهرة وأسكندرية والمحلة ودمياط والسويس والتي تعامل معها الأمن سريعا وتم اعتقال الكثير منهم بعد كر وفر مع قوات الشرطة، كما أستمرّت التظاهرات في مدينة السويس لليوم الثاني مع تعامل عنيف من قوات الأمن.

وعلى مدى يومين قامت قوات الأمن بإلقاء القبض على مئات المواطنين سواء من التظاهرات أو بمجرد الاشتباه لوجودهم في محيط ميدان التحرير. كما تم القبض على عبد الناصر اسماعيل نائب رئيس حزب التحالف الشعبي (كان الحزب قد أصدر منذ أيام بيانا بتجميد أنشطته إعتراضاً على وضع الحياة السياسية في مصر الذي وصفه بالعبثي). وأثناء محاولات محامي «جبهة الدفاع عن متظاهري مصر» معرفة مصير المقبوض عليهم والذين لم يتمّ عرضهم على النيابة لمدة يومين، تم –يوم الأحد الموافق لـ23 سبتمبر- اختطاف المحامية والناشطة السياسية «ماهينور المصري» من أمام نيابة أمن الدولة بعد خروجها منها. وبعد انقضاء 24 ساعة على الواقعة ظهرت في مقرّ نيابة أمن الدولة بصفتها متّهمة في انتظار عرضها على التحقيق.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

وعُرض ما لا يقلّ عن 400 شخص من المعتقلين، بعد مرور أكثر من 48 ساعة، على نيابة أمن الدولة وجاري التحقيق معهم في إتهامات يتوقّع أن تدور رحاها حول النقاط التالية (مشاركة جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي لتلك الأغراض والتظاهر بدون تصريح). وماتزال التحقيقات جارية معهم حتى الآن في ظلّ التزايد المتنامي لأعدادهم.
وفي ظل حالة الترقب التي يمر بها الشارع المصري بعد تلك الأحداث السريعة والتي غابت عنه على مدى السنوات الأخيرة التي حرصت السلطة التنفيذية فيها على قمع أيّ محاولات لحراك سياسي سواء كان شعبيا أو حزبيا، استمرّت الدعوات لمزيد من التظاهرات يوم الجمعة القادمة وأصبح المواطنون المصريون يشيرون لتلك التظاهرات – رغم قلة عددها – بصفتها ثورة جديدة.
من جهة أخرى، يذهب كثير من التحليلات السياسية الى اعتبار أنّ ما حدث لا يعدو أن يكون مجرّد صراع بين أجهزة الدولة لتحصيل جملة من المنافع، في حين يذهب البعض الآخر بعيداً مرجّحا أن يكون ما يحدث مقدّمة لانقلاب جديد.

ويطالب مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الانسان (دعم) السّلطةَ القضائيةَ المصرية ممثلة في شخص المستشار النائب العام، بفتح تحقيقات عاجلة في تهم الفساد وإهدار المال العام خاصة في ظلّ وجود أدلة حقيقية وإعتراف من رأس السلطة القضائية على مرأى ومسمع من الجميع، بدل ملاحقة المتظاهرين السلميين والنشطاء السياسيين، اذ لا سبيل لإقامة دولة عادلة إذا لم تتحرر سلطتها القضائية من قبضة السلطة التنفيذية وتقوم بدورها الرقابي والمحاسبي الحقيقي.

كما يوجه مركز «دعم» ندائه لنواب الشعب والذين اكتفوا بالصّمت المريب ولم يصدر عن أيّ منهم أيّ تعليق على الأحداث أو الاتهامات المستمرة منذ أسابيع، داعيا ايّاهم الى ممارسة واجبهم تجاه شعبهم الذّي اصطفاهم ومنحهم تلك السلطة التي ما انفكّوا يهدرونها في خدمة النظام السياسي.

كما يشير مركز «دعم» إلى أنّ محاولات النظام السياسي على مدى سنوات السيطرة على كل وسائل الإعلام سواء بإهدار المليارات في سبيل انتقال ملكيّتها الى جهات تابعه له أو مقرّبة منه، أو من خلال ممارسة المنع والحجب والاعتقالات، قد انهارت جميعها أمام تسجيلات بُثّت على مواقع التواصل الاجتماعية.

انّ قمع السلطة لكل النشطاء السياسيين وتصفية الحياة الحزبية وحملات الإعتقالات المتتالية، لم تؤتِ ثمارها حين قرر مواطنون غير مسيسين التظاهر. فكلمها تم إغلاق المساحات السياسية وسُبل التعبير عن الرأي، سيلجأ الشارع لإنتزاع تلك المساحات من هؤلاء الذين منعوها عنه.

ويوجه مركز «دعم» كل التحية لوعي المواطن المصري الذي لم يأبه لكل محاولات القمع السياسي واستمر في المطالبة بحقوقه رغم المخاطر التي قد يتعرض لها. ويأمل أن تجد التيارات السياسية طريقة لبناء تواصل حقيقي لتأسيس تيار معارض له تأثير ايجابي في سير الحياة السياسية في مصر.

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

اترك تعليقاً

Skip to content