برنامج اصلاح السياسات والتشريعات

تونس: هنا يباع البيتكوين خلسة

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

اعداد : بلال الشارني

فيديو : وائل غرسة

“الاصل في الاشياء الاباحة”، قاعدة قانونية شهيرة، أما هنا في تونس فالمواطن متهم حتى يثبت برائته، فهو خارج عنالقانون بالضرورة بما أن هذا القانون لم يعد صالحًا لا لهذا المكان ولا لهذا الزمان.

حسام بوقرة.. المهندس الذي يتعاطى الالعاب الالكترونية !

اقتحمت قوات الامن التونسي يوم 13 مارس 2021 منزل المهندس التونسي حسام بوقرة لتلقي عليه القبض بتهم تتراوح بين الخطيرة والغريبة حيث  وجهت له تهمة تتعلق بالارهاب، وتهمة تبريد جثث واعضاء، وتهمة تعاطي ألعاب إلكترونية دون رخصة. لتقرر النيابة العمومية تغيرها فيما بعد الى تهمتي تبييض الأموال، وتعدين العملة الرقمية.

كما تم في نفس الواقعة ايقاف صهر حسام لمدة 48 يومًا بسبب تواجده في المنزل ساعة المداهمة، الامر الذي تسبب في خسارة مورد رزقه.

وحيث ان المنظومة التشريعية التونسية لا تعترف بالعملة الرقمية ولا بتعدينها، فقد اعتبر قاضي التحقيق أن لا قضية في الموضوع مؤكدًا ان حسام بوقرة قد استعمل ووظف تقنياته لكسب مكافآت مالية مشروعة، وأمر بحفظ نصوص الاحالة بخصوص عملة البيتكوين واذن بالافراج على المهندس حسام لعدم وجود جريمة.

إلا أن مساعد وكيل الجمهورية بالمنستير قرر الاستئناف ومواصلة الاحتفاظ بالمهندس حسام، الذي لم يعد قادرًا على السير وفقد إحدى عينيه داخل السجن بسبب إصابته بمرض السكري واضرابه عن الطعام احتجاجًا على هذا الوضع الغير قانوني والانتهاك الذي يتعرض له.

واضافة إلى تعكر حالته الصحية، فالمهندس حسام كان قد ارسل قبل محاكمته بأيام رسالة من داخل سجنه يطلب فيها مساندة المدافعين عن حقوق الانسان في تونس، معلنًا اعتزامه خياطة فمه وابتلاع قطع معدنية تعبيرًا عن رفضه لمواصلة سجنه ظلمًا دون تهمة أو نص قانوني أو قرار قضائي.

فيما يلي نص الرسالة: ” أبعثلي حقوق الإنسان الليلة باش نخيط فمي بالتل وبش نبلع 3 طروف حديد سامحوني الناس الكل” 

” تعبت والدنيا سخونة ومريض نفسانيًا وعصبيًا مقهور ومظلوم وماحبوش يخرجوني للوكيل العام نحبكم برشا الناس الكل سلملي وبوسلي الصغار خاطر صعيب كان نمنع المرة هذي يا نموت يا نروح المرة إلي فاتت قعدت بالكروسة المرة هذه فيها موت على الأقل نموت مظلوم الشورت إلى بالأصفر أعطيه لمعز”

وفي اخر مستجدات هذا الملف، أصدرت دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف بالمنستير يوم الثلاثاء 22 جوان/يونيو 2021 قرارا بإبطال قرار ختم البحث الصادر في قضية حسام بوقرة وأذنت بالإفراج مؤقتًا و تحجير السفر عليه إلى حين البت بصورة نهائية في القضية.

هذا وقد نفذت في نفس اليوم تنسيقية ائتلاف المنظمات الناشطة في الحقوق والحريات الرقمية، وأفراد من عائلة الشاب حسام بوقرة وقفة مساندة للمطالبة بإطلاق سراحه، أمام المحكمة المذكورة.

البيتكوين.. ماذا ؟

حسب موقع “bitcoin” فإنّ “البتكوين هو شبكة جامعة توفر نظامًا جديدًا للدفع ونقودًا إلكترونية بشكل كامل. وهو أول شبكة دفع غير مركزية تعمل بنظام الند-للند، يتم إدارتها بالكامل من قبل مستخدميها بدون أي سلطة مركزية أو وسطاء. من وجهة نظر المستخدم، فـ”البتكوين” يمكن تشبيهها إلى حد كبير بالعملة النقدية الخاصة بالإنترنت.

و”لا أحد يملك شبكة البتكوين تمامًا كما لا يوجد أحد يمتلك التكنولوجيا المحركة للبريد الإلكتروني. ويتم التحكم في “البتكوين” من قبل جميع مستخدميه من جميع أنحاء العالم. بينما يقوم المطورون بتحسين البرنامج، لا يمكنهم فرض تغيير في بروتوكول البتكوين لأنّ جميع المستخدمين لديهم مطلق الحرية لاختيار أي برنامج يمكنهم استخدامه. من أجل البقاء على توافق مع بعضهم البعض، يحتاج المستخدمون لاستعمال برامج تتماشى مع القواعد نفسها. ويمكن أن تعمل البتكوين بشكل جيد فقط عندما يكون هناك إجماع وتكامل بين جميع المستخدمين. ولهذا، جميع المستخدمين والمطورين لديهم القدرة والحافز على تبني وحماية هذا الإجماع”.

كما أنّ “الدفع بواسطة “البتكوين” أسهل من الشراء بواسطة بطاقات الائتمان، ويمكن قبوله دون الحاجة لوجود حساب بنكي للتاجر. وتتم مدفوعات “البتكوين” من خلال برنامج لمحفظة “البتكوين”، إما من خلال الكمبيوتر الشخصي أو الهاتف الذكي، عن طريق إدخال عنوان المستلم والمبلغ المدفوع والضغط على إرسال، دون الحاجة إلى معطيات شخصية لاحد الطريفين، ما يجعل هذه العملية مستحيلة التعقب.

هذا اضافة إلى أن البيتكوين لا تخضع في قيمتها إلى لقاعدة العرض والطلب، على اعتبار غياب اي سلطة مركزية تتحقق من استقرارها، أي انها لا ترتبط باي شكل من الاشكال باحتياط الذهب، الامر الذي حذرت منه الدوائر المالية في العالم مرارًا وتكرارًا، حتى ان مجلس البنك الدولي كان قد منع تداول العملات الرقمية المشفرة على مستوى المؤسسات البنكية الكلاسيكية في العالم، على ان تعمل البنوك المركزية على انشاء عملات رقمية مركزية خاصة به، ويعمل على استقرارها، دون ان تكون مشفرة أو تشاركية.

قوانين قروسطية تسطو على احلام الثوار

في تونس يتم حظر التعامل بمثل هذه العملات على الرغم من غياب قانون يجرّم أو ينص على منع استخدام العملات الرقمية, بل على العكس فان الفصل 28 من دستور الجمهورية التونسية ينص على أن «العقوبة شخصية، ولا تكون إلا بمقتضى نص قانوني سابق الوضع، عدا حالة النص الأرفق بالمتهم.” وبالتالي فلا جريمة بدون نص قانوني سابق الوضع لتاريخ وقوع الجريمة. والقانون التونسي لا يفرض الحصول على رخصة مسبقة لتعاطي الألعاب الإلكترونية أو عمية التعدين المسؤولة على انتاج البيتكوين وبالتالي فإن المبدأ هو حرية الممارسة. ليطرح السؤال حول أسباب توجيه مثل هذه التهم دون وجود سند قانوني للتجريم.

ونلاحظ في قضية الحال استماتة مريبة للنيابة العمومية في إدانة المهندس حسام رغم حفظ قاضي التحقيق للملف لمرتين متتاليتين, حتى انها غيرت لوائح الاتهام اكثر من مرة، لتتحول من تبريد جثث واعضاء وارهاب ولعب PUBG دون رخصة (لا نص قانوني على هذه التهمة المزعومة) الى تزوير وتبيض أموال إلى تعدين عملة رقمية (لا نص قانوني على هذه التهمة المزعومة).

الامر الذي اشار اليه الناشط في مجال الدفاع عن الحقوق الرقمية والفنان التونسي بيرم الكيلاني في تدوينة له على فايسبوك مؤكدًا ان اطرافًا بعينها، رئيس فرقة في جهاز الشرطة على حد تعبيره، تعمل جاهدة على ابتزاز هؤلاء الشباب.

وقد اعتبرت المحامية منجية بلحاج عمر أنّ الأصل في الأمور هي الإباحة وهو مبدأ عام في القانون المدني والجزائي يخضع إلى القانون المدني ككل ويخضع للجزائي في قواعد الخاصة. وكلما انعدم النص الخاص في الجزائي في التشريع، نعود للمبادئ العامة للتفسير والتأويل. والبتكوين هو الإباحة، وفي التشريع الخاص لا يوجد أي نص ينصّ على البتكوين باعتبارها شيئًا جديدًا، أي ما زال هناك فراغ تشريعي بالنسبة لهذا الأمر.

وتابعت المحامية أنه يوجد مبدأ لشرعية الجرائم والعقوبات وهو مبدأ دستوري، بمعنى لا يعاقب شخص ما إلا بنص سابق الوضع. مما يدعو إلى التساؤل: هل فقه القضاء قادر على تغطية الفراغ القانوني بالإدانة؟ لأنّه لا بد من نص تشريعي خاص. وهل يمكن إدانة شخص بتعلة اعتبار الأمر توريد عملة دون ترخيص؟ أمر كله مغلوط من الناحية القانونية ومن ناحية الدستور. ولا بدّ من نص قانوني ينظم المسألة. وحتى في صورة نص قوانين منظمة للأمر، لا يمكن إدانة أي شخص بسبب مبدأ عدم الرجعية لأن القانون لا يطبق بصفة رجعية”.

ردود الفعل حول منظومة التقدم الى الوراء

ولئن لم تكن قضية الشاب حسام سابقة في تونس، فكانت ردود الافعال والآراء حول الموضوع كثيرة في سياق واحد وهو الفراغ التشريعي الذي يفتح الباب لبعض المتربصين بهذه الكفاءات، حيث اصدر حزب افاق تونس بيانًا اعتبر فيه هذه الممارسات الامنية زجرية وتعسفية ولا تتلاءم مع التحولات الرقمية والمالية الكبرى التي يشهدها العالم، داعيًا البنك المركزي ووزارة المالية إلى التعامل الإيجابي والمرن مع هذه الأنشطة.

ياسين العياري النائب عن حزب أمل وعمل من جهته نشر تدوينة على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك, طرح خلالها بعض الحلول لتقنين عملية تداول العملات الرقمية المشفرة وغير المشفرة عبر فتح امكانية استخدام المنحة السياحية المقدرة ب6 الاف دينار, متهمًا النواب في البرلمان بعدم التفاعل مع المقترحات التي قدمها لجمع الامضاءات التي تسمح له بتقديم المشروع مشروع القانون للمجلس.

البنك المركزي كان له طبعًا رأي آخر، حيث عبر محافظه الشاذلي العياري عن رفضه التعامل بالأموال الافتراضية في البلاد وعلى رأسها بتكوين والعملات الإلكترونية المشفرة بصفة عامة، مؤكدًا أن هذه المواقع تستعمل تكنولوجيات عالية التشفير، ممّا يجعل عمليات تعقبها شبه مستحيلة إلى جانب أنها تمكن مستعميلها من التهرب الضريبي.

منذ سنة 2003 تبنى المجتمع الدولي إعلان مبادئ القمة العالمية حول مجتمع المعلومات خلال القمة العالمية حول مجتمع المعلومات خلال مرحلة جنيف، والذي امضت تونس على بنوده, مؤكدًا على شمولية كل حقوق الإنسان والحريات الأساسية وعدم تجزئتها والترابط بينها، بما في ذلك حق التطوير على النحو الموضح في إعلان فيينا-.

مشيرًا إلى أنه  لا يجب ألا يتم استثناء أي شخص من الامتيازات التي يوفرها مجتمع المعلومات.”

كما تقر تونس, باستضافتها وتوقيعها على وثيقة “التزام تونس” الذي مثلت احدى مخرجات القمة العالمية للمعلومات في نسختها الثانية سنة 2005 بأن ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يمكن أن يكون لها آثار إيجابية ضخمة كأداة من أدوات التنمية المستدامة. وعلاوة على ذلك فإن تهيئة بيئة تمكينية مناسبة على المستويين الوطني والدولي من شأنها أن تمنع تزايد الفروق الاجتماعية والاقتصادية وأن تقلل من اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى البلدان والمناطق والأفراد وكذلك بين الرجال والنساء.

ما العمل؟

في حين ان دولًا رقمية بالكامل تتأسس، يبقى تخلف المنظومة المالية والقانونية التونسية أكبر عائق امام تطور بلاد تشكو هجرة الأدمغة.

وفي حين تصر الدولة على الدفاع عن قوانينها الاثرية، ينطلق الشباب نحو افق ارحب, تعدين البيتكوين والاستثمار فيه قديم في تونس قدم نشأة العملة الرقمية المشفرة بعيدًا عن فهم النظام لضرورة مسايرة التطور ومراعاة انه لا يمكن عزل تونس عن بقية العالم.

في الجهة المقابلة، يقف الناشطون والمدافعون عن تطوير القوانين الخاصة بالعالم الرقمي عمومًا مطالبين بإسقاط تشريعات منتصف القرن الماضي عن شعب 64%  منه متصل بشبكة الانترنات.

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
Skip to content