مقدمة
الصراع بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية ليس جديدًا على الساحات المصرية فقد تكرر صدام السلطات في عهدي الرئيسين الراحلين عبد الناصر والسادات، حيث سعت السلطة التنفيذية في عهدهما لأسلوب السيطرة المباشرة والالتفاف على الهيئات القضائية، وتقريب قضاة منها وتعيينهم في مناصب تنفيذية.
ووقعت مواجهة سابقة بين السلطة التنفيذية في عهد عبد الناصر و”مجلس الدولة”، الذي كان يرأسه المستشار عبد الرازق السنهوري حينئذ، والذي هو نفسه موضوع الأزمة الحالية مع السلطتين التشريعية والتنفيذية حاليًا.

ففي عام 1955، صدرت حزمة قوانين، أعادت تشكيل مجلس الدولة وأسقطت حصانة أعضائه، كما قامت السلطة التنفيذية بإدخال تعديلات على صلاحيات النيابة العامة، لتجمع بين سلطتي الاتهام والتحقيق، بعد فصلهما عام 1951، وأصبحت تتبع النائب العام الذي يتبع عمليًا وزارة العدل.
وعقب هزيمة عام 1967،

عبر دمجهم في الاتحاد الاشتراكي، وابتداع ما يسمى بالقضاء الشعبي بما يسمح بإشراك غير القضاة في أعمال القضاء، وأصدر نادي القضاة بيانًا أوضح فيه رفضه محاولات السلطة التنفيذية السيطرة على القضاء.”]ورد عبد الناصر في أغسطس 1969، بما سمي “مذبحة القضاة”،

منهم رئيس محكمة النقض، ونائب رئيس مجلس الدولة، وتشكل “المجلس اﻷعلى للهيئات القضائية”، (مجلس القضاء اﻷعلى اﻵن)، برئاسة عبد الناصر شخصيًا.

وعندما تولى الرئيس الراحل أنور السادات، حاول مصالحة القضاة، فأعاد القضاة المفصولين لمناصبهم، كما صدر قانوني السلطة القضائية ومجلس الدولة عام 1972، ولكن أبقت هذه القوانين على هيمنة وزارة العدل على الهيئات القضائية، واستمر العمل بهذه القوانين مع إدخال بعض التعديلات عليها حتى الآن.
واثيرت مناقشات عديدة خلال حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، بشأن تقليص ولاية بعض الهيئات القضائية، ولكن مبارك لم يقدم على أي تعديل يغضب القضاة، في ظل انتفاضة مستمرة في نادي القضاة ضد أي تحركات للسلطة التنفيذية لتقييد عمل القضاة، وكانت بداية جولات الصراع مع السلطة القضائية عندما تقدم المستشار عبدالغفار محمد،

، عقب نشر تسجيل صوتي له يثبت تعرض المتهمين في قضية الجهاد الكبرى إلى التعذيب من قبل مباحث أمن الدولة ويأمر بإعادة التحقيقات، وفي عام 1986 عقد القضاة “مؤتمر العدالة الأول”، الذي تقدموا فيه بعدد من المطالب لتحرير السلطة القضائية مِن الهيمنة الإدارية والمالية للسلطة التنفيذية، وكان في مقدمة هذه المطالب نقل تبعية التفتيش القضائي وصندوق الرعاية الصحية من وزارة العدل إلى مجلس القضاء الأعلى، وتخصيص موازنة مالية منفصلة للقضاة وكان والأمر الأبرز في هذا المؤتمر هو مهاجمة شيخ القضاة المستشار يحيى الرفاعي، رئيس نادي القضاة في مصر، لمبارك في حضوره بشدة؛ بسبب تمديده قانون الطوارئ لثلاث سنوات أخرى ومطالبته باستخدام سلطاته لإلغائه، وكان الرفاعي قد خاض صراعات من قبل مع كل من الرئيسين عبد الناصر والسادات ويعود له تأسيس”تيار استقلال القضاة”.

و

2005 إذا لم تتبن الدولة إصلاحات جوهرية تضمن استقلال القضاء وتعديل قانون السلطة القضائية بما يضمن هذا الاستقلال، وأعلن نادي القضاة حينئذ رفضه لمشروع قانون جديد للسلطة القضائية أعدته الحكومة دون إشراك القضاة.

كما عاد الصراع مرة أخرى في 2006 حين أعلن القضاة عن مخالفات واسعة فى انتخابات عام 2005 لصالح مرشحى الحزب الوطنى، ولعب غالبية القوى السياسية دورًا كبيرًا فى دعم مطالب القضاة فى استقلال سلطتهم ورفض قانون السلطة القضائية المقدم من الحكومة والذى أقرته أغلبية الحزب الوطني فى مجلس الشعب، والذي يزيد الإشراف الإداري من وزارة العدل على القضاة في مقابل تقليص اختصاصات المجلس الأعلى للقضاة، ووصفه نادي القضاة الذي كان تيار الاستقلال القضائي يتصدر المشهد فيه في ذلك الوقت بأنه خطوة خطيرة تهدد مستقبل القضاء وحريته وتزيد من تغول السلطة التنفيذية على شؤونه، وكان التعامل الأمني مع المظاهرات التى خرجت مؤيدة للقضاة عنيفًا للغاية، حيث جرى الاعتداء على المتظاهرين بالضرب والسحل واعتقال ما يزيد على الألفين.

وتمسك القضاة مدعومين من القوى السياسية بمطالبهم فى إصدار قانون استقلالِ السلطةِ القضائية الذى أعده النادى، وحتى يتمكنَوا من الإشرافِ الكاملِ والحقيقى على الانتخاباتِ العامةِ، وقد تعرض عددٌ من هؤلاء القضاة أثناء قيامهم بدورِهم إلى كثيرٍ من العَنَت والإهانةِ والعدوانِ على يدِ أجهزةِ الأمنِ، ثم اندفعت السلطةُ التنفيذيةُ إلى منزلقِ تحويلِ بعضِ المستشارين وبينهم المستشارين هشام البسطويسى ومحمود مكي إلى التحقيقِ أمام نيابةِ أمنِ الدولة العليا، ثم بعد ذلك إلى لجنةِ الصلاحيةِ، وهو أمرٌ رفضه القضاة واندلعت ضده احتجاجات تضامنية واسعة.

وقد اشتعل صدام السلطة التنفيذية مع السلطة القضائية بعد 25، يناير 2011، وأصبح واضحًا أن تلك الحماية للسلطة القضائية لم تمنع كلًا من السلطتين التنفيذية والتشريعية في الدخول في العديد من المعارك معها بسبب أحكامها التي تعارضت مع أغراضهم السياسية، والتي وصلت للهجوم على السلطة القضائية عدة مرات سواء عن طريق محاولة سن تشريعات مقيده لها، أو مخالفة الأحكام الصادرة من محاكم مختلفة أو حتى محاصرة المحاكم في بعض الوقائع.

وعلي الرغم من الهجوم المجتمعي في كثير من الأحيان على القضاء المصري خاصة القضاء الجنائي وقضاء الأمور المستعجلة والذي كثيرًا ما ينحاز إلى صف سياسات السلطة الحاكمة خاصة بعد 30 يونيو، وتكوين دوائر جنايات الإرهاب التي كانت مطرقة شديدة القوة في يد السلطة التنفيذية

في ضرب المعارضة وأحكام القضاء المستعجل التي خالفت القانون في مواضع عدة بانحياز للسلطة التنفيذية في قراراتها، إلا أن ذلك لم يمنع السلطة التنفيذية في خوض العديد من المعارك للمزيد من السيطرة على السلطة القضائية.

وفي استعراضنا لمدى التهديد الواقع على السلطة القضائية في مصر نستعرض واقعتين كبيرتين:
1.الهجوم على المحكمة الدستورية العليا بعد حكمها بحل مجلس الشعب في 2012.
2.الهجوم على مجلس الدولة ومنظومة القضاء الإداري بعد أحكامها التي أقرت بإبطال اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع المملكة
العربية السعودية وما يترتب عليه من الحكم بمصرية الجزيرتين تيران وصنافير في 2016.

“يمكنكم أدناه قراءة و تحميل الورقة “استقلال القضاء في مصر .. تاريخ لا ينتهي من الصدام مع السلطة التنفيذية

 

SHARE