ارساء  المحكمة الدستورية مطلب عاجل لانقاذ المسار الانتقالي

الهيئات الدستورية، المكسب الثوري المعلق

إرساء المحكمة الدستورية بات مطلبًا أوليًا وملحًا لدى المجتمع المدني والفاعلين والمنخرطين والمتابعين للشأن العام، لا فقط بإعتبارها مؤسسة دستورية نص عليها دستور جانفي 2014، بل  أيضاً بإعتبارها أضحت شرطًا جوهريًا لإنقاذ مسار الإنتقال الديمقراطي من الإنهيار بصفتها الهيكل المكلف بحراسة وصيانة النظام الديمقراطي ودولة القانون والمؤسسات.

الدرس الذي تمت قراءته في الماضي القريب من ضعف الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين، وبعد أن ختم رئيس الجمهورية القانون الأساسي المتعلّق بالمصالحة في المجال الإداري الذي أثار جدلًا اجتماعًيا وسياسيًا واسعًا وعارضته شريحة كبيرة، يبدو أنه لم يتم استيعابه بدرجة كافية.

إلى جانب أزمة قانون المصالحة، مثل القانون المنظم للهيئات الدستورية وتوتر علاقة الهيئات بوزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الانسان، مثالًا صارخًا للفراغ الذي خلفه غياب المحكمة الدستورية وهو ما يجعل من ارساءها مطلبًا ملحًا لا يحتمل التأجيل.

لعل من أبرز الأمثلة على خطورة هذا المطلب التي نعيشها حاليًا، هو ما تعرفه هيئة الحقيقة والكرامة اليوم من تجاذب وعدم إستقرار يعود إلى جملة من المعطيات. من جهة أولى يمثل عدم إلتزام الهيئة إزاء المسؤولية المناطة بعهدتها وفقًا للدستور ولقانون العدالة الإنتقالية، منها  عدم تقديم تقريرها الختامي الشامل الذي من المفترض بحسب منطوق الفصل 67 من قانون العدالة الانتقالية أن يكون شاملا منذ إنشاء الهيئة وحتى انتهاء مهامها بانتهاء المدة المحددة بأربع سنوات بموجب الفصل 18 من ذات القانون، وهو ما يمثل خللاً كبيرًا يدفعنا إلى التساؤل حول مدى شرعية ما تقوم به هذه المؤسسة، لا سيما وأن هذا التخاذل يعود بالأساس إلى سوء إدارة المشاكل والأزمات الداخلية.

أما على مستوى علاقتها ببقية مؤسسات الدولة، يبدو أن هيئة الحقيقة والكرامة تعيش أزمة حقيقية، وليس أدل على ذلك من تجاهلها وعدم التزامها بقرارات المحكمة الإدارية التي قبلت طعون عضوين من الهيئة في قرارات استبعادهما منها، ولعله من الوجاهة الإشارة إلى أن هذه المحكمة الإدارية التي رفضت هيئة الحقيقة والكرامة الانصياع لقراراتها سابقًا، هي ذاتها التي تطالب الهيئة اليوم بأن تكون المسؤول القانوني الوحيد على متابعتها والرقابة عليها.

على ضوء هذه الوضعية المعقدة، يجد مجلس نواب الشعب نفسه اليوم إزاء مسؤولية سد الشغورات الموجودة داخل  هيئة الحقيقة والكرامة حتى تستكمل على الأقل الحد الأدنى من المهام المناطة بعهدتها، وهو التقرير الختامي، خاصة و ان الدستور ينص في أحكامة الانتقالية على “التزام الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها”.

كما بدا غياب المحكمة الدستورية واضحًا غداة طرح مسألة التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة لمدة اضافية، لا سيما وأن الاشكال تعلق أساسًا بتأويل الفصل 18 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، والذي كان رأي المحكمة الدستورية لو وجدت، سيحل الأزمة المترتبة على هذه المسألة فيما يتعلق بالمأزق الذي يجد المجلس نفسه فيه اليوم وتداخل صلاحياته مع صلاحيات المحكمة الادارية خاصة وأن مجموعة من نواب كتلة آفاق تونس في مجلس نواب الشعب قامت بإيداع مطلب إيقاف تنفيذ لدى الرئيس الأول للمحكمة الإدارية مع عريضة في الأصل بدعوى تجاوز السلطة ضد قرار مجلس هيئة الحقيقة والكرامة الأحادي بالتمديد في مهام الهيئة لسنة إضافية دون الرجوع لمجلس النواب، فضلا عن غضب واحتجاج ممثلي الضحايا المعارضين أو المساندين لفكرة التمديد للهيئة.

وعليه يعتبر  مركز دعم  أن مسؤولية ما آل إليه مسار الإنتقال الديمقراطي في تونس، يقع في جانب كبير منه على عاتق الفراغ الذي خلفه غياب المحكمة الدستورية المنصوص عليها بدستور 2014.

من هنا، يعتبر مركز دعم أن مجلس نواب الشعب عليه مسؤولية هامة  لإنقاذ المسار الإنتقالي في البلاد، تتمثل في الإسراع بإرساء المحكمة الدستورية التي تمثل ضمانة أساسية للنظام الديمقراطي ودولة القانون والمؤسسات وهي الهيكل المنوط به قانونًا وضع حد لحالة الجدل القانوني مثل التي تعيشها هيئة الحقيقة والكرامة اليوم، خصوصاً في ظل تعدد القراءات القانونية والأراء الفقهية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال الوثوق بها بصفة تامة مع تطور حالة التجاذبات،

كما لا يفوت مركز دعم التعبير عن استياءه إزاء عدم كشف مجلس نواب الشعب، عند طرحه لمسألة التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة من عدمه، لبديل واضح للهيئة في حال كان قراره هو عدم التمديد لها، وهو ما يضع فرضية إجهاض مسار  العدالة الإنتقالبة بصفة جذرية ونهائية على رأس قائمة المخاوف،

كما يعبر مركز دعم عن تخوفه من تهديدات أخرى تحيق بمسار الإنتقال الديمقراطي وتتنزل في إطار التجاذبات السياسية التي أحاقت سابقا بهيئات دستورية أخرى و أثرت على عملها.

كما سيضع ارساء المحكمة الدستورية حدا لجملة من الاشكاليات التي خلفت أزمة حقيقية في البلاد على غرار مشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات المسلحة والمطالبة في المساواة في الارث بين الرجل والمرأة إلى جانب مراجعة القانون المتعلق بالهيئات الدستورية.

في الأخير، يشير مركز دعم إلى إيمانه المطلق والمبدئي، بأن مجلس نواب الشعب هو سيد نفسه وفسح المجال أمام المجتمع المدني لطرح تصوراته ومخاوفه ما هو إلا في صالح مسار الإنتقال الديمقراطي وتكريس لمبادئ الحرية ودولة القانون والمؤسسات.

SHARE