اصدارات برنامج الدراسات والبحوث

التقرير ربع السنوي الأول أكتوبر/ديسمبر 2020 -مصر

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

I- السياسات والتشريعات المتعلقة بالإنتقال الديمقراطي:

شهدت هذه الفترة المشمولة بالرصد انتخابات مجلس النواب وانتخابات مجلس الشيوخ. وقد ترجمت الإنقلاب القانوني على مسار الإنتقال الديمقراطي المأمول منذ الثورة والذي نص عليه الدستور المصري. عكست الانتخابات مأسسة القمع وهيمنة النظام فلا وجود لأصوات معارضة التي تم قولبتها في صورة المعارضة الوطنية والهادئة، أي أنها معارضة لا يجب أن تخرج على ما يروج له النظام أو لا ترفع صوتها إحتجاجًا بل لشرعنة ما يتخذه لا غير. بل وحتى في ظل هذه الإشتراطات المفروضة من النظام، عمل الأخير على إخراجها من السلطة التشريعية بغرفتيها حيث غاب أغلب رموزها في البرلمان السابق.

1.السلطات الثلاث والتوازن بينها:

يبدو الحديث عن التوازن في غير محله في ظل سياسة النظام المصري. يبقى التوازن قيمة قانونية وإجرائية وحقوقية يحتج بها التقرير على الممارسات والسياسات والتشريعات إلا أنها غائبة تمامًا عن ذهن وعقل النظام الدكتاتوري.

أ) الإنتخابات التشريعية

  • انتخابات مجلس النواب المصري:

أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات يوم 5 أكتوبر 2020 برئاسة المستشار لاشين إبراهيم نائب رئيس محكمة النقض، رسميًا القائمة النهائية بأسماء المرشحين لانتخابات مجلس النواب، وذلك بعد الانتهاء من مراجعة كافة الأحكام الصادرة من المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة.

المرحلة الأولى:

  • 21 و23 أكتوبر للمصريين فى الخارج ويومي 24 و25 أكتوبر للمصريين فى 14 محافظة

رغم ما أن هذه المرحلة قد بدت دون توترات إلا أن سيطرة قائمة مستقبل وطن الفعلية على العملية الانتخابية كانت واضحة. وهي قائمة موالية للنظام. لكن ظهرت بعض الشكاوى التي أكدت على وجود إخلالات جسيمة تمس من نزاهة العملية الانتخابية.

فقد تقدم الدكتور محمد فؤاد، عضو مجلس النواب، ومرشح الحزب المصرى الديمقراطى عن دائرة العمرانية والطالبية، بمذكرة لقسم شرطة العمرانية بشأن بعض المخالفات الجسيمة التي تضر وتخل بسير العملية الإنتخابية.

وقال فؤاد فى نص الخطاب: “نوجه عناية سيادتكم أننا لاحظنا وعلى مدار اليوم الأول لانتخابات مجلس النواب 2020 بعض المخالفات الجسيمة التي تضر وتخل بسير العملية الإنتخابية في دائرة قسم العمرانية، تمثلت في إقامة العديد من المرشحين والأحزاب لنقاط تجمع وصوانات بمناطق متفرقة من الدائرة بحشد الناخبين مستخدمين المال نظير التصويت لصالحهم حيث يتم داخلها جمع البطاقات الشخصية للمواطنين وتوزيع مبالغ نقدية وهدايا عينية لهم وتوجيههم لانتخابهم، كذلك أيضًا إستغلال بعض الجمعيات الخيرية واستخدامها في حشد المواطنين المنتفعين منها وشراء أصواتهم الإنتخابية، وهو ما يعد إخلالًا بأحكام الدستور و قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية رقم 45 لسنة 2014 وتعديلاته وأيضًا قرارات الهيئة الوطنية للإنتخابات بشأن انتخابات مجلس النواب 2020 والتي حظرت كل هذه الممارسات التي تؤثر على نزاهة وحيادية العملية الانتخابية”.

لكن وكما كان متوقعًا جاءت الهيئة الوطنية للإنتخابات لتعلن عن أن المرحلة الأولى قد تمت دون مخالفات في بيان إعلان نتائج المرحلة الأولى.

خريطة تفاعلية

(للتفعيل يرجى اختيار المحافظة)

أثارت التقسيمات المعتمدة في الدوائر الانتخابية جدلًا بسبب اتاحتها الفرصة للأحزاب المدعومة من النظام للعمل في دوائر كبيرة جغرافيا فيما يواجه المستقلون ماكينات إنتخابية تدعم مرشحي النظام والموافق عليهم أمنيًا أو هم مرشحون من خلفية عسكرية وأمنية.

  • الحصانة في مجلس النواب المصري: 

حدد الفصل الثاني من الباب الحادي عشر بلائحة مجلس النواب، تفاصيل وأنواع الحصانة التي يتمتع بها النواب داخل المجلس، حيث قسمها إلى فرعين: الأول الحصانة الموضوعية، والثاني الحصانة الإجرائية.

ونصت المادة 355 على أن الحصانة الموضوعية هي ألا يُسأل عضو مجلس النواب عما يبديه من آراء تتعلق بأداء أعماله في المجلس أو في لجانه. ونص الفرع الثاني بخصوص الحصانة الإجرائية في المادة 356 على أنه لا يجوز في غير حالة التلبس بالجريمة، أثناء دور انعقاد مجلس النواب، أن تتخذ ضد أي عضو من أعضائه أية إجراءات جنائية في مواد الجنايات والجنح سواء في مرحلة التحقيق أو الإحالة إلى المحاكمة، إلا بإذن سابق من المجلس في كل منها. وفى غير دور انعقاد المجلس، يتعين لاتخاذ أي من هذه الإجراءات أخذ إذن مكتب المجلس، ويخطر المجلس عند أول انعقاد بما اتخذ من إجراء في هذا الشأن.

سبق لمجلس النواب المصري رفع الحصانة عن بعض النواب بسبب الرشوة والفساد وتزوير توقيعات النواب في المجلس والتطبيع البرلماني بعد لقاء النائب توفيق عكاشة مع السفير الإسرائيلي في بيته. لكن في المقابل، مثلت الحصانة مهربًا من اتهامات للعديد من النواب، وكان أبرزهم مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك إلى جانب كل من:

  • محمد أبو حامد
  • أحمد الطنطاوي
  • هيثم الحريري
  • صلاح حسب الله
  • تامر الشهاوي
  • مدحت الشريف
  • سحر عتمان
  • هشام عبد الواحد
  • أحمد الخشب
  • السيد حجازي
  • عبد الحميد الشيخ
  • حمدي بخيت
  • عبد الحميد كمال
  • إيهاب السلاب
  • محمد أسامة أبو المجد
  • دينا عبد العزيز
  • عيد هيكل
  • محمد أبو المجد نصار

تمثل القائمة السابقة تفصيلًا بالنواب الذين ترشحوا لانتخابات المجلس في دورته الجديدة لكنهم فشلوا في نيل مقعد جديد. بينما لم يترشح عدد آخر من النواب ممن تشملهم مطالب رفع الحضانة أو تلاحقهم تهم جزائية. وهم الآتي ذكرهم:

  • علاء عبد المنعم
  • حسين عيسى
  •  محمد السويدي
  • مجدي مرشد
  • محمد علي يوسف

تمثل الحصانة البرلمانية واجهة حماية للعديدين ممن انخرطوا في الحياة السياسية ضمن علاقات الحكم القائمة على الزبونية السياسية والمحسوبية ومصالح النفوذ المالي والإقتصادي. وهي إشكالية قد تطرح ايضًا في مجلس الشيوخ الذي يجب أن يعمل على اللائحة الخاصة به.

  • مجلس الشيوخ المصري:

بعد انتخابات مجلس الشيوخ المصري، خلال شهر أوت/أغسطس 2020، وما تم رصده من استخدام للمال السياسي والدعم الكبير للتحالفات الموالية للنظام، صدر قرار رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، رقم 590 لسنة 2020، بتعيين 100 عضوًا بمجلس الشيوخ، وهو ما يدخل في صلاحياته بمقتضى التعديلات على الدستور المصري.وفي أول انعقاد للمجلس فاز المستشار عبد الوهاب عبد الرازق رئيس حزب مستقبل وطن، بمنصب رئيس مجلس الشيوخ. رغم أن هذه الشخصية محسوبة على القضاء المصري إلا أنه كان من المتوقع توليه رئاسة المجلس رئيس الحزب الموالي للنظام وإصداره لأحكام تتماشى مع سياسات النظام في مصر.

من هو المستشار عبد الوهاب عبد الرازق؟!

شغل المذكور مناصب قضائية من بينها قضاء مجلس الدولة ورئاسة المحكمة الدستورية العليا، والتي كان من أبرز أحكامها خلالها، في مارس 2018، الاستمرار في تطبيق الاتفاق بإعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والذي شمل التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير. 

في النصف الثاني لشهر أكتوبر، تم تعيين رئيس حزب “الوفد” بهاء الدين أبو شقة، والإعلامية فيبي فوزي جرجس عن حزب “الشعب الجمهوري”، كوكيلي المجلس. بدأت الخروقات في مجلس الشيوخ منذ بداية عمله حيث يعتبر تعيين أبو شقة مخالفًا لضوابط المادة رقم 252 من الدستور المصري، والتي نصت على أنه “لا يجوز الجمع بين عضوية مجلس الشيوخ وعضوية مجلس النواب”، إذ إن هيئة مكتب مجلس النواب لم تجتمع للبت في طلب الاستقالة الذي تقدم به رسميًا قبل ساعات قليلة. ولاحقًا خلال شهر نوفمبر تم إعلان شغور مقعده.

ما يجمع انتخابات مجلس الشيوخ ومجلس النواب، بالإضافة إلى المال السياسي وسيطرة النظام السياسي عليهما مع قمع المعارضة، هو صلات القرابة والمحسوبية العائلية داخل مجلسي السلطة التشريعية. وهو ما رصدته عدة مصادر إعلامية وحقوقية. يمثل هذا المعطي دليلًا على مأسسة الهيمنة السياسة واستدامة لعلاقات الحكم غير الديمقراطية. فقد أصبحت العائلة والقرابة الدموية أحد أدوات الحكم من خارج العملية الديمقراطية واشتراطاتها.

وهنا عرض بسيط لعلاقات القرابة المعروفة في الوسط السياسي:

في منتصف العام 2019، تلقت مصر آخر قسط بقيمة ملياري دولار من القرض البالغ 12 مليار دولار الذي قدمه صندوق النقد الدولي في العام 2016، مُستكملةً بذلك البرنامج المتفق عليه بنجاح. لكن المراجعة النهائية التي أجراها صندوق النقد الدولي لإصلاحات مصر التي شكّلت الأساس للموافقة على الصرف النهائي لم تكن مقنعة تمامًا. فالاقتصاد المصري يعتمد بشكل كبير على القطاع العام الذي تقوده المؤسسة العسكرية، الذي أثبت عدم قدرته على تحقيق النمو طويل الأجل والذي يعتبر ضروريًا لانتشال ملايين المصريين من براثن الفقر.

في فبراير 2020 وقّع صندوق مصر السيادي اتفاقية تعاون مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، في محاولة من القوات المسلحة لتهيئة بعض الأصول التابعة للجهاز للإستثمار المحلي والأجنبي، وتوسيع قاعدة ملكيتها. تأسس جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، لضمان تحقيق الإكتفاء الذاتي من احتياجات القوات المسلحة، مع طرح فائض الإنتاج في السوق المحلية والمُعاونة في مشروعات التنمية الإقتصادية للدولة كمشروعات البنية الأساسية والمشروعات التنموية في المحافظات الحدودية. وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي توسّعت صلاحيات الجهاز وأصبح المُحرّك الأكبر لاقتصاد البلاد من خلال مشاركته في كافة المجالات الحياتية ومنافسته للقطاع الخاص. وبفضل القانون رقم 177 لعام 2018، فإن الصندوق، المُوقِّع حديثًا على الإتفاقية، مَحمي من الطعون المدنية، وذلك من أجل تعزيز خطط الرئيس لخلق اقتصاد عسكري مصون.

والقانون رقم 177 لعام 2018، الذي صدّق عليه الرئيس السيسي، يستهدف تنمية موارد الدولة واستغلال أصولها، بما في ذلك الشركات والمصانع الحكومية المُغلقة أو غير المُستَغَلّة التي تُحقق أرباحًا مُنخفضة. وفي 26 ديسمبر 2018، وافق مجلس الوزراء المصري على تعديلات على القانون التي تمنح رئيس الجمهورية الحق في نقل مُلكية أيّ من الأصول غير المُستَغَلّة المملوكة للدولة إلى الصندوق، مع قصر الطعن على قرارات الرئيس على المالك أو الصندوق الذي ينقل ملكية ذلك الأصل فقط – من دون الآخرين. ووفقًا للتعديلات، لا يُسمح لأي شخص بتقديم مطالبات بطلان العقود التي أبرمها الصندوق. وتلتزم المحاكم من تلقاء نفسها بعدم قبول الطعون أو المطالبات المُتعلقة بهذه النزاعات. ويحق أيضًا للصندوق، بقرار من الرئيس، امتلاك الشركة أو المصنع بالملكية المنقولة حديثًا، وبيعه لأي مستثمر أجنبي من دون أيّ صعوبات. بمعنى آخر، إذا تم تحويل ملكية أي شركة حكومية إلى الصندوق، ثم قام الصندوق ببيع الشركة إلى مستثمر أو وضعها في البورصة، فلا يحق لأي مواطن الإعتراض أو الطعن بذلك.

إن الإقتصاد السرّي للقوات المسلحة، ليس جديدًا. منذ عقود، كان يعمل الجيش في سرية غير محدودة تُحيط بنشاطه الإقتصادي، فيما يتعلق بأرباحه ومدى مدفوعاته الضريبية، وحجم استثماراته، ورأس ماله. والأكثر من ذلك، لم تتمكن أي جهة رقابية من تحدّيها، بما فيها الجهاز المركزي للمحاسبات، أعلى سلطة رقابية في مصر. خلال مقابلة تلفزيونية في العام 2012، قال المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات آنذاك، إنه عاجز عن رقابة المنشآت الإقتصادية للقوات المسلحة التى لا علاقة لها بالأمن القومي والتي لا تتطلّب السرية الشديدة. من الأمثلة البارزة على ذلك قيام القوات المسلحة بتأجير قاعات للأنشطة المدنية، مثل حفلات الزفاف وأعياد الميلاد، مقابل مبالغ مالية دون أي رقابة. وقال جنينة: “ليس مقبولًا ان لا يستطيع الجهاز المركزى للمحاسبات مراقبة قاعات الأفراح التابعة للقوات المسلحة. مُتسائلًا ما علاقة قاعات أفراح القوات المسلحة بالأمن القومى؟”

وفي عهد السيسي، زادت إمبراطورية الجيش الإقتصادية، وأصبحت تعمل الآن في تجارة الألبان والأدوية ووسائل النقل، وصارت تضم نحو 2300 مشروع يعمل فيها 5 ملايين موظف مدني، في مجال الصناعات الثقيلة والمُتخصّصة، وقطاعات الزراعة، والمزارع السمكية، والمحاجر والمناجم، والمقاولات، والبنية التحتية وغيرها من المشروعات العملاقة في الدولة، بحسب المتحدث العسكري للقوات المسلحة العقيد تامر الرفاعي. إن إصرار السيسي على الطرح في الإكتتاب العام، وهو يعلم جيدًا صعوبة تنفيذ ذلك، يشير إلى رغبته في غسل سمعة المؤسسة العسكرية، وتبرئة ساحتها من اتهامات الفساد وإهدار المال العام، والسيطرة غير الخاضعة للمساءلة على اقتصاد الدولة.

يكشف التحول في النشاط العسكري الاقتصادي والتجاري في عهد السيسي عن ملامح هذا التطور. فتدّعي المؤسسة العسكرية أنها توظف 5 ملايين شخص، لكن جميعهم تقريبًا يعملون في الواقع من قبل المقاولين المدنيين من القطاع الخاص الذين يعملون لصالح المؤسسة العسكرية. يشير هذا إلى أن نهج السيسي قد يساعد في توليد النمو الاقتصادي وتحسين كفاءة المالية العامة، لكنه يعزز أيضًا قبضة الدولة المصرية بدلًا من تعزيز اقتصاد السوق الحر.

يخدم توسع النشاط الاقتصادي العسكري في خمسة مجالات نموذج إدارة السيسي الآخذ في الظهور من رأسمالية الدولة: التطوير العقاري، وإنشاء مجمّعات الصناعة والنقل، واستخراج الموارد الطبيعية، والعلاقات مع القطاع الخاص، وزيادة رأسمال القطاع العام بواسطة الاستثمارات الخاصة. تستنسخ المجالات الثلاثة الأولى جوانب من الاقتصاد الريعي في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، لكن المجالين الأخيرين يشكلان تحولًا أكثر جوهرية. لا يعكس نهج السيسي استراتيجية متكاملة، بل يدلّ على تصميمه على توليد رأس المال عبر استخدام القوة المركّزة للدولة، ورأس حربتها المؤسسة العسكرية.

العقارات

استثمر السيسي موارد حكومية ضخمة في إنشاء العقارات لتوليد الإيرادات ودفع النمو الاقتصادي وجذب المستثمرين من القطاع الخاص. يشمل هذا الجهد بناء ثلاث مدن “ذكية،” وتدلّ التسمية على أنها تستخدم التكنولوجيا الرقمية لتحسين كفاءة الطاقة. تستهدف هذه المدن العملاء من الطبقة المتوسطة العليا بمساكن فاخرة على شاطئ البحر، تقليدًا لنموذج دبي. وتستهدف مشاريع حضرية أخرى أسر الطبقة المتوسطة الأقل ثراءً، ويستهدف غيرها العمّال في المناطق الصناعية الجديدة. إن التكلفة الدقيقة لهذه المخططات الحضرية ليست واضحة، لكنها تأتي ضمن مروحة ضخمة من المشاريع القومية التي تلقت 4 تريليونات جنيه مصري (أكثر من 200 مليار دولار) من التمويل الحكومي خلال الفترة من 2014 إلى 2019. هذا وقد استحوذت المرحلة الأولى من بناء العاصمة الإدارية الجديدة على ما يقرب من 10٪ من إجمالي الإنفاق (300 مليار جنيه مصري، أو 19.05 مليار دولار) بحلول يناير 2020، ومن المتوقع أن تبلغ الكلفة خلال خمس سنوات 58 مليار دولار بحلول العام 2022.

البنية التحتية

تهدف رأس الحربة الاقتصادية العسكرية أيضًا إلى إنشاء مناطق ومجمّعات رئيسة للصناعة والنقل والخدمات، تتركز في منطقة قناة السويس بمحاذاة ساحل البحر الأحمر. تعتبر القوات المسلحة قناة السويس وشبه جزيرة سيناء في غاية الأهمية للدفاع الوطني، وتعاملهما كمحميّتها الاقتصادية الحصرية. ولذلك، فإن نصف المبلغ الذي أنفقته الحكومة على التنمية في سيناء بحلول أفريل/أبريل 2020 والبالغ 600 مليار جنيه مصري (ما يقرب من 40 مليار دولار)، أدارته الهيئات العسكرية، بما في ذلك جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التابع لوزارة الدفاع.

يؤكد حجم المشاريع العقارية والبنية التحتية على أهمية سيطرة وزارة الدفاع على استخدام جميع أراضي الدولة، والتي يُقدر أنها تشمل من 90 إلى 95٪ من إجمالي مساحة مصر. يعد هذا من بين أكبر العوائق أمام نشاط القطاع الخاص، لكن السلطات المصرية تقاوم الإصلاح. كما منح السيسي وزارة الدفاع حق الانتفاع الاقتصادي الكامل على واحد وعشرين طريقًا سريعًا بين المدن وشريطًا بعرض 4 كيلومترات بجانبها، ما يمكّنها من جباية رسوم المرور، وتشغيل أو منح الامتيازات التجارية (بما في ذلك الخدمات على جانب الطريق والإعلان)، ووضع ومراقبة شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية (بما في ذلك كابل الألياف البصرية). تقع المخالفات أو الحوادث أو النزاعات التجارية التي تحدث على هذه الطرق أو تتعلق بها تحت اختصاص المحاكم العسكرية، كما هو الحال بالنسبة إلى جميع المناطق والمنشآت العسكرية.

الصناعات الاستخراجية

يسلط تكثيف النشاط الريعي الضوء على كيفية تفوّق أجهزة الدولة بميزة الانتفاع من الموارد الطبيعية على القطاع الخاص. أجرى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية مشاريع الصوب الزراعية وتربية الأسماك في مناطق مكتظة بالسكان منذ العام 2014، باستخدام المجندين العسكريين كعمالة فيما يُفترض أنه اقتصاد السوق الحر. تتمتع المؤسسة العسكرية أيضًا بالاستفادة غير المقيدة من المياه التي يتم رفعها من الأحواض الجوفية أو المنقولة عبر القنوات من بحيرة ناصر أو نهر النيل، بغض النظر عن الجدوى الاقتصادية أو الآثار البيئية. ويُمكّن ذلك الأعمال التجارية الزراعية التي أنشأها المستثمرون الخليجيون، حرفيًا، من تصدير المياه. كما تستهلك مزارع الأسماك التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية كميات كبيرة من المياه العذبة.

امتد التركيز على الأنشطة الريعية في عهد السيسي إلى مشاركة المؤسسة العسكرية في استخراج الموارد الطبيعية. وحتى العام 2014 انحصرت المشاركة العسكرية في الغالب في الرشاوى والرسوم غير القانونية التي انتزعها بها متقاعدو القوات المسلحة (وكذلك المسؤولون المدنيون) العاملون في دوائر الإدارة المحلية لإصدار تراخيص المحاجر والتعدين، ولكن في العام 2015، اشترط مرسوم حكومي موافقة وزارة الدفاع لاستخراج الثروة المعدنية وفوّضتها لتحصيل الرسوم على جميع المخرجات في مواقع الإنتاج. كما حصلت الوزارة على حقوق حصرية للاحتفاظ بعائدات استخراج ومعالجة المواد الخام من المناجم والمحاجر على الأراضي التي تسيطر عليها المؤسسة العسكرية.

ومنذ ذلك الحين، بنى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية مصانع للرخام والغرانيت بسعة إنتاجية تفوق حجم إجمالي الإنتاج الوطني، ما يضعها في موقع احتكاري محتمل. وقد استحوذ الجهاز على حصة الأغلبية في الشركة العامة التي تسيطر على موقع الرمال السوداء الوحيد في مصر، الذي ينتج المعادن الثقيلة مثل التيتانيوم والزركونيوم بقيمة تصدير متوقعة تبلغ 176 مليون دولار سنويًا. كما استحوذ على حصة في التنقيب عن الذهب ووسع دوره في إنتاج وتسويق الفوسفات والأسمدة. تقع الغالبية العظمى من مواقع الاستخراج في المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية، والتي من خلالها تشق المؤسسة العسكرية الطريق أمام حصة الدولة في هذه القطاعات وتُقحِم نفسها في التجارة الخارجية.

إخضاع القطاع الخاص

لقد أعادت إدارة السيسي اصطفاف علاقاتها مع القطاع الخاص. إن الدولة هي المستثمر الوحيد في البنية التحتية العامة ومصدر حصة كبيرة من إجمالي أعمال القطاع الخاص، وخاصة بالنسبة إلى الشركات الكبيرة والمتوسطة. أدى الارتفاع الضخم في الإنفاق العام على الإسكان العام والبنية التحتية منذ أواخر العام 2013 إلى تضخيم مركزية الروابط السياسية والمحسوبية في تأمين العقود العامة، ما مكن الهيئات العسكرية من توسيع هوامش ربحها أكثر من المعتاد.

إن غموض الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم الاستثمار في المشاريع المُنشأة بالاشتراك مع الهيئات العسكرية أو في المناطق الاستراتيجية التي تسيطر عليها وزارة الدفاع يثني الشركات المحلية من الاستثمار فيها. إن إعفاء المؤسسة العسكرية من اختصاص المحاكم المدنية يعني أن النزاعات التجارية التي تكون المؤسسة العسكرية طرفًا فيها لا تذهب إلى التحكيم. كما أن ضعف إنفاذ العقود والمخاوف بشأن المزايا الضريبية للقوات المسلحة تثني الشركات الأجنبية عن الاستثمار في مصر أيضًا.

من الناحية النظرية، من شأن استثمار الدولة أن يسمح لرأس المال الاستثماري بفتح قطاعات اقتصادية جديدة وتطويرها، لكن السيسي وبّخ أيضًا شركات القطاع الخاص لفشلها في الاستثمار في سيناء، متجاهلًا العقبات أمام الاستثمار، وغياب التشاور مع تلك الشركات، وغياب دراسات الجدوى. فبدلًا من فتح المجالات الاستثمارية الجديدة، توسعت الشركات العسكرية بقوة في قطاعات السلع القابلة للتداول، ما ألحق خسائر فادحة بالمنتجين من القطاع الخاص ونقل حصتها في السوق إلى الشركات العسكرية. برّرت المؤسسة العسكرية قراراتها الاستثمارية بأنها تكسر الاحتكارات (غير الموجودة في الواقع) وتؤمن استقرار العرض والأسعار، لكن العامل الأكثر وضوحًا هو أنها تسعى لضمان تسويق إنتاجها هي.

تسعى إدارة السيسي وراء استثمارات القطاع الخاص، ولكن بحسب شروطها هي فقط. فهذه الإدارة ترى أن توليد الدخل وتوفير السلع بأسعار معقولة لفئات مجتمعية مختارة هو ذات أهمية سياسية كبرى، وتوظِّف سيطرة الدولة على الأراضي والتجارة الخارجية والموارد الطبيعية لتحقيق أقصى قدر من هذه الغايات. على سبيل المثال، في العام 2019، وضع السيسي الأراضي المحيطة بالوجهة السياحية الرئيسة في الغردقة وسبع وأربعين جزيرة في البحر الأحمر تحت سيطرة وزارة الدفاع. عمد وزير السياحة في وقت لاحق إلى تبرير ذلك، متهمًا الشركات السياحية الخاصة بـأنها “لا تضع جنيهًا في دعم السياحة.”

تجميل رأسمالية الدولة

تحمِّل إدارة السيسي مستثمري القطاع الخاص جزءًا من عبء تركيزها على الأنشطة التي تقودها الدولة ذات الكثافة الرأسمالية. فقد خفضت الحكومة بشكل كبير الإنفاق على دعم الطاقة والغذاء وأجور القطاع العام، وخفضت نسبة القروض المتعثرة. كما وافق مجلس النواب على بيع الشركات المملوكة للدولة التي تتعرض إلى خسائر تزيد على نصف رأس مالها. لم تكن هذه الإجراءات كافية لتوليد رأس المال بالحجم الذي يسعى إليه الرئيس، ما أجبر الحكومة على الاقتراض ورفع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 90.3 % بحلول جوان/يونيو 2019 والدين الخارجي إلى 112.7 مليار دولار بحلول ديسمبر.

سعى السيسي إلى جذب رؤوس أموال القطاع الخاص إلى المشاريع التي تقودها الدولة. وقد تفاخر رئيس الوزراء في العام 2015 بأن العاصمة الإدارية الجديدة لن تكلف الدولة المصرية “مليمًا واحدًا،” حيث سيتم تمويلها من خلال التمويل التجاري بالشراكة مع شركات خاصة ومستثمرين أجانب.

ثم أدت المخاوف بشأن جدوى المشروع إلى انسحاب شركات إماراتية كبرى، وتعليق قرض صيني بقيمة 3 مليارات دولار، وفشل المحادثات بشأن استثمار صيني بقيمة 20 مليار دولار. وبحلول ماي/مايو 2019، لم تزد نسبة الاستثمارات الآتية من الخارج عن 20٪. فاضطرت المؤسسة العسكرية والرئاسة إلى إقناع وحتى إكراه بعض المستثمرين العقاريين الأكثر شهرة في البلاد من القطاع الخاص على الاستملاك في العاصمة الجديدة.

برز صندوق مصر السيادي (ثراء) كأداة مفضَّلَة للرئيس لجلب استثمار القطاع الخاص إلى الكيانات والمشاريع العامة، مع إعطاء الدولة اليد العليا. تأسس الصندوق في العام 2018 ومن المفترض أن يكون مسرّعًا لوضع أصول حكومية مختارة تحت سيطرة القطاع الخاص جزئيًا، ولكن يرى أحد محللي السوق، أن هذا يجعله “شركة قابضة سيادية،” وليس صندوق ثروة سياديًا.

مرة أخرى تقود المؤسسة العسكرية هذا النهج. كشفت شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية عن عزمها نقل ملكية أصول بقيمة 50 مليار جنيه إلى صندوق ثراء، ما يضمن للهيئات العسكرية المعنية الحصول على أرباح مستقبلية من العقارات. وفي فبراير 2020، وافق صندوق ثراء أيضًا على إدراج عشر شركات تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية في محفظة أصول للترويج والاستثمار، مع استبعاد الشركات غير الكفؤة للغاية التابعة لوزارة الإنتاج الحربي، ما يشير إلى ظهور الصندوق كأداة لجذب الاستثمار الخاص بطرق تحافظ على سيطرة الدولة على الأصول وتُبقي غموض مواردها المالية الحقيقية.

لعبة أكواب متحركة مألوفة

لا تساهم أدوات الاستثمار مثل صندوق ثراء كثيرًا في إحداث نقلات نوعية في التصنيع أو التكامل التكنولوجي أو ترقية الخدمات وزيادة صادرات السلع. بدلًا من ذلك، فإن نموذج السيسي لرأسمالية الدولة هو نوعٌ من لعبة الأكواب المتحركة: فهي تنقل رأس المال من القطاع الخاص إلى الدولة، ومن كلا القطاعين إلى مؤسسات ينشئُها أو يفضلها هو، وعلى الأخص صندوق تحيا مصر وصندوق ثراء والمؤسسة العسكرية. يوفر هذا النهج كفاءة أعلى، لكن إدارة السيسي تظل غير قادرة على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر سوى بمعدَّل يصفه البنك الدولي بأنه “بطيء.” وحتى هذا الاستثمار المحدود موجه بشكل أساسي إلى قطاع الطاقة، ما يترك القطاعات الإنتاجية الأخرى في مصر تعاني، بل انخفض هو أيضًا بشكل حاد منذ العام 2017.

هناك إمكانية أن تتحرك مصر تدريجيًا وبشكل متقطع، وحتى عن غير قصد، نحو وضع يصبح فيه الحفاظ على اقتصاد تسيطر عليه الدولة أمرًا غير قابل للصمود. لكن في الوقت الحالي، لا شيء يفعله السيسي يغيّر واقع ما وصفه تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في العام 2019 بشأن مصر بأنه “مشاكل مزمنة من ضعف الحوكمة والبحث عن الريع ومخاطر الفساد والحضور المكثف للدولة في الاقتصاد.” فمن دون حدوث تغيير جوهري في هيكلية المداخل والفرص الاقتصادية، سيظل السيسي وكل من يخلفه في الرئاسة بشكل دائم عرضة للبحث التنافسي عن الريع بين أجهزة الدولة التي تعتمد سلطته عليها.

II – السياسات والتشريعات المتعلقة بحقوق الإنسان : 

تكاد التشريعات والقوانين تنسحب من التقرير بسبب وطأة الإنتهاكات ضد الناشطين في المجتمع المدني المصري والمعارضين وكل الاصوات التي تتجرأ على النقد ورفض ما هو موجود. في ظل الهيمنة الممنهجة والهيكلية أعدل الاشياء قسمة بين المواطنين هو القمع، فلكل فرد وأقلية ومنظمة نصيبها من التعنيف والهرسلة والإخفاء القسري والتعذيب والتدوير في السجون.

1- مذبحة ماسبيرو الثانية: وضع الأقليات الدينية في مصر : 

طرحت هذه الحادثة إشكاليات وأسئلة حول وضع الأقليات الدينية في مصر. تتواصل اشكالية التمييز الديني رغم أن بعض الضمانات القانونية في مصر لضمان مشاركتهم في الحياة العامة موجودة. حيث تم اشتراط وجود مسيحيين في القائمات المترشحة للإنتخابات. إلا أنها إجراءات محدودة وفوقية. تعيش الأقليات وضعًا صعبًا في مصر في مواجهة الأغلبية الدينية حيث يتعرضون للتهديد والتعنيف وصولًا إلى القتل. وهو ما برر المطالبات المتعددة بإصدار مشروع قانون حماية حقوق الأقلية المسيحية القبطية في مصر الذي لم يلاحظ أي جهد أو عمل رسمي لإصداره.

لمواجهة هذا الوضع المغلق محليًا، راسلت 25 شخصية عامة و13 منظمة حقوقية دولية وإقليمية ومصرية، رسالة إلى أعضاء لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي، تحثُّهم على المُضي قدمًا في مشروع قانون حماية حقوق هذه الأقلية في مصر، الذي يحظى بدعم واسع من الحزبين الأميركيين وعدد من الرعاة المشاركين. وهو معطى يؤكد صعوبة وضعية الأقليات الدينية.

على المستوى القضائي، قضت جنايات القاهرة بمعاقبة متهم بالسجن المشدد 15 عامًا ومعاقبة متهمين آخرين بالسجن المشدد 10 سنوات وببراءة ثلاثة أخرين فى قضية أحداث ماسبيرو الثانية. تعلق هذا الحكم بحادثة وقعت في جويلية/يوليو 2013. وقد أدت إلى تدمير عدة أماكن عبادة وقتل وعنف لمواطنين مسيحيين. كانت النيابة قد وجهت للمعتقلين في الحادثة تهم: “التجمهر، وارتكاب جرائم القتل العمد مع سبق الإصرار، واستعراض القوة، والاعتداء على المنشآت العامة والخاصة، والتعدي على المواطنين، والتلويح بالعنف، على نحو ترتب عليه تكدير السلم العام”. ما يمكن ملاحظته هو غياب التكييف للإعتداء على أساس الإعتداء ضد الأقليات وذلك في ظل غياب إطار قانوني مناسب. يعتبر هذا القانون مهما بالنظر الى تكرر الأحداث الدموية والعنف والهرسلة ضد الأقلية المسيحية. لا طالما أشارت المنظمات الممثلة للقبطيين في مصر الى تمييز منهجي وتمييز هيكلي ضدهم، وهو صادر عن الدولة والمواطنين على حد السواء. وهي تشترك في ذلك مع الأقلية الشيعية والقرآنيين والملحدين.

يمكن القول إن هذه الوضعية تخالف مبادئ القانون الدولي وتخرق التزامات الدولة المصرية تجاه المواطنين من الأقليات. لا يمكن القول ان الدولة تحمي السلامة الجسدية للأقلية المسيحية كما لا تعمل على الحد من التمييز الهيكلي والمنهجي ضدهم. بل إن القرارات القضائية وتواتر الإعتداءات ترسل رسائل ضمنية بإمكانية الإعتداء وإمكانية الإفلات من العقاب. تبقى المشاركة السياسية للمسيحيين محدودة لجهة استغلال السلطات للملف الديني بشأن عام. في الأثناء، تتواصل تهم ازدراء الدين والمعتقدات حيث باشرت النيابة العامة التحقيق مع يوسف هاني بتهمة ازدراء الدين الإسلامى بعد أن رصدت “وحدة الرصد والتحليل” بمكتب النائب العام تداولًا واسعًا بمواقع التواصل الاجتماعى لصورة من محادثة نصية منسوبة له تحمل إساءة إلى الرسول، وبعرض الأمر على النائب العام أمر بالتحقيق العاجل فى الواقعة. وعجلت نيابة الإسماعيلية الكلية بمباشرة التحقيقات فى الواقعة، والتى قُيدت برقم 4165 لسنة 2020 إدارى ثالث الإسماعيلية.[1] ولاحقًا أخلت محكمة الإسماعيلية، سبيل يوسف هاني، الشهير ب ”جو هاني”، بعدما اعتذر أمام المحكمة.[2] يبقى الدين أداة طيعة بيد السلطة السياسية مستغلة تعميم مفاهيم الحريات والحقوق وضرب مناصريها.

2- التضييق على المجتمع المدني:

بعد مرور عام وشهرين على تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قانون ممارسة العمل الأهلي، وافق مجلس الوزراء، مبدئيًا، على إصدار اللائحة التنفيذية للقانون، دون الإعلان عن بنودها، إذ سيتم التوافق بين الوزارات المعنية بشأن بعض البنود؛ لإقرار اللائحة بصورة نهائية، بحسب بيان للمجلس.[1]

القانون عدد 70 لسنة 2018: هو النسخة الأقدم للقانون المنظم للعمل الأهلي في مصر. وقد طرح جدلًا كبيرًا في الوسط الحقوقي خاصة لجهة تكريسه للعقوبات السالبة. بالإضافة إلى جملة من التعقيدات الإدارية والإجراءات الطويلة. تعرض النظام المصري الى ضغوطات دولية كان أبرزها صادرًا عن الكونغرس الأمريكي، كما أن المنظمات والجمعيات المحلية والدولية رفضت هذا القانون بشدة.

جاء صدور القانون المذكور بعد فترة طويلة من المماطلة وخاصة التجاهل لمبادرات المجتمع المدني التي كان أبرزها مشروع القانون الذي أعدته لجنة من ممثلي المجتمع المدني بتكليف من وزارة التضامن الاجتماعي. اختار النظام إجراء تعديلات على القانون المذكور في ظل سياق سياسي ضاغط بين سنتي 2018 و2019، كان توجهه في البداية هو رفض أية تعديل. وهو وجه النقد الأول لعملية التعديل اللاحقة.

بتاريخ 19 أوت/أغسطس 2019 تم إصدار قانون الجمعيات الأهلية الجديد رقم (149) لسنة 2019 وختم رئيس الرئيس قرار نشره. كان من المفترض صدور لائحته التنفيذية خلال ستة أشهر، حسب المادة السابعة من القانون، إلا ان الأمر تطلب سنة وشهرين من أجل إصدارها.

لم تكن اللائحة التنفيذية للقانون في المستوى المأمول. فبعد تأسيس الجمعية يصبح كل إجراء مرتبطًا ببيروقراطية وزارة التضامن الاجتماعي. على سبيل المثال:

كما أصبح للبيروقراطية يد عليا على العمل الجمعياتي بالنظر إلى الصلاحيات الواسعة التي تسمح لها بالتدخل في عملها. وهو ما لا يختلف عن التوجه السلطوي لما قبل الثورة في ظل نظام حسني مبارك. فقد تم إستحداث عدة قيود بيد وزارة الشؤون الاجتماعية التي تغير اسمها إلى وزارة التضامن الاجتماعي بعد الثورة. رغم تغير المسميات إلا أن المضمون واحد تقريبًا، فلا تزال سلطاتها واسعة وتمكنها من فرض قبضتها على نشاط الجمعيات. يُذكر أن السلطات قد استغلت القانون الصادر في عهد حسني مبارك، وهو قانون الجمعيات الأهلية رقم 48 لسنة 2002، في القضية المعروفة إعلاميًا بقضية التمويل الأجنبي قبل صدور القانون عدد 70.

من أوجه تدخل الوزارة نجد ما يلي:

لعل السلطات الأمنية لا تبدو هي المسيطرة في الواجهة إلا أن بيروقراطية الموظفين بصلاحيات واسعة مع تمكينهم من صفة مأموري الضبطية القضائية، بحيث يخول لهم جملة من الإجراءات والصلاحيات للتحري والبحث فيما يخص إخلالا بالنظام العام، سيزيد من القبضة الأمنية. وهو ما يعكس وجود مقاربة حادة للعمل المدني تستند على اعتباره مصدرا للتهديد والخطر بدل أن يكون مجالًا للدفع بدور الدولة والمجتمع. وهي مقاربة النظام السياسي القائم في مصر حاليا تعكسه خاصة السياسة الممنهجة لقمع الناشطين والجمعيات العاملة حاليًا. كما أن حجة تنظيم العمل الأهلي وتأطيره تبدو مفرغة من المعنى في ظل هذه السياسة القمعية.

3- التدوير والسجن الدائم: اتهامات الإرهاب الجاهزة والمحاكمات الاستثنائية استهداف لحقوق الإنسان : 

يمثل الإتهام بالتظاهر، ونشر أخبار كاذبة، والانضمام لجماعة محظورة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومشاركة جماعة إرهابية فى تحقيق أغراضها. والإرهاب مفهوم معمم لا يستثني أحدًا حيث يمكن أن تكون يساريًا أو ليبراليًا لكن ذلك لا يمنع أن تكون في جماعة ارهابية إسلاموية. ومنطق النظام في ذلك هو جمع من يقف ضده في سلة واحدة. التحق “تحالف الأمل” بقوائم الكيانات الإرهابية في وقت سابق من صيف 2020، وهو تحالف ضم نوابًا بالبرلمان ورؤساء أحزاب وشباب وصحفيين، يهدف للاستعداد للانتخابات البرلمانية. ليصبح هذا الحكم نهجًا متطابقًا مع الأحكام القضائية المستندة للاتهامات الجاهزة السابق ذكرها.

على أساس هذه الاتهامات تم تجديد حبس عديد الناشطين لعدة مرات وهم الآتي ذكرهم:

إلى جانب تجديد الحبس لا تزال التدابير الإحترازية تُعاضدها في التضييق على الناشطين. وقد شملت العديد من الاسماء. ومنهن/م:

وكانت النيابة أعادت تدوير 15 متهمًا آخرين، على ذمة القضية رقم 1021 لسنة 2020، بعد هذه. وتكرر السيناريو نفسه مع المدون محمد أكسجين، والناشط السياسي سامح سعودي، وعضو حزب العيش والحرية زياد أبو الفضل، ومحمد ممدوح (كاريوكي)، بضمّهم إلى القضية قم 855 لسنة 2020، إحدى القضايا التي أصبحت ملجأ لإعادة تدوير النشطاء السياسيين والصحفيين والحقوقيين، من بينهم المحامية ماهينور المصري والمحامي محمد الباقر، والمحامي عمرو إمام، والناشطة السياسية إسراء عبد الفتاح، والصحفية سولافة مجدي وزوجها حسام الصياد، وأستاذ العلوم السياسية حازم أحمد حسني.

 

4- استهداف المبادرة المصرية للحقوق الشخصية : 

انضم المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية جاسر عبد الرازق إلى زميليه المحبوسين احتياطيًا منذ بداية الأسبوع الثاني من نوفمبر 2020، بعدما قررت نيابة أمن الدولة العليا، حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات في القضية رقم 855 لسنة 2020. بينما استمرت الإدانات الدولية والمحلية للحملة الأمنية على فريق المبادرة، التي انطلقت بصورة تدريجية وممنهجة انطلاقًا من استهداف العاملين بها وصولًا الى مديرها التنفيذي.

ووجهت النيابة لعبد الرازق جملة الاتهامات الجاهزة دائمًا. وكانت النيابة قررت في وقت سابق حبس المدير الإداري للمنظمة الحقوقية محمد بشير، ومدير وحدة العدالة الجنائية بالمنظمة كريم عنّارة 15 يومًا لكل منهما على ذمة التحقيقات في القضية نفسها. ولم تتوقف الإدانات الحقوقية الدولية والمحلية، والتي تسارعت وتيرتها مع القبض على عبد الرازق، حيث أصدرت رافينا شامداساني، المتحدثة الرسمية باسم المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، بيانًا تفصيليًا عن وقائع القبض على أعضاء المبادرة والتحقيق معهم، وصفت فيه استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والاتهامات الغامضة لتجريم عمل المدافعين عن حقوق الإنسان بأنه يتعارض مع التزامات مصر الدولية تجاه القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما أعلنت 50 منظمة حقوقية حول العالم في بيان مشترك عن تضامنهم مع فريق المبادرة المصرية وطالبوا بالإفراج الفوري عن أعضاء الفريق المحبوسين، فيما نشرت 6 منظمات حقوقية مصرية بيانًا مشتركًا دعت فيه “المدافعين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر من أفراد ومنظمات وجمعيات وأحزاب ونقابات إلى التضامن مع منظمات حقوق الإنسان المصرية فيما تواجهه من هجمة أمنية شرسة، تهدف إلى اﻹضرار بقدرة المجتمع المدني على مجابهة الحكم الشمولي”. وقد تم إطلاق سراح الثلاثة من سجن طرة يوم 3 ديسمبر 2020، بعد يوم واحد من دهم قوات الأمن المصرية منزل أسرة حسام بهجت، المؤسسِ والمدير بالإنابة للمبادرة المصرية، دون أن تعثر عليه.

5- “فلويد” المصري: عويس الراوي : 

حاصرت قوات الأمن قرية العوامية بمحافظة الأقصر، لمدة أيام وسط تواجد أمني كثيف، بعد مشاحنات بين الأهالي وقوات الأمن زادت حدتها بعد مقتل عويس عبد الحميد الراوي، 38 سنة، موظف في المستشفى الدولي، وأب لطفلين وثالث منتظر ولادته، أمام منزله، فجر الأربعاء الماضي، على يد ضابط في قوة أمنية من المباحث والأمن المركزي، جاء مقتل عويس بعد سلسلة من الأحداث بدأت بإشتراك أفراد من قرية العوامية في تظاهرات سبتمبر على إثرها بدأت قوات الأمن في شن حملات قبض يومية على مواطني القرية. بحسب اثنين من الأهالي، يتراوح عدد المقبوض عليهم من القرية بين 14-18 شخصًا لا يُعرف مكان احتجازهم حتى الآن.

وفي إحدى حملات القبض، توجهت قوة أمنية لمنزل عائلة الراوي فجر الأربعاء 30 سبتمبر بحثًا عن ابن عمه، ويدعى ضياء الراوي. وحين لم تجده القوات، قررت القبض على شقيق عويس الصغير واسمه الراوي الراوي. حاولت الأسرة إثناء القوة عن القبض على الشاب الصغير، لكنهم رفضوا واصطحبوه إلى الخارج. وبحسب رواية اثنين من الجيران، أحدهما تواجد أمام المنزل فور سماع الرصاص، خرج عويس خلفهم، وبعد مشادة كلامية بينه وأحد ضباط، القوة، أخرج الضابط سلاحه، وأطلق أربع رصاصات، منهم رصاصة أصابت عويس في رأسه.

بعد الحادث، وبحسب ثلاثة من المصادر التي تحدثت إلى «مدى مصر»، قام عدد من الشباب الغاضب بالقرية باحتجاز ثلاثة أمناء شرطة على الأقل لبضع ساعات احتجاجًا على مقتل عويس واختطاف جثمانه وبعد مفاوضات انتهى الموقف بخروج الأمناء وتسليم الجثمان.

تجمع الأهالي خلال الساعتين التاليتين للواقعة. يقول أحد جيران الراوي. أحد الأهالي قدر عددهم بالآلاف. ووصل الجثمان مساء الأربعاء 30 سبتمبر 2020 إلى ميدان الصنايع عند الأهالي المنتظرين للجنازة، مصحوبًا بسيارة إسعاف، وسيارة شرطة، ومدرعة. وقبل دخول الجثمان، ألقت المدرعة قنابل غاز مسيل للدموع على الأهالي لتفريقهم، بحسب ثلاثة من المصادر حضروا الجنازة. وبعد الجنازة، قامت قوات الأمن بإغلاق القرية وحدثت اشتباكات باستخدام المولوتوف والطوب من قبل المحتجين وقنابل الغاز من قبل الأمن.تعتبر قرية العوامية نموذجًا لتعامل النظام مع تداعيات مظاهرات الذكرى الأولى لتظاهرات سبتمبر 2019. الأمر الذي يشير إلى مستوى الإحتقان الشعبي بسبب الظروف المعيشية الصعبة للمواطن المصري.

III- التوصيات : 

يبدو ان النظام المصري مواصلًا بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في مسار اخضاع بقية السلطات. وهو لذلك استغل جميع الأطر الدستورية والقانونية والمؤسسية المتاحة. من حيث يدفع بسلطته وجب تغيير ما يستغله:

من الضروري في ظل هذه الصورة القاتمة التي يفرضها النظام المصري:

مُتاح أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
Skip to content