برنامج اصلاح السياسات والتشريعاتغير مصنف

السياسات والتشريعات المتعلقة بحقوق الإنسان والإنتقال الديمقراطي في تونس (تقرير نصف سنوي )

Menu Ta9rir

يبدو أن الإنتقال الديمقراطي في تونس انتقال دائم، لجهة النقائص في تركيز مؤسسات المسار وأطره القانونية، كما يواجه واقعًا معقدًا في تأصيل حقوق الإنسان كممارسة مصونة مؤسسيًا ومحترمة مجتمعيًا.

I- السياسات والتشريعات المتعلقة بالإنتقال الديمقراطي :

يمثل الإطار الدستوري والقانوني أحد أهم علامات الإنتقال الديمقراطي في تونس، خاصة أنه وضع قواعد وإجراءات ومؤسسات الهدف منها تحقيق الإنتقال وغاياته. من هنا اتجه التقرير إلى متابعة تفعيل الإطار المذكور مع السعي إلى رصد الأحداث المتعلقة به وتطورها وصولًا إلى تأثيرها على مجرى الإنتقال، مع رصد صعوبات الإنتقال الثاني، المرتبط بالصراع السياسي حول تشكيل الحكومة وكواليس المؤسسات الرسمية.

1- تفعيل الإطار الدستوري والقانوني الخاص بالإنتقال الديمقراطي : 

يعتبر دستور 2014 الإطار الفعلي للإنتقال الديمقراطي، وكل ما يعرفه من تطورات في خضم الحياة السياسية، سواء في النصوص أو المؤسسات، يعتبر مؤشرًا مهما على عملية الإنتقال نفسها.

أ – السلط الثلاث والتوازن بينها : 

يمثل تركيز الفاعلين السياسيين على عناصر من “أخلقة” “ميثاق شرف” تفكيرًا في العمل داخل المؤسسات ومحاولة لضبط مسارات النشاط السياسي وفقا لمعايير واضحة. وهي مقاربة تُفكر من منطلق العمل الحزبي وليس المؤسساتي. يغيب على خطاب الفاعلين السياسيين وبرامجهم رؤية واضحة للإشكاليات الهيكلية واللوجستية والمالية التي يعانيها مجلس نواب الشعب. لعل بعض النواب قد اشار إليها، لكن لم يتبع ذلك مقترحات جدية في هذا الخصوص.

  • مجلس نواب الشعب
  • السياحة الحزبية والعمل البرلماني

مع انطلاق أشغال مجلس النواب في تونس، عاد هاجس الوزن السياسي للكتل وضرورة الحرص على التوازنات داخله. ثمة تركيز كبير على أخلاقية العمل داخل المجلس وسبل ضبطه لضمان سير عمل السلطة التشريعية وتجنب تعطيله بسبب الخلافات السياسية وتغيُر الولاءات تبعًا للسياحة الحزبية خاصة أن الأحزاب قد فشلت في تبني “ميثاق شرف النائب” في وقت سابق في اللجنة المذكورة سابقًا خلال سنة 2017. وقد كان هذا المعطى موضوع خطاب رئيس مجلس النواب في الجلسة الإفتتاحية البرلمانية بتاريخ 13 نوفمبر 2019 بعد إعلانه عن التوجه إلى تعديل النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب بهدف منع “السياحة الحزبية” واعتبر أن منعها سيعزز أخلاقية العمل السياسي. وقد بدأت لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين البرلمانية والقوانين الإنتخابية بمجلس نواب الشعب بداية من يوم 8 جانفي/يناير 2020 في الإستماع إلى ممثلي المجلس الأعلى للقضاء حول الإجراءات الخاصة بالحصانة البرلمانية، وتمت لذلك مراسلة جميع الكتل والأحزاب وغير المنتمين من أجل تقديم مقترحاتهم الى حدود نهاية شهر جانفي/يناير، وستبدأ اللجنة أعمالها مع بداية شهر فيفري/فبراير إلى موفى شهر أفريل/أبريل 2020، حين ترفع حصيلة أعمالها إلى مكتب المجلس.

يُذكر أن التوازنات داخل المجلس، لم تتغير عدديًا حيث لم يشهد حالات “سياحة” حزبية أو ائتلافية عديدة، باستثناء استقالة النائب الصحبي سمارة من كتلة المستقبل وانضمام النائب احمد بن عياد إلى كتلة ائتلاف الكرامة بالبرلمان. وبتاريخ 13 فيفري/فبراير 2020 أعلن رئيس كتلة الإصلاح بمجلس نواب الشعب حسونة الناصفي على صفحته بالفيسبوك انضمام النائب المستقل عن ولاية سليانة خير الدين الزاهي إلى الكتلة. كما استقال خلال شهر مارس 11 نائبا من كتلة حزب قلب تونس يُذكر أن نائبان قد تراجعا عن الإستقالة، بحلول منتصف شهر مارس لتصبح كتلة قلب تونس عدديًا 29 نائبًا، حسب موقع مجلس النواب.

تبقى رغم ذلك التوازنات متقاربة لجهة تحركها على أسس تفاهمات جعلت من الأسماء التي تتصدر المشهد السياسي من خارج الأحزاب الأكبر أساسًا.

  • الصعوبات الهيكلية والمالية لمجلس نواب الشعب

لا تزال ميزانية مجلس النواب غير كافية. ينص الفصل الرابع من النظام الداخلي لمجلس النواب على أنها ملحقة بالميزانية العامة للدولة. وقدرت في ميزانية 2020 ب43903 مقارنة ب140953 بالنسبة لرئاسة الجمهورية و148295 –بحساب 1000د- فيما يخص رئاسة الحكومة، دون مقارنتها بإجمالي كل فروع السلطة التنفيذية. ويعكس ذلك خللًا في توازن الموارد المالية للسلطتين التشريعية والتنفيذية. كما أورد موظفو مجلس النواب سابقًا أن حجم العمل لا يمكن مقارنته ببقية الإدارات العمومية الأخرى.

هذا وينص الفصل 52 من الدستور التونسي على أن ” يتمتع مجلس نواب الشعب بالإستقلالية الإدارية والمالية في إطار ميزانية الدولة”

إلا أنه وإضافة إلى عدم توفير الموارد المادية الكافية لضمان حسن أداء النواب لمهامهم فإن الموارد البشرية كذلك غير متوفرة، خصوصًا مع توقف الإنتدابات ورفض السلطة التنفيذية الترخيص إستثنائيًا لمجلس نواب الشعب للقيام بذلك خصوصا مع النقص الحاد الذي أصبح يعاني منه بما سيؤثر سلبًا على العمل البرلماني.

  • رئاسة البرلمان ومؤسساته غير بعيدة عن التجاذب السياسي والصراع مع السلطات الأخرى

تم بتاريخ 13 نوفمبر 2019 إنتخاب راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة رئيسًا لمجلس نواب الشعب. بالإضافة إلى أن كتلة حركة النهضة هي الأكبر من حيث العدد بالإضافة إلى وجود عدد كبير من النواب في ائتلافات اخرى من نفس العائلة الأيديولوجية. في المقابل، تعرف العائلة “غير الإسلامية” تشتتًا وضعفًا من حيث العدد (المقاعد في المجلس) ومن حيث الكيف (العرض الأيديولوجي).

يلاحظ في الأثناء تواصل خط التناظر بين الثوري والثوري المضاد، على مستوى الخطاب السياسي. تم بتاريخ 16 جانفي/يناير 2020 رصد أحداث عنف داخل مبنى مجلس النواب. بادر عدد من أهالي شهداء وجرحى الثورة إلى رفع شعار «Dégage» في وجه رئيسة الحزب الحر الدستوري ورئيسة كتلتها في المجلس، بعد رفض المذكورة قراءة الفاتحة على أرواح شهداء الثورة.

  • السلطة التنفيذية
    • رئاسة الجمهورية

تعتبر رئاسة الجمهورية الرأس الثاني للسلطة التنفيذية في نظام يحرص على تعدد مصادر الشرعية الشعبية عبر الإنتخابات المباشرة. بالإضافة إلى الصراع السياسي مع السلطة التشريعية، طُرحت أسئلة جدية حول نجاعة المؤسسات التابعة لرئاسة الجمهورية في القيام بدورها لدعم وبناء مسار إتخاذ القرار. ومنها ما طرح عن دور المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية، وغياب الإنتاج البحثي والعلمي المرتبط بصناعة السياسة الخارجية والإستراتيجيات الوطنية، وطبيعية ونوعية التعيينات صلبه.

شهدت هذه المؤسسات تعيينات جديدة بمناسبة وصول الرئيس قيس سعيد. وشكل مجلس الأمن القومي أولى أدوات رسم سياسات الدولة ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية لكنه شهد إستقالات عكست الإختلاف داخله والصراع حوله خاصة مع بداية أزمة الوباء في تونس، منها إستقالة مستشار الأمن القومي برئاسة الجمهورية محمد صالح الحامدي. وسبقه الوزير المستشار عبد الرؤوف بالطبيب والمستشار المكلف بالبروتوكول طارق الحناشي والمكلف بتسيير ديوان رئيس الجمهورية طارق بالطبيب.

كما راجت إنتقادات شديدة للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية حول هيكليته ومخرجات مؤسسة رسمية من المفترض تأسيسها لاستراتيجيات وسياسات الدولة ككل. لا تزال هذه المؤسسات تعمل على نسق الشخصيات التي تديرها أكثر منها مؤسسات تتابع السياسات العامة والتصورات الكبرى للدولة.

  • السلطة القضائية
    • المجلس الأعلى للقضاء
  • الفصول من 112 الى 117 من الدستور التونسي .
  • قانون أساسي عدد 34 لسنة 2016 مؤِرخ في 28 أفريل 2016 يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء

يدخل إحداث المجلس الأعلى للقضاء ضمن تجسيد مضمون الباب الخامس من الدستور المتعلق “بالسلطة القضائية” الذي أسس لقضاء السلطة على المستويين الهيكلي والوظيفي. ويعتبر هذا الإطار الدستوري المرجعية الاساسية في صياغة أحكام القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء مع الاستئناس بالمعايير الدولية لاستقلال السلطة القضائية والتجارب المقارنة في المجال.  لا يزال دوره معطلًا لجهة تدخل الجهات السياسية، خاصة عبر وزارة العدل في صلاحياته، والحرص على بعض الأسماء المحسوبة على هذا الإتجاه أو ذاك. وهو ما سيلقي بظله على المحكمة الدستورية لاحقًا، كما حدث سابقًا. لا بد من الإشارة إلى وجود ضغوط على القضاء وتدخل واضح من وزارة العدل في الشأن القضائي، حتى مع تأكيد الدستور على أن المجلس هو الجهة المخولة بتنظيم المرفق القضائي. من ذلك مثلًا صدور مذكرة عن وزارة العدل تهم سير العمل القضائي وإنعقاد الجلسات القضائية، وتوجيهها في شكل تعليمات إلى المسؤولين على المحاكم قصد تنفيذها. وهو ما أعتبرته جمعية القضاة إستيلاء على صلاحيات المجلس.

  • المحكمة الدستورية
  • الفصول من 118 إلى124 من الدستور التونسي
  • قانون أساسي عدد 50 لسنة 2015 مؤرخ في 3 ديسمبر 2015 يتعلق بالمحكمة الدستورية

لم يتم انتخاب أعضائها إلى تاريخ فترة الرصد. وجزء من الإشكال هو المجلس الأعلى للقضاء لأنه يعين أربعة أعضاء، وهو يعرف أزمة بدوره في ظل محاولة جهات سياسية السيطرة عليه. كما أن تسييس التعيينات التي يقوم بها مجلس نواب الشعب، وهم أربعة أعضاء آخرين يُلقي بظله على المحكمة.

كان من المفترض أن يتم تشكيل المحكمة الدستورية في أجل أقصاه سنة من تاريخ انتخابات 2014، إلا أن الخلافات الحزبية حالت دون ذلك، حيث لم يتمكن البرلمان السابق من انتخاب سوى عضو واحد في مارس 2018 من بين أربعة أعضاء.

تتواصل أزمة المحكمة الدستورية في التأثير على النظام السياسي ككل، حيث بغيابها تواصلت ازمة تأويل الدستور وتنزيله. عرفت تونس لذلك نزاعًا واضحًا بين رأسي السلطة التنفيذية بشأن الصلاحيات، وتفسير بعض فصول الدستور فيما يتعلق بدور الدين والحريات العامة.

ب –  تركيز الهيئات الدستورية : 

يمكن القول أن صمت الطبقة السياسية الضمني على تركيز الهيئات الدستورية، يعود إلى إنشغالها بتفاصيل الصراع السياسي. كما أن وجود الخلافات الحالية بين رؤساء السلطات الثلاث يوحي بإستدامة الصراع، وتعطيل تركيز الهيئات لأن كل منهم له نصيبه القانوني في تعيين أعضائها. في ظل وجود الرغبة، لدى جميع الأطراف السياسيين، في فرض التصورات الخاصة، سيبقى مسار تركيز الهيئات ملغمًا.

  • هيئة حقوق الإنسان : 
  • الفصل 128 من الدستور التونسي
  • قانون أساسي عدد 51 لسنة 2018 مؤرخ في 29 أكتوبر 2018 يتعلق بهيئة حقوق الإنسان.

    لم تنطلق في عملها بعد.

  • هيئة التنمية المستدامة

صدر قرار من رئيس اللجنة الانتخابية بمجلس نواب الشعب مؤرخ في 15 فيفري/فبراير 2019 يتعلق بفتح باب الترشحات لعضوية مجلس هيئة حقوق الإنسان. وقد تم إلى تاريخ فترة الرصد إنتخاب 8 أعضاء من تسعة. يعكس غياب هذه الهيئة غياب الرؤية الواضحة حول المنوال التنموي الذي من المفترض ان تلعب فيه الهيئة المذكورة دورًا أساسيًا، حيث تستشار وجوبًا كهيئة مستقلة في جميع القوانين المتعلقة بالشأن الاقتصادي والإجتماعي والبيئي.

لم تنطلق في عملها بعد.

  • هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد
  • الفصل 129 من الدستور التونسي
  • قانون أساسي عدد 60 لسنة 2019 مؤرخ في 9 جويلية 2019 يتعلق بهيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة.

    لم تنطلق في أعمالها بعد.

  • هيئة الإتصال السمعي البصري
  • النصوص:الفصل 125 من الدستور
  • والمرسوم عدد 116 الـمؤرخ في 2 نوفمبر 2011، والمرسوم عدد 115 المؤرّخ في 2 نوفمبر 2011.

    • تم إيداع مشروع قانون أساسي عدد 2017/97 يتعلق بهيئة الاتصال السمعي البصري منذ تاريخ القانون المذكور إلا أنه لم يتم التصويت عليه إلى اليوم. وهي تمارس مهامها اليوم طبقًا للمرسومين المذكورين. وهو ما يتعارض مع الفصل 125 من الدستور الذي ينص على أنها تُنظم بقانون. أدى عدم تركيزها إلى ما يشبه الفوضى الإعلامية التي عجزت الهيئة الحالية عن إدارة المشهد الإعلامي بكفاءة.

ج – مسار العدالة الإنتقالية  :

  • عمل هيئة الحقيقة والكرامة

كانت سمة تسييس عمل هيئة الحقيقة والكرامة هي الصدى الغالب عليها طيلة عملها. وأثر ذلك على مخرجات عمل الهيئة بعد ان تم إصدار تقرير الهيئة. جاء على لسان أحد ضحايا الإستبداد منير وحادة ما يلي “مسار العدالة الانتقالية في هذه اللحظة فيه كثير من الريبة ووجب تحريكه من كافّة الأطراف، سياسيين ومجتمع مدني ومنظمات، وهو أولوية بالنسبة لبرامج الدولة المستقبلية بل هو أولى الأولويات من أجل استعادة كرامة الضحايا ولو بصفة رمزية”. وأضاف أن العدالة الإنتقالية غائبة عن برامج الأحزاب، وهو متوقع حسب رأيه.

ضمن المسار الإنتخابي، خاصة ضمن الحملات للانتخابات التشريعية، انطلقت حملة “لا رجوع” التي أشرفت عليها ثلاث منظمات من المجتمع المدني، وهي منظمة “محامون بلا حدود”، و”المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”، ومنظمة “البوصلة”. تهدف الحملة حسب المشرفين إلى إعادة العدالة الانتقالية فوق طاولة الحوار السياسي كاستحقاق دستوري وقانوني وذلك تزامنًا مع الحملة الانتخابية ورصد ومتابعة الإطار المؤسساتي لمسار العدالة الانتقالية ما بعد هيئة الحقيقة والكرامة فضلًا عن توعية المواطن التونسي بأهمية المطالبة باعتماد ضمانات عدم تكرار انتهاكات الماضي.

يعكس الموقفان، من الجهة الرسمية المكلفة بمسار العدالة الإنتقالية ومن المجتمع المدني المدافع عنه، أن المسار نفسه غير مهم إلا بكيفية إنهاءه كما يجب. فمخرجاته تحكم على المسار ككل، الذي شابته عدة اضطرابات.

  • تواصل عمل الهيئة رغم البطء والنقائص التي شابتها

جاء على الصفحة الرسمية لهيئة الحقيقة والكرامة في مواقع التواصل الإجتماعي، بتاريخ 02 نوفمبر 2019، أن آلاف الضحايا قد تحصلوا على مقرّرات جبر الضرر ورد الاعتبار من الهيئة، ولكنهم لازالوا ينتظرون، إلى اليوم، تفعيل هذه المقرّرات، كما واصلت هيئة الحقيقة والكرامة إصدارها لقرارات جبر الضحايا الى نهاية سنة 2019. جاء في بلاغ صادر عنها يوم 12 نوفمبر 2019 أن القرارات ستكون على ذمتهم فقط الى موفّى الشهر، وستتم إحالة القرارات المتبقية إلى رئاسة الحكومة.

لاحظت وحدة الرصد خلال سنة 2019 وصولًا إلى شهر نوفمبر بعض الإنتقادات لعمل الهيئة وبطئها، خاصة أن عدد قرارات جبر الضرر الفردي يبلغ أكثر من 40 ألف قرارًا. وتم إصدارها وفقًا لمعيار زمني، أي أقدمية الضحية زمنيًا في التعرض للإنتهاك. الأمر الذي أُعتبر موضوعيًا لجهة تقديمه للأكبر سنًا من الضحايا. لكن العمل عمومًا تميز بالبطء.

  • عدم العمل بمقتضيات الفصل 70 من القانون الأساسي المتعلق بإرساء العدالة الإنتقالية:

كما يلاحظ غياب إستحقاقات أخرى مهمة في مسار العدالة الانتقالية خاصة منها تنفيذ الإصلاحات المؤسساتية وتعثّر مسار مساءلة الجلادين، وضعف التفاعل الرسمي مع مخرجات التقرير الختامي الشامل للهيئة.

من الجدير التذكير أن الفصل 70 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها ينص على ما يلي: «تتولى الحكومة خلال سنة من تاريخ صدور التقرير الشامل عن الهيئة إعداد خطة وبرامج عمل لتنفيذ التوصيات والمقترحات التي قدمتها الهيئة وتقدم الخطة والبرنامج إلى المجلس المكلف بالتشريع لمناقشتها. ويتولى المجلس مراقبة مدى تنفيذ الهيئة للخطة وبرنامج العمل من خلال إحداث لجنة برلمانية خاصة للغرض تستعين بالجمعيات ذات الصلة من أجل تفعيل توصيات ومقترحات الهيئة».

يذكر أن الهيئة قد أصدرت تقريرها بتاريخ الثلاثاء 26 مارس 2019، بعد أن انهت أعمالها بموفي 2018 حين تفرغت لتصفية أعمالها وصياغة التقرير النهائي. إلى تاريخ رصد شهر نوفمبر 2019، يمكن ملاحظة غياب أية مبادرة من الحكومة لتقديم خطة وبرنامج لتنفيذ التوصيات والمقترحات الواردة به.

مرت أكثر من سنة كاملة منذ صدور تقرير الهيئة دون العمل على تطبيق توصيات الهيئة من الجهات الرسمية

في هذا الإتجاه، يلاحظ ما يلي:

كان خيار الهيئة هو إنشاء مؤسسة خاصة بحفظ الذاكرة إلا أن غياب الإرادة السياسية لإنشائها أجبر الهيئة واقعًا على تسليم أرشيفها قانونيًا إلى الأرشيف الوطني. يعتبر نشر تقرير الهيئة في الجريدة الرسمية بالإضافة إلى بعث لجنة المتابعة ضروريًا لتأكيد المسار ككل، الذي مرَ بعثرات وخلافات بدأت داخل الهيئة نفسها،) 6استقالات من جملة 15 عضوًا) وحولها لجهة التجاذب السياسي الذي أثر على عملها. كما أن نفس التقرير تلقى انتقادات من بينها حذف أجزاء منه والأخطاء التاريخية التي احتجّ البعض عليها، وهو ما يضع تساؤلات كثيرة عن منهجية التقصي التي استخدمتها الهيئة ونجاعتها.

د – السلطة المحلية : 

  • النصوص:الباب السابع من الدستور التونسي. من الفصل 131 إلى 142.

مجلة الجماعات المحلية. قانون أساسي عدد 29 لسنة 2018 مؤرخ في 9 ماي 2018 يتعلّق بمجلة الجماعات المحلية.

  • بطء مسار تركيز السلطة المحلية وصعوبات عملية
    • بطء التنزيل القانوني

تنص مجلة الجماعات المحلية على 38 أمرا حكوميًا. لم يصدر من هذه النصوص التطبيقية إلى حدود فترة الرصد سوى 10 أوامر حكومية كما يبينه الموقع الرسمي للجماعات المحلية. وهو ما تؤكده منظمة البوصلة في تقريرها السنوي حول مسار اللامركزية.

لا بد من التذكير بأن وزارة الشؤون المحلية والبيئة قد سبق لها التأكيد على انتهائها من صياغة 75% من النصوص التطبيقية لمجلة الجماعات المحلية. وجاء هذا النبأ بتاريخ 02 جانفي/يناير 2018، أي قبل أشهر من صدور مجلة الجماعات المحلية. هذا وينص الفصل 385 من مجلة الجماعات المحلية على أجل 9 أشهر من تاريخ صدور المجلة لإصدار الأوامر التطبيقية. وهو ما يعني تجاوز الآجال-25 فيفري/فبراير 2019-بأكثر من سنة دون إتمام عملية تنزيل المجلة، في مسار بناء اللامركزية ككل.

  • تسييس العمل البلدي

يلاحظ أن العمل البلدي أصبح مخترقًا من البرامج الحزبية وولاءات المترشحين للعب دور على المستوى المحلي. وهو ما أدى عمليًا إلى حل المجالي البلدية وتنظيم انتخابات جزئية في عدة مناطق. كما ان رؤية العمل البلدي لا تزال نظرة دونية مقارنة بالمناصب الأخرى، حيث يلاحظ تخلي البعض عن العمل البلدي والترشح للإنتخابات التشريعية. ويشار إلى أن رئيس بلدية القصرين المدينة السابق محمد كمال الحمزاوي كان قد تخلى عن موقعه خلال شهر فيفري، إثر انتخابه عضو لمجلس نواب الشعب عن دائرة القصرين. وتم لذلك انتخاب رئيس بلدية جديد.

وهنا قائمة بالإنتخابات الجزئية التي تم إجراءها:

جاءت الانتخابات الجزئية في حاسي الفريد بعد إستقالة جماعية بتاريخ 23 ديسمبر 2019 بسبب ما أعتبره 10 من الأعضاء إستبدادًا بالرأي من قبل رئيس المجلس ونائبه إلى جانب تردي الوضع في البلدية. وتواترت الاستقالات منذ الانتخابات البلدية لسنة 2018 بسبب خلافات بين أعضاء المجالس المنتخبة لأسباب متشابهة. تؤدي الخلافات بين أعضاء المجالس إلى تعطيل العمل وإمكانية التسيير المشترك والديمقراطي، كما حضر التنازع الحزبي والهيمنة من قبل جهة على أخرى في عدة حالات.

ويعود ذلك إلى:

  • نقل الصراع السياسي الحزبي إلى المستوى البلدي. شهدت أغلب المجالس البلدية خلافات حادة تعذٌر معها السير العادي للعمل البلدي. ويلجأ الأعضاء إلى الإستقالة الجماعية بما يتوجب معه حل المجلس لغياب النصاب القانوني.
  • السياحة الحزبية البلدية-حالة بلدية الصخيرة-رئيس البلدية خالد فتيريش من مستقل إلى عضو في حزب التيار الديمقراطي.

تدخل الولاة في عمل المجلس البلدي-حالة قبلي

1 – أزمة الإنتقال الثاني : 

تمثل هذه الأزمة دليلًا على صعوبات الإنتقال الديمقراطي وتؤكد على أنه لا يتم فقط بالنصوص القانونية والمؤسسات، على أهميتهما، بل يتطلب سلطة قادرة على ضمان إدارة ناجعة للإنتقال، ذات شرعية أولًا، وقدرة على تنفيذ القرارات الكفيلة بإنهاء فترة الإنتقال.

أ – ملامح من المسار الإنتخابي : 

تواصل مع بداية شهر اكتوبر 2019 النقاش حول تكافؤ الفرص بين المرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية، قيس سعيد ونبيل القروي، فيما يتعلق بالدور الثاني المبرمج في 13 من الشهر المذكور.

وهنا في البداية نبذة عن المرشحين للرئاسة في الدور الثاني:

ومع إندلاع الثورة التونسية عام 2011 بدأت قناته التلفزيونية التي كانت تقدم برامج ترفيهية، تغطي الأخبار السياسية باللهجة العامية، وحظيت بمتابعة واسعة في تونس. كما أسس جمعية خيرية نشطت لمدة سنتين قبل الإنتخابات في العمل الإجتماعي لصالح الفقراء، في الجهات الداخلية من البلاد التونسية. يلاحظ ان جزء مهمًا من المصوتين له في الدور الأول في سبتمبر، هم من جهات مثلت فضاء النشاط الإجتماعي للجمعية التابعة له.

عكٌس وجود أكاديمي ورجل أعمال كمرشحين رئيسيين للإنتخابات الرئاسية أزمة العمل السياسي الحزبي لجهة عدم ثقة الناخب التونسي في الأسماء التي يطرحها. وهما قطبان متضادان حيث تحرك قيس سعيد بحملة غير معتادة ودون تمويل يُذكر بينما تحرك منافسه بآلة إعلامية وموارد مالية ضخمة إستُثمرت في صورته طوال سنوات سبقت الإنتخابات نفسها.

فيما يتعلق بالمسار الإنتخابي، بينما واصل المرشح قيس سعيد “حملة تفسيرية” خاصة، تواجد منافسه نبيل القروي في السجن بتهم تبييض الأموال وشبهات فساد (تم إيقافه في 23 أوت/أغسطس 2019). لا بد من التذكير أن للمرشح الأخير صيت سيئ مع المجتمع المدني التونسي، حيث راجت له تسجيلات يهدد فيها ناشطين منظمة (أنا يقظ-I WATCH) المختصة في المجال الرقابي والتوعوي حول قضايا الفساد والشفافية في تونس. وهو ما بقي من دون متابعة أو تحقيق جدي لتحميل المسؤوليات لأصحابها. تم إيقاف المرشح القروي في قضية رفعتها ضده منظمة “أنا يقظ” بخصوص شبهة غسل وتبييض الأموال، وذلك بإستعمال الشركات التي يملكها صحبة شقيقه غازي القروي، في كل من المغرب والجزائر واللكسمبورغ.

ورفضت دائرة الإتهام الصيفية بمحكمة الإستئناف بتونس، يوم 5 سبتمبر 2019، مطلبًا للإفراج عنه وابقت على التدابير الاحترازية التي تمّ إتخاذها منذ فترة ضد الشقيقين القروي، والمتعلّقة بتحجير السفر وتجميد التعامل على ممتلكات نبيل القروي الذي يرأس حاليا حزب “قلب تونس”، وفي 18 سبتمبر 2019 رفض قاضي التحقيق بالقطب القضائي الإقتصادي والمالي، التعهّد بمطلب الإفراج المؤقت عن المترشح للإنتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، نبيل القروي، وذلك لعدم اختصاصه بالنظر في المطلب.

وقد خلّف قرار إيقاف المترشح للإنتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، من قبل دائرة الإتهام الصيفية بمحكمة الإستئناف، ردود فعل متباينة، إذ اعتبر أعضاء هيئة الدفاع عن القروي، أن عديد الإخلالات القانونية قد حفت بإصدار بطاقة إيقافه وبعملية الإيقاف في حد ذاتها.

بتاريخ 1 اكتوبر زار وفد عن الهيئة العليا لحقوق الانسان والحريات الاساسية يتكون من رئيسها توفيق بودربالة والعضو منذر الشارني زيارة الى المترشح للانتخابات الرئاسية والفائز في الدور الثاني نبيل القروي الموقوف حينها بالسجن المدني بالمرناقية.

كما دعت عديد الوجوه السياسية والجهات الحقوقية في الداخل والخارج، إلى تمتيع المرشح نبيل القروي بكامل الحرية في القيام بحملته الإنتخابية، انطلاقًا من مبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافِسَيْنِ. كما عبرت الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات عن تخوفها من عدم القبول بنتائج الانتخابات الرئاسية بسبب استمرار بقاء القروي في السجن. واستند الناطق الرسمي باسم الهيئة الى ما اعتبره دور الهيئة في حماية المسار الديمقراطي نفسه، حيث أعتبر ان دور الهيئة يتجاوز البعد التقني.

وتبنت بعثة الإتحاد الأوروبي لمراقبة الإنتخابات في تونس نفس الموقف في بيانها الصادر يوم 03 اكتوبر 2019. وهو ما أكدته منذ الدور الأول، الذي سعت خلاله الى لقاء المرشح القروي دون نتيجة حيث ذكّرت بأنها التقت المرشح قيس سعيد، المترشح الثاني، في السباق الرئاسي، “للحديث عن المسار الإنتخابي، وأنها قدّمت مطلبًا للسلطات القضائية، قصد زيارة نبيل القروي”.

تم يوم 09 اكتوبر 2019 إطلاق سراح نبيل القروي قبل أيام من المناظرة الإنتخابية مع المرشح الثاني وايام قبل يوم الإقتراع.

كما لم تتلق المحكمة الإدارية أيضا أية طعون في نتائجها إلى حدود آخر أجل قانوني لتقديم الطعون (16 اكتوبر)، وفق ما صرح به الناطق الرسمي باسم المحكمة عماد الغابري لوكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات). وقد فاز في الدور الثاني من الإنتخابات الرئاسية السابقة لأوانها قيس سعيد بنسبة 72.71 % من الأصوات، على منافسه الذي تحصل عل 27.29 %.

ب – مسار تشكيل الحكومة : 

يعكس مسار تشكيل الحكومة صعوبة الإنتقال الديمقراطي في تونس، حيث تتوفر على الشروط القانونية والمؤسساتية من حيث المبدأ للنجاح، إلا أنها لم تكن، وليست واقعًا كافية، لتحقيق كل النجاح للوصول الى التوليفة الضامنة للديمقراطية.

امتدت أزمة تشكيل الحكومة طوال 109 يوما، وعرفت تجاذبات سياسية حادة تسببت في هيمنة منطق المحاصصة الحزبية والمصالح السياسية الضيقة. كما انها عكست ملامح، يمكن اختصارها فيما يلي:

  • • عجز الطبقة السياسية وأزمة الأحزاب السياسية آلت الى الدفع بأسماء من البيروقراطيين والخبراء والتكنوقراط أو سياسيين لم يكن لهم وزن سياسي وإنتخابي كبير أو تجربة سابقة في الحكم
  • • استغلت الأحزاب السياسية المذكورين في الحكم عبر واجهة سياسية
  • • أثبتت أزمة تشكيل الحكومة عدم ثقة الرأي العام في الأحزاب وفي الطبقة السياسية ككل.
  • • تحولت أزمة تشكيل الحكومة الى أزمة حكم متواصلة
  • • أصبحت مؤسسات الدولة مسرحًا للصراع السياسي أو التوافقات الوقتية
  • • اللجوء إلى الوثائق التعاقدية السياسية التي تبيَنت في نهاية الأمر محدوديتها لجهة العمومية وعدم الدقة بالإضافة إلى أنها أصبحت آخر ما يوقع عليه بعد توزيع المناصب السياسية.

وهنا عرض للمسار الزمني الطويل لمفاوضات تشكيل الحكومة من 11 نوفمبر 2019 إلى 26 فيفري/فبراير 2020.

المسار الزمني لمفاوضات تشكيل الحكومة

حكومة الحبيب الجملي : 

  • عمق الخلافات الحزبية وآثارها

كلف الرئيس التونسي قيس سعيّد مرشح حركة النهضة، الحبيب الجملي، يوم 15 نوفمبر، بتشكيل حكومة جديدة. شغل الجملي منصب وزير دولة في حكومتين سابقتين، وله من العمر 60 عامًا، حسمت حركة النهضة إختيارها على شخصية من خارجها، خاصة أن جُل الأحزاب الممثلة في مجلس النواب قد اشترطت تعيين رئيس حكومة من خارج الحركة حتى تدخل في مشاورات لتشكيل ائتلاف حكومي.

عرف شهرا نوفمبر/ديسمبر 2019 مفاوضات ماراثونية حول تشكيل الحكومة، مع خلاف كبير حول طبيعة التحالفات الممكنة. تبين جليًا ان حركة النهضة لا يمكن لها ان تحكم لوحدها لكن لا يمكن الحكم بدونها، وذلك نتيجة للتوازنات التي فرضتها الانتخابات. كما أثرت حركة النهضة على العملية ككل، في ظل الخلافات داخلها، بالإضافة الى الخلافات الشديدة مع حركة الشعب والتيار الديمقراطي وتحيا تونس. فيما تلقت منهجية عمل الرئيس المكلف إنتقادات شديدة جدًا التي ارتبطت في مرحلة أولى بالحركة التي اقترحت اسمه، فيما اتجه لاحقًا إلى التعبير عن رغبته في تشكيل حكومة لا حزبية. وهو ما أنتهى به عدم نيله الثقة في مجلس نواب الشعب يوم 10 جانفي/يناير 2020.

ضمت الحكومة المقترحة من قبل الحبيب الجملي 42 عضوًا، 28 وزيرًا و14 كاتب دولة. لم تختلف عن سابقاتها الموسعة، كما كان الحضور النسائي محدودًا وأقل من النسبة التي أعلن عنها رئيس الحكومة نفسه. كما أن أسماء عديدة ممن تم تعيينهم قد زاولوا مهام في حكومات بقيادة النهضة.

حكومة إلياس الفخفاخ

تم تكليف إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة طبقًا لمقتضيات الفصل 89 من الدستور التونسي، خلال شهر واحد غير قابل للتمديد. أي [من (21 جانفي/يناير) إلى (19 فيفري/فبراير 2020)]

ويأتي هذا التكليف في ختام سلسلة من المشاورات الكتابية التي أجراها رئيس الجمهورية مع الأحزاب والكتل والائتلافات بمجلس نواب الشعب، وبعد لقاءات مع المسؤولين عن أكبر المنظمات الوطنية ومع عدد من الشخصيات التي تم ترشيحها.  ويخوّل الفصل 89 من الدستور، لرئيس الجمهورية تحديد الشخصية التي يراها الأقدر على تكوين حكومة متيحا بذلك للجهة التي منحها سلطة التقدير أن تختار من يتراءى لها أنها الأقدر. واحترامًا لإرادة الناخبين والناخبات في الانتخابات التشريعية، واحترامًا للمقترحات التي تقدمت بها الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية في المراسلات التي قاموا بتوجيهها، فإن الحكومة التي سيتم تشكيلها لن تكون حكومة رئيس الجمهورية بل هي التي سيمنحها مجلس نواب الشعب الثقة، فعدد غير قليل من أعضاء المجلس النيابي هم الذين اقترحوا اسم رئيس الحكومة، والكلمة الفصل هي للمجلس وحده عند عرض الحكومة بكامل أعضائها على الجلسة العامة، وفق نص بلاغ رئاسة الجمهورية.

بالإضافة إلى جملة الوعود السياسية، أكد إلياس الفخفاخ المكلّف بتشكيل الحكومة عقب لقائه برئيس الجمهورية قيس سعيّد الإثنين 20 جانفي/يناير 2020 أنّه سيسعى لتكوين حكومة من ”فريق مصغّر منسجم وجدي يجمع بين الكفاءة والإرادة السياسية القوية والوفاء للثوابت الوطنية ولأهداف الثورة المجيدة”. وأشار إلى أنّه سيفتح المجال لأوسع حزام سياسي ممكن في تشكيل الحكومة بعيدًا عن أي إقصاء أو محاصصة حزبية مع الوفاء للتوجه الأغلبي، وفق قوله.

اختار رئيس الحكومة المكلف قائمة محددة من الأحزاب التي سيدخل معها في مفاوضات تشكيل الحكومة. وقد أقصى من قائمته حزب قلب تونس والحزب الحر الدستوري، تماشيًا مع الخط السياسي “الثوري” لرئيس الجمهورية حسب رأيه، مع نفي رئاسة الجمهورية لفكرة ان تكون حكومة المكلف الجديد بتشكيلها هي “حكومة الرئيس”، بالإضافة إلى أن الخطاب السياسي لقيس سعيد بقي دائمًا في مدار فكرة الدولة والدستور، والحرص على تقديم تأويله للدستور ضمن الصراع السياسي. رغم ما سبق، لا يمكن تجاهل وجود أوليات تعارض بين البرلمان ورئاسة الجمهورية.

شاركت الأحزاب التالية في المفاوضات، أو ما عُبَر عنه بالأحزاب التي صوتت للرئيس في الدور الثاني. وهي: حركة النهضة، التيار الديمقراطي، ائتلاف الكرامة، حركة الشعب، حركة تحيا تونس، مشروع تونس، الاتحاد الشعبي الجمهوري، نداء تونس، البديل التونسي، آفاق تونس.

tunis20

يعتبر التصنيف الوارد أعلًاه نسبيًا بالنظر إلى ضعف الطرح الأيديولوجي بإستثناء حركة النهضة الإسلامية وبعض الأحزاب القديمة التي تتواجد عبر خطابها العالي بدل ايديولوجيتها كحركة الشعب أو التيار الديمقراطي. التقى هذا المعطى بالزخم العاطفي والزخم الثوري، الذي تماهي مع طابع شعبوي متصاعد منذ الحملات الانتخابية سواء التشريعية أو الرئاسية. وهو تطور فرضه واقع الحياة الحزبية المفككة والمليئة بانعدام الثقة بين الفاعلين فيها.

II- السياسات والتشريعات المتعلقة بحقوق الإنسان : 

تعيش تونس تقدمًا ملحوظًا على المستوى التشريعي فيما يخص حقوق الإنسان، إلا أن المقاربات في شأنها لا تزال منقوصة في ظل عدم وجود قدرة واضحة على إقامة المعادلة الواضحة بين حقوق الإنسان والأمن على سبيل المثال، أو بين ضرورات العمل الحكومي في الحالات الإستثنائية والحرية … عاد خلال شهر مارس من سنة 2020 مشروع قانون زجر الإعتداءات على الأمنيين. انتقد الوفد الممثل للاتحاد العام التونسي للشغل خلال جلسة استماع بلجنة التشريع العام مشروع القانون الذي عاد تحت عنوان “زجر الإعتداء على القوات المسلحة”، حيث أعتبره أنّه يتضمن عديد الإخلالات الخطيرة التي تهدد المجتمع وتتعارض مع الحقوق والحريات المكفولة بالدستور ودعا إلى ضرورة إعادة صياغة مشروع القانون بما يتناسب مع الحريات الفردية والعامة.

وشدد وزير الدفاع عماد الحزقي على أن مشروع قانون زجر الاعتداءات بصيغته التي عرض بها تجاوزته الاحداث ويتضمن نقائص عديدة وعدة نقاط تتعلق بالمفاهيم الاساسية والتعريفات التي يجب مراجعتها، خاصة في علاقة فصول مشروع القانون ببقية الحقوق والحريات.

تمسكت وزارة الداخلية والنقابات الأمنية من خلال المبادرة التشريعية الأخيرة بضرورة حماية منظوريها أثناء قيامهم بعملهم، لكن هذا المشروع لاقى معارضة واسعة حول مضمونه الزجري و طابعه العقابي، إضافة إلى تعارضه مع المواثيق الدولية والدستور فيما يتعلق بالحريات، وقد أصدرت أغلب المنظمات والجمعيات الحقوقية والمنظمات الوطنية بيانات ومواقف منددة بهذا القانون ونبهت لخطورته كما عبر العديد من الفاعلين السياسيين عن امتعاضهم من مشروع القانون كما طالبت كل من نقابة الصحفيين التونسيين والاتحاد العام التونسي للشغل بسحبه من أمام لجنة التشريع العام، كما شارك مركز دعم منظمات المجتمع المدني التونسية في توجيه نداء إلى نواب الشعب لإلغاء النظر في مشروع القانون المتعلق بزجر الاعتداء على القوات المسلحة.

1- عقوبة الإعدام في تونس:

يعاقب القانون التونسي على 21 جريمة بالإعدام إلا أنها عمليًا لم تطبق منذ سنة 1991. وهو ما يعتبر توقفًا طوعيًا عن تنفيذ عقوبة الإعدام لتصبح تونس واحدة من 29 دولة اختارت التوقف الطوعي عن تنفيذ العقوبة المذكورة.

عقدت لجنة التشريع العام ولجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية يوم الأربعاء 8 جانفي/يناير 2020 جلسة مشتركة حول مشروع قانون استرشادي صادر عن البرلمان العربي يتعلق بعقوبة الإعدام وضمانات تطبيقها في الدول العربية، أكد الخبراء وممثلو المجتمع المدني المُستمع لهم خلال الجلسة عدم تطابق مشروع القانون الإسترشادي مع أحكام الدستور والإتفاقيات والمعاهدات التي صادقت عليها الدولة التونسية. كما ذهب النواب إلى رفض هذا المشروع لنفس الأسباب. وهو ما يعتبر إيجابيًا على طريق الإلغاء الكلي للعقوبة.

III- حرية التعبير/الصحافة/الإعلام : 

1- الإنتهاكات وصعوبات العمل الصحفي : 

  • تتواصل الإعتداءات على الصحفيين في ظل ظروف صعبة خلال العمل، خاصة خلال الفترة الإنتخابية وصولًا إلى شهر اكتوبر 2019. يمكن ملاحظة ذلك في العلاقة مع المؤسسات والهيئات الرسمية.
  • تعرض عدة صحفيين للإعتداء من قبل موظفي مراكز الإقتراع ومسيريها.
  • 07 ديسمبر 2019: مُنع الصحفيون من الدخول إلى مجلس نواب الشعب رغم وجود نشاط للمكتب. كما ان الأجواء عرفت اضطرابًا حادًا بسبب الخلاف بين نائبة عن حركة النهضة (جميلة الكسيكسي) ونائبة عن الحزب الحر الدستوري (عبير موسي)، كما أن عددا من نواب الحزب الأخير كانوا معتصمين داخل المجلس. وهدّدت النقابة العامة للإعلام برفع الشارة الحمراء داخل مجلس نواب الشعب أو الإضراب، في حال تواصل المس من العمل الصحفي، على خلفية إقدام بعض نواب ائتلاف الكرامة على إحداث الفوضى داخل البرلمان ومنع مصورو التلفزة الوطنية من بث إحدى المداخلات، وإستغلال التلفزة لتمرير شعارات لا علاقة لها بالبرلمان. ودعت النقابة مصوري التلفزة الوطنية، إلى مقاطعة كل نائب يقوم بمضايقة الإعلاميين المكلفين بتغطية نشاط مجلس نواب الشعب.

25 ديسمبر 2019: إنتقدت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ما عبرت عنه بسياسة التعتيم التي تنتهجها رئاسة الجمهورية. جاء موقف النقابة عقب ما تعرض له الصحفيون من منع بمناسبة تغطيته لزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الى تونس. وقد شملت هذه المعاملة الصحفيين المحليين بالإضافة إلى الصحفيين الأجانب خاصة صحفيي تلفزيون “العربي الجديد”. عمدت قوات الأمن الرئاسي إلى احتجاز بطاقات الفريق الصحفي التابع للقناة المذكورة والمعتمدة في تونس والمتكوّن من الصحفي وسام دعاسي والمصوّر الصحفي أيمن بن منصور، كما تمت مرافقتهم لتحرير محضر تصوير دون ترخيص بتعلة أنّ التصوير أمام القصر الرئاسي يخضع لترخيص مسبق، وهو ما يخالف القانون في هذا الإتجاه. بالإضافة إلى منع 13 صحفيا تونسيًا يعملون كمراسلين لعدد من وسائل الإعلام الأجنبية من دخول قصر قرطاج.

17 فيفري/فبراير 2020:تمّ استنطاق فريق عمل الوثائقي “غرف سوداء”، أمام الفرقة المركزية الثالثة للأبحاث بالحرس الوطني بالعوينة على خلفية شكاية تقدم بها عون الأمن، الذي كان حرر محضر حجز الوثائق والمعدات في بيت مصطفى خذر المشتبه به فيما يعرف بقضية “الجهاز السري لحركة النهضة”.

صعوبات العمل بالنسبة للصحفيين الأجانب خاصة فيما يتعلق بعملية إسناد الإعتماد للعمل في المراكز الإنتخابية. أشارت النقابة إلى أنها مشوبة بعدة نقائص.

غياب احترام ضرورات احترام العمل الصحفي لدى الناشطين السياسيين خاصة من المرشحين للإنتخابات التشريعية والرئاسية ومنها الفرق العاملة في الحملات الإنتخابية لعدة مرشحين. فمثلًا تفصل الفرق الأمنية المرافقة للمرشحينفي فرصة حصول الصحفي على تصريح أو معلومة.

لا تزال مسألة احترام أخلاقيات المهنة وعدم الإنحياز في نقل المعلومة مطروحة بشدة خاصة فيما يرتبط بالعمل خلال فترات الإنتخابات.

2- الصعوبات الهيكلية في القطاع الإعلامي : 

عملت الهيئة على تعديل المشهد الإعلامي عبر قرارات تدخل في صلب صلاحياتها. على سبيل المثال، قرّر مجلس الهيئة في جلسته المنعقدة يوم 25 ديسمبر 2019، إيقاف برنامج “لا كلاس” (الفصل) الذي يتم بثه على قناة “تونسنا” لمدة شهرين، وذلك لما تضمنته حلقة 14 ديسمبر 2019 من مخالفات “تتعلق خاصة بتوظيف الأطفال دون مراعاة سنهم ودرجة نضجهم وعدم إدراكهم للمعطيات المقدمة لهم، بما يمس من مصلحتهم الفضلى التي تقتضي ضرورة النأي بهم عن التجاذبات السياسية وغيرها”. وقرر المجلس عدم إعادة بث الحلقة المذكورة موضوع المخالفة وسحبها من الموقع الإلكتروني الرسمي للقناة ومن جميع صفحاتها على شبكات التواصل الإجتماعي. وواصلت الهيئة لفت نظر الإعلاميين في الحالات التي تقيم مخالفتها للقانون وقواعد المهنة وأخلاقياته.

يوم 07 جانفي/يناير 2020 بالتوازي أكد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والإجتماعية على ضرورة أن تحترم حقوق الفئات الأكثر هشاشة من النساء والأطفال وطالبي اللجوء. وأن المعلومات شحيحة بخصوص خطة الطوارئ المعدة لمواجهة تداعيات التطورات الممكنة للوضع الأمني في ليبيا، خاصة مخطط تركيز مخيم بمنطقة بئر الفطناسية التي تبعد 15 كم جنوبي مدينة رمادة من ولاية تطاوين. تجدر الإشارة إلى أن الشبكة الأورومتوسطية للحقوق قد دعت تونس، منذ سنة 2019، إلى ضرورة إرساء منظومة كاملة ومتناسقة لضمان حق اللجوء على ترابها. وهو ما يغيب فعليًا مع هيمنة المقاربة الأمنية غالبًا، بما يطرح إشكاليات معمقة خاصة في ظل الوضعية الإنسانية التي يعيشها الأجانب في تونس خاصة الأفارقة من جنوب الصحراء.

  المهاجرون الأجانب في تونس : 

يتعرض المهاجرون الأجانب للتمييز والعنصرية في تونس خاصة القادمون من إفريقيا جنوب الصحراء. وهو ما تثبته عدة أرقام وإحصائيات. (المصدر: المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية)



وتحصل الاعتداءات العنصرية سواء بسبب أعمال فردية وهي التي قام بها مواطنون وسائقو سيارات الأجرة وأصحاب المحلات التجارية أو أعمال مؤسساتية حيث احتلت مراكز الأمن أعلى نسبة، ويخضع عمل المهاجرين الأجانب في تونس لإطار قانوني غير محيّن (يعود للستينات). وهو عمل غير مهيكل وهش ويخرق الشروط الدنيا للتعامل الأخلاقي المهني. تعتبر أجور العمال الأجانب هي الأدنى في ظل ظروف غير مناسبة للعمل. كما يضطر عدد كبير منهم لمغادرة عملهم سعيًا وراء آخر بسبب المعاملة غير الإنسانية واللاأخلاقية فيما يتعرض الكثيرون للتحرش.

يتطلب ما سبق مراجعة الإطار القانوني للمهاجرين في تونس مع تطبيق القانون المتعلق بالتمييز العنصري الذي لا يزال موجودًا كممارسة.

IV – مكافحة الإتجار بالبشر : 

  • قانون أساسي عدد 61 لسنة 2016 مؤرخ في 3 أوت/أغسطس 2016 يتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص
  • الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص طبقًا للباب الثالث من القانون المذكور آنفًا.

أرقام: عدد الحالات تطور من 742 سنة 2018 إلى 780 حالة سنة 2019.

فيما يتعلق بعمل الهيئة المذكورة، لاحظ الرصد صعوبات عمل الهيئة وعدم توفر الإمكانيات اللازمة بالإضافة إلى عدم تعاون الإدارات والمؤسسات بالشكل الكافي خاصة في توفير المعلومات والبيانات. لا بد من التذكير في هذا الإتجاه إلى أنه يمكن ملاحظة أن نشاط الهيئة التي يعتمد تأثير الصيت الشخصي لرئيستها روضة العبيدي وجهد أعضاءها على فعالية دورها فيما تعمل الهيئة في ظل ظروف صعبة ماليًا ولوجستيًا.

أما بخصوص التقرير السنوي للهيئة، قالت الأستاذة العبيدي إلى أن عملية جمع المعطيات والإحصائيات تعطلت، ذلك أن بعض الوزارات لم تمد الهيئة بها إلى حدود يوم 10 و11 جانفي/يناير. وقد تم إصدار التقرير المذكور لاحقًا يوم 23 جانفي/يناير بالتزامن مع اليوم الوطني لإلغاء الرق والعبودية، من الحالات التي تابعتها الهيئة، تم الإعلان على الصفحة الرسمية للهيئة الوطنية لمكافحة الإتجار بالبشر، إلى أن النيابة العمومية بصفاقس أذنت بفتح تحقيق في مقاطع فيديو المتداولة على موقع التواصل الاجتماعي “Facebook” حول شبهة اعتداء امرأة بالعنف على عدد من الفتيات. وهي بصدد متابعة للملف بالتنسيق مع المصالح الأمنية والقضائية المختصة.

V – حقوق الطفل 

15 أكتوبر 2019: انظمت تونس إلى إتفاقية مجلس أوروبا بشأن حماية الأطفال من الاستغلال والاعتداء الجنسي (لانزاروتي) التي تم الإعلان عنها في 12 جويلية/يوليو 2007. وتهدف الإتفاقية إلى مكافحة الإعتداء الجنسي على الأطفال ومنع غستغلالهم وحماية حقوق الأطفال ضحايا الإستغلال الجنسي والإعتداء الجنسي، وذلك بتجريم إستدراجهم للإعتداء عليهم جنسيًا أو استغلالهم جسديًا بالإعتماد على التكنولوجيات الحديثة.

وهو ما يتطلب ملائمة التشريعات الوطنية من أجل محاربة الجرائم التي يتعرض لها الأطفال في الفضاء الإفتراضي خاصة على مستوى القوانين المتعلقة بجرائم الاعتداءات الجنسية.

تنظيم الحملات التوعوية والتحسيسية من أجل زيادة الوعي المواطني خاصة الأطفال وأوليائهم في هذا المجال.

حقوق الأقليات : 

رغم وجود الإطار القانوني تشريعيًا ودستوريًا إلا أن العوائق الحقيقية تظهر في الممارسة لجهة هيمنة التصورات التقليدية وإستغلال البعض للسلطة من أجل فرض توجهات دون غيرها. يبقى الإطار القانوني بدوره معيبًا للأسباب المذكورة التالية:

  • القوانين التي تتعارض مع الدستور
  • غياب المحكمة الدستورية كإحدى ضمانات الحقوق والحريات
  • تعطل مشروع مجلة الحريات الفردية منذ سنة 2018. ومجلس نواب الشعب لم يضعها على جدول أعماله في اللجان إلى حدود تاريخ الرصد.

1- الأقليات الجنسية : 

فيما يتعلق بالأقليات الجنسية، يمكن ملاحظة ما يلي:

  • إنفتاح الفضاء الديمقراطي الذي عزز تمثيلية الأقليات، سمح بالتوازي مع ذلك برصد حالات رهاب المثلية ودعوات العنف والتمييز والكره. الأمر الذي يؤكد على ضرورة تنقيح القوانين المتعارضة مع الدستور وخاصة منها المتعارضة مع الحقوق والحريات الفردية.
  • عدم تركيز المحكمة الدستورية سبب رئيسي من أسباب تعطيل تركيز الحقوق والحريات الفردية، حيث لا يمكن في ظل غيابها الطعن في تلك القوانين. وهو ما يجعل الإنتقال الديمقراطي منقوصًا وغير مكتمل لأنه يفقد سمة التحول من شموليته القانونية والحقوقية، ويحافظ على عيوب المنظومات السابقة. وهي التي تغذي، عبر غياب التجريم والعقاب، كل أشكال العنف والتمييز.
  • إستغلال الأمنيين وتواطؤهم على هضم حقوق الأقليات الجنسية وحماية المعتدين.

من الإنتهاكات المرصودة على سبيل المثال، تعرض ثلاث مواطنات تونسيات عابرات لاعتداء بالعنف ليلة 13 جانفي/يناير 2020 وسط العاصمة وعلى مقربة من مقر وزارة الداخلية. تم تداول فيديو يوثق هذا الإعتداء على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد تبيَن لاحقًا أن المتهم بارتكاب الإعتداء هو عون أمن تابع لمركز شرطة باب بحر، والذي قد تمت حمايته من قبل رئيس المركز حيث منع الضحايا من العلاج في مستشفى الرابطة بحجة عدم امتلاكهن تسخيرًا طبيًا في الغرض من قبل مركز الأمن، وقد أدى العنف والمعاملة اللاإنسانية والمهينة التي تعرضت لها الضحايا على أساس هويتهن الجندرية وتوجههن الجنسي، إلى تعرض إحداهن لنزيف داخلي وكسر بالجمجمة، ولا يزال المعتدين إلى اليوم دون عقاب.

2- المهاجرون واللاجؤون

أكّد رئيس المنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية عبد الرحمان الهذيلي خلال مؤتمر صحفي يوم 19 فيفري/فبراير 2020، أنّ تونس تعمل على الترحيل الفوري للاجئين على الحدود مع ليبيا باعتراف رسمي عبر بلاغات وزارة الدفاع الوطنية رغم إمضاء تونس اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئ، مُعتبرًا أن تونس تغلق الحدود أمام الفارين من الحرب في ليبيا، واعتبر أن الذي ينجح في الوصول إلى تونس يصطدم بالواقع الأليم لاعتقاد خاطئ بأنه سيحصل على اللجوء في ظل غياب منظومة قانونية خاصة باللجوء، معتبرًا أن الحديث عن موت المهاجرين في البحر لا يخفي الحديث عن الانتهاكات العديدة التي تحصل في البر وتمارس على المهاجرين واللاجئين في تونس، حسب تعبيره.

تعتبر الإدارة الفرعية للإيواء والتوجيه بالوردية أو ما يعرف بمركز الإيواء بالوردية، نقطة إستفهام كبيرة في غياب نص قانوني يوضح وضعية هذا الهيكل، وطبيعة عمله ومدة الإقامة، حيث يقيم في المركز مهاجرون غير نظاميين يمثلون في نظر السلطات مصدر قلق وإزعاج للدولة التونسية وجب إبعادهم، لكن من بين المقيمين نجد أشخاصًا لم يستطيعوا تسوية وضعياتهم، خاصة منهم الطلبة، نظرًا لإجبارية الإقامة في المركز وإستحالة الخروج منه إلا في اتجاه البلد الأصلي.

 وأكّد أنّ المنتدى تابع وضعية عودة هؤلاء نحو ليبيا من ذلك المهاجرون الذين تم إنقاذهم من باخرة “مارديف” في ماي/مايو 2019 والذين كان عددهم 64 مهاجرًا وتم نقلهم لتونس أين تمت ممارسة كل أنواع الضغوط والهرسلة النفسية عليهم تحت شعار ما يسمى بالعودة الطوعية إلى بلدانهم، ما أدى إلى رضوخ 53 منهم دون منحهم أي فرصة لتقديم طلب لجوء.

يبقى السؤال اذن مطروحًا عن سياسة الدولة التونسية محليًا ودوليًا، في التعامل مع هذا الملف الذي تهيمن عليه المقاربة الأمنية على حساب المقاربة الحقوقية.

VII – الحق في النفاذ إلى المعلومة : 

النصوص القانونية: الدستور/ القانون عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بالحق في النفاذ للمعلومة

  • إدارة الحق في النفاذ إلى المعلومة

يمكن ملاحظة مسار البناء التشاركي في تعزيز حق النفاذ إلى المعلومة في مستوى إدارة الحق المذكور. لكن الواقع أثبت وجود خروقات عديدة مع تمسك البيروقراطية الإدارية بصلاحيات وطابع نشاط تقليدي غير منفتح على مقتضيات الشفافية وإتاحة المعلومة للمواطن. أكدت الهيئة المذكورة على غياب ثقافة النفاذ الى المعلومة مقابل انغلاق الادارة على نفسها وحجبها للمعلومة وعدم الاعتراف بحق المواطن في حق النفاذ للوثائق الإدارية. كما ان الإدارات نفسها لا تتيح المعلومة داخلها للقسم المكلف بالنفاذ للمعلومة.

  • 10 ديسمبر 2019: توقيع اتفاقية شراكة بين هيئة النفاذ إلى المعلومة ووزارة التربية: تهدف الإتفاقية إلى وضع إطار للتعاون الثنائي بين الطرفين يرتكز على برامج مشتركة ومخططات عمل سنوية لتكريس حق النفاذ للمعلومة وتعزيز انفتاح الوزارة على محيطها اضافة لتعزيز مبدأي الشفافية والمسائلة على مستوى هياكلها، وتنمية قدرات منظوريها في مجال الحق النفاذ للمعلومة.

أرقام حول نشاط هيئة النفاذ إلى المعلومة : 

  • العدد الجملي للملفات المعروضة على الهيئة: 1912 ملفا منذ انطلاقها في العمل
  • منذ أواخر 2018 إلى أواخر سنة 2019: 1000 ملف نفاذ إلى المعلومة، تمت الإستجابة إليهم جميعًا.
  • جانفي/يناير – مارس 2020: 357 ملفًا

وواصلت الهيئة نشاطها بإصدار 19 قرارًا جديدًا مع بداية شهر مارس، من بينها قراران يلزمان شركة فسفاط قفصة وبورصة الأوراق المالية بتونس، بتسليم القائمين بالدعوى نسخًا ورقية من الوثائق المطلوبة. فقد أصدر مجلس الهيئة، قرارًا يقضي بإلزام الرئيس المدير العام لشركة فسفاط قفصة بتمكين منظمة “أنا يقظ” من نسخة ورقية من الوثائق المطلوبة، مع الإذن بحجب المعطيات الشخصية المضمنة بتلك الوثائق، في حين تعلق القرار الثاني بإلزام المدير العام لبورصة الأوراق المالية بتونس، بتسليم القائم بالدعوى نسخة ورقية من الوثيقة المطلوبة. وأعتبرت الهيئة أن هذه القرارات، تتنزل في إطار تكريس الحق في النفاذ إلى المعلومة ذات الصلة بالشأن العام، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة، ودعم الثقة في الهياكل العمومية.

لا يزال الحق في النفاذ إلى المعلومة بعيدا عن التبلور لجهة الصعوبات العملية التي يواجهها، حيث يغيب تعاون الإدارات مع طالبي النفاذ.

تواصل الهيئة عملها على الرغم من عدم تعاون الإدارات التي تحسن آداءها بهذا الخصوص، خاصة مع الدعاوى القضائية التي صارت ترفع من قبل المعنيين، في متابعة لمطالبهم. وهو ما يقتضي المزيد من متابعة تنفيذ القرارات.

IIIV – التوصيات : 

  • ضرورة ضمان سير عمل المجلس بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة، وتجاوز منطق وثائق الشرف وأخلاقية العمل إلى منطق المؤسسة ذات الإستقلالية على جميع المستويات. وهو ما يتطلب مراجعة النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب في إتجاه تكريس نص يأخذ بعين الإعتبار تجربة العمل البرلماني خلال فترة ما بعد الثورة. لا بد لأي تعديلات أن تضع مبادئ عامة متناسقة دون الدخول في التفاصيل الضيقة. من المبادئ الأساسية التي على التعديلات التركيز عليها هو مبدأ شفافية العمل البرلماني كنشر التصويت والتعديلات المقترحة من النواب وطريقة التصويت في منظومة واحدة، الكترونية على سبيل المثال.
  • المسارعة في التصويت على المحكمة الدستورية واختيار أعضاء مستقلين من ذوي الكفاءة والنزاهة، لضمان دور احترام الدستور على أفضل وجه، وتجنب تسييس عملها وكل محاولات السيطرة عليها.
  • تركيز الهيئات الدستورية التي من المفترض أن تلعب دورا أساسيًا في وضع الدستور وقيمه ومبادئه المستقاة من ثورة الشعب التونسي على أرض الواقع.

للإشارة تلعب المؤسسات الدستورية دورًا محوريًا في التنمية السياسية التي من المفترض أن تكون قاطرة مكملة وأولية مع بقية جوانب التنمية. إلا أن غيابها أدى إلى غياب الرؤية الواضحة والارتجال حسب السياق والظرف في ظل إرادة سياسية ضعيفة. لا تزال الديمقراطية في تونس معيبة ما لم توضع كسقف قيمي واجرائي ومؤسسي فوق الحسابات الضيقة للأحزاب ومصالح النفوذ الاجتماعي والإقتصادي التي لا تزال حاضرة في تفاصيل الإدارات والدولة.

  • وضع إطار تشريعي وآلية خاصة بمتابعة المعتدين على الصحفيين.
  • وضع إطار تشريعي لإصلاح القطاع الإعلامي يضم الهيئة الدستورية المختصة ومختلف المتدخلين في القطاع والمجتمع المدني التونسي
  • وضع إطار تشريعي حول مسألة الهجرة يتوافق مع قواعد القانون الدولي. يعني ذلك تعزيز المقاربة الحقوقية في هذا المجال ومراقبة السياسة الأمنية المسيطرة الآن.
  • رئاسة الجمهورية:

يبدو ضروريًا مراجعة دور المؤسسات التابعة لرئاسة الجمهورية كمعهد الدراسات الإستراتيجية الذي يجب ان ينفتح على المجتمع المدني والمجتمع الأكاديمي، ويحتاج إلى تعزيز إدارته وكوادره. كما يُفترض في مؤسسة تعتبر قوة اقتراح وتوجيه رسمية. أشار القانون عدد 103 لسنة 1993 المُنشئ للمركز الى المهمة المنوطة بالمعهد هي مهمة تحليل وبحث ودراسة واستشراف، وتحضير تقارير سرية ترفع الى رئاسة الجمهورية. وهو ما يتطلب فعليًا إمكانيات تتجاوز الوضع الحالي للمركز الذي ترأسه شخصية ذات تجربة إدارية. يعتبر ذلك أحد الأسباب المهمة في استقرار رؤية وسياسة الدولة في كل المجالات.

  • ضرورة الحرص على احترام الصلاحيات مع رأس السلطة التنفيذية الثانيومجلس نواب الشعب كما تقتضيه قواعد الدستور.
  • رئاسة الحكومة:
  • ضرورة الحرص على احترام التوازن بين السلط، خاصة مع رأس السلطة التنفيذية الثاني ومجلس نواب الشعب كما تقتضيه قواعد الدستور
  • احترام مسار العدالة الإنتقالية واستكماله بناء على تقييم موضوعي يسمح تعويض نواقص وأخطاء هيئة الحقيقة والكرامة المتعددة والمتكررة، مع التمسك بتنفيذ باقي الإجراءات المتعلقة بالمسار طبقًا للقانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها
  • نشر تقرير هيئة الحقيقة والكرامة والعمل على تنقيحه من الأخطاء الواضحة لضمان احترام سير العمل على مخرجات المسار مع التأكيد هنا على النقطة السابقة.
  • التوقف عن التعاطي مع مسألة الهجرة وفق مقاربة أمنية صرفة لتحديد سياسة الدولة التونسية بصورة واضحة ضمن منظومة تشريعية كاملة تتوافق مع قواعد القانون الدولي.
  • دعم حق النفاذ الى المعلومة عبر تكريسه داخل الإدارة العمومية ضمن برنامج الإصلاح الإداري الذي يبقى بعيدًا عن التحقق حاليًا.
  • احترام حق العمل الصحفي في الرقابة على العمل الحكومي وانهاء الإعتداءات على الصحفيات والصحفيات خاصة من قبل الأمنيين
  • المجلس الأعلى للقضاء: تأثر تركيز المجلس الأعلى للقضاء بالتجاذبات السياسية، وهو يعيش اليوم تجاذبات مع وزارة العدل حول صلاحيات كل منهما، خاصة في ظل وجود وزير عدل مسيَس. وهو ما أشار له رئيس المجلس نفسه عندما أكد على تواصل نزع السلطة التنفيذية للسيطرة على القضاء. من الضروري بناء على ما سبق احترام قواعد الدستور في هذا الإتجاه من أجل ضمان إستقلالية مرفق العدالة بصورة عامة. كما على المجلس الحرص على علاقة سليمة مع مساعدي العدالة خاصة المحامين لتجنب نزاعات قطاعية تُضعف المرفق على حساب الجميع في نهاية الأمر.
  • تجنب تسييس عمل السلطة المحلية والتسريع في تنزيلها القانوني. غير أن ما سبق ليس كافيًا لوحده لجهة ان فكرة السلطة المحلية لا تعني خلق مركز مغلق بل وجب ان يكون مفتوحًا على المجتمع المحلي. يقتضي تبلور الأخير دعم نسيج الجمعيات المحلية ودعم المبادرات الشبابية وتعزيز المقاربة التشاركية في إتخاذ القرار بعيدًا عن إحتكار السلطة لصالح جهة واحدة.

الإنتقال الثاني في تونس:

  • تعتبر الرقابة على المال السياسي وجهات النفوذ خلفه مهمة وضرورية من أجل تنقية الحياة السياسية والحزبية. وهي شرط من شروط تحقيق الديمقراطية الحقيقية في تونس
  • تعزيز دور الأحزاب إيجابيًا نحو تبني برامج ورؤى واضحة قادرة على تكوين جيل سياسي جديد. وهو ما يفترض العمل المنهجي عبر الاكاديميات الحزبية، ليس على المستوى المركزي فقط بل أيضًا على المستوى المحلي. وهو ما يعني عملًا حزبيًا لا يقتصر على المحطات الانتخابية.
  • توفير خطاب سياسي رصين لا يعتمد على التهويل والتخويف من الآخر ومحاسبة من يعتمده خاصة إذا ما عمد الى ترويج الإشاعات
  • التفكير في التنمية الديمقراطية في تونس من مختلف جوانبها خاصة السياسي منها التي تتحمل فيها الأحزاب والمجتمع المدني الدور الأساسي في مواجهة التيارات الشعبوية والدفاع عن قيم الديمقراطية ومبادئ الشفافية والتشاركية واحترام الإختلاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
Skip to content