أخبار مركز دعم

“علاء عبد الفتاح سجين كل العصور الذي تجلت في ابتسامته ضحكة المساجين”

مُتاح أيضًا بـ: "علاء عبد الفتاح   سجين كل العصور الذي تجلت في ابتسامته ضحكة المساجين"English (الإنجليزية)

“معتقل كل العصور” هو كتاب للمهندس والمناضل الشيوعى فوزى حبشى، يصف فيه تجربة الإعتقالات السياسية في عصور عبد الناصر والسادات ومبارك. وإن نظرنا إلى جيل الثورة المصرية سنجد مجموعة من النشطاء السياسيين المصريين يمكن أن ينالوا ذات الوصف مثل أحمد دومة وماهينور المصري وغيرهم، لكن ربما خير من يمثل التاريخ الحديث بين النشاط السياسي والسجون هو علاء عبد الفتاح.

علاء الذي ولد في 18 نوفمبر 1981 هو الإبن الأكبر للمحامي الحقوقي الأستاذ/ أحمد سيف الإسلام أحمد مؤسسي مركز المساعدة القانونية ثم مركز هشام مبارك من بعده والذي يعتبره أغلب العاملين بمجال حقوق الإنسان في مصر أباهم الروحي، وابن الدكتورة/ ليلي سويف المناضلة السياسية الشهيرة أحد مؤسسي «مجموعة العمل من أجل استقلال الجامعات» (حركة 9 مارس)، والجمعية المصرية لمناهضة التعذيب، وهو الأخ الأكبر لكل من الناشطتين منى وسناء سيف. اشتهرت هذه العائلة في الأوساط السياسية المصرية بلقب “العائلة المقدسة” لكفاحها المستمر ضد سلطات مصر المتتابعة ولتعرضها المتتابع للحبس في مختلف العصور.

بدأ علاء مشواره السياسي عام 2004 بإطلاق مدونته “دلو معلومات منال وعلاء”، بالمشاركة مع زوجته السابقة منال بهي الدين والتي كان غرضها نشر الأخبار خارج الإطار الرسمي للإعلام هربا من وسائل الرقابة والتي فازت بجائزة منظمة مراسلون بلا حدود.

بداية سلسلة زيارات علاء للسجون كانت في 7 مايو عام 2006 وكان ذلك أثناء مشاركته في إحدى فاعليات حركة كفاية لدعم حركة إستقلال القضاء والتي كانت تتخذ حيزا كبير من الشأن العام آنذاك. تسبب القبض على علاء تسبب في غضب ضخم في الأوساط السياسية داخل مصر وخارجها، فتأسست مدونة  “الحرية لعلاء Free Alaa” التي تحولت لجملة مرتبطة بإسمه لسنوات طويلة قادمة، حتى تم الإفراج عنه في 20 يونيو 2006.

أحلام علاء الوردية بعد ثورة يناير المجيدة وعودته من عمله بالخارج إلى مصر للمساعدة في بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي حلم بها لم تستمر طويلا، فبعد المذبحة التي قام بها المجلس العسكري الحاكم في أكتوبر 2011 ضد مسيرة المسيحيين المصريين أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون في ماسبيرو، تقدمت إحدى صحفيات النظام ببلاغ كاذب بإنها رأت علاء يقوم بسرقة “دبابة” ويقتل المتظاهرين مما أدى إلي استدعاء علاء لسؤاله أمام النيابة العسكرية، وعلى خلفية حملة ضخمة ضد محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية من بعد الثورة، رفض علاء إبداء أية أقوال في التحقيقات متمسكاً بحقه في سؤاله كمدني أمام القضاء المدني وليس العسكري، مما أدى لحبسه مرة أخرى في 30 أكتوبر 2011 إلى أن انصاعت الإدارة العسكرية وأحالت علاء أمام نيابة أمن الدولة العليا التي باشرت التحقيقات حتى تم إخلاء سبيله من قاضي التحقيقات في 25 ديسمبر 2011 بعد أن حُرم من حضور ولادة إبنه الوحيد “خالد” والذي سماه تيمنا بأيقونة الثورة المصرية الشهيد خالد سعيد.

لم يتغير الوضع كثيرا في ظل أول رئيس مدني منتخب “محمد مرسي” والذي برغم تأييد علاء والكثير من النشطاء السياسين له في جولة الإعادة أمام ما وصف بمرشح النظام السابق أحمد شفيق، فسرعان ما انقلب نظام مرسي على داعميه ووجه لعلاء ومجموعة من النشطاء إتهامات بالتجمهر والإتلاف في مارس 2013 بعد تظاهرهم أمام مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين والذين اعتدوا على المتظاهرين آنذاك وأدى الأمر إلى استدعاء علاء وزملاءه للتحقيق في اليوم التالي للتهديد الذي أطلقه الرئيس في خطابه باتخاذ الإجراءات تجاه ما وصفهم بالمحرضين.

تضمنت سيرة علاء في السجون قضية أخرى عبثية حين تم إتهامه من قبل مرشح الرئاسة السابق أحمد شفيق بالمشاركة في حريق مقره الإنتخابي إبان إنتخابات الرئاسية 2012، وهي القضية التي ظلت حبيسة الأدراج منذ عهد المجلس العسكري حتى بدأت الخلافات بين علاء ونظام مرسي فقام بفتح التحقيقات فيها، فقام شفيق بالتنازل عن البلاغ، إلا أنه وفي عهد عدلي منصور صدر الحكم ضد علاء وأخته منى سيف بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ للعقاب علي جريمة لم يكن حاضرا بها ولا يوجد أي دليل حقيقي عليها.

مع انتهاء عصر الإخوان وتولي الرئيس المؤقت عدلي منصور الحكم وأثناء مناقشات تعديلات الدستور، في نوفمبر 2013 شارك علاء وعدد من النشطاء في وقفة إحتجاجية سلمية أمام مجلس الشورى المصري للاعتراض على مادة تضمنت السماح بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، تلك الوقفة التي لم تستمر لدقائق وتم تفرقتها بالعنف تحت راية قانون التظاهر الذي كان قد مر على صدوره يومان فقط في حينها، وبعد فض التظاهرة والقبض على العديد من المتظاهرين أصدرت نيابة قصر النيل أمر ضبط وإحضار لعلاء تضمن اتهامه بالتعدي علي أحد الضباط وسرقة جهاز اللاسلكي الخاص به، وفي 28 نوفمبر قام عشرون من رجال الشرطة باقتحام منزل علاء، وكسر الباب، ومصادرة أجهزة الحاسب الخاصة والتليفونات المحمولة الخاصة بالعائلة. عندما سأل علاء عن المذكرة القضائية الخاصة بالقبض عليه، قامت الشرطة بالاعتداء عليه جسديًا وعلى زوجته.

أثناء محاكمة علاء، وبعد أن أخلي سبيله أصدرت محكمة الجنايات حكما غيابيًّا _رغم تواجده وباقي المتهمين أمام مقر انعقاد المحكمة في انتظار السماح له بالدخول _ وقضت بمعاقبة علاء عبدالفتاح، و24 آخرين، بالسجن المشدد لمدة 15 عامًا، وتغريم كل منهم مبلغًا قدره 100 ألف جنيه، ووضعتهم تحت المراقبة الشرطية لمدة 5 سنوات من تاريخ صدور الحكم، وتم إلقاء القبض على علاء على الفور من أمام السجن، وبعد إعادة المحاكمة قضت المحكمة  بالحبس خمس سنوات وغرامة على المتهمين قدرها 100 ألف جنيه مصري لكل منهم، على أن يخضعوا للمراقبة لنفس المدة الزمنية وهي خمس سنوات إضافية بعد قضاء فترة العقوبة.

أثناء محاكمة علاء تم القبض على شقيقته الصغرى سناء أثناء مسيرة لمقر الرئاسي بالقاهرة للمطالبة بإلغاء قانون التظاهر الذي كان قد صدر حديثاً وقتها يوم 21 يونيو 2014 كجزء من فعاليات اليوم العالمي للتضامن مع المعتقلين المصريين، وحكم فيها لاحقاً على سناء وزملائها بالحبس 3 سنوات وغرامة 10 آلاف جنيه.

كما لو كان القدر يضع صورة جديدة لمأساة العائلة المقدسة، توفي الأب والمُعلم الأستاذ أحمد سيف الإسلام أثناء محاكمة أبناءه علاء وسناء في 27 أغسطس 2014 ليحضر الإبنان جنازة والدهم بزي السجن الأبيض تحت حراسة الشرطة في مشهد مهيب، تجمع الآلاف من جميع الأطياف السياسية المتناحرة ليشيعوا أحد أهم رموز حقوق الإنسان في تاريخ مصر الحديث، ولتظل رسالته الأيقونية التي أرسلها لهم قبل وفاته بشهور والتي قال بها: “أنا آسف إني ورثتك الزنازين اللي أنا دخلتها…لم انجح في توريثك مجتمع يحافظ على كرامة الإنسان .. وأتمنى أن تورث خالد حفيدي مجتمع أفضل مما ورثتك إياه”

سجين كل العصور

في 29 مارس 2019 تم الإفراج عن علاء من السجن بعد أن أنهى فترة عقوبته ال5 سنوات كامله – رغم صدور عفو رئاسي عن باقي المسجونين معه في ذات القضية في أوقات سابقه- ليبدأ علاء معاناه جديدة مع فترة المراقبة والتي كانت 12 ساعة يومياً ليطلق بعدها عدد من الحقوقيين والسياسيين حملة إلكترونية ضد عقوبة المراقبة، وقد دشنت الحملة تحت عنوان ” سجن نص اليوم” والتي تطالب بضرورة إلغاء عقوبة المراقبة، والتي أصبحت شكلا جديدا من أشكال العقوبة والمهانة بحق المعارضين؛ بهدف تقييد حركتهم.

وواصل عبد الفتاح التدوين عبر صفحته الخاصة على موقع التواصل الإجتماعي الفيسبوك عن مدة المراقبة ووصفها بالمذلة والمهينة، حيث قال في أحد تدويناته:” تبهجني فرحتكم بخروجي من السجن لكن للأسف أنا مش حر. ولا حتى بالمعنى المنقوص للحرية الدارج في بلادنا، أنا بسلم نفسي كل يوم لمهانة و مذلة اسمها المراقبة، بالمنطق المفروض اقضيها في ظروف أفضل من السجن مش اسوأ، بالقانون المفروض اقضيها في بيتي، بالحس التقدير ٦٠ شهر سجن ثمن كافي و زيادة لمظاهرة دامت ربع ساعة حتى في دولة قمعية”. وأختتم تدوينته قائلاً:” بالعدل…. ولا بلاش العدل لحسن موضوع العدل ده بيزعلهم”.

لكن حتى حرية نص اليوم تلك لم تستمر طويلاً لعلاء ففي 29 سبتمبر تم التحفظ عليه من مقر مراقبته بقسم الدقي وتم عرضه على نيابة أمن الدولة في القضية رقم ١٣٥٦ لسنة ٢٠١٩ حصر أمن دولة عليا باتهامات هلامية من التي توجه عادة للألاف من المحبوسين سياسياً في مصر وهي بنشر أخبار كاذبة ومشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها وتكدير الأمن والسلم العام، على خلفية الدعوة للتظاهر للمطالبة برحيل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وجاء ذلك بعد تظاهرات 20 سبتمبر في مصر والتي حبس على أثرها أعداد كبيرة من المواطنين اختلف تقديرهم من 3 إلى 9 ألاف شخص.

بعد انتهاء التحقيق مع علاء تم إلقاء القبض علي المحامي الحقوقي #محمد_الباقر أثناء حضوره أمام نيابة أمن الدولة العليا للدفاع عنه وتم ضمه إلى نفس القضية وصدر قرار بحبسهما احتياطياً لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيق.

ثم نُقل علاء وباقر إلى “سجن طرة شديد الحراسة 2″، وهو سجن سيء السمعة في مصر ويُعرف أيضاً باسم “سجن العقرب 2”. وهناك تعرَّضا لعصب عينية وجرّدا من ملابسهما، على أيدي ضباط السجن الذين انهالوا عليهما ضرباً وركلاً عدة مرات، كما وجهوا لهما تهديدات وشتائم.

بعد مرور ال15 يوم التي أمرت النيابة بحبسهم خلالها، حضر علاء والباقر في جلسة تجديد حبسهم أمام نيابة أمن الدولة. وتعرضا أيضا للتعذيب حال وصولهم لسجن طرة شديد الحراسة ٢ بعد قرار النيابة بحبسهم 15 إحتياطياً مرة أخرى، دون فتح أية تحقيق أو اتخاذ أية إجراء حقيقي، فأعادتهم لذات السجن الذي تم تعذيبهم فيه أول مرة في مخاطرة واضحة بحياتهما.

لنيابة أمن الدولة العليا في مصر سلطات استثنائية حيث يحق لها ممارسة سلطات قاضي التحقيق في إصدار أوامرها بحبس المتهمين لمدة 15 يوماً في كل جلسة تجديد على أن لا تتخطى تلك المدة 5 أشهر ثم يتم عرضهم على دائرة استئنافية للنظر في أمر تجديد حبسهم من عدمه وفي حالة التجديد يكون للدائرة حبس المتهم 45 يوماً.

وحين مثل علاء وباقر لجلسة تجديد حبسهم أمام دائرة الاستئناف صدر بالفعل قرار بإخلاء سبيلهم إلا أن النيابة على الفور استأنفت علي هذا القرار. وقررت محكمة الجنايات قبول استئناف النيابة على قرار إخلاء سبيلهما، واستمرار حبسهما 45 يوما أخرى.

ومع إنتشار وباء الكورونا في مصر أصدرت السطات قرارا بغلق السجون ومنع الزيارات، فضلا عن إيقاف جلسات المحاكمات وأصبح يُنظر في تجديد أمر حبسه المتهمين ورقياً دون حضورهم ومحاميهم في مخالفة صريحة للقانون. وعلى الرغم من دعاوي إخلاء سبيل المتهمين إلا أن ذلك لم يجد أصداء حقيقية لدي أجهزة الدولة.

نظمت أسرة علاء وقفة احتجاجية بالقرب من مقر مجلس الوزراء ومجلس النواب، للمطالبة بالإفراج عن السجناء خوفا من تفشي فيروس كورونا في السجون. إلا أن قوات الأمن قد ألقت عليهم القبض وأحالتهم لنيابة قصر النيل بتهمة نشر أخبار كاذبة، والتي أصدرت قرارها بإخلاء سبيل كل من ليلى سويف وأهداف سويف ورباب المهدى ومنى سيف بكفالة 5 آلاف جنيه.

لم يكن ما سبق كافيا لقوات الأمن والتي بعد أن أخلت نيابة قصر النيل سبيل السيدات الأربع، قامت بنقل الدكتورة ليلي سويف إلى نيابة أمن الدولة منفردة وعرضها في قضية مختلفة بذات الاتهامات والتي قامت بدورها بإخلاء سبيلها بكفالة 3 ألاف جنية.

ومع استمرار منع الزيارة عن علاء ورفض السجن حتى استلام أي أدوات نظافة لتسليمها له، أعلنت أسرة علاء دخوله في إضراب عن الطعام فقط دون الشراب، احتجاجًا على منع الزيارات، وتم تحرير محضر رقم 2610 سنة 2020 إداري المعادي وعرض المحضر على نيابة المعادي التابع لها منطقة سجون طرة المحتجز بها علاء بتاريخ 13 أبريل.

وقالت شقيقته منى سيف إنها تُحمّل كل ضابط بسجن شديد الحراسة2- وعلى رأسهم الضابط بجهاز الأمن الوطني أحمد فكري الذي وصفته بالمسؤول عن تكدير المعتقلين هناك- مسؤولية صحة وسلامة علاء وكل المعتقلين معه، لافتة إلى أن المسؤولية الرسمية تقع على مأمور السجن، وعلى رئيس مباحث السجن، وعلى النيابة والقضاء المسؤولين عن استمرار حبسه رغم سقوط أمر الحبس.

إضراب علاء عبد الفتاح عن الطعام هي صورة جديدة من صور مواجهته لأنظمة القمع في مصر والتي جعلته أسير السجون المختلفة لسنوات، وغائبا عن إبنه الوحيد الذي يشب بعيداً عن والده، والذي تحول كجده إلى رمز من رموز المقاومة المصرية.

وسجل الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي كفاح علاء في السجن سنة 2011 بقصيدته الشهيرة “ضحكة المساجين” والتي لا تزال تصلح لوصف علاء حتى الآن:

تغازل العصافير.. قُضبانها

زنزانة لاجلَك كارهة سجّانها

دُوق زيّنا حلاوة الزنازين.

مُتاح أيضًا بـ: "علاء عبد الفتاح   سجين كل العصور الذي تجلت في ابتسامته ضحكة المساجين"English (الإنجليزية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
Skip to content