مقدمة

عقب ثورة فبراير 2011 وحتى الآن، خلت البنية التشريعية في ليبيا من قانون ينظم عمل الجمعيات بعد وقف العمل بالقانون رقم 19 لسنة 2001 الذي كان بمثابة حجر عثرة أمام حرية تكوين الجمعيات، لذا برزت الحاجة إلى ملئ هذا الفراغ التشريعي وإقرار قانون يتماشى مع المعايير الدولية لحرية تكوين الجمعيات والتزامات ليبيا الدولية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليه في 1970.

بدأت أولى محاولات إقرار قانون جديد في أواخر العام 2011، عندما شكلت وزارة الثقافة والمجتمع المدني لجنة لصياغة مشروع قانون يتناسب مع المعايير الدولية لحرية تكوين الجمعيات، والتي ضمت في عضويتها عدد من المختصين والمهتمين بالشأن العام، وانتهت إلى صياغة المشروع في مارس 2012 والذي نال إستحسان الكثيرين، لكن عدم وجود الإرادة السياسية في هذا الوقت كان السبب الرئيس في عدم المصادقة عليه.

وبتنظيم مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان (دع) ومركز مدافع لحقوق الإنسان (مدافع) أجتمع بتونس العاصمة في منتصف شهر مايو 2016 مجموعة من الخبراء والنشطاء الحقوقيين والقانونيين، بجانب أعضاء مجلس الإدارة الجديد لمفوضية المجتمع المدني (بنغازي) من أجل العمل على التعديلات اللازمة على المشروع سابق الذكر. وقد أنتهت أعمال الإجتماع من صياغة التعديلات اللازمة على مسودة قانون الجمعيات والتي كانت قد قامت بصياغته اللجنة المشكلة لهذا الغرض من قبل وزارة الثقافة والمجتمع المدني في 2011.

وتجدر الإشارة إلى أن تلك المسودة لمشروع القانون الناتج عن هذا الإجتماع كانت تراعي تمامًا مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية والشفافية والحكم الرشيد. فقد قام بتسهيل إجراءات تسجيل الجمعيات وجعلها عن طريق الإخطار بالتأسيس لإكتساب الجمعية الشخصية الإعتبارية، وليس بطريق الطلب والإذن. كما تلزم مؤسسات الدولة بالإمتناع عن عرقلة نشاط الجمعيات أو أن تعطله إلا بموجب أمر قضائي مسبب. كما أتاحت تلك المسودة للجمعيات تعدد مصادر التمويل بقبول الهبات أو التبرعات غير المشروطة، كما سوى مشروع القانون من حيث المبدأ بين الجمعيات الوطنية والأجنبية إلا أنه أحال تنظيم آلية قيد وإشهار فروع الجمعيات الأجنبية على لائحة تصدر لهذا الغرض تراعي روح ونص هذا القانون. كما أعطى للجمعيات المصلحة والصفة بالطعن أمام المحاكم في أي تشريع أو قرار يتعلق بأهدافها ضمانًا لدورها في مراقبة السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وتوقفت المحاولات منذ ذلك الحين إلى أن تقدمت مفوضية المجتمع المدني بمشروع قانون تنظيم المجتمع المدني الذي جاء مخيبًا للآمال، ويشكل ردة عن ما تم اقتراحه بمسودة 2012،  ومقترح الخبراء 2016، وذلك على خلاف ما أفادت به رئيس مجلس إدارة المفوضية د. عبير أمنية، من أن المشروع يعد استكمالًا للمسودة التي قدمت للمؤتمر الوطني.

تتمثل أبرز المثالب في إختيار مصطلح “المجتمع المدني” عنوانًا للمشروع بما يثير كثيرًا من الخلط، ذلك لأن هذا المفهوم يشمل العديد من التنظيمات بما فيها السياسية، بالإضافة إلى أخده بنظام التصريح المسبق في تأسيس المنظمات، ووضع عقبات فضفاضة يمكن استخدامها من قبل المفوضية لرفض التأسيس. ناهيك عن التنصيص على أسباب واهية يمكن من خلالها حل الجمعيات.

تقدم هذه الورقة (8) أسباب لرفض مشروع القانون المطروح من قبل مفوضية المجتمع المدني لعدم تماشيها مع المعايير الدولية لحرية تكوين الجميعات، وذلك عن طريق إبراز القيود والمثالب الواردة به لمحاولة تلافيها والخروج بمشروع قانون يتوافق مع التزامات ليبيا الدولية، ويوفر مناخ مثالي لعمل الجمعيات

SHARE