مصدر الصورة: panoramafm

قراءة في قانون التصريح بالمكاسب والمصالح ومكافحة الإثراء

غير المشروع وتضارب المصالح

قانون “من أين لك هذا.. ” بين الإنجاز والإعجاز

مقدمة:

يواصل المشرع التونسي ولو بخطوات متثاقلة تكريس مؤسسات الجمهورية الثانية التي جاء بها دستور جانفي 2014 في ظروف تتسم بصراعات سياسية مستمرة تمظهرت بالخصوص في حصول تغييرات كبيرة على مستوى الكتل البرلمانية بظهور كتل جديدة وشبه اندثار لكتل أخرى وتواصل ما اصطلح على تسميته بالسياحة الحزبية. غير أنه وعلى الرغم من ذلك حافظ الائتلاف الحاكم المتكون أساسًا من حركتي النهضة ونداء تونس على اليد الطولى المتحكمة في المشهد البرلماني مما جعله يفرض أجندته التشريعية فيقدم منها ما يشاء ويصرف منها ما يشاء إلى مستقبل غير معلوم .

في المقابل فإن الضغط المتواصل للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ولمنظمات المجتمع المدني وبدرجة أقل الإعلام، أدى إلى التقدم بخطوات مهمة في إطار تعزيز الترسانة القانونية لمكافحة الفساد، فتمت المصادقة على قانون النفاذ إلى المعلومة ، وقانون القطب القضائي الاقتصادي والمالي ، وقانون الإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين ، كما تم أيضا سن النص المتعلق بتنظيم الهيئة الدستورية الدائمة للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ، وجميع هذه النصوص على علّتها تعتبر سيرًا في الطريق السليم وقطعًا مع منظومة الاستبداد.

كل ذلك طبعًا دون أن نهمل في ذات السياق سعي الحكومة إلى الالتزام بتعهداتها الدولية والتي تفعيل المصادقة على الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد بمقتضى القانون عدد 16 لسنة 2008 والمؤرخ في 25 فيفري 2008 ، وكذلك سعيها إلى إضفاء نوع من المصداقية على خطابها المجاهر ب”الحرب على الفساد”.
في هذا الإطار إذن يتنزل القانون المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح ومكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، والذي صادق عليه مجلس نواب الشعب في 17 جويلية 2018 ، وهذا القانون على أهميته يتعين قراءته على ضوء ما تضمنه من أحكام وميكانزمات، ولكن يتعين أيضًا النظر إليه كجزء من كل، وقراءته بالتالي على ضوء النصوص القانونية المتداخلة معه، والقصد هنا أساسًا القانون الأساسي المتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين.

والقانون الأساسي المتعلق بالهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد على اعتبارها الجهة المخولة لتلقي التصاريح والبحث فيها ومراقبتها والتقصي في حالات الكسب غير المشروع.

فإلى أي مدى يمكن للهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد الاضطلاع بدورها كاملًا في تنفيذ مقتضيات القانون الخاص بالتصريح بالمكاسب والمصالح ومكافحة الكسب غير المشروع في ظل الإطار القانوني الذي تتحرك داخله، وأيضًا في نطاق الإطار الواقعي المحيط بها خاصة على مستوى الموارد المالية والبشرية المتوفرة لديها وعلى مستوى تعاطي الجهات الإدارية معها؟

وكمحاولة للتمعن في هذا التساؤل وإيجاد أجوبة مناسبة يتعين الانكباب أولًا على حقيقة المهام الموكولة للهيئة في علاقة بتنفيذ مقتضيات القانون المشار إليه في مرحلة أولى ثم تنزيله في الإطار القانوني العام الذي ينظم عمل الهيئة وهيكلتها للتخلص إلى النظر في تفاعل الهيئة مع الطرف الحكومي بوصفه مموّلًا لنشاطها والجهات الإدارية باعتبارها المتعامل الرئيسي معها لحسن تنفيذ القانون موضوع هذه الورقة.

ووفقًا لهذه المنهجية أحسب أنه يمكننا الوقوف على بعض الهنات و استخلاص جملة من النتائج التي قد تكون مدخلًا لاقتراح بعض التعديلات المهمة على المستوى التشريعي.

 

SHARE