الملخص التنفيذي

تتوقف الدراسة التي يقدمها مركز دعم عند جدلية العلاقة القائمة بين الثورة كمعطى تاريخي متشعب الأبعاد وبين الدستور كمشروع وكمنتج جوهري في تاريخ البلدان التي عاشت التجربة الثورية، فهو في ذات الوقت وليد هذا المعطى التاريخي ومقياس لصداه.

وتعكف الدراسة الحالية على قراءة هذه الجدلية من خلال تجربة ثلاثة بلدان عاشت التجربة الثورية حديثاً وهي تونس ومصر وليبيا.

تتناول الدراسة بالتحليل كل تجربة على حدى باعتبار اختلاف الظروف والمعطيات من تجربة إلى أخرى، لكن الأجزاء الثلاثة تشترك في هيكلية موحدة تقوم على عنصرين أساسيين.

يتمثل العنصر الأول في تقديم الإطار الذي يحيط بجدلية الثورة والدستور في علاقتها بدعم المعطى الحقوقي وذلك سواء على المستوى الهيكلي من خلال التوقف عند الهيكل أو الهياكل  المؤسسة التي انبثق عنها النص الدستوري أو هي بصدد التأسيس له، أو على المستوى الزمني من خلال التوقف عند المعطيات التي أثرت في التجربة الدستورية سواء بصفة مباشرة بالنسبة للمعطيات التي زامنت التجربة أو أثرت فيها على المدى القريب أو بصفة غير مباشرة من خلال المعطيات التاريخية التي سبقت التجربة ولكنها أثرت فيها.

أما في المستوى الثاني فتم التركيز على نص الدستور في ذاته ودراسة معطياته ذات العلاقة بالحقوق والحريات بمختلف أجيالها في مقارنة بالنصوص الدستورية السابقة مع اعتماد المعايير الدولية لمنظومة حقوق الإنسان لقياس المدى الحقيقي للإضافة التي قدمها النص الجديد للمعطى الحقوقي وفي ذات الوقت مدى قدرة هذه الحقوق ذاتها على ضمان دور فعلي لهذا النص وإخراجه من قالب النص الشكلي الذي يكمل صورة “دولة القانون” التي نريد.

ليس الهدف من الدراسة المُقدمة تحديد أسباب قيام تلك الثورات، أو تقييم الفترة الانتقالية فيها، ولكن تَهدُف الدراسة إلى دراسة تأثير تلك الثورات على مشروع إنشاء الدساتير وما قدمته تلك الدساتير لصون واحترام حقوق الإنسان في البلدان الثلاثة (في مصر، تونس وليبيا)، وتُحاول الدراسة أن تُجيب على عدة أسئلة طُرحت بشأن تلك الدساتير:

1. هل الدساتير السابقة لثورات البلدان الثلاثة كانت سببًا رئيسيًا في السماح للسُلطة التنفيذية بانتهاك حقوق المواطنين؟ بمعنى آخر هل سمحت تلك الدساتير للسلطة التنفيذية بالتغول على حساب سلطتي التشريع والقضاء، مما حَرَمَ المواطن من حماية حقوقه المنتهكة؟ في غياب نصوص دستورية صريحة وحاسمة لحماية حقوق الإنسان في البلدان الثلاثة؟
2. هل لو افترضنا أن الدساتير لم تُقصِّر في حماية حقوق الإنسان، هل يعود السبب إلى أن السُلطة التشريعية في البلدان الثلاثة – إن وجدت – والتي لم تأتِ قبل ثوراتنا عبر انتخابات حرة – قط – قد خضعت لسيطرة، واستحواذ السُلطة التنفيذية والأجهزة الإدارية والأمنية؟
3. هل السُلطتين التنفيذية والإدارية في البلدان الثلاثة في غياب رقابة قضائية وتشريعية عليهما، وبفعل تغولهما، وطابعهما السلطوي هما السبب حيث كانت تُنتهك تلك الحقوق جميعها في مخالفة صريحة لنصوص الدساتير والتشريعات، وضاربة بتنفيذ الأحكام القضائية عرض الحائط؟
4. هل تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وميراث طويل من الاستبداد، ومنع المواطنين من ممارسة الحق في التنظيم سواء كجمعيات سلمية أو نقابات أو أحزاب سياسية، والشراكة في صنع واتخاذ القرار، فضلًا عن وجود جماعات دينية مُتشددة، سَمَحت بانتهاك حقوق الإنسان، وميَّزت بين المواطنين على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو الدين مع ما تضمنه ذلك من قبول بعض من المواطنين لذلك التمييز؟
5. هل المواطنين في البلدان الثلاثة أثناء ثورتهم على تلك الأنظمة المستبدة مع اختلاف ظُروفهم السياسية، وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، والتي كانت شعاراتها مُوحدة لتحقيق الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، والتي بالتأكيد يختلف مفهومها بين التيارات السياسية والثقافية والمواطنين، نتيجة اختلاف توجهاتهم، هل كان من بين طلبات المواطنين وشعاراتهم المطالبة بالتغيير، المُطالبة بتغيير الدساتير القائمة، أو إنشاء دساتير تَحمي حالة حقوق الإنسان، أو على الأقل هل كان هناك إجماع أو توافق بين التيارات السياسية على ضرورة تغيير الدساتير؟
6. كيف تشكلت الجمعيات التأسيسية للدساتير في البلدان الثلاثة، وهل تشكيلها أثَّر على نصوص الدساتير المختلفة المتعلقة بصيانة حقوق الإنسان؟
7. هل الخلاف على الدساتير ومشروعاتها أثَّر على حالة التوافق في البلدان الثلاثة وعلي نجاح فتراتها الانتقالية؟

كما اعتمدت الدراسة في محاولتها لتقييم المسارات التي صُنعت فيها دساتير البلدان الثلاثة (تونس، مصر وليبيا) وأثر ذلك على المواد المنظمة لحماية حقوق الإنسان علي (رؤية الباحثين، جلسات استماع مع صانعي الدساتير من أعضاء الجمعيات التأسيسية، أو قوى اجتماعية وسياسية حاضرة في المشهد، وعلي ورشة عمل عُقدت في تونس في يوليو 2017 لعرض مسودة الدراسة على الحقوقيين، وسياسيين، ونقابيين في البلدان الثلاثة)، ومع تقدير المشاركين كافة واعترافهم أن سمة تمايز واختلاف وتنوع في مكونات البلدان الثلاثة، والظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتجارب الدول الثلاث من حيث أسباب اندلاع الانتفاضات الجماهيرية، أو المسار السياسي في الفترات الانتقالية، أو حتى في اكتمال وتقييم تجارب التحول الديمقراطي فيها إلا أن عدة استنتاجات وتوصيات حاولت الدراسة الوصول إليها، البعض منها مشترك والآخر يخصُ كل بلد من البلدان الثلاثة.

الاستنتاجات

أولاً: إن عقودًا طويلة من الاستبداد عطلت انتقالًا ديمقراطيًا حقيقيًا من أنظمة سُلطوية مُستبدة إلى أنظمة ديمقراطية تعددية جاءت نتيجة حرمان مواطني البلاد الثلاثة عبر سنوات طويلة من تنظيم أنفسهم في جمعيات سلمية حرة ومستقلة، تُمكِّن المواطنين من المشاركة في إدارة الشئون العامة للبلاد، حيث انفردت سلطات البلدان الثلاثة بعد موجة تجربة الاستقلال الوطني في كل منهم من الحكم، وحُرمت القوى السياسية والاجتماعية من تنظيم أنفسها، وتداول السُلطة سلميًا عبر انتخابات حرة ونزيهة، بل وتدخلت الأجهزة الإدارية والأمنية للسلطة التنفيذية في جميع الشئون العامة للبلاد، وهو ما أدى إلى انسداد جميع السبل السِلمية للتغيير، ونشأ عنه إما تنظيم سياسي واحد تابع للسلطة التنفيذية، أو جماعات دينية متشددة ترغب في التغيير عبر استخدام القوة، وهو ما أدى إلى ضعف التيارات السياسية والاجتماعية السلمية، ولم تتمكن من لعب دور رئيسي في عملية التحول الديمقراطي بعد الانتفاضات الجماهيرية، وجعلها في حاجة إلى فترات طويلة للتكوين والإنشاء والتدريب والتواصل مع المواطنين، وطرح بديل عقلاني وسلمي، وهو ما أثَّر بالتأكيد على عملية التحول الديمقراطي، ومنها صناعة الدساتير.

ثانيًا: عدة أخطا تم ارتكابها في الفترات الانتقالية للبلدان الثلاثة مع احتفاظ كل منهم بخصوصيته، أدت إلى استمرار مكونات من الأنظمة المشاركة في اتخاذ القرار قبل الانتفاضات الجماهيرية، في التحكم في الفترات الانتقالية مع عدم استيعاب القوى الديمقراطية لطبيعة الفترة الانتقالية، وطرح بعضها أفكار وتجارب لا تناسب طبيعة الانتقال في البلدان الثلاثة، وأسرفت في استخدام الأدوات الاحتجاجية، ولم تتمكن من استغلال عملية التحول الديمقراطي لطرح حلول عقلانية تناسب عملية تطور المجتمعات، وتناسب طبيعة الانتقال الديمقراطي فيها، وتصل لحلول تستطيع معها الوصول لدستور مدني ضامن للحريات عليه حد أدنى من التوافق المجتمعي.

ثالثًا: انقسمت القوى السياسية في البلدان الثلاثة إلى تيارين (مدني أو علماني) و(ديني أو إسلامي)، وهو تقسيم خاطئ، وخطير، فبالتأكيد هناك ثَمَّة اختلاف وتنوع في كل فصيل، فقد كان من الممكن أن يكون هناك تقسيم مُختلف يجمع أطراف تؤمن إيمانًا حقيقيًا بأهمية التوافق، والحلول الوسط، والحوار الذي يؤدي إلى انتقال ديمقراطي سلس يُجنب الدساتير أن تكون محلًا لصراع سياسي انتخابي، وكان من الممكن أن يكون مجاله في انتخابات رئاسية، أو تشريعية تبعد عن صياغة مرحلة الانتقال الديمقراطي، أو تكوين الجمعيات التأسيسية، أو المُنتجة للدساتير، أو مواد الدساتير نفسها المتعلقة بحماية حقوق الإنسان، أو أنظمة الحكم.

رابعًا: لم تتمكن مكونات البلدان الثلاثة الاجتماعية والساسية من إبداء أرائها في صناعة الدساتير، وصياغتها، واختيار الجمعيات المكونة لها، حيث تم ربط نجاح أو فشل الانتقال الديمقراطي، والوصول إلى حالة من الاستقرار الاجتماعي إلى سرعة إنهاء العمل بالدساتير، ومحاولة كل طرف إما إجبار الطرف الآخر على قبول مشروعه للدستور، أو التوافق على مشروعات دساتير لا تناسب طموحات وأحلام المواطنين في بناء مجتمع ديمقراطي تعددي ودستور يصون حقوق الكافة.

خامسًا: كان يجب أن تُطرح مشروعات دساتير انتقالية لمدة تتراوح بين خمس وعشر سنوات حسب ظروف كل من البلدان الثلاثة، تتعلق بأحكام انتقالية لإدارة الشئون العامة للبلاد، وتحقيق عملية المصالحة الوطنية، وعدالة وانتقالية ناجزة، وهو شرط وإن فات أجله في كلٍ من تونس ومصر فيمكن تحقيقة في ليبيا.

سادسًا: إن عقودًا طويلة مرت على البلدان الثلاثة، ومع اختلاف الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، إلا أن غياب الحكم الرشيد والمحاسبة لأنظمة سلطوية أنتج شبكات من الفساد وأهدر موارد البلدان الثلاثة الاقتصادية، وأدى إلى إفقار وتهميش طبقات اجتماعية، وخَلَقَ تمييزًا طبقيًا ودينيًا وفئويًا وجنسيًا، أدى إلى تهميش اقتصادي وثقافي، وإفقار تم استغلاله من قبل، أما السلطات المستبدة أو الجماعات المتشددة ترى في التهميش والإقصاء نجاحًا لمشروعها، فلا يُمكن الحديث عن نجاح لانتقال ديمقراطى إلا بتدخل تشريعي وتتفيذي، وبحماية دستورية لرفع الظلم والتهميش، وإعادة توازن اقتصادي واجتماعي يجعل عددًا من الأمور التعليمية والصحية والثقافية، ومقاومة الثقافة الذكورية أو اتجاهات دينية متشددة ممكنًا.

“يمكنكم أدناه قراءة و تحميل الدراسة بعنوان “الدستور وحُقوق الإنسان في بِلدان الثورات العَربية (تونس، مصر وليبيا) نموذجًا

SHARE