ثمانية سنوات مرت علي ثورة الشعب المصري ضد نظام مبارك، سنوات دفع فيها المصريون أرواح ودماء الآلاف من أبنائهم، ولسنوات تلت الثورة إستمر أبناؤها في تقديم أرواحهم وأعينهم وسنوات من أعمارهم في السجون مطاردين الأمل في غد أفضل لهم ولأبنائهم. لكن الثورة التي قامت ضد نظام راسخ منذ خمسينات القرن الماضي، لم تنجح سوى في الإطاحة برأس النظام وبعض تابعيه، فتغيرت الوجوه واستمر النظام بل أصبح أسوء وأسوء.

و نحن في مطلع عام 2019 إذا أجرينا مقارنة بسيطة مع مقدمات سنة 2011 التي أدت للثورة نجد تدهورا واضحا في جل المجالات سواء سياسية أو إقتصادية أو إجتماعية أو على مستوى حقوق الإنسان،

على المستوى التشريعي، برلمان مبارك الذي كان يلقب ب”ترزية” القوانين كان يقوم عليه فقهاء قانونيون يعرفون كيف تصاغ النصوص التشريعية، كما كان يحمل عددا من عناصر المعارضة الجادة، على عكس البرلمان الحالي صاحب أهزل قوانين صدرت في التاريخ التشريعي المصري العريق، فضلاً عن إسكات أي صوت معارض مهما كان ضعيفا.

ربما تكون أكبر كوارث النظام الحالي هي الإنهيار الإقتصادي نتيجة مجموعة كبيرة من القرارات الإقتصادية السيئة والمشاريع الوهمية والصفقات التي تهدف لتحسين صورته وإستقرار حكمه، والتي نقلت سعر الدولار من أقل من 6 جنيهات في 2011 إلي ما يقارب ال18 جنية حاليا، وما عكسه ذلك من تدهور مهول في مستوى معيشة المصريين بجميع طبقاتهم

على المستوى الحقوقي، نجد اليوم آلاف النشطاء السياسيين خلف قضبان السجون سواء بأحكام حبس نهائية أو تحت وطأة الحبس الاحتياطي نتيجة قوانين هزلية وغير دستورية مثل قوانين الإرهاب والطوارئ والتظاهر، في حين كان عهد مبارك يحمل أرقاما أقل بكثير وكان الحبس يتم نتيجة أوامر إعتقال طبقا لقانون الطوارئ. الأسلوب الجديد ورط السلطة القضائية في المعركة السياسية بعد أن كانت بمنأى عن ذلك في أغلبها في العصر السابق، كما أضفى مشروعية قانونية على إنتهاكات السلطة التنفيذية في انتهاك صريح للباب الثالث من دستور 2014 المتعلق بالحقوق والحريات والواجبات العامة و للمواثيق الدولية التي صادقت عليها مصر في مجال حقوق الانسان[1].

على مستوى حرية الإعلام، سيطرت شركات تابعة للدولة سواء بشكل مباشر أو عن طريق رجال أعمال على جميع وسائل الإعلام في تأميم ضمني حتي لا يسمع صوت سوى صوت النظام. يأتي ذلك معاكسا لما شهده المجال العام من انفتاح إلي حد ما في عصر ما قبل الثورة وفتح العديد من القنوات الخاصة التي حظيت بجزء ولو ضئيل من الحرية، لا نراها الآن.بصفة مجملة، حرية الرأي والتعبير أصبحت مجرد ذكرى من الماضي بعد أن أصبح مجرد منشور على أحد مواقع التواصل الإجتماعي كفيل بحبس صاحبه لسنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة و الانضمام لتنظيم إرهابي[2].

عشرات المستويات الأخرى من المقارنات التي توضح إلي أي حال إنحدر الوضع في مصر منذ الثورة إلي اليوم، إلا أن كل مراقب عاقل لا يمكن أن يرى في هذا التدهور سببًا للتأسف على عصر الرئيس المخلوع حسني مبارك والذي قام بإفساد متعمد لكل مناحي الحياة المصرية علي مدى 30 عامًا، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في إنتقال مصر من نظام سيء إلي نظام أسوأ مرات عديدة عبر سنوات ال8 سنوات التي تلت الثورة.

برغم كل ما تعرض له النشطاء المصريين من حبس وإختطاف ومطاردة وتصفية إلا إنهم مستمرون في التمسك بحلم الحرية وكفاحهم من أجله، فنحن وان لم نشهد أحداثًا كبرى حاليًا، إلا إن جمر أهداف الثورة لا يزال مشتعلًا تحت رماد الظلم، ينتظر اليوم الذي سيتأجج فيه لتعديل الأوضاع والعودة بمصر لمجدها، عبر احدى أعظم الثورات السلمية التي عرفتها البشرية.

وفي هذه الذكرى التي تعتبر من أهم المحطات في تاريخ مصر المعاصرة، يقدم “مركز دعم” تهانيه لكل احرار مصر والعالم الذين يجرؤون على أن يحلموا بمصر أفضل،

كما يجدد “مركز دعم” تمسكه المستمر و اللامشروط  بالايمان بأنه لا بد أن يأتي اليوم الذي تنعم فيه مصر بالحرية والديمقراطية وأن تصبح دولة قانون ومؤسسات بالمعنى الحقيقي، لا بالشكل المزيف الذي يحاول أن يروج له النظام الحالي،

كما يؤكد “مركز دعم” على أنه لن يدخر جهدًا في أي عمل أو تحرك أو موقف، من شأنه أن يسرع بالوصول لهذا الهدف المنشود،

ويندد “مركز دعم” بكل الممارسات المناهضة للحقوق والحريات التي تم ويتم ارتكابها من قبل النظام في حق الناشطين والمواطنين المصريين بصفة عامة،

و يدعو مركز دعم كل الأجهزة الرسمية الى مراجعة سياساتها اللاحقوقية وفتح المجال أمام المنظمات الحقوقية  الناشطين المدنييين ليمارسوا نشاطهم في اطار حرية التنظم والحريات العامة بصفة أشمل كما يكفلها الدستور والمواثيق الدولية،

كما يعتبر “مركز دعم” أن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر حاليا مرتبطة في جزء كبير منها بحالة التضييق على الحقوق و الحريات وانتشار الفساد والمحسوبية في مختلف القطاعات،

كما يشد “مركز دعم” على أيدي كل من يعمل في سبيل أن تصبح مصر أفضل وأن تنعم بحرية حقيقية ولاسيما الحقوقيات والحقوقيين والناشطات والناشطين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وانتماءاتهم.


[1]  انظر موقع مرصد دعم http://marsd.daamdth.org/marsd-egypt

[2]  صادق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قانون لـ”تنظيم الصحافة والإعلام” من شأنه أن يسمح بمراقبة بعض حسابات مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي،. ويحق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والمشكل بقرار رئاسي عام 2017، متابعة كل موقع إلكتروني شخصي أو مدونة إلكترونية شخصية أو حساب إلكتروني شخصي يبلغ عدد متابعيه خمسة آلاف أو أكثر، بموجب القانون القانون رقم 180 لسنة 2018 المتعلق بإصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.، الذي أقره غالبية نواب البرلمان.

SHARE