إن إستكمال مسار العدالة الإنتقالية في تونس شرط جوهري لعملية التحول الديمقراطي وحتى نتمكن من التقدم نحو المستقبل، إذ لا يمكن التفكير في الخروج من الأزمة إلا إذا تمت المصالحة الحقيقية مع الماضي والحاضر.

ما تعيش على وقعه البلاد هذه الأيام من تجاذب حول مصير هيئة الحقيقة والكرامة هو تجسيد حقيقي لما يمكن أن يجنيه تدخل السياسة في مسألة يفترض أن يكون للقانون وللعدالة بصفة أشمل الكلمة الفصل فيها.

مجلس نواب الشعب لم يكن في الموعد مع مهمته الأولى والأهم و هي تجسيد إرادة الشعب والسهر على مصلحة البلاد، بل كانت مواقف مختلف النواب محكومة بأهوائهم السياسية، بمصالح احزابهم، وفي قراءة أخرى بحملاتهم الإنتخابية.

جلسة التصويت على القرار شهدت عدة تجاوزات بداية من رئيس المجلس وصولا إلى النواب الذين كانت ردود فعلهم متوترة و عنيفة في بعض الأحيان.

انعقدت الجلسة العامة الافتتاحية يوم السبت 24 وبعد محاولة أعضاء بعض الكتل البرلمانية التواجد في قاعة الجلسة وتقديم المداخلات ونقاط النظام وفي نفس الوقت عدم تسجيل حضورهم إلكترونياً وهو ما اثار الجدل في العديد من نقاط النظام حول عدم شرعية الجلسة والقرارات الصادرة عنها، مما نتج عنه إنسحاب رئيس هيئة الحقيقة والكرامة ومن ثم رفع الجلسة للمداولات مابين الكتل البرلمانية، وتم الاتفاق على مواصلة الجلسة يوم الاثنين 26 مارس 2018 وواصل رئيس المجلس الجلسة دون تسجيل جديد للحضور وهو ما سحب  الخلل المسجل بجلسة يوم السبت 24 مارس 2018 على جلسة يوم الاثنين 26 مارس 2018.

68 نائبا صوتوا ضد قرار التمديد واحتفظ نائبان بصوتيهما، في حين لم يصوت أي نائب لصالح التمديد في مدة عمل هيئة الحقيقة والكرامة، حيث انسحب عدد كبير من النواب وخاصة نواب كتلة حركة النهضة والكتلة الديمقراطية ولم يقوموا بعملية التصويت معتبرين ان التصويت باطل وان الجلسة باطلة و ذلك لعدم توفر النصاب القانوني. بالتالي لم يشارك في التصويت الا 70   نائبا ونائبة.

والجدير بالذكر أن ما زاد الأمر تعقيدا وجدلا هو قرار المحكمة الإدارية التي كانت قد رفضت الطعن المقدم من كتلة آفاق تونس ضد قرار مجلس هيئة الحقيقة والكرامة المتعلق بالتمديد في مدة عملها بسنة واحدة وعللت ذلك من جانب “بأن قرار هيئة الحقيقة والكرامة يدخل ضمن صلاحياتها إذا ما قامت بذلك قبل ثلاثة أشهر من نهاية مدة عملها، ولا يشكل تعديا على صلاحيات المجلس المكلف بالتشريع” إلا أنها من جانب آخر عادت وأضافت عبارة “الذي يحتفظ بكامل صلاحياته بالنظر في قرار مجلس الهيئة التمديد في مدة عملها“.

ووجب التنويه بأنه وبعد استشارة مركز دعم لمختصين في القانون، تم الاتفاق على اعتبار قرار مجلس النواب رفض التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة شرعيا وغير قابل للطعن أمام أي جهة قضائية.

حالة الإرتباك التي تسببت بها السلطة التشريعية الأولى من خلال القانون المنظم للعدالة الإنتقالية الذي لم يوضح صلاحية التمديد للهيئة من خلال المادة 18 التي تنص على أن “مدة عمل الهيئة حددت بأربع سنوات بداية من تاريخ تسمية أعضائها قابلة للتمديد مرة واحدة لمدة سنة بقرار معلل من الهيئة يرفع إلى المجلس المكلف بالتشريع قبل ثلاثة أشهر من نهاية مدة عملها”، زاد في تعميقها المجلس التشريعي الحالي من خلال حالة الفراغ التي خلفها عدم إلتزامه بسد الشغور  للهيئة ورفضه التمديد لها، إلى جانب عدم تقديم بديل لإستكمال المسار.

في الوقت الذي عانت فيه الهيئة من مقاطعة بعض أجهزة الدولة مما عطل أعمال الهيئة إلا أن هيئة الحقيقة والكرامة كانت في حقيقة الأمر شريكة في ما آل إليه وضع المسار الآن حيث عجزت عن تحقيق مصالحة وطنية شاملة كما تجاهلت و همشت جزءا كبيرا من الضحايا فضلا عن توتر علاقتها مع اجهزة الدولة وتجاهلها لحجم سلطة مجلس النواب الذي نصبها وانتخب أعضاءها، فضلا عن مشاكلها الداخلية بين الأعضاء ورئيسة الهيئة وعدم احترام الهئية لقرارات المحكمة الادارية مما وضعها في مواجهات على طول الخط سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي.

يعتبر مركز دعم ان المتضررين الحقيقيين من هذا الوضع، لم يكونوا سوى الضحايا الذين يجدون اليوم أنفسهم مهددين على أكثر من مستوى، على مستوى فتح ملفاتهم من طرف الدوائر القضائية المختصة بالنسبة لمن تمت إحالة ملفاتهم، على مستوى الإحالة نفسها بالنسبة لمن لم تتم إحالة ملفه إلى اليوم، على مستوى حماية معطياتهم والأسرار التي إستأمنوا عليها هيئة الحقيقة والكرامة، على مستوى حقهم في جبر الضرر الذي لم يتمتع به كثير منهم إلى اليوم، على مستوى حقهم في أن تتم مساءلة جلاديهم الذين لم نر إلى اليوم أحداً منهم…

ما يجعل المسار أكثر احتقانا هو  ان الضحايا لم يحظوا حتى الآن باعتذار رسمي وعلني من اجهزة الدولة التي لم تعترف حتى بجرائم الفساد والتعذيب التي نخرت اجهزتها لسنوات وهو الامر الذي كان من الممكن ان يرفع أمل الضحايا في عدالة المسار ويساعدها في حربها على الفساد وفي اعادة هيكلة مؤسساتها.

كما يحيق الخطر أيضا بالأرشيف المودع لدى هيئة الحقيقة والكرامة والذي يحمل في طياته جزءا كبيرا من تاريخ تونس الحديث والمعاصر والذي من حق كل التونسيين الاطلاع عليه ومعرفة حقائق الماضي كجزء لا يتجزأ من العدالة الانتقالية، فضلا عن حساسية المسألة المتعلقة بكيفية حفظ هذا الارشيف وكيفية التعامل معه خصوصا في ظل حالة الفوضى التي تعيشها هيئة الحقيقة والكرامة[1].

كما يذكر مركز دعم بموقفه السابق حيث يعتبر ان غياب المحكمة الدستورية بات واضحًا غداة طرح مسألة التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة لمدة اضافية، لا سيما وأن الاشكال تعلق أساسًا بتأويل الفصل 18 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، والذي كان رأي المحكمة الدستورية لو وجدت، سيحل الأزمة المترتبة على هذه المسألة. وعليه يعتبر  مركز دعم  أن مسؤولية ما آل إليه مسار الإنتقال الديمقراطي في تونس، يقع في جانب كبير منه على عاتق الفراغ الذي خلفه غياب المحكمة الدستورية المنصوص عليها بدستور 2014[2].

من موقعه، يعتبر مركز دعم هذا الوضع الحرج الذي تعيشه تونس سياسيا وانتقاليا وقانونيا، يحتم على كافة مكونات المجتمع السياسي والمدني تدارك الأمر وتحمل مسؤولياتهم، والاتجاه نحو انقاذ مسار العدالة الانتقالية سواء بوجود الهيئة  أو من دونها و بقطع النظر عن الأشخاص، والوصول إلى حالة تقارب وتوافق منأجل الحفاظ على المسار.

كما يدعو مركز دعم نواب الشعب الى تحمل مسؤولياتهم والإسراع بانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية وتلافي التداعيات الخطيرة الناتجة عن الفشل في ذلك.

و يعتبر مركز دعم أن هذا الخطر المحدق بالمسار، يضع المجتمع المدني في تونس، أمام مسؤولية حقيقية، تستوجب منه توحيد الصفوف وبلورة موقف موحد من تطورات مسار العدالة الإنتقالية في تونس بأكملع وفي قلب منه هيئة الهقيقة والكرامة، وتقديم مبادرة حقيقية لإستنفار الارادة السياسية والضغط على أصحاب القرار لاستكمال المسار وإيفاء الضحايا حقهم وتحقيق العدالة في معناها الأسمى والخروج بالمسار من دائرة اللعبة الانتخابية ليحقق أهدافه الحقيقيقة المتمثلة في كشف الحقيقة ورد الاعتبار والمحاسبة والمصالحة الوطنية الشاملة مع تاريخهم وضمان عدم العودة للانتهاكات.

[1]   بيان مشترك جمعيات تونسية تطالب هيئة الحقيقة والكرامة بتخزين و إبقاء المعطيات الشخصية للمواطنين التونسيين داخل تراب الجمهورية   http://daamdth.org/archives/2354

[2]  مركز دعم، نداء لمجلس نواب الشعب ارساء  المحكمة الدستورية مطلب عاجل لانقاذ المسار الانتقالي الهيئات الدستورية، المكسب الثوري المعلق، http://daamdth.org/archives/2325

SHARE