إن منظمات المجتمع المدني المدافعة على مسار العدالة الانتقالية وعلى اثر إطلاعها على مشروع قانون يتعلق بالعدالة الانتقالية ارسل من وزارة العلاقات مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان إلى رؤساء الكتل النيابية بمجلس نواب الشعب مشروع وما يمثله من توجه خطير يستهدف تقويض مسار العدالة وفرض مصالحة إجبارية وتفص كامل من العدالة وتحصين لمرتكبي الانتهاكات والجناة من المساءلة و المحاسبة،
وذلك:
أ) بإلغاء كل محاسبة ومساءلة جزائية وتمتيع كل مرتكبي الانتهاكات لحقوق الإنسان والاعتداء على المال العام وجرائم الفساد المالي والإداري زمن الاستبداد والمسؤولين على قمع المحتجين إبان قيام الثورة بما أفضى إلى سقوط الضحايا بين شهداء وجرحى بعفو عام في خرق فادح للدستور من خلال خرق أحكام الفصول 148 ف9 فيما اقتضته من التزام الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية ومن أهم آلياتها المحاسبة والمساءلة أمام الهيئات القضائية.
ب) بالتدخل الفادح في سيرالقضاء وضرب استقلاله بواسطة إيقاف المحاكمات أمام الدوائرالمتخصصة في العدالة الانتقالية والتوجه لإلغائها والغاء الاحكام النهائية بما تمثله تلك المحاكمات من تكريس لحق الضحايا الانتهاكات في العدالة والإنصاف ولحق المجموعة الوطنية في الكشف عن ماضي انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الاعتداءات على المال العام ومحاسبة مرتكبيها بأحكام رادعة كضمانة وحيدة لعدم تكرارتلك الأفعال والقطع مع الإفلات من العقاب.
ب) بالاعتداء الخطير على صلاحيات القضاء المستقل طبق الدستور الجديد بإلغاء دوره في مسار العدالة الانتقالية كسلطة تعمل وفق ضمانات الحياد والاستقلالية والكفاءة والعلنية للتصدي للإفلات من العقاب من جرائم الانتهاكات الجسيمة وتؤسس لفقه قضاء ولسوابق قضائية تكون مرجعا لحماية كل الافراد مستقبلا ولصون الديمقراطية الناشئة من عودة ممارسات الاستبداد وجرائم الاجهزة كجرائم التعذيب وسوء المعاملة والقتل والاغتصاب والاختفاء القسري والفساد والاعتداء على المال العام.
في خرق لاستقلال السلطة القضائية طبق الفصل 102 الذي كرس استقلال السلطة القضائية والفصل 109 الذي حجر التدخل في سيرا لقضاء والفصل 108 الذي يكرس الحق في التقاضي وتيسير اللجوء للقضاء والفصل 110 الذي يمنع سن إجراءات استثنائية من شأنها المساس بمبادئ المحاكمة العادلة والفصل 23 الذي الزم الدولة بحماية الذات البشرية وحرمة الجسد وبمنع التعذيب المعنوي والمادي وكرس مبدا عدم سقوط جريمة التعذيب بمرور الزمن والفصل 49 الذي جعل حماية الحقوق والحريات من اختصاص الهيئات القضائية
ج) بتنصيب لجان تتولى السلطة السياسية ممثلة في رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب تقاسم تعيين وإنهاء مهام أعضائها بما يجعلها خاضعة مباشرة للتأثيرات والضغوطات السياسية، وهي لجان يخولها مشروع القانون سلطات خطيرة وواسعة:
-لإلغاء أعمال هيئة الحقيقة والكرامة في كشف الحقيقة وخلاصة تلك الأعمال المضمنة بتقريرها النهائي الشامل.
-لإعادةالنظر في ملفات العدالة الانتقالية طبق إجراءات سريّة تعرض كل الحقائق المعلنة التي تم الكشف عنها من خلال أعمال هيئة الحقيقة والكرامة والمعروضة في مسار التقاضي العلني امام الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية والتي ستوثق في الأحكام ذات قيمة وحجية قضائية إلى الطمس والإخفاء.
-تقبل اعتذاراتشكلية من مرتكبي الانتهاكات وتصدرعلى أساسها قرارات إجبارية في المصالحة في غياب الضحايا وإلغاءأية إرادة على حقوقهم المعروضة للصلح – الفصل 19، 20، 30
-نشر ملخص لأعمالها بالرائد الرسمي في سعي واضح لإلغاء التقرير النهائي الشامل لهيئة الحقيقة والكرامة الفصلين 44 و 45
– تموقع اللجان فوق كل المؤسسات وفوق كل رقابة باعتبار قراراتها لا تقبل طعن بأي وجه من وجوهه بما في ذلك الطعن بالتعقيب ودعوى تجاوز السلطة الفصلين 20-33
د) بالإنحراف بدورالسلطة القضائية في التتبع وردع جرائم الانتهاكات وحماية المجتمع والأفراد من تكرارها والحط من موقعها وتشويهها بإسنادها أدوارا مناقضة لدورها في دولة القانون وتحويلها الى جهات إدارية من خلال اخضاع الوكلاء العامين بمحاكم الاستئناف لمهمات تسليم شهائد العفوعلى الجنات في جرائم انتهاك حقوق الإنسان والفساد المالي والإداري وجرائم القتل والعنف التي افضت لسقوط شهداء واصابة الجرحى ابان احداث الثورة الفصل 22-34 او لتبت في النزاعات حول شهائد العفو بتنصيب لجنة ادارية تنصّب بمحكمة التعقيب تعمل وفق إجراءات سرية استثنائية أولتنقلب من هيئات قضائية بدوائر جنائية بمحاكم الاستئناف تستعمل كلجان تنظر في بعض الصور الواردة بالقانون لإنقاذ مرتكبي الانتهاكات ممن لم تمرر ملفاتهم الى اللجان الإدارية في توجه واضح لتحصين الجنات من اي محاسبة على المدى القريب والبعيد،
بما سيؤدي إلى العفو على كل مرتكبي الانتهاكات بأصنافها ورموزها وعلى رأسهم زين العابدين بن على وكل الذين عملوا تحت إمرته وانتفعوا من ممارسات نظام الحيف والظلم والفساد والاستبداد الذي أرساه
كل ذلك مع غموض كبير حول جبر ضرر الضحايا الذي يتعرض اليه المشروع في صيغ عامة ومبهمة وفي توجه واضح لمقايضة جبر أضررهم بحقوقهم في الانتصاف والعدالة ومعرفة الحقيقة .
وذلك فضلا على ما يمثله هذا المشروع من تنصل تام للدولة التونسية من التزاماتها بموجب الاتفاقيات الدولية المكرسة لحقوق الإنسان واليات حمايتها والتي تأتي مباشرة في الدرجة الثانية من حيث القوة الإلزامية بعد الدستور طبق الفصل 20 ومنها اساسا
– العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليه سنة 1967
-الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب و وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية المصادق عليها سنة 1988
-ميثاق روما المصادق عليه سنة 2011
-الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري المصادق عليها سنة 2011
-اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد المصادق عليها سنة 2008
كما تلاحظ المنظمات ان المشروع لم يخل كذلك من مبررات التسويق لمغالطة الرأي العام و هي مبرراتصادمة:
من جهة وصف المسار القضائي للعدالة الانتقالية من خلال الدوائر المتخصصة بالتشفي والانتقام والحال ان تلك الدوائر تمارس صلاحيات السلطة القضائية طبق الدستور والقانون ويطبّق قضاتها المتشبعون بالمبادئ الحقوقية أرقى النصوص التشريعية الضامنة لحقوق الإنسان والقطع مع الإفلات من العقاب طبق للدستور والمبادئ الدولية للعدالة الانتقالية والاتفاقيات الدولية ومبادئ القانون الجنائي الدولي والقوانين الوطنية وهي دوائر تمثل مكسبا للقضاء التونسي سيؤسس لفقه قضاء رفيع المستوى لحماية حقوق الإنسان و يبوء تونس موقع الدول التي تقطع مع الافلات من العقاب وتثبت اسس دولة القانون.
ه) بالجنوح من جديد إلى التمسك بالتعلات المرتبطة بالجدوى الاقتصادية لمثل هذا المشروع من قبيل مبررات القوانين التي سبقته ومنها قانون المصالحة في المجال الإداري والحال انه توضح جليا عدم صحتها ولا جدواها باعتبار الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد وبناء عليه لا يمكن لهذه التعلات الواهية ان تبرراية قوانين تؤدي الى العفو على مرتكبي جرائم الفساد المالي وتوفر لهم امتيازات سحب قضاياهم من أنظار العدالة، وتشدد على مناقضة المشروع لمتطلبات الانتقال الاقتصادي الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بمحاربة الفساد وجرائم الاعتداء على المال وهي شروط يهدرها المشروع بالعفو على الفاسدين وتحصينهم بواسطة الإفلات من العقاب
و) بمخالفة تامة وبشكل عام لمبادئ الحكومة الرشيدة وحسن التصرف في المال العام ومنع الفساد طبق الفصل 10 من الدستور ومن ذلك سعي جهة المبادرة إلى تركيز لجان ستكلف مجموعة ميزانيات ونفقات باهظة من خلال توفير مقرات لها ومنح امتيازات لأعضائها ووضع إطارات إدارية وفنية وأعوان تحت تصرفها للقيام بأعمال سبق انجازها في اطار هيئة الحقيقة والكرامة.
وبناءعلى ما تقدّم، فإنّ المنظمات الموقعة أدناه:
 
1- تُعبّر عن إدانتها لهذا التحرّك الذي تقوم به السلطة التنفيذية لنسف المكتسبات التي حققها مسار العدالة الانتقالية منذ انطلاقه سنة 2011 إلى تاريخ نشر التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة وتعتبره محاولة يائسة من أعداء العدالة الانتقالية وأعداء التحول الديمقراطي للعودة إلى ماضي الانتهاكات وإلى سياسة الإفلات من العقاب.
2- تُعبّر عن رفضها الكامل لهذا المشروع وعن تجنّدها وطنيا ودوليا لإفشاله وعيًا منها بأنّ مسار العدالة الانتقالية يجب أن يتواصل بعد نشر تقرير هيئة الحقيقة والكرامة واستكمال أعمالها بالعمل على إلزام السلطة التنفيذية بإعداد خطة العمل المنصوص عليها بالقانون عدد 53 لسنة 2013 وتفعيل صندوق الكرامة الخاص بجبر الضرر وإصلاح المؤسسات القضائية والأمنية ومحاربة الفساد بشكل جدّي والاهتمام بالتنمية المستدامة لفائدة المناطق المهمّشة ومتساكنيها.
3- تُطالب الحكومة بسحب هذا المشروع والبدء في المشاورات مع المجتمع المدني وممثلي الضحايا وأصحاب المصلحة من أجل تفعيل توصيات هيئة الحقيقة والكرامة طبقا لما جاء في القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013.
4- تُهيب بكلّ مكونات المجتمع المدني والأحزاب السياسية الحريصة على سلامة الانتقال الديمقراطي السياسي والاقتصادي للتصدي لهذا المشروع ومطالبة من يقف وراءه بسحبه وعدم التفكير فيه مجددا.
5- تطالب المجلس الاعلى للقضاء بصفته الضامن لحسن سير القضاء واحترام استقلاله لحماية الدوائر القضائية المتخصصة فيما تقوم به من مهام محددة من اجل حماية الانتقال الديمقراطي وضمان عدم عود ماضي الانتهاكات من اي تدخل في سير أعمالها أو إلغاء لأحكامها من خلال تمكين لجان أدارية من صلاحيات مطلقة لتصفية مسار العدالة الانتقالية من خلال تصفية واسقاط قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان زمن الاستبداد وقضايا جرحى وشهداء الثورة وقضايا الفساد المالي والإداري .
6- تدعو الرأي العام الوطني والدولي ومنظمات حقوق الإنسان الدولية وكذلك منظومة الأمم المتحدة إلى التعبير الصريح عن موقفها لدعم ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ودعم مسار الانتقال الديمقراطي في تونس والوقوف إلى جانب القوى الديمقراطية والحقوقية التي تعمل جاهدة من أجل أن تكون المصالحة الوطنية الشاملة المنشودة مبنية على أسس صحيحة وصلبة ومن ضمنها معرفة الحقيقة كاملة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات واعتراف الدولة بمسؤولياتها في ذلك وتقديمها لاعتذار رسمي وردّ الاعتبار للضحايا ووضع برنامج إصلاح للمؤسسات بما يضمن عدم التكرار ويتصدى لسياسة الإفلات من العقاب.

SHARE