اصدارات برنامج الدراسات والبحوث

التقرير ربع السنوي الأول أكتوبر/ديسمبر 2020 -تونس

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

I. السياسات والتشريعات المتعلقة بالإنتقال الديمقراطي في ميزان الانتقال الثاني

تعتبر أزمة الإنتقال الديمقراطي أزمة انتقال وأزمة ديمقراطية في نفس الوقت. وهو ما يحال التقرير ربع السنوي الأول لمركز دعم استعراضه عبر مفهوم عابر، هو مفهوم الإنتقال الثاني. باعتبار الأخير ترجمة لبناء سلطة سياسية قادرة على إدارة الإنتقال وإنهاءه وفق شروط ومبادئ وغايات ترتبط بجميع الملفات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يبقى بعيدًا عن التحقق. فمؤسسات وسلطات الإنتقال وإدارته مرتبكة وضعيفة وفي نفس الوقت لا تجد رافدًا ديمقراطيًا في الأحزاب والمشهد السياسي، مع وطأة الواقع المادي والمالي، يساهم في ضمان فاعليتها وتوجيهها. تستعرض الأقسام بتفصيل مؤشرات أزمة الإنتقال وأزمة الديمقراطية في تونس خلال فترة الرصد.

 1- السلطات الثلاث والتوازن بينها : 

أ- مجلس نواب الشعب: بين أزمة التمثيل والحكم

مع بداية شهر أكتوبر، بدأ مجلس نواب الشعب الدورة البرلمانية العادية الثانية من المدة النيابية 2019-2024. وتوزعت الكتل البرلمانية مع بداية هذه الدورة مقارنة بالدورة الفارطة على الشكل التالي:

 

تجدر الإشارة الى انه وبعد سلسلة من الاستقالات اختفت كتلة المستقبل التقنية التي تكونت مع بداية الدورة البرلمانية العادية الأولى. لم تعد الدور الثانية بالكثير منذ بدايتها حيث بموفى شهر اكتوبر تغيرت تركيبة المجلس كالتالي، وذلك بعد استقالة 7 نواب من الكتلة الوطنية.

تواصل خلال فترة الرصد النقاش حول تعديل النظام الداخلي للمجلس، حيث صادقت لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين البرلمانية والقوانين الانتخابية في جلسة يوم الثلاثاء 17 نوفمبر 2020 على مقترح التعديل بأغلبية الاعضاء الحاضرين مع تسجيل اعتراض وحيد وتحفظ نائب اخر. وتم برمجة الجلسة العامة بتاريخ 5 جانفي/يناير 2020. وفي هذا الصدد أوضح رئيس اللجنة أنّه تمّ إلغاء اللجان الخاصّة والإبقاء على اللجان القارة مع الزيادة في عددها من 9 إلى 14 لجنة والتخفيض في عدد الأعضاء من 22 إلى 15 عضوًا على أن يتمّ تركيز لجان خاصّة لموضوع معيّن أو مهمّة خاصّة.

وبخصوص غيابات النواب أكّد رئيس اللجنة انّه تمّ تشديد العقوبات على الغيابات المسجلة في الجلسات العامّة واللجان بالتخفيض في الحد الادنى للجلسات العامة المخول التغيب فيها والزيادة في نسبة الإقتطاع بسبب الغياب ووضع مجموعة من العقوبات التي يتخذها رئيس الجلسة أو رئيس المكتب في هذا الإطار. أمّا بخصوص السياحة الحزبية فقد أوضح أنّ التعديل المقترح نصّ على أنّ النائب الذي يستقيل من كتلته لا يمكنه أن ينتمي إلى كتلة أخرى بالبرلمان وانّ من يستقيل من الحزب الذي فاز تحت رايته يفقد عضويته في البرلمان (الفصل 45 جديد) مبيّنًا انّ إشكالا دستوريًا تعلّق بهذه النقطة لكن سيتمّ تدارس المسألة والتفاعل في خصوصها خلال الجلسة العامّة، على حد تعبيره.

لعل التعديلات المقترحة تعد بتغيير المشهد البرلماني إلا أنها لن توفي بوعودها لجهة ارتباطها في الواقع بمحددات أخرى تتجاوز النظام الداخلي.

المشهد الحزبي: يتراوح هذا المشهد بين أحزاب ايديولوجية هاجسها التموقع السياسي والحفاظ على الوجود وبين أحزاب “وظيفية” وأحزاب مبنية على رد فعل ايديولوجي حاد. بينما واصل الحزب الدستوري الحر في خطابه المبني على التناقض مع التيار الإسلامي ممثلًا في حركة النهضة، يلعب إئتلاف الكرامة في المجلس دورًا وظيفيًا يجعله يتماهى مع الحركة في تموقعها عبر تبني الخطاب المضاد للحزب الحر الدستوري، لكنه في نفس الوقت قادر على تغيير موقفه من حزب قلب تونس الذي انضم له في الحزام السياسي للحكومة. وهو ما يعطي انطباعًا عن تحول الحدود بين “الجماعات” السياسية حسب ضرورات التموقع السياسي. ألغى هذا الطابع الوظيفي الضيق الدور الوظيفي الذي يجب أن تلعبه التنظيمات السياسية والحزبية على وجه الخصوص. تشكل الأحزاب عادة صلة ربط بين الإرادة الإنتخابية والمؤسسات السياسية والسلطات ومخرجاتها، إلا أنها بسبب هذا الدور تؤدي إلى إضعاف هذه الصلة. ذلك أن جميع الأحزاب تلاقي رفضا من الرأي العام بسبب التغييرات التي تختلف عن توقعات مسانديها.

وقد اشار التقرير نصف السنوي السابق لمركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان المعنون “الانتقال الديمقراطي: تعثر التحول بين جمود المؤسسات وعسكرة الدولة والمجتمع” إلى هذا المعطى. لا يبدو أن الأحزاب بصدد تغيير أدائها بعد أن مثلت نتائج الإنتخابات التشريعية والرئاسية صدمة لها بسبب ظهور ميل واضح لدى المواطنين إلى تغيير الشخصيات المتصدية للشأن العام، فقد شكل الشد والجذب بين الجهتين المشهد البرلماني في الدورة الأولى، وهو يتواصل، خلال فترة الرصد، على ما هو عليه. بل وتطور إلى عنف مادي ولفظي فقد تعرض النائب عن التيار الديمقراطي أنور الشاهد إلى اعتداء من قبل نائب من إئتلاف الكرامة داخل المجلس وأثناء مشاركته في النقاشات في لجنة شؤون المرأة، ما أدى إلى إصابته بوجهه إصابة أسالت دماءه، ليتبادل إثرها النواب الشتائم والسب، وترتفع الأصوات وتتشابك الأيدي[2].

تأصيل الممارسة الديمقراطية: لا يمكن دمقرطة المجتمع والدولة إن لم تكن الأحزاب ديمقراطية خاصة أنها المعنية بإدارة الشأن العام بعد ضمان تمثيلية دنيا للمواطنين. مثلت أزمة حركة النهضة الداخلية مؤشرًا عن طبيعة الحياة الحزبية في تونس. سبق ان قد توجّه مائة قيادي في حركة النهضة، في منتصف شهر سبتمبر 2020، من بينهم وزير الصحة السابق عبد اللطيف المكي وسمير ديلو إلى رئيسها راشد الغنوشي لمطالبته بالتعهد باحترام النظام الداخلي للحركة وعدم الترشح لرئاستها خلال المؤتمر الحادي عشر الذي تم تأجيله بتاريخ 16 نوفمبر 2020 بعد اجتماع مجلس شورى الحركة، وينص النظام الداخلي للحركة في فصله الـ 31 على أنه “لا يحق لأي عضو أن يتولى رئاسة الحركة لأكثر من دورتين متتاليتين”. لكن بسبب الخلافات بين تيارين أحدهما ينادي بالتداول وآخر يدعم رئيس الحركة الذي ترأسها لفترات مختلفة تجاوزت الثلاثين سنة لم يتم عقد المؤتمر ليعطي انطباعًا عن غياب التسيير الديمقراطي داخل أكثر الأحزاب استقرارًا.

 

بالإضافة الى ما سبق، لا تختلف بقية الأحزاب عن حركة النهضة حيث تتواصل شخصنة المشهد الحزبي، كما هو حال الحزب الدستوري الذي يُختصر في صورة الأمينة العامة عبير موسي، فيما يطرح إئتلاف الكرامة مثالا عن تضخم الذوات في أعضاءه. يتمسك هؤلاء بخطاب تمجيدي للأشخاص يميزهم عن غيرهم يتجاوز استعادة الخطاب الثوري الى التركيز على خطاب الهوية والوطنية التي تراجع تاريخ المجتمع والدولة ومواجهة الإستعمار وتراثه مع حمولة دينية بارزة.

يفقد مجلس النواب وزنه بسبب ضعف الوظيفة التمثيلية للأحزاب لصالح أدوارها الوظيفية المتحركة حسب الصراع السياسي. وهي وظيفة ضعيفة في الأصل بسبب الهوة بينها وبين المجتمع. فلا يوجد في جل الأحزاب قاعدة شبابية حقيقية توفر قيادات جديدة وقواعد موسعة وممتدة في المجتمع.

بناء على ما سبق، يمكن القول أن تعديل النظام الداخلي لا يعد بالكثير بدوره، فهو حل جزئي لإشكالية مرتبطة بتأصيل الديمقراطية في الحياة السياسية سواء في الدولة أو المجتمع وممثليه. بل أدى الوضع القائم اليوم إلى تنامي التشكيك في الديمقراطية وتدعيم الحنين إلى الماضي. وهي الفجوة التي سمحت لتيارات سواء شعبوية مشككة في الديمقراطية واشتراطاتها أو في الثورة التي كانت سببًا في جعلها ممكنة، بالظهور وتصدر الساحة. بالنتيجة، أصبحت جميع القوانين محل خلاف خاصة فيما تم رصده بخصوص قانون الميزانية والإجراءات الإستثنائية داخل مجلس النواب لمواجهة تفشي الوباء. وهي مشاريع كشفت عن حج الصراع بين السلطات وبين مؤسسات الدولة نفسها. فقد دخل البنك المركزي على الخط ليفرض سحب مشروع قانون الميزانية لمراجعته من قبل الحكومة. وفي الأخير فقد انعكست أزمة التمثيلية صلب المجلس على الحكم، وهو ما يبرز عمليًا في واقع السلطة التنفيذية برأسيها.

ب – السلطة التنفيذية: صراع رأسي السلطة : 

بعد مرور شهر منذ بداية حكومة هشام المشيشي في العمل بدأ الجدل حول ضرورة إجراء تحوير وزاري من أجل استبعاد الوزراء المحسوبين على قصر الرئاسة. أقال رئيس الحكومة يوم الاثنين 05 أكتوبر 2020 وزير الثقافة وليد الزيدي، أحد الوزراء المحسوبين على الرئيس قيس سعيد، وذلك على خلفية رفضه تنفيذ قرار الحكومة بتعليق التظاهرات الثقافية خوفًا من تفشي كورونا، ما اعتبر مقدمة لإجراء رئيس الحكومة تعديلًا وزاريًا شاملًا يرضي الجبهة البرلمانية الداعمة له والمكونة من حركة النهضة وحزب قلب تونس وإئتلاف الكرامة.

تعود جذور الصراع بين رأسي السلطة الى موفى شهر سبتمبر 2020 وبداية شهر أكتوبر بسبب خلاف حول بعض التعيينات التي رفضتها رئاسة الجمهورية على خلفية قضايا فساد تلاحق بعض الوزراء. كما أن خلفيات تكليف رئيس الحكومة هشام المشيشي حملت هي نفسها، حسب أهم الكتل البرلمانية، دلالات رغبة رئيس الجمهورية في التأثير على الحكومة وعملها، وإقصاء الأحزاب. وهو ما يتصل بأزمة التمثيلية المشار إليها أعلاه ويكرسها. وتحافظ رئاسة الجمهورية على خطاب شديد اللهجة ضدالأحزاب بسبب فشلها في إدارة الملفات الإقتصادية والإجتماعية. كما أنه يستند إلى رؤية تتجاوزها وتتجه الى تبني تصور مختلف لنموذج الحكم.

في ظل غياب تمثيلية فعالة قادرة على تصدير برامج وسياسات اجتماعية واقتصادية، تعمل الحكومة التونسية على الملفات بشكل موضعي ومحدود من أجل تهدئة الأوضاع. وهو معطى ظهر في تعاملها مع أزمة اعتصام الكامور. أعلنت الحكومة يوم 6 نوفمبر 2020، التوصل مع المحتجين في تطاوين إلى حل نهائي لأزمة الكامور، تمّ بموجبه إعادة تشغيل منشآت الطاقة، مقابل التعهد بتوفير مئات الوظائف، وإنشاء شركات حكومية للاستثمار في المنطقة.

في تفاصيل الإتفاق، كشف جانب منه عن وجود خيار التوظيف المنفصل عن التنمية. فالحلول المقترحة في أغلبها مرتبط بشركات ومؤسسات ذات صبغة عمومية غير قادرةعلى الإضافة في الإقتصاد المحلي، بل تعزز من الدور التشغيلي للقطاع العام عبر الإنتداب الكمي وليس النوعي.

وفي تفاصيل الإتفاق يتضح جانب من هذا المعطى:

  • تصنيف شركة البيئة والغراسة والبستنة بتطاوين كشركة ذات مساهمة عمومية تحت إشراف وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري وتخضع لزيادات القطاع العام.
  • الإذن في التسريع بخلاص أجور إطارات وأعوان الشركة.
  • الإذن بانتداب 1000 عونإطار.
  • تكليف اللّجان المحليّة للتّشغيل بملفّ الانتدابات مع ضمان تمثيليّة الوفد الجهوي الذي له كامل الصلاحيات في اختيار ممثليه.
  • إقرار مبدأ الزيادات العامة لأجور أعوان وإطارات الشركة تصرف بداية من شهر أكتوبر2020 (القسط الثاني والثالث من المنحة الخصوصية وزيادة سنوات2017-2018-2019) على أن يقع صرف المفعول الرجعي للزيادات بداية من شهر جانفي2021.
  • الإذن بانطلاق دراسة مخطّط الأعمال المعدّ من طرف الشّركة.
  • الإذن بإجراء تدقيق في مجال التّصرّف المالي والإداري وتحديد المسؤوليّات.
  • الإذن بالتّرفيع في رأس مال الشّركة على ضوء مخطّط أعمال يقدّم لهياكل الشّركة للمصادقة عليه في أجل لايتجاوز ثلاثة (03) أشهر .
  • الإذن بتمديد وإمضاء عقود مع الشركات البترولية وإعطاء الأولوية للشركة في العقود الجديدة وذلك لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد

كما جاء في الإتفاق الإذن بإنطلاق دراسات لإحداث شركات ذات مساهمة عمومية قادرة على خلق مواطن شغل في مجالات متعددة مرتبطة أساسًا بالخدمات البترولية والمواد الأولية والثروات التي تتوفر بالجهة (الشّركة الوطنيّة لاستغلال وتصنيع الجبس بتطاوين، الشّركة الوطنيّة للإعاشة والإقامات بتطاوين، الشّركة الوطنيّة للأشغال العامّة والخدمات البتروليّة والطّاقيّة بتطاوين، الشّركة الوطنيّة لنقل الأشخاص والمعدّات والمواد بتطاوين، الشّركة الوطنيّة للفلاحة واستصلاحها وتطويرها بتطاوين).

الإلتزامات المالية للدولة بعد الكامور:

0
دينار تونسي

وأيضًا لجأت الحكومة إلى التشغيل الفوري لعدد 215 موطن شغل قار بالصحراء قبل نهاية سنة 2020 والإذن بتقديم الانتدابات القارة المبرمجة بالصحراء لسنة 2021 و2022 و2023 إلى الثلاثي الأول لسنة 2021 وهي 70 انتداب.

عمليا، تعتبر هذه الخيارات محدودة لأنها لا تنخرط في برامج تنموية شاملة تتجاوز الإنهاك الذي يعيشه القطاع العام، كما أنها أرسلت رسائل سلبية إلى بقية الجهات في البلاد. فقد دفع نجاح الإحتجاج في الكامور بقيّة الجهات إلى السير على المنوال ذاته، فمباشرة بدأ محتجون في مناطق متفرقة في تنفيذ تحركات احتجاجية للمطالبة بتحسين الأوضاع التنموية، وتوفير وظائف للعاطلين عن العمل.[1]

بدأت الاحتجاجات من ولاية قابس بعد أن أغلق محتجون، مداخل المجمع الكيميائي التونسي، مطالبين بتفعيل عدة قرارات حكومية سابقة، تخصّ الولاية، وتتعلق بالتوظيف وباستحقاقات الجهة في التنمية والصحة والبيئة، ما أدى إلى الشلل التام للمجمع الكيميائي، وللمؤسسات المتواجدة في المنطقة الصناعية.[2]

أثبت تعامل الحكومة مع نتائج اتفاق الكامور عن تموقعها في موقع رد الفعل الذي يسعى الى تهدئة الأوضاع. فبعد أن أصدر رئيس الحكومة بيانا يعتمد فيه نموذج الكامور في التعامل مع الإحتجاجات مع تركيزه على ولايات قفصة وقبلي وجندوبة والقصرين وسيدي بوزيد، استدرك في بيان آخر بعد احتجاج ولايات أخرى ليؤكد أن ذكره للبعض منها، كان على سبيل الذكر لا الحصر.[3] ضمن هذا التوصيف، يتضح أن الحكم مرهون بالخلاف السياسي البعيد عن البرامج والرؤية المشتركة. وفي ظل النظام السياسي الذي لا يضمن نموذجًا تمثيليًا مستقرًا وغياب دور الأحزاب، تحول الحكم إلى مناكفات خطابية مشخصنة تتجاوز الإجراءات والمؤسسات. ومن الأمثلة على هذا المعطى هي زيارة رئيس الجمهورية لمقر وزارة الداخلية للإطلاع على الاستعدادات بمناسبة السنة الجديدة. خلال الزيارة ركز الرئيس قيس سعيد على صفته باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة “العسكري والأمنية” لأكثر من مرة. وهو ما فسره البعض على أنه رسالة ضمنية لرئيس الحكومة.

 

 في ظل هذه الوضعية، تواصلت توقف مشاريع الإصلاح التي بقيت وعدًا سياسيًا دون أفق تحقيق. وهو ما أبرزته وضعية السلطة القضائية التي اتضح في كل مرة حجم محاولات السيطرة عليها مع واقع تردي بنيتها التحتية واللوجستية.

خاض القطاع القضائي اضرابًا تواصل لمدة أكثر من شهر تقريبًا بعد ان انطلق في يوم 15 نوفمبر 2020 الى حدود منتصف شهر ديمسبر 2020 حيث وصلت الحكومة الى اتفاق واستئناف العمل في المحاكم يوم 25 ديسمبر.

وفي تفاصيله مطالب أربع أساسية، حسب رئيس حمعية القضاة:

بالإضافة إلى جملة م المطالب الأخرى التي لم يأتي على ذكرها رئيس جمعية القضاة في ظل عدم نشر الإتفاق للعلن من قبل الحكومة. وهو ما أثار رفضًا واسعًا لدى الرأي العام التونسي.لا توجد فعليًا ضمانت حقيقية بههذ الخصوص شأنها شأن الإتفاقات الأخرى التي أبرمتها الحكومة مع بقية القطاعات أو المحتجين. فالإكراهات وعدم تبلور رؤى مشتركة وغياب الإرادة السياسية متواصلة في إعاقة التغيير السلس في الإنتقال الديمقراطي.

في ظل هذا الوضع عاد التفكير مرة أخرى في حل التوافق والحوار الوطني بقوة. فعندما فشل مديرو الإنتقال على مستوى المهمة في الأطر المؤسسية والقانونية تم اختيار حلول من خارجها.

الحوار الوطني: دليل آخر على لا حوارية الإنتقال الديمقراطي

مثلت تجربة الحوار الوطني السابقة برعاية الرباعي نتيجة منطقية ومباشرة لسياق مرتبك عرف اغتيالات سياسية في أولى فترات الإنتقال الديمقراطي. كما أن تبعاته التي كرست فكرة التوافق بين أكبر الأحزاب لم تستطع إستكمال الشروط المؤسسية للإنتقال وخاصة فيما يتعلق بالهيئات الدستورية ولاسيما المحكمة الدستورية، كما أن بقية المشاريع المرتبطة بالإصلاح والتنمية متوقفة دائمًا وإلى اليوم. وهو ما يشير الى أن الحوار أو التوافق يتجاوز نفسه كحل إلى اشتراطات تتعلق بطبيعة أطرافه من أحزاب وشخصيات.

 سبق لبعض الأحزاب المعارضة أهمها مشروع تونس وحركة الشعب والتيار الديمقراطي المطالبة بالحوار الوطني، ليعود الإتحاد العام التونسي للشغل إلى اقتراح مبادرة وتسليمها الى رئاسة الجمهورية. تقترح المبادرة الوطنية للاتحاد المتعلقة بادارة حوار وطني ارساء هيئة حكماء تتولى الاشراف على حوار وطني يفضي الى توافقات من أجل انقاذ البلاد، وتكليف 5 شخصيات وطنية مستلقة ضمنها.

وقال الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي في لقاء خاص مع وكالة تونس افريقيا للأنباء، إن تسمية أعضاء هيئة الحكماء يخضع الى التوافق حول مقترحات يقدمها المشاركون في الحوار الوطني، وذكر الطبوبي، ان المبادرة تنص على أن يشمل مجال اختصاص الأعضاء الخمسة بهيئة الحكماء اختصاصات مختلفة تهم المجالات الاقتصادية والاجتماعية والقانون الدستوري، موضحًا أن اختيار الاختصاصات المذكورة يهدف إلى بلوغ توافقات بالاستناد إلى توصيات علمية. وبين أمين عام المنظمة الشغيلة، ان هذا التصور يجيز لرئيس الجمهورية، تقريب وجهات النظر من خلال الاشراف على جلسات تجمع الفرقاء المشاركين في الحوار الوطني.[2]

دفع الوضع الإقتصادي والإجتماعي بالأطراف جيمعها للتفكير في الحوار الوطني، حيث تداعت الأصوات المباركة للخطوة. لكن المفارقة أن نتائج الحوار الأول خففت من الأزمة لكنها لم توفر قاعدة لحل الأزمة السياسية التي تم إطلاقه من أجل حلها. بل تعمقت الأزمة السياسية وصار محلها السلطات الثلاث ومؤسسات الدولة. وانتقلت إلى عناصر الانتقال الديمقراطي وتكرست أكثر. وهو ما يظهر بالخصوص فيما يتعلق بمسار العدالة الإنتقالية ودور هيئة الحقيقة والكرامة.

2- مسار العدالة الإنتقالية : 

لخص تصريح رئيس جمعية القضاة أنس الحمايدي مسار العدالة الإنتقالية والنتائج التي وصل إليها. ففي إطار تقييم الدوائر الجنائية المتخصصة في العدالة الانتقالية في تونس وافاقها، أشار إلى أن تعطل الفصل القضائي في قضايا العدالة الانتقالية سببه النقص الذي تعانيه هذه الدوائر ونقلة القضاة الذين تم تكوينهم في الاختصاص وتكليف قضاة آخرين لم يتلقوا اي تكوين في العدالة الانتقالية. كما أوضح أن ذلك يعود إلى وجود تعطيل سياسي للملف ومبادرات موازية تمر مباشرة للمصالحة قبل المحاسبة.  واستنكر عدم القدرة الى حد الآن على الفصل في اي قضية من قضايا العدالة الانتقالية مبينًا ان عديد الجلسات تنعقد فقط لتأجيل النظر في القضية لا غير.[1]

يبدو أن ما كانت مقدماته منقوصة لا يمكن أن يحقق نتائج في المستوى المأمول. فقد مهد عمل هئية الحقيقة والكرامة لإنشاء الدوائر القضائية المختصة، لكن اتضح بفضل تقرير محكمة المحاسبات ان للهيئة هناتها. وهي هنات تمس من هيئة تشرف على ملف محوري في تحقيق الإنتقال الديمقراطي.

إخلالات التصرف لهيئة الحقيقة والكرامة حسب التقرير الرقابي لمحكمة المحاسبات

جاء تقرير محكمة المحاسبات ليؤكد على أن هيئة الحقيقة والكرامة عصفت بمسار العدالة الإنتقالية. فالهيئة وبحسب التقرير لم تحترم حتى القانون الأساسي المنظم لها. مبدئيًا كل قرارات الهيئة اتخذت دون توفر النصاب. فبعد الإستقالات والإعفاءات داخل مجلس الهيئة وعدم سد الشغور من قبل مجلس النواب مارست الهيئة اعمالها في ظل غياب توفر النصاب. لتلجأ الهيئة في محاولة يائسة للإلتفاف على القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 والمتعلق بإرساء العدالة الإنتقالية وتنظيمها من خلال تنقية الفصل 9 من نظامها الداخلي وجعل النصاب بأغلبية من حضر في تناقض واضح مع الفصل 59 من النظام الأساسي مما دفع رئاسة الحكومة لرفض نشره في الرائد الرسمي.

وبالعودة إلى تقرير محكمة المحاسبات نجد أن الهيئة مثلًا اسندت منحة العودة المدرسية لشخص تبين لاحقًا أنه أعزب. هذا المثال يعتبر من أبسط الخروقات المرصودة واليكم فيما يلي بعضًا من الكثير الذي رصد من خلال هذه المهمة الرقابية:

هذه إذن فقط بعض الملاحظات الواردة في تقرير الرقابة عن إخلالات التصرف ضمن هيئة الحقيقة والكرامة. هذا وقد تراوحت إجابات الهيئة عمومًا بين التبرير بغياب عامل الخبرة تارة، وتعقيد العملية تارة أخرى. وهي في ذلك لا تختلف عن بقية المتصدين للشأن العام، مع كونها خضعت للتسييس طوال مدة إشرافها على مسار العدالة الإنتقالية في تونس. ما يمكن أن نستنتجه من هذا التقرير أن الخروقات شملت تقريبًا كل الأطوار والمراحل وأن الأخطاء الفادحة التي وقعت فيها الهيئة تجعل من اعمالها محل شك وريبة. فحرمان أكثر من 20000 شخص رفضت مطالبهم في الإعتراض قد يكون قد حرم الكثير من أخذ حقوقهم كما قد تكون قد تسربت إلى القوائم النهائية أخطاء أيضًا في التكييف وفي منح الحقوق لأصحابها، كما أن التقرير لا يخلوا من شبهات فساد خاصة في الجانب المالي لتصرف الهيئة. هذا التقرير ربما سيكون كغيره من تقارير الرقابة التي يكون مصيرها الإهمال والنسيان خصوصًا وأن ردة الفعل على هذا التقرير كانت دون المأمول رغم ما فيه من رصد لتجاوزات خطيرة ولشبهات فساد مالي وإداري.

II – السياسات والتشريعات المتعلقة بحقوق الإنسان

يستعرض التقرير في قسمه الخاص بحقوق الإنسان نشاط المؤسسات والهيئات المعنية بحقوق الإنسان خاصة في جانبه الإتصالي ومستوى اتخاذ القرارات سواء في علاقتها بالحكومة أو في اتخاذ قراراتها الخاصة. وهو مستوى يؤكد صعوبة الإنتقال الديمقراطي وتكريس حقوق الإنسان مؤسسيًا ومجتمعيًا؛ الأخيرة كعنصر متقدم من اشتراطات تحقيق الديمقراطية المـأمولة.

1- حرية التعبير عن الرأي : 

ان حرية التعبير عن الرأي وتفريعاتها خاصة حرية الصحافة مكرسة دستوريًا في المادة 31 من دستور 2014. من حيث المبدأ فإن الهيئة المستقلة العليا للاتصال السمعي البصري هي المؤسسة التعديلية المكلفة بالمشهد الإعلامي. ودعمت هذه الأخيرة بالمرسوم رقم 116 بتاريخ 2 نوفمبر 2011. ويكرس هذا المرسوم في مواد مختلفة ولا سيما المواد 3 و4 و5 و15، الحريات المذكورة أعلاه.

يمكن القول أن مقاربة الدولة والسياسة الرسمية بخصوصها لم تتغير بالنظر إلى عدم وجود رؤية موحدة بخصوصها، وهو ما فتح الباب لمبادرات مسنودة من جهات محددة وجزئية من المشهد السياسي والحزبي وتجاوز للمشاريع التي كان لها قبول لدى المتدخلين في القطاع الإعلامي والصحفي.

سحب رئيس الحكومة هشام المشيشي “القانون المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري ” إلى جانب جملة من القوانين الأخرى. وقد أقر مكتب مجلس نواب الشعب يوم 22 أكتوبر 2020 قبول طلب رئيس الحكومة حول طلب سحب عدد من مشاريع القوانين لإعادة النظر فيها، وأقرّ الموافقة على الطلب بخصوص المشاريع المعروضة على اللجان، ومشاريع القوانين التي تم سحبها هي مشروع قانون يتعلّق بحوكمة المساهمات والمنشآت والمؤسّسات العموميّة ومشروع قانون يتعلّق بأحكام استثنائيّة للتسريع في انجاز المشاريع الكبرى ومشروع قانون أساسي يتعلّق بحرية الاتصال السمعي البصري وبتنظيم هيئة الاتصال السمعي البصري وضبط اختصاصاته.

مشروع القانون الأساسي عدد 95/2020 المتعلق بحرية الاتصال السمعي البصري وبتنظيم هيئة الاتصال السمعي البصري وضبط اختصاصاتها الذي تمت إحالته على مجلس النواب يوم 09 جويلية/يوليو 2020. وقد مثل هذا المشروع ثمرة مسار تشاركي منذ سنة 2017 شمل مختلف الأطراف والهياكل المعنية وتضمن في إحدى محطاته سحب المشروع الأول للحكومة قبل إعادة صيغة أخيرة للمجلس تمتعت بدعم وموافقة مختلف المتدخلين الذين أقروا باستجابته للمعايير الدولية.

في مقابل ذلك، تقدمت كتلة ائتلاف الكرامة بمقترح قانون يتعلق بتنقيح المرسوم عدد 116 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري تحت عدد 34/2020، وقد أعلن مكتب مجلس النواب ضمن الروزنامة التقديرية للدورة النيابية 2020-2021 أن هذا المقترح سيعرض على نظر الجلسة العامة للمجلس يوم 14 أكتوبر 2020. لكن المبادرة تم سحبها هي نفسها. اعتبرت المبادرة المقدمة من الإئتلاف خطيرة على حرية الصحافة وحرية الإعلام. اعتبر الصحفيون أن المبادرة تمثل انعكاسًا للتوجه المتشدد والساعي للسيطرة على المؤسسات الإعلامية. في نفس الوقت، في نهاية شهر أكتوبر وبعد سحب مشروع القانون المذكور أعلاه، استنكرت نقابة الصحفيين سحب المشروع تراجعًا عن خطوة مهمة وقرارًا غير مسؤول ويضرب مبدأ استمرارية الدولة ويتناقض مع تعهدات الحكومة والتزامات الدولة التونسية بدعم التشريعات المتعلقة بحرية الصحافة والاتصال السمعي البصري. ويُعتبر هذا القرار، حسب نقابة الصحفيين، تواطؤًا من رئيس الحكومة مع الجهات المستفيدة مباشرة من السعي إلى تنقيح المرسوم 116 وتحصينًا للمؤسسات الإعلامية غير القانونية والناطقة باسم الترويكا البرلمانية وذلك لتحقيق أهداف سياسية وزبونية ضيقة لا علاقة لها بمصلحة البلاد ومصلحة المشهد الإعلامي في تونس.[1]

تواصل الهيئة في الأثناء العمل بمرسوم ليس مفصلًا بالطريقة الكافية التي من شأنها أن توفر الضمانات الكافية لتعديل المشهد الإعلامي ولحرية التعبير عن الرأي. لذلك اعتبرت الهيئة الحكومة متواطئة في انتهاك من شأنه أن يعرض هذه الحريات للخطر. تعزيزًا لذلك، تعتقد الهيئة أن هذا الموقف الحكومي سوف يعيدنا الى مربع الاستبداد والدكتاتورية والتحكم في الإعلام مما سينجر عنه عودة الانتهاكات السابقة.

بموفي سنة 2020، اعتبرت الهيئة عام 2020 سقوطًا مدويا لقطاع الاتصالات. وحسب إعلانها العام، فإن الحكومة تعتبر السبب وراء تدهور الحريات من خلال سحب القانون السالف الذكر، واقتراح قانون زجر الاعتداء على الأمنيين في المقابل، بالإضافة الى تعديل القانون الخاص بالمحكمة الدستورية باعتبارها على اتصال مباشر بمنظومة الحقوق والحريات الفردية والعامة.

 

2-الحق في الكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية : 

يتسم الحق في الكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية بكونه محور تداخل مختلف المؤسسات في تونس. في الواقع، لا تزال محاولات تفعيل الكرامة الإنسانية وتهديد السلامة الجسدية متواصلة. ومن المحزن، أن تشهد الخروقات انتشارًا واسعًا في البرامج التلفزيونية التونسية. وتدخلت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري من خلال بلاغ يدعو إلى التخلي عن برنامج “صفي قلبك”، والذي يطبع مع الكراهية والعنف ضد المرأة دون اعتبار الآثار النفسية الذي تتركها التصريحات على الضحية. كما فرضت الهيئة غرامة على قناة M-Tunisia وايقاف برنامج “بلا قناع” الذي يذاع عليها لانتهاكه الحقوق المذكورة. بالإضافة إلى ذلك، أعادت السلطات الحجر على راديو القرآن الكريم للخروقات والاعتداءات الجسيمة على كرامة الإنسان وسلامته الجسدية في 18 ديسمبر 2020 بعد تحقير المرأة وتشبيهها “بالمصانع”. وعلى إثر هذا الاعتداء فرضت السلطة غرامة على الراديو نجمة FM اعتمادًا على نفس الاساس القانوني.

وفي نقطة تلاقي، كانت هذه الحقوق عرضة لانتهاكات فضيعة نددت بها الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر عندما باع شاب كليته “دون اكراه” عبر شبكة اتجار بالبشر نشطة في ثلاثة بلدان على الأقل لمواطن أفريقي مقابل 15.000 دولار أمريكي. وفي وقت لاحق قامت السلطات بحجز الأرباح وانطلقت في التحقيقات حول الشبكة.

 

3-حقوق المرأة : 

إن حماية النساء من العنف الذي يتعرضن له تشغل السلطة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري. في واقع الأمر، يعتبر برنامج “صفي قلبك” المنطلق الذي وجهت الهيئة من خلاله تحذيرًا للحوار التونسي نتيجة للتحريض على العنف ضد المرأة من خلال إحدى حلقات البرنامج المذكور. دون أي اعتبار للقوانين أو الأخلاقيات، تم تلميع العنف والتشجيع عليه. ولهذا حذرت الهيئة قناة الحوار وطالبت بتعديل الحلقة وحذف الأجزاء التي تحتوي على الانتهاك من جميع وسائل التواصل الاجتماعي الحالية والمستقبلية. علاوة على ذلك، في إعلام مختلف يوم الثالث من نوفمبر 2020 على اثر تغريمTunisia  M 20.000 دينار ، انتقدت السلطات “المشاركة في تصميم و تسويق صورة مذلة للمرأة”. وعقب ذلك، وصفت السلطات تسمية مهابل النساء بـ “مصانع” بالعنف بموجب القوانين الحالية (الدستورية، والمعاهدات الدولية والقوانين الاساسية) على إذاعة القرآن الكريم.

تتواصل هذه الممارسات في تونس على المستوى المجتمعي في ظل غياب تأصيل مجتمعي لحقوق الإنسان، كما أن مجلس نواب الشعب مثل خلال فترة الرصد منصة لتسويق خطابات ذات منحى ايديولوجي لا تحترم في الأدنى ضوابط التواصل في المجلس كمؤسسة رسمية وفضاء عام مشترك. باسم حرية التعبير، صرح النائب في مجلس نواب الشعب محمد العفاس تصريحات مهينة ضد المرأة والنساء العازبات على وجه الخصوص واتهم المنظمات ومن يدافع عنهن باتهامات أخلاقوية (الدياثة) واتهامات بالعمالة.

 

4- حقوق الطفل : 

فرضت الهيئة العليا المستقلة للاتصال المرئي والمسموع غرامة قدرها 20.000 دينار على M Tunisia وأمرت وقف عرض برنامج “بلا قناع” على إثر بث مقاطع فيديو مضرة لأطفال في حالة سكر يعبرون عن رغبتهم في الانتحار ويصفون الطريقة التي يرغبون بها القيام بذلك ومقاطع فيديو تعرض أطفالًا مشردين يشجعون على هذا السلوك. وتجدر الإشارة إلى أن الهيئة قد حذرت من قبل M Tunisia على إثر البث الإذاعي الذي يشكل خطرًا على حماية الأطفال ومصلحتهم الفضلى والكرامة الإنسانية عامة. وقد دفعت الهيئة قرارها بشكل كامل من خلال الأحكام المختلفة. غير انه رغم ما نثمنه من مجهودات تقوم بها الهيئة فاننا نعيب طول الفترة الزمنية التي تتدخل على إثرها. فعلى سبيل المثال، تم بث الحلقة التي تحتوي على مادة تشكل انتهاكات في جويلية بينما ولم تحرك الهيئة ساكنًا الا في الثالث من نوفمبر أي بعد 4 أشهر كاملة من حصول الجرم[1].

نددت الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر بحادثة *رحمة* الفتاة المتوفاة نتيجة سقوطها في المجاري وغرقها جراء لذلك.  كما نددت الهيئة كذلك بقرار المحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد والتي تعهدت بالنظر في ادانة مالك المدرسة القرآنية بالرقاب بعد مقاضاته من أجل الاتجار بالبشر. وتعيب الهيئة خاصة على المحكمة حكمها بعدم سماع الدعوى رغم وجود المؤيدات الكافية للإدانة[2]. في الأثناء، أعلنت الهيئة العليا لمكافحة الاتجار بالبشر صيحة فزع بعد ما راج عن حقائق صادمة حول بيع الأمهات لأطفالهن على الفايسبوك او أحيانًا بيع الاجنة او اعضائهم. وشددت رئيسة الهيئة على ان عمل الأطفال لا يزال معضلة حقيقية في تونس.

5- مبدأ استمرارية الدولة: ضمانة لحقوق الإنسان : 

عابت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري على الحكومة سحبها لمشروع القانون الأساسي المتعلق بحرية الاتصال السمعي البصري خلال شهر أكتوبر 2020. واعتبرت هذا الفعل ضربًا لمبدأ استمرارية الدولة بما أن الحكومة كانت فاعلة أساسية في كتابة فصول القانون المذكور وتستغرب سحبها لمشروع القانون الامر الذي يساهم في خلق جو من عدم التناسق ويمس بخطورة من حرية قطاع الاتصال السمعي والبصري ونجاعته وحتى امانه القانوني.

يرتبط هذا المسار بجدوى المسار التشاركي في صياغة القوانين خاصة المتعلقة بحقوق الإنسان. يعتبر تثبيت المسارات التشاركية والحوارات مع المتدخلين في ها المجل إحدى تطبيقات الديمقراطية التشاركية في العملية التشريعية التي تتجاوز لجان وأروقة مجلس النواب، إلا أن تغيير الحكومة لموقفها يمكن أن يضرب من مصداقية العملية التشاركية ككل.

6- الحق في الحياة الخاصة وحرمة المسكن وسرية الاتصالات والمراسلات والمعطيات الشخصية

هذه الحقوق المكرسة دستوريًا تعتبرها هيئة الاتصال السمعي والبصري منتهكة من طرف قناة ام-تونيسيا حيث قامت هذه الأخيرة ببث مقاطع فيديو لأطفال في حالة سكر إلى جانب خطابات كراهية ضد المثليين والتشجيع عبرها على الانتهاكات ضدهم. وهو ما يمثل خرقا للقوانين النافذة وكذلك للمرسوم عدد 116 الذي ينظم عمل الهيئة.

أما الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهيئة حماية المعطيات الشخصية فهما تعملان على حماية هذه الحقوق، كل حسب مجال تدخلها ومدى صلاحياتها. تمنع هيئة حماية المعطيات الشخصية على سبيل المثال، طبقًا للقانون، تسليم المعطيات الشخصية للغير دون تصريح صاحبها بطريقة صريحة على قبوله. لكن في المقابل، قامت الهيئة بطلب توضيحات من البنك المركزي التونسي حول مآل المعطيات الشخصية لأصحاب الحسابات البنكية منذ 2015 وطريقة استغلالها وتوفيرها للمؤسسات التجارية والاقتصادية، حيث عمليًا يمكن للأخيرين الإطلاع على وضعة الحساب البنكي في إطار المعاملات المالية والعقود المبرمة. وهو ما جاء في شانه عدة تشكيات الى الهيئة. غير أنه و للأسف لم تتحصل الهيئة الى اليوم أي بعد 6 سنوات على جواب من البنك.

كما قامت الهيئة بالتعبير عن تشجيعها القرار القضائي الذي صدر في 24 ديسمبر 2020 والذي جاء امرًا المدعى عليها بإزالة كاميرات المراقبة التي تطل على جارها وتخرق بذلك حقه في الحياة الشخصية. وقامت الهيئة بنشر القرار الاتي ذكره على صفحتها بالفايسبوك مزيلة المعطيات الشخصية لأطراف النزاع[1].

الى جانب ذلك وفي تنديد صريح ضد الحكومة قامت هيئة حماية المعطيات الشخصية بتوجيه عتاب ولوم صريحين حول اقصائها من مشاورات تفعيل مشروع المعرف الوحيد التي هي سبب وجوده. ويذكر ان الهيئة قامت والأطراف المتداخلة بصياغة هذا المشروع الذي يعد بثورة في البيانات الرقمية للمستفيدين من الخدمات الإدارية.

وفي حركة مشابهة واصلت الحكومة الحالية تجاهلها للهيئة وذلك باقصائها من مشروع *سجلني* والذي يقوم بتجميع كل البيانات الشخصية لحاملي الهواتف الجوالة -يعني تطبيقيًا كل التونسيين- لغرض حماية الاقتصاد الوطني وقطاع الهواتف الجوالة من المهربين والسوق السوداء. وتجدر الإشارة أن مشروع المعرف الوحيد على سبيل المثال جاء بمرسوم حكومي من رئيس الحكومة السابق الياس الفخفاخ واعطي نفسًا كاد يكون منعشًا للإدارة التونسية لولا تجاهل هيئة المعطيات الشخصية وهي الساهرة قانونيًا على حمايتها.

بالنظر الى الحجم الهائل للعمل وحجم المهام المنوطة بها فان ذلك يطرح تساؤلًا عن مدى نجاعة وجودها خاصة مع شح الموارد المسندة اليها فالميزانية والتي لا تتجاوز ال 130 ألف دينار والتي لا يبقى منها الا 80 ألف بعد دفع اجرة كراء المقر ليقسم الباقي بين اجر الموظفين -الذي تشتكي الهيئة من قلتهم- والفواتير المتعددة.

يطرح ذلك فعليًا أسئلة جدية عن دور الهيئات والجدوى منها في ظل عدم السياسيات الرسمية والتعاون بينها، هي هياكل رسمية.

7- الحق في الرعاية الصحية

تتجه الأنظار نحو الحق في الرعاية الصحية منذ أوائل شهر مارس من سنة 2020 مع بداية انتشار الوباء في تونس.  يعود تردي معايير الرعاية الصحية داخل المرافق الصحية وتزايد أسعار الأقنعة الجراحية والمواد الطبية عمومًا إلى عدة عوامل كَنقص الإنتاج والإحتكار. أدانت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد مثل هذه الممارسات وتلقت بصددها العديد من الشكاوى التي يجب أن تُوَظَّف وتستغل جديًا لمتابعة وملاحقة المشتبهين بهذا الخصوص[1]. يُذكر أن سوقًا سوداء للمواد الطبية والأدوية قد زادت منذ انتشار الوباء في تونس، هددت فعليًا المسالك الرسمية والقطاع الصحي العام المتهالك أصلًا. وهو ما لم يتم مراجعته ولا العمل عليه عبر إطلاق برامج إصلاح حقيقة أو اهتمام مباشر بالعاملين فيه على اختلاف أصنافهم، حيث تواصلت النقابات والمنظمات الممثلة لهم الإحتجاج إلى اليوم. وهو ما يطرح أزمة أكثر عمقًا من مجرد أبعادها الاقتصادية والإجتماعية الموجود أصلًا، لكن أزمة أخلاقية حول حجم المسؤولية التي يمكن ان يتحملها هذا القطاع أمام حالات الموت والمرض الوبائي اذي يتحدى دور الطبيب ومعاونيه. وجب على جميع المؤسسات الإهتمام بالحق في الرعاية الصحية لتأصّله في الحياة البشرية، غير أنّه لوحِظ من خلال البحث أنّ اللجنة الوطنية للأخلاقيات الطبية كانت أقرب إلى الجمود حتى فيما إلى سياق الأزمة الصحية.

8- الحق في حياة كريمة

تم تبليغ هيئة مكافحة الفساد في عدة مناسبات حول احتكار العديد من المنتجات خلال الثلاثية الأخيرة من 2020. تتعدد الخروقات في الواقع بما فيها الإحتكار لتعطي انطباعًا بتجاوزها قدرة السلطات على مقاومتها خاصة وأنها تشمل كامل البلاد بدرجات متفاوتة الخطورة وفي جميع القطاعات[1]. وهو ما فصلت نشرات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد دون أن يوجد متابعة حقيقة وكاملة للمخالفين، في ظل تواصل الإنتهاكات واقعًا.

 

9- الحق في النفاذ إلى المعلومة : 

على الرغم من أهمية هذا الحق، لم تكن الهيئة (هيئة النفاذ إلى المعلومة) المُكلّفة بحسن تطبيقه فاعلة باستثناء ندوات وتدريبات داخلية في الثلاثية الرابعة من سنة 2020، أي الفترة التي يشملها هذا التقرير. أما بالنسبة للجنة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، فإن الأشهر الثلاثة السابقة عكست اقتصارًا على التهاني والتعازي في المنصات الرسمية الخاصة بها. هو ما يمثل ضعفًا عميقًا خاصة بالنظر لأهمية الميزانية المخصصة لها. كما أن التقارير القديمة لا يمكن أن تعطي صورة واضحة عن التعاطي مع هذا الحق في ظل عدم إدراجه كعنصر في إصلاح إداري شامل يتجاوز البيروقراطية المريضة للدولة التونسية.[1]

كما أن مسار التقاضي الخاص بالنفاذ الى المعلومة يكرس حماية الإدارة أكثر منه تيسير المعلومة وإتاحتها. بل تواصل الإدارات رفض اتاحة المعلومة بدء بالوزارات والبنك المركزي ومجلس النواب نفسه.  يُذكر أن النيابة العمومية تقدمت بقرابة 54 طلبًا لرفع الحصانة عن 54 نائبا بمجلس نواب الشعب منذ انطلاق فترتهم النيابية الحالية أي أن قرابة 25٪ من نواب الشعب ملاحقون قضائيًا وتترصدهم النيابة العمومية، ومن بين الأسماء: سفيان طوبال وعبير موسي ومبروك كورشيد وزهير مخلوف ومحمد عمار وياسين العياري ومبروك الخشناوي ومحمد العفاس وماهر زيد وسيف الدين مخلوف وغازي القروي وغيرهم. وتتراوح تهم الموجهة للنواب بين قضايا فساد مالي أو قضايا جزائية أو مدنية أو ثلب وابتزاز أو تحرش جنسي أو في إطار تصفية حسابات سياسية. لكن الملاحظ أن مكتب المجلس يمتنع عن تقديم المعلومة بهذطا الخصوص.

II – التوصيات

يبدو الإنتقال الديمقراطي مهددًا بسبب الأزمات المترابطة من السياسي إلى الإقتصادي والإجتماعي، وهو ما يطرح مسؤوليات جمة تشمل الجميع:

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
Skip to content