مقدمة

أصبحت مساءلة “الحبس الاحتياطي في مصر” كموضوعٍ  بحثي، ذات أهمية لخطورته على حرية الأفراد، خاصة بعد إفراط القضاء المصري في إستخدام الحبس الاحتياطي من بعد 30 يونيو 2013، ليتحول إلى ما يشبه نوعا من العقوبة. تغصّ السجون المصرية اليوم بالمحبوسين إحتياطيًا علي ذمة تحقيقات أو محاكمات دون صدور أحكام ضدهم، وقد تطول فترة الحبس الاحتياطي إلى سنوات قبل أن يعرض أمر المحبوس أمام قاض موضوعي، على الرغم من أن أقصى مدة حبس إحتياطي يسمح بها القانون لغير المحكوم عليهم هي 24 شهرًا كما سنوضح لاحقًا.

رصدت تقارير حقوقية أكثر من ألف حالة لمحبوسين إحتياطيين تخطت المدة القصوى للحبس الاحتياطي وذلك وفي أربع محافظات فقط، ومنهم الصحفي والباحث هشام جعفر الذي تجاوز مدة العامين في الحبس الاحتياطي دون أن تحال قضيته، ورغم ذلك تم تجديد حبسه لأربع مرات بعد  انقضاء المدة القانونية وبعد مرور عامين على حبسه. ينضم إليه الباحث إسماعيل الإسكندراني الذي تمت إحالة قضيته للنيابة العسكرية بعد عامين كاملين من حبسه احتياطيًا لعدم الاختصاص. تشير تقارير وإحصائيات المنظمات الحقوقية المصرية والدولية الى ان حالات الحبس الاحتياطي وصلت لعددٍ لم يسبق له مثيل  في تاريخ مصر.

الأصل في الحبس الإحتياطي هو أنه إجراء قانوني تتخذه سلطة التحقيق أو المحكمة المختصة، لضمان التحفظ على المتهم في مكان آمن لحين الفصل في الدعوى والاتهامات المنسوبة إليه من جهة، وضمان عدم العبث بأدلة القضية أو التأثير على شهود الواقعة أو الإضرار بالمجتمع من جهة أخرى.

ففي ظل الممارسات الأخيرة تحول الحبس الإحتياطي من إجراء تحفظي إلى عقوبة سياسية وهو ما يعكس فشل المؤسسات الأمنية في بناء قضايا تستحق نظرها أمام قاض موضوعي، ويعكس من جانب آخر إستسهال إنتهاك القانون دون أي رادع.

يعد الحبس الاحتياطي أحد أخطر الإجراءات القانونية بإعتباره يمس الحرية الشخصية للفرد وعندما تطرق إليه فقه القضاء وصفه بأنه أبغض الإجراءات القانونية[1]، لإنه إجراء يميل إلى قرينة الإدانة عن البراءة، والأصل في الانسان البراءة حتى إثبات التهمة.

وبناءًا على ماسبق سوف نحاول من خلال هذه الورقة البحثية أن نقوم بدارسة الحبس الاحتياطي للإجابة عن التساؤلات التالية: 

ما هو تعريف الحبس الاحتياطي؟

ما هي أهم جوانبه؟

هل هو إجراء احترازي أم عقوبة؟

ما هي  البدائل التي كفلها  القانون للحد منه؟

كيف تم تناوله في النصوص الدولية ؟

ما هي أهم توصيات النصوص الدولية للتقليل منه ومن استخدامه في أبكر مراحل النظر في الدعاوى؟

هل هناك ضرورة للتوجه للبدائل الأخرى؟

كما تهدف هذه الورقة الى أن توضح للقارئ المهتم والمتخصص بالإضافة للمتلقي غير المتخصص معرفة تأثير الحبس الاحتياطي على حياة الأفراد المحبوسين إحتياطيًا وعائلاتهم، والآثار المترتبة عليه مجتمعيًا وماديًا. وذلك من خلال مقابلتين، الأولى مع أسرةِ احد المحبوسٍين إحتياطيًا والذي لا يزال قيد الحبس الاحتياطي حتى الآن. والثانية مع مواطنٍ قضى مدة عامين في الحبس الاحتياطي ومن ثم تمّ تبرئته بعد ذلك.

SHARE